الصفحة الرئيسية

د. بهجت سليمان: هل حَرْبُ "الإمامة" و "الخلافة" حربٌ "شرعيّة"؟.. و هل هذه الحرب هي حربُنا فعلاً..؟!

[الحلقة السابعة والخمسون "57" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"] عن:د. بهجت سليمان9

{هل حَرْبُ "الإمامة" و "الخلافة" حربٌ "شرعيّة"؟.. و هل هذه الحرب هي حربُنا فعلاً..؟!}

كتب د. بهجت سليمان

من الإشكاليّ أو غير المفهوم تماماً كيف تحتكرُ الكلمات و المصطلحات، في التاريخ الأنثروبولوجي، و تستولي على مضامينها التي تدّعيها لوحدها، مع أنّ المفاهيم لا تقبل الجمود..
و ينطبق الأمر بخاصّة على أكثر المصطلحات إشكاليّة و "شحماً" أيديولوجيّاً دينيّاً، و انتفاخاً، مثل مصطلحيّ "الإمامة" و "الخلافة".

و لقد ساهم الفقه الاصطلاحي كما الفقه الشّرعيّ المؤسّسسيّ، في تاريخ الثقافة الإسلامية، في صياغةِ احتكارٍ آخرَ للكلمات، كانت نتيجته أنْ خرج "النصّ" من "ذاته" و أدّى انحرافاته السياسيّة المعمول عليها و صار سلاحاً جارحاً في و جه "الآخر" الاعتقاديّ.

ظهرت مبكّراً في تاريخ الإسلام تلك الشّعوذات الكلامية و صارت فيما بعد أعرافاً متناقلة، إلى أن اصطحبتها ثقافة التّبدّد التي تهدّد كلّ أمة، و جعلت منها معطيات لحرب تكفيريّة تاريخيّة جعلت من "السياسيّ" مقدّساً، و من الدنيويّ دينيّاً، و من الكفر إيماناً!.. و نجد هنا أنّه صار للكلمات نفسها بعدٌ اعتقاديٌّ و أيديولوجيٌّ مبكّر.

وضع غياب محمّد رسول الله، المسلمين، في حرجٍ تاريخيّ مفاجئ، جعل من "الاجتهاد" السّياسيّ حُجّةً في الدّين مع تجاوز حدّيّة الاعتقاد و ربّما الإيمان، إذْ رأى "المسلمون" يومها أنفسهم أنّهم على صواب.
هذا و لا يمكن لقراءةٍ أخرى للتاريخ أن تكون بديلاً من هذه الرّواية، التي تذهبُ إلى أنّ إدراك نشوئيّة الثقافة (كلّ ثقافة!) لا يمكن أن يكون بمعزل عن بعدها السياسيّ.

و يتفق جميع الباحثين و المشتغلين في حقل الأدب السياسيّ الإسلاميّ، على أنّ مسألة "الخلافة" و "الإمامة" عند الطوائف السياسيّة الإسلامية المنقسمة عليها، هي من "الإشكاليّات" الخلافية على أقلّ تقدير، إن لم تكن ترتقي - و هي ترتقي - إلى مستوى الخلاف الذي تعزّز بدايةٍ على يد مقدّسي "النصوص" الدينيّة التاريخية - و هذا انحراف آخرُ للنّصّوص - التي كُتبتْ هي في الأصل كتابة "أيديولوجيّة".

و يقول أكثر الآراء وعياً أنّ كلا "الخلافة" و "الإمامة" نظامان سياسيّان دنيويّان، لا يمتُّان إلى "أصول الدين" بعلاقة منهجيّة، و من الواقعيّ بالتالي النّظر إليهما على أنّهما ليسا محلّ "التّقديس" المنسوب إليهما في أيديولوجيا الخلاف.. و هذا على الأقلّ ما يقال في مختلف المزاعم السياسية في قضايا تُنسب إلى مصادر الإيمان!

و من أصحاب هذه الآراء الفكريّة الحصيفة، في نقد "الدّنيويّ"، مَنْ كان مبكّراُ في جرأته الفكريّة مثل (الشيخ علي عبد الرّازق) في كتابه "الإسلام و أصول الحكم" الصّادر عام (1925م) في القاهرة، و غيره من المحدّثين مثل (محمود اسماعيل) في كتابه "الخلافة الإسلامية بين الفكر و التاريخ" الصّادر في القاهرة أيضاَ عام (2006م).

