الصفحة الرئيسية
n.png

مروان حبش: في ذكرى عبد الكريم الجندي

ينمو العنف عندما يتعمق إحساس لدى فرد أو مجموعة بحتمية مطلقة أنه يمثل بسلوكه أو بفكره الحقيقة المطلقة، ولهذا فإن ممارسة العنف من آليات النظام الديكتاتوري الفردي وحكم الحزب الشمولي، ويزداد العنف شدة حينما يتحول حكم الحزب من شمولي إلى سلطوي، انطلاقاً من قناعة أنها إحدى الممارسات الضرورية للمحافظة على السلطة.أ عبد الكريم الجندي
كان لابد من تلك الكلمات قبل أن أتحدث عن عبد الكريم الجندي الذي يُقيِِِِِِِِِِِِِِِِِِِّمه البعض وخاصة ممن اعتُقل، حين كان رئيساً لمكتب الأمن القومي في القيادة القطرية، تقييمًا سلبياً.ِ
من المعروف أن عبد الكريم الجندي هو أحد الأعضاء السبعة في اللجنة العسكرية البعثية "الثانية" التي تشكلت في الإقليم الجنوبي "مصر" بعد نقل كل أعضاء اللجنة الأولى، باستثناء الرائد محمد عمران، من ملاك القوات المسلحة إلى ملاك وزارة الخارجية، ولعب الجندي دورًا بارزًا في هذه اللجنة، إن كان وقت وجودهم في مصر أو بعد عودتهم إلى سورية في أعقاب انفصام الوحدة ونقلهم من ملاك الجيش إلى وزارات مدنية، وكان له دور قيادي في حركة 28 آذار 1962 انتهت باعتقاله مع العديد من الضباط المسرحين وبعض الضباط العاملين الوحدويين "بعثيين وناصريين"، وبعد إطلاقه بكفالة، في أوائل تشرين الأول 1962عاد لممارسة دوره القيادي في اللجنة، ويعتبر الجندي والمقدم صلاح جديد بأنهما العقل المدبر للتحالفات العسكرية والمدنية التي أدت إلى انقلاب الثامن من آذار 1963، وكُلف ليلة 7- 8 آذار من قبل اللجنة العسكرية الوصول إلى مدينة القنيطرة والاجتماع مع العقيد زياد الحريري وعدد من الضباط لتنسيق التحرك نحو دمشق، كما كان مكلفاً بتوجيه القطع العسكرية التي يُسيطر عليها الضباط البعثيون، وقاد بنفسه كتيبة مدفعية نحو دمشق.
بعد نجاح الانقلاب كُلف المقدم عبد الكريم بقيادة لواء المدفعية المرابط في منطقة القطيفة، وأيضاً، قائداً لمعسكر وموقع القطيفة، كما كان أحد مندوبي اللجنة العسكرية إلى المؤتمر القطري الأول، والمؤتمر القطري الأول الاستثنائي شباط 1963، وانتُخب منه إلى عضوية القيادة القطرية، كما انتُخب لعضوية هذه القيادة في المؤتمرات اللاحقة حتى فارق الحياة.
كان الجندي يؤمن بالعمل الجماهيري المنظّم وبضرورة ممارسة الكادحين دوراً في شؤون الوطن، ومن إيمانه هذا بادر منذ الأشهر الأولى للثورة إلى توعية أبناء القرى في منطقته العسكرية لتأسيس ما أُطلق عليه (روابط أبناء الثورة )، ولقد شاركْتُه نشاطه هذا بصفتي أميناً لفرع الأطراف ومنطقة القطيفة تابعة لهذا الفرع.
كان الجندي متفائلاً بهذا النشاط، وكثيراً ما كان يُحدثني عن تفاؤله هذا، ويعرب لي عن قدرة الجماهير المنظمة في دعم الثورة وتحصينها من الانحراف عن أهدافها ومثلها، واستمر تفاؤله هذا بعد تسميته وزيراً للإصلاح الزراعي، رغم أنه كان يرى أن بعض من طرح اسمه للوزارة "الفريق أمين الحافظ" يهدف إلى إبعاده عن القوات المسلحة التي يشعر بانتماء حقيقي لها، وأنه يستطيع النجاح فيها أكثر من نجاحه في أي مجال آخر، ولقد استمر في هذه الوزارة من :
3تشرين الأول 1964– 23 أيلول 1965وزارة الفريق أمين الحافظ.