لقد أظهر "الإسلام"، و عانى من، ضعف الرّابطة القوميّة العربيّة، و ذلك باستيلائه الأيديولوجي على الانتماء العاطفي استيلاءً شعبياً جارفاً، بحيث صارت الشعوب الإسلاميّة، بمختلف مللها، مثالاً للنّحلة العصبيّة القبلية التي ظهرت مبكّراً في تاريخ الدّعوة.
و لا يُقبل اليوم في الأخلاق البحثيّة ما يُحاول البعض حشر أسبابه في الحاضر السياسيّ، من تأويلات عنصريّة و عرقيّة غاشمة تحاول أن تأخذ، بالنّفاق، مظهر "القوميّ"، لتحريض بقايا الاتّزان الاجتماعيّ و السياسيّ الذي يفقد حضوره في الفكر و الممارسة السياسية ، في إطار الانتماء القوميّ - الدينيّ المنقسم.

كانت مسألة "الخلافة" هي أوّل ما أحدث ذلك التّغاير السياسيّ، الذي سعى اجتماعياً ليستقرّ في المفاهيم الأولى و المصطلحات..
كان ذلك نتيجة الانفراد الأوّل بالحاكميّة السياسيّة لتُبنى على أحد مظاهر القبيلة العربيّة في الإقصاء السياسيّ، المتمثّل بالإستيلاء السياسي علي السلطة، و ذلك بالقفز فوق مبدأ التّوافق و الاختيار المعلّل (أو الشّورى)، حيث بايع (عمرُ بن الخطاب)، (أبا بكرٍ الصديق) للخلافة في جلسة " لسّقيفة" انطلاقاً من الغلبة القبليّة، لتظهر "الشّورى السياسيّة" في غلبة سياسيّة مستقبليّة منذ خلافة (عمر).

اشترط مبكّراً (علي عبد الرّازق) مقدمة "الإصلاح السيّاسيّ" في الحكم كمقدّمة للإصلاح الدينيّ..
و يبدو أنّ الأمر لم يثر فقط اعتراض المشايخ في ذلك الحين، بل أثار أيضا حفيظة "الشّيخ! يوسف القرضاوي" مبكّراً ليتّهم (علي عبد الرّازق) بأنه على.. "علمٍ علمانيّ دخيل ينادي بفصل الدين عن الدولة"

[انظر علي عبد الرّازق - الإسلام و أصول الحكم - تقديم د. حيدر ابراهيم- تعقيب السّيّد محمد الطّاهر بن عاشور، مفتي المالكية بالديار التونسية (1925م)- الناشر وزارة الثقافة و الفنون و التّراث- دولة قطر- ص 14].

يتعلّق الأمر، إذاً، بنظام الحكم السياسيّ و شكل نظام الحكم في الإسلام..
و لقد رآها (علي عبد الرّازق) في كتابه منذ مئة سنة تقريبا ["الإسلام و أصول الحكم"] أنّها ليست من المسلمات أو الضّروريّات: "فالرّسالة النّبويّة روحيّة بحتة".
و كان طبيعياً أن يتناول جوهرها ( أشكال النّظم السياسيّة ) و هو موضوع " الخلافة " الذي يوضّح عليه أنّه ليس هناك نصٌّ ، لا في " القرآن " و لا في " الحديث " على ضرورة و إلزاميّة " الوضعيّةالسّياسيّة " ، أو " الشّرعيّة " للخلافة - إذا صحّ القول - التي يجب أن ننظر إليها ، هكذا.. ، مشروطة بالنصّ.

عندما شكّل سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة صدمةً عاطفية لكثيرٍ من المسلمين ، لم يكن ذلك لقدسية الغائب و الغياب ، بقدر ما كان بسبب " التّراكم الثقافيّ " لآليّات التّحكّم و التّدجين ، في ظلّ الإمبراطورية العثمانية التي حكمت المسلمين و غير المسلمين بوجه برّانيّ للخلافة ، بينما هي تحكم بكلّ نزعات العرقيّة السياسيّة و العنف.

و كان من الطبيعيّ أن تظهر أخيراً بجلاء " ثقافة " نقد " الخلافة " ..
مع إلغاء ( أتاتورك ) لنظام " الخلافة " عام ( 1924م ) ، كان من الطّبيعيّ أن يتحوّل الاهتمام " الإسلاميّ " إلى " المناظرات " و " التّنظيرات " الأيديولوجيّة و السياسيّة على " الخلافة " كمفهوم و أصول ، نظراً لما تتّصل به يومياً من الأسباب السياسيّة نفسها ، التي تفسّر في التاريخ خطاب الأيديولوجيا بالذّات.

و لقد صار من الثابت اليومَ أن ما سُمّي بـ" السّلفيين " الذين يرون أن " الخلافة " تدخل في " صميم الإسلام " أو " العقيدة ".. و لا بدّ من إحيائها من جديد ، كانت لهم مرجعيّة مباشرة في " فكر " ( إبن تيميّة ) و ( أبو الأعلى المودودي ، الهندي - الباكستانيّ ذو الأصول من شبه الجزيرة العربيّة ) صاحب فكرة " الجامعة الإسلاميّة " و " الحكومة الإسلاميّة " ، و منظّر مفهوم " الحاكميّة الإلهيّة " التي تسوغ الضرورات العَقَدِيّةَ لـ" الخلافة "..
و هو نفسه ( المودوديّ ) أوّل و أشهر من قام بتكفير جميع الأسس الاجتماعيّة و السياسيّة للأنظمة السائدة في " العالم الإسلاميّ " ، كما اعتبر جميع " الشّرائع " القائمة شرائعَ " جاهليّة ".

و لايخفى على القارئ كميّة "العنف" الإرهابيّ الذي يتضمّنه خطاب (المودوديّ) و (ابن تيميّة)، و ذلك بناءً على النّصوص الصريحة الصادرة عن هذه المرجعيّات؛ و يكاد لا يخلو مؤلّف لـ(ابن تيميّة) من دعوته إلى "تكفير" جميع الفرق و الطّوائف و المذاهب الإسلاميّة غير "السّنيّة"، ما اعتنقه فيما بعد (محمد بن عبد الوهّاب) في التأسيس للتّكفير الدّينيّ - السياسيّ المعاصر الذي تحترب عليه (كرافدٍ قريبٍ للعنف) الشّعوب اليوم و الأفراد.

[انظر: كتاب "الخلافة الإسلاميّة"].

" إنّ كلّ "نظام" في "دار الإسلام" لا يقوم على أساس "الحاكميّة الإلهيّة" هو "حكم للطّاغوت"(المودوديّ).. و لأن الحاكم "خليفة الله في الأرض" كان الخضوع إليه مُلزِماً كواجب شرعيّ، و هو فقط ما يُحقّق "نظام الاستخلاف" أو "الخلافة"!
و نلاحظ أن التّطبيق العمليّ ، المشفوع بالدّعم النّظريّ، للخلافة، لم يكن كما تسوقه الثقافة التّسويغيّة الإسلاميّة بأنه ليس خلافة للرسول في المسلمين، و إنّما هو فكرة و عملاً ، استخلاف إلهيّ، أي أن "الخليفةة" هو خليفة الله في الأرض و ليس خليفة النّبيّ محمّد في المسلمين.. و لأن الخليفة مكلّف بعمران الكون، بحسب رأي (المودوديّ)، يكون هو الخليفة لله في أرضه و الشّعوب..

على رغم أنّ (المودودي) "حافظ " على مبدأ "الشّورى" كما جاء في التاريخ، كتقيّة شكليّة لإنفاذ "الأمر الإلهيّ" المزعوم!
لا يجوز طبعاً مواجهة أفكار (إبن تيميّة) أو (المودودي) أو (محمد بن عبد الوهّاب)، مواجهة نقديّة أو معرفيّة أو ما قاربها، إذْ في ذلك اعترافٌ بأنّ ثمّة ما يمكن أن تتعامل معه، هناك، تعاملاً فكرياً أو منهجيّاً..
في الوقت الذي لا تعدو فيه أفكار هؤلاء، أن تكون أكثر من خطاب أيديولوجيّ لا يمكن له إلّا أن يعتاشَ على "عدوّ" مفترض.