24 أيلول 1965 – 27 كانون الأول 1965وزارة الدكتور يوسف زعين.
ترك الجندي الوزارة بسبب صدور قرار القيادة القومية في أواخر كانون الأول 1965بحل القيادة القطرية في سورية وتشكيل وزارة جديدة برئاسة الأستاذ صلاح البيطار.
لعب عبد الكريم دوراً رئيساً في النشاط الحزبي الذي قاد إلى حركة 23 شباط 1966، ونجح ليلة الحركة بالسيطرة على معسكر القطيفة. ثم سُمي وزيراً للإصلاح الزراعي في وزارة الدكتور يوسف زعين واستمر فيها من 1 آذار – 15 تشرين الأول 1966.
بعد ذلك التاريخ كُلف من قيادة الحزب برئاسة مكتب الأمن القومي فيها، ومديراً لإدارة أمن الدولة.
في فترة استلامه الوزارة عام 1965 عملنا معاً بصفتي عضواً في القيادة القطرية ورئيسا لمكتب الفلاحين فيها، وكان شعوره يجب أن لا نتخلى عن الأمل بقدرة الفلاحين، ومن هذا الشعور كان منهمكاً في تأسيس الجمعيات التعاونية الزراعية في مناطق الإصلاح الزراعي، ويرى بأنها "الجمعيات" بُنية لإدارة العمل يمتلك فيها الفلاحون حلقات التجهيز والتصنيع في سلسلة القيمة المضافة.
شارك عبد الكريم الجندي، وبفاعلية، بالتصدي لكل الأزمات التي مرت بالحزب، ورغم كونه وزيراً، فهو الذي قاد القوات التي توجهت نحو السويداء يوم الثامن من أيلول 1966، وفي اليوم التالي دخل بمفرده إلى كتيبة المغاوير التي كان يقودها الرائد سليم حاطوم وأحاط أفرادها بعنايته وطمأنهم على مستقبلهم. ولقد عمل جاهداً، بعد استلامه لمكتب الأمن القومي على عودة الفارين مع الرائد حاطوم إلى الأردن، وهو الذي كلّف مفارز من إدارته للتمركز في نقاط على خطوط وقف إطلاق النار بعد حرب حزيران والفوضى التي سرت بين صفوف القوات المسلحة أثناء صدور الأوامر لها بالانسحاب الكيفي، وهو الذي اقترح وبإصرار على قيادة الحزب أيام حرب حزيران إطلاق المعتقلين السياسيين، وهو الذي وجه الجهد الرئيس لإدارته باقتفاء أثر العملاء الذين جندتهم القوى الخارجية وذلك بعد أن أذهله حجم الاختراق في المجتمع، وهو المؤمن بالحرب الشعبية والداعم للمقاومة الفلسطينية، وفي احتفال أقيم لدعم المقاومة تبرع بمنزله في دمشق وبراتبه لعدة أشهر، وهو الذي عمل على عدم توريط أي مواطن في مساعي "إسرائيل" لإنشاء دولة درزية في الجولان، وكان ذلك من خلال خطف الأمير حسن الأطرش من الأردن.
من المعروف أن من أهداف الإستراتيجية الصهيونية تجزئة الأقطار المحيطة بها وإقامة دويلات فيها على أساس طائفي أو مذهبي، وكانت ترى بذلك حلاً لضمان أمن دولة "إسرائيل" وسلامتها.
من هذا الهدف عملت "إسرائيل" بعد احتلال الجولان بنشاط لإنشاء دولة "درزية"، ولهذا السبب لم تلجأ إلى طرد المواطنين السوريين من أبناء الطائفة الدرزية من الهضبة، كما كانت تهدف إلى نقل عرب الجليل من أبناء الطائفة الدرزية إلى الهضبة، وفي اجتماع في مجدل شمس لضباط من مخابرات الجيش "الإسرائيلي" مع بعض الشخصيات من القرية، أبلغوهم أن عليهم معرفة سبب حسن المعاملة لهم وعدم طردهم يعود لمصلحة مشتركة "إسرائيلية" - درزية وهي إقامة دولة درزية يكون الجولان نواة لها.
في اجتماع في تل أبيب بين كمال كنج أبو صالح من قرية مجدل شمس وبعض السياسيين والعسكريين "الإسرائيليين" وضعوه في صورة مخططهم، وطلبوا منه أن يُرشح شخصية من دروز لبنان، فاقترح عليهم المحامي كمال أبو لطيف، وهو مقدم سابق في الجيش السوري و ينتمي للحزب السوري القومي.
سافر كمال كنج في منتصف الشهر العاشر 1967 إلى روما مع ضابط كبير في المخابرات العسكرية "الإسرائيلية" ومن هناك اتصل مع بيروت بالمحامي كمال أبو لطيف، وألح عليه بضرورة القدوم إلى روما، وجرت عدة اجتماعات بين الثلاثة (كمال كنج - كمال أبو لطيف - ضابط المخابرات الإسرائيلي) وفي نهايتها تم الاتفاق على سفر أبو لطيف إلى عمان ليدعو الأمير حسن الأطرش لزيارة كمال كنج في روما.
في بيروت أبلغ كمال أبو لطيف الأستاذ كمال جنبلاط والزعيم شوكت شقير، وأخبر جنبلاط الرئيس عبد الناصر بكل ما جرى في روما، وفي طريقه إلى عمان مروراً بدمشق أبلغ أبو لطيف العقيد عبد الكريم الجندي بكل ما دار في اجتماعات روما.
وفي عمان أَبلغ الأمير حسن برسالة كمال كنج وضرورة سفره إلى روما للالتقاء به، فأوفد الأمير حفيده حمد إلى روما ووصل إليها في الثلث الأخير من الشهر الحادي عشر 1967، كما عاد إليها المحامي أبو لطيف.
عُقدت عدة اجتماعات في روما بين الأربعة، وتحدث الضابط "الإسرائيلي" عن الرفاه والازدهار اللذين ستنعم بهما الدولة الدرزية، كما أبلغهم عن خطط "إسرائيل" العسكرية لسلخ المناطق الدرزية في لبنان وجبل العرب في سورية لتنفيذ مخطط قيام دولة درزية.
كان كمال كنج قد التقى قبل سفره إلى تل أبيب مع العقيد حكمت الشهابي رئيس فرع الاستطلاع والنقيب نشأت حبش رئيس فرع مخابرات الجبهة، في قرية حضر وتركز الحديث على الوضع المعيشي والأمني لسكان القرى الأربع بعد الاحتلال، وبعد عودة كمال كنج من روما إلى مجدل شمس، تسلل إلى قرية حضر واجتمع مع العقيد حكمت الشهابي ومعاونه الرائد ابراهيم العمر والنقيب نشأت حبش، وأطلعهم على ما دار في اجتماعات روما، وفي التزامن مع ذلك نقل المحامي أبو لطيف إلى العقيد عبد الكريم الجندي كل المعلومات عن المخطط "الإسرائيلي".
تأكدت المعلومات عند العقيد الجندي بأن حمد بن زيد بن الأمير حسن الأطرش غادر روما إلى "تل أبيب" كما تسربت معلومات، أيضًا، عن إمكانية نشاطه لتنفيذ المؤامرة الصهيونية، ولمّا لم يبلغ الأمير حسن الحكومة الأردنية أو الحكومة السورية عن هذا الاتصال كما تم الاتفاق في روما بين الكنج وأبو لطيف والأطرش، وخشية من ابلاغ الأمير حسن بعض الشخصيات "الدرزية" وتوريطها بشكل مباشر أو غير مباشر في هذا المخطط ، أوعز عبد الكريم الجندي بجلب الأمير من عمان إلى دمشق، وكانت النية متجهة إلى محاكمته غير أن تقدمه في العمر أدى إلى إطلاقه.