و من الطّبيعيّ في الأيديولوجيا أن يكون العدوّ المشخّص جاهزاً دوماً، و قد كان هنا في هذا المعرض كلّ من هو ليس "أشعريّاً" على مستوى التدّيّن الداخليّ الخاص في أهل "الجماعة"؛ بينما كان، على "الصّعيد الخارجيّ" للعداء و المواجهة، أيّا من يكون من غير "أهل السّنّة" من "القُدْرِيَّة" و "الصّفاتيّة" (حسب التقسيم العريض للشهرستانيّ) [في الحقيقة هنا يمكن لنا ببعضِ التّدقيق أن نضمّ " الخوارج " أيضاً إلى أعداء "الشّيعة"، فيدخلون من حيث المواجهة التاريخيّة في عداد "أهل الملّة" الرّسميّة..]، ليكون في المواجهة الاستعدائيّة السياسيّة مع مّن سمّي بـ"الرّوافض" (أو الشّيعة) [فأهل " السّنّة " يدخل فيهم "المعتزلة" أيضاً، و فق (ابن عثيمين)، السّلفيّ المعاصر المعروف].

و الملاحظ تاريخيّاً أن دائرة العداء و الاستعداء كانت في اتّساع و توسّع دائمين ، من حيث التّخصّصيّة المركزيّة النّظريّةالمنظّمة ، حتى صارت اليومَ " دولةٌ " - مزعومة - بكاملها تتأسس نظرياً على تطبيق أفكار أولئك " السّلفيين " ، بحذافيرها ، في ما عرف مؤخّراً بـ"دولة الخلافة في العراق و الشّام" (داعش).

صار من المعروف، بدون شرح مطوّل، ما تقوم عليه "دولة الخلافة" المعاصرة.. المفترضة (داعش)، من أيديولوجيا تشريعيّة إرهابيّة لا تعصمُ أحداً سواها من "الآخرين".

و في مقابل ذلك كان "ردّ الفعل" السياسيّ المُرَفّعُ إلى درجة العداء و الاستعداء الدّينيين، المنظّمين، في ما سمّي بنظام "الإمامة" عند "الشّيعة"!

تُعَدُّ "الإمامة" عند الشيعة أصلاً من أصول الدين.. و هذه "التأصيليّة" هي ما يميزها عن أهل "السنة".. ولأجل تبني "الشيعة" قضية "الإمامة" نُعِتُوا بالشيعة الإمامية، أي الذين يعتقدون في "إثني عشر" إماماً، بعد الرسول محمد.
يعتمد "الشيعة" في تبنّي قضية "الإمامة" على عقيدة تستند في ذلك إلى " حجج شرعية " تتمثل في "ةنصوص قرآنية" و "نبوية" بالإضافة إلى "حجج عقلية".
و هذه النصوص القرآنية والنبوية يعمل بها أهل "السنة" أيضا، لكنهم لا "يفهمون" [وفق ما يقول "الشّيعة"] منها ذلك الفهم الذي تفهمه "الشيعة".

فالخلاف أو الاختلاف ، إذاً، يقومان أوّلاً على طبيعة الفهوم الإنسانيّة و مُلهماتها من الظّروف "التاريخيّة" المعقّدة.
و من الثّابت أنّ جوهر الخلاف بين "الشيعة" و "السنة" حول "الإمامة" و "الخلافة"، إنما يكمن في موقف كل من الطرفين من "آل البيت".
فموقف"السنة" من آل البيت هو موقف "عائم"، فهم يعرفونهم بأنهم أزواج النبي و آل علي و آل عقيل و آل جعفر و آل عباس..

أما موقف "الشيعة" فهو موقف محدّد يحصرهم في ذرية (عليّ)، و لديهم من "النصوص" ما يدعم هذا الموقف.
و بالطبع فإن مثل هذا الموقف " الثقافيّ " الصّادر عن " السنة " لا تبنى عليه فكرة "الإمامة"، خاصة أنهم لا يجعلون لآل البيت أي خصوصية تميزهم عن بقية المسلمين.
أما حصر آل البيت في ذرية (عليّ) وإيجاد خصوصية لهم بحكم النصوص، فيفرض وجوب "الإمامة" عليهم، و هو ما تقول به "الشيعة".. فالله أعدل من أن يترك الأرض بدون إمام عادل!

من الواضح، إذاً، أنّ اختلافاً و خلافاً دينيّين فقهيّين و شرعيّين و سياسيّين ، هو ما "يجمع" المسلمين في "الدّين الواحد"... إذا قبلنا أنّ مفهوميّ "الخلافة" و "الإمامة" قد خلقا مرجعيّتين إسلاميّتين تاريخيّتين لا يمكن حسم التّرجيح "الثقافيّ" بينهما، لا في الدّين و لا في السّياسة، نظراً لتعدّديّتهما في الامتداد و التأثير في المجتمعات الإسلاميّة.

و مفهوم " الإمامة " مفهوم واسع يتبع اتّساع مفهوم "الشّيعة"، و هو ليس مفهوماً واحداً عند جميع مَنْ يُصنّفون كـ"رافضة" أو "شيعة" وفق أشهر الأسماء و الصّفات.

يأتي مفهوم "الولاية" (أو ولاية الفقيه) كتشريح قَطّاعيّ للسّلطة الإسلاميّة في إطار نظام "الإمامة".
و على رغم ما يبدو على "المصطلح" من أنّه يُشيرُ إلى وجه "دينيّ"، من حيثُ مفهوم "الوَلايَةِ" الآمر بالخضوع، و مفهوم "الفقيه" الذي يخترق الطّبع اليوميّ للحياة الدّينيّة بتعلله الضّمنيّ بالمعرفة "الخاصّة" التي تحمل بعداً "ميتافيزيقيّاً"..
إلّا أنّه لا ينقصُهُ أبداً سهولة التّفاهم الذي يُتيحه "المصطلح"، للوصول المباشر إلى دلالته "السياسيّة".

و هكذا نجدُ أن التّطبيق العمليّ للتمايز التاريخي لمفهوم "الحاكمية" يظهر ببساطة في قيام "وَلاية الفقيه" عند الشّيعة الإماميّة، بدورٍ مشابهٍ أو مكافئ لمفهوم "الخلافة" عند "السّنّة".

هكذا هو التّمايز الثقافيّ الذي يسير متبدلاً مع الظّروف و الحاجات المتعدّدة ، لإنجاز فضائه الأيديولوجيّ المركّب.
ففي مفهوم "ولاية الفقيه" في ممارسة "الإمامة" - كما هو الأمر في مفهوم "الخلافة" في ممارسة "الحاكميّة" -، يعود الأمر إلى مدلول سياسيّ أولاً و أخيراً.

فالوليّ الفقيه بـ"تفويضٍ لكلّ أمر إلى أهله من الأشخاص أو المؤسّسات مع رعاية القوة و التّخصّص و الأمانةفيهم، و يكون هو مشرفاً عليهم و هادياً لهم".

[دراسات في ولاية الفقيه و فقه الدّولة الإسلاميّة - آية الله العظمى المنتظرية- الجزء الأول - الدّار الإسلاميّة للطباعة و النّشر و التّوزيع - الطّبعة الثانية- 1988م].

و من الواضح أنّ "الدّور" العمليّ للوليّ الفقيه هو ممارسة الإشراف على شؤون "الدّولة الإسلاميّة" إشرافاً سياسيّاً، لما فيه الالتزام بمقاصد "الشّرع".

على كلّ حال فنحن لا يمكننا تقويم البعد الأخلاقيّ للممارسة الدينيّة إلّا في المنظور الاجتماعيّ و السّياسيّ، و هذا على فرضِ أن لكلّ من "الخلافة" و "الإمامة" (و منها "الولاية") بعداً أو أهدافاً "أيديولوجيّة" توحي بالتّطهّريّة (أو كما يُصطلح عليها بالبيوريتانيّة).
إنّ الأحكام على "النّوايا" هي أحكامٌ تعسّفيّة و عنفيّة، بغضّ النّظر عن طبيعة و مضمون النّوايا.. و هذا يُعيدنا، إذاً، إلى حقول السياسة و الممارسة اليومية و الاجتماع.

كما نلاحظ، في "القراءة السّياسية"، نحن مدفوعون بحكم الإدراك، إلى أن نتلقّف "الخطاب" الإسلاميّ المعاصرّ في المنطقة المفهوميّة، التي نستطيع فيها الارتكاز إلى أرض..
و تدخل قضيّة الوجود العولميّ المضارع في صلب خياراتنا التاريخيّة التي لا يدفعنا إليها إلّا "الإيمان"..
الإيمان بالأوطان و مقوّماتها و عناصرها، هو جزء من الإيمان العَقَدِيّ.. و نحن بالتالي علينا أن نكونَ أكثر تواضعاً أمام حقيقة أنّ "الإعلام" المعاصر، استطاع اختزال الوقائع و المفاهيم إلى جملةٍ من الأخطاء التي لا تُحصى.. و منها خطأ أن نكون مجرّد أصداء لخطاب إعلاميّ عالميّ منحاز.

فثقافتنا و قناعاتنا يجب أن لا نُحصّلها تحصيلاً ارتداديّاً، ناجماً عن صدمة الإعلام اليوميّة، الذي يضخّ الأفكار و القناعات و الإيحاء و التّحريض، بل عن طريق التزام الوعي المعاصر و الدّائم بواجباتنا التاريخيّة، كشعوبٍ واقعيّة عليها أن تفكّر لتستمرّ في المشاركة بالوجود.

إنّ خياراتنا في (سورية)، حصراً، لا تبدو اليومَ في قناعاتنا الأيديولوجيّة إزاءَ الأيديولوجيّات المختلفة، إلّا بقدر ما تشكّل، بالنّسبة إلينا، خيارات مواجهة..
بمعنى أنّ ما علينا أن نواجهه من تحدّيّات، إنّما يكمن في رفض عنف الأيديولوجيّات، و ذلك أيّاً كان مصدرها و عن أي جهة أو دولة أو ثقافة أو ممارسة صدرت.
و الواقع اليوم صريح و واضح في التّشكيلة العدائيّة التاريخيّة السياسية القائمة.. التي تنازعنا الوطنيّة و القوميّة و الحياة و الكرامة و الوجود.

و حيث تتجاوز القضيّة اليوم، مسألة الضّمير و الانتماء الأيديولوجيّ الدّينيّ القلق، أو المتردّد، أو الغائم، فإنّ على الانتماء الثابت بالإيمان أن يستوضح طريقه المغتصب نحو الحياة الكريمة، التي هي حياة المؤمنين، بغض النّظر عن الخطاب السّياسيّ، و أن يستعيده على أساس جميع الممكنات الأخلاقيّة المتاحة.

و في الوقت نفسه علينا أن نقيمَ قناعاتنا الوطنيّة الخاصّة على أساس الإيمان بأنفسنا و الإيمان بقضايانا العادلة، و ليس في الإجابة على تساؤلات "الضّمير".
و هذا الحديث موجّه بالتّخصيص إلى "الصّديق" الذي تساءل حول "موقعنا" من الاختلاف أو الخلاف بين "الخلافة" و "الولاية" [و الأصح من "الإمامة"].

ملاحظة:

جرت كتابة هذا البحث. بناءً على طلب أحد الأصدقاء، الذي أرسل لي ما يلي:

{دكتور بهجت.. شكراً لكلماتك المنيرة، وأطلب منك أن تكتب مقالاً توضح فيه معنى الخلافة (عند السنة) والولاية (عند الشيعة)، لأنّ البعض يحاولون إذابة القومية العربية تحت هذين العنوانين، حتى أن البعض وصلت به الأمور، ليصف الاحتلال العثماني بالخلافة التي رضي بها المسلمون العرب.
وشكراً لكم.. ولكم مني كل احترام.)

***

أدناه تعقيب الدكتورة رشا شعبان:أ رشا شعبان

محبتي و شكري و احترمي لك دكتورنا الغالي.

نعم حكيمنا، إنه السؤال الجوهري في واقع ما زال ينوس بين أيقونات العقل الوهمية المتكلسة من الماضي، و بين تحديات راهنة تفرض علينا البحث و التدقيق في مسلماتنا، للانتقال لمجتمع يمتلك العقل الذي ننشده، لامتلاك مشروعنا الحضاري.

بالتأكيد، الإسلام غير تاريخه، ف الإسلام هو المبادئ و التعاليم التي بشّر بها النبي و المتضمنة في القرآن الكريم أو القائمة في السنّة النبوية الصحيحة.
أما تاريخ الإسلام، فهو التاريخ السياسي من مناظير مختلفة، و اتجاهات متغايرة، و كتابات متنوعة.
إنه تاريخ المذاهب من زوايا عدّة، و الأفكار من اتجاهات و مصالح متغيرة، و هذا ما سجّله البشر، و ليس الرب و لا النبي، له أفكاره و مطامعه و مطامحه و دوافعه و أسبابه.

و الخلافة الإسلامية، ليست من أركان الإيمان و لا حكماََ من الشريعة، و محاولة إلصاقها بالإسلام ليست إلا مؤامرة على الإسلام في منطقه الروحي و الوجداني و الإنساني.

نعم الخلافة لم تخدم الإسلام، بل أضرّت به حين ربطت العقيدة بالسياسة، و مزجت الشريعة بنظام الحكم، ثم جعلت الحكم وراثياََ و صيّرته مطلقاََ مستبداََ.
و النزاع الذي نشأ عليها و الصراع الذي دار من أجلها، بدّد الإسلام فرقاََ، و ضيّعه شيَعاََ.

و عندما تختلط الأهداف الدينية بالأغراض السياسية، و تتداخل الغايات الشخصية مع الأبعاد الروحية ، يقع أمر خطير لابد أن يؤثر تأثيراََ بعيد المدى على الدين و السياسة و المجتمع و الأفراد.
و ليس هذا الخلط إلا إغلاقاََ للعقل نفسه بنفسه، كما أنه يقدّم نفسه للآخرين ضمن حملة غوغائية على أنه الأمل الوحيد في النجاة و الخلاص.

إن الخلط بين الدين و السياسة في تاريخ العقل الإسلامي العربي، هو الذي أنتج مفاهيم ضبابية مائعة ك الخلافة الإسلامية ، التي بموجبها أصبح الحاكم على الأرض، حاكماََ بإسم الرب..
لقد ألبس حكمه لبوس المقدّس، إمعاناََ في التسلّط و السيطرة و مصادرة العقل.

نعم إن الحرب بين سنّة و شيعة، و بين إمامة و خلافة، ليست حربنا فعلاََ.

حربنا هي مع العقل الصهيوني التلمودي الذي كان مصدراََ مستتراََ أحياناََ و ظاهراََ أحياناََ أخرى، لتحريض و إشعال تلك الحرب الوهمية الإيهامية و صنع الإختلاف و تحويله لخلاف بين السنّة و الشيعة.

و غني عن البيان أن تيار تسييس الدين، هو ذاته تيار العنف و التطرف و التعصّب.

إن عملية استبدال الإسلام ب تاريخ الإسلام المؤدلج المسيّس، هو أخطر مؤامرة على الإسلام، و التي تهدف إلى تشويهه و تدميره عبر مداخل الشقاق و تحويل الإختلاف إلى خلاف ديني يزعم التجذّر الإيماني.

و السؤال: ماذا يفيدنا اليوم، الإقرار في من كان الأولى بالخلافة؟!
هل بالإمكان أن أعيد الماضي بشخوصه و رموزه، لما كان يجب أن يكون عليه وفق منظوري و رؤيتي؟!

علينا أن ننطلق من إيماننا و ليس من معتقدنا الثانوي الجزئي.. فالإيمان هو الثابت، و العقل هو الميزان.

الوطن المنتصر لا يحكمه إلا العقلاء المتبصرون، و القادرون على تجاوز الأوهام المحنطة و المتحجرة للإنطلاق نحو العقل القانوني و السياسي الوضعي، القادر على التفاعل مع المعطيات و المستجدات و بناء الدولة الحضارية العلمانية المنشودة.

كل الإجلال و الإحترام لك دكتورنا و حكيمنا الرائع، و أتمنى أني استطعت التقاط بعض من أفكارك الغنيٌة.

***

فيما عقب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الرزوق1

في سلاسلك تسبق الولاية فقه الإمامة و تذوب الإمامة بفقه الولاية و تخرج الخلافة من أسطورة الدول كي تبقى بعيدة في خرافتها بلا سلطة زمنية لن يعيدها أمثال أردوغان و قطعان القطب القرضاوي و سواه من أبناء موزة و تميم.

فلا تعيد أبجد هوّز بقدر ما ترفع كل لغات العالم و هي تبتعد بسورة الكهف الذي هنا ليس فيه كلب يبسط ذراعيه بالوصيد و ليست فيه أمة تلاشت أكثر بكثير مما تبقى منها و ليس فيه مفهوم أمة أصلاً..

فالخلافة هي استخلاف الجينات الوراثية النوعية على قطعان لا تحصى من التشوهات الجينية التي تلد أغبياء أو معجبين باستغبائهم من قبل الغير و هذا ما يجعل الاستخلاف شكلاً من أشكال الحاضر المعلوم المرئي لكنه غير فاعل وجودياً بمعنى حضاري بل هو فاعل وجودياً كصورة و شكل من أشكال التدمير الممنهج للبناء الإنساني الذي يعيش بصوره الوجودية غائباً مغيباً رغم حضوره الدفين أصلاً!

و ها هي الخلافة التي كانت حاضرة معلومة آنياً تسقط لأنها لم تستنهض المعنى الوجودي الخالد في أبجديات الاستمرار الإنساني الروحي في برزخه قبل دنياه و في قبره قبل بيته و في خلوده قبل البحث عن أبديته..
على عكس الإمامة أو الولاية التي كانت غائبة و حضرت بارزة بشكل متجسد بالثورة الإسلامية الإيرانية بولاية فقيهها التي ربما لا تراعي من الحداثة مدنية ما دون الخلافة و ما فوق الإمامة..
بل توغل في دحض نظرية المدنية و توغل أكثر في رفع شعار فقه الولاية الذي يسبق حداثة المدنية في استحضار المغيب و في نداء من مازال غائباً سواء كان المهدي أو المسيح المخلِّص!

الوجه المظلم للوجود أو الصورة التي نحن عليها فيه تدل حينما تدل على خلافتنا الغائبة و على ولايتنا الحاضرة بالإمامة أو دون إمامة..

و ما الإمامة إلا مفهوم يتعدى الشرائع و يخترق اللغات و يخترق السقيفة بل و يثقبها فهو ليس بشورى و ليس بديكتاتورية مفرطة بل هو يسقط بالمعنى السياسي دوماً و هذا ما يضنينا اختلاط المصطلحات التعبوية الدينية بالمشاريع السياسية المجدية و غير المجدية للأسف..

الذي نراه من صورنا المتغيرة في الوجود التي نظن معلومها العددي غير الفاعل أهم من مجهولها الصفري الفاعل بما معناه أنّ الحضور المعلوم عددياً غير الفاعل لا معنى له في مشوار الحضور المجهول الفاعل لا عددياً..

و عليه فإن صورة الوجود الأهم التي هي الموت الذي ينقل الخلافة الغائبة لتجسد صوره الدموية لن تنقذ صورة ولاية الفقيه دموية الحضور الدولي و كلا المصطلحان يغرقان في إمامة تخرج اللاهوت من قبر الثعابين لتسقط وسط آلاف القطعان التي تجتر كل شيء حتى السموم لتعيد إنتاجها على شكل غباء سواء كان حاضراً أم ليس حاضراً غائباً أو مغيّباً..

و هنا كانت الأمم المتناحرة من شيعة و سنة تقطع رأس كربلاء في مدائن التاريخ المعذب و الذي ما زال مخصياً مذ باتت دول العالم عقيمة إلا من الاستعمار الذي دنس الولاية و يحاول تسويق الخلافة و إمامة الخلافة تذابحها إمامة الولاية التي يؤولها التابعون لآل البيت على أنها من سيوف علي في بناء مجتمع يرفع الأئمة بالإمامة و يسقط الحداثة بالحجامة!..

و هذا بحد ذاته ألم ما زال يحاصر أوجاعنا التي لن تموت طالما أن فتنة الولاية لا تغري الخلافة إلا بالدم و دم الخلافة لا يغري الولاية إلا بإمامة الدم و عاش يوم ينتصر فيه الدم على السيف مهما كانت على مذبح التكوين خلافة الوجود و ولاية الموت تتصارعان بالإمامة التي تبعثرت أشلاؤها على دفاتر التاريخ و على بلاط السلاطين!

لفكرك إمامة النور دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4358048