كرس عبد الكريم الجندي حياته للثورة ولحرية الفقراء، وكان يدرك بأن ثورة الثامن من آذار لم تكن هدفاً بحد ذاتها وإنما كانت وسيلة لتحقيق أهداف الكادحين من أبناء هذا الشعب، ومما قاله للفلاحين حين لقاءاته بهم:
"لقد حاول الكثيرون استغلال هذه الثورة لتكون حكماً انتهازياً، إلى أن انتصر التيار اليساري في الحزب والتيار الشعبي للثورة الذي ارتبط ارتباطاً مباشرًا بمصالح الجماهير الكادحة ليضع حدًا لكل التناقضات والانحرافات، وطالما أن منطق التاريخ هو منطق التقدم لذلك كان لا بد للقوى التقدمية مع الحزب أن تتحرك لتبعد القوى الرجعية واليمينية". آذار 1966
إن توزيع الأرض هو الذي يضعنا حتماً أمام المعركة القادمة، وهي معركة قاسية متعددة الجوانب، وكرفيق لكم، كفلاح مثلكم، يجب علي أن أوضح لكم جوانب المعركة وأبعادها :
إن الجانب الأول لهذه المعركة سيكون مع الطبيعة مع الأرض وعلينا أن نعبئ قوانا للاستفادة بأقصى ما يمكن من مواردها، ولن ننجح في هذه المعركة إلا بالفهم والاستعداد الكلي وحصر إمكانيات الأرض وإمكانياتنا للاستفادة منها.
والجانب الثاني: أن معركتنا ستكون مع أنفسنا وهو استمرار أمراض المجتمع المتخلف الذي أورثنا إياه النظام العشائري والطائفي، فيجب أن نحول علاقاتنا الاجتماعية من العشائرية إلى التعاونية، لأن مجتمعنا ليس إلا جمعية تعاونية، وعشيرتنا ليست سوى اتحاد التعاونيات.
هذه هي صورة مستقبلنا الاجتماعي، وواجبكم أن تسيروا سيراً حثيثاً نحو المجتمع الجديد، المجتمع التعاوني الاشتراكي.
وأما الجانب الثالث لمعركتنا: فهو مع الرجعية المتعاونة مع الإقطاع والاستغلال. آذار 966
إن الرأسماليين يدّعون أن الاشتراكية لا تنفع وأن الفلاح خسر بعد تطبيقها، والذي يهمنا نحن أن الإنتاج أصبح ملكاً للفلاحين الفقراء وبالتالي ارتفع مستواهم المعيشي والاجتماعي. نيسان 966
كان عبد الكريم الجندي مؤمناً بالمجتمع الاشتراكي وفي حديث له أمام كادر من الحزبيين في آب 1965قال:
إن قيمة الإنسان في المجتمع الاشتراكي لا تقدر بثمن، لأنه يمارس إنسانيته كاملة ضمن الشروط التي يخلقها المجتمع الاشتراكي.
أقول وبمنتهى الصراحة: إذا لم يُكوِّن الحزب نفسه التكوين الاشتراكي الصحيح، وإذا لم تتحقق التوعية وتصل إلى كل عضو فيه لن يكون عندنا تحويل اشتراكي صحيح.
هكذا ينبغي أن نعمل وأن نكون، إن سياستنا هي التخطيط الموضوعي والقيادة الأكثر حيويةً وانطلاقاً.
ومن خلال تحليلنا لظروف المنطقة يجب أن تكون هناك مقاومة لنا، خاصة إذا وضعنا بعين الاعتبار درجة تخلف المنطقة ووجود قوى رجعية وقوى مهادنة للاستعمار وأعداء الطبقات الكادحة، ولأننا نريد فعلاً موقفاً جدياً من الاستعمار فمن الطبيعي أن توجد مقاومة لنا.
إن أوضاعنا معروفة، وإننا نشكل خندقاً أمامياً تجاه الهجوم الاستعماري وإن الذين يعيشون في الخندق الأمامي يتلقون أكثر الطلقات.
كان عبد الكريم الجندي مؤمناً بوحدة النضال من أجل الاشتراكية، وضرورة التنسيق مع المعسكر الاشتراكي، وخاصة مع الإتحاد السوفييتي، ومن هذا الإيمان طرح الموافقة على إعطاء الاتحاد السوفييتي قاعدة بحرية في سورية، وقررت القيادة الموافقة على تزويد الأساطيل السوفييتية التي تدخل البحر الأبيض المتوسط بالمياه والأطعمة والنزول إلى مدينة طرطوس، كما قام خلال رئاسته لمكتب الأمن القومي بالتنسيق مع جهاز الـ ك. ج. ب السوفييتي.
إن القضايا المطروحة على الحزب، وخاصة بعد عدوان حزيران 1967 أدت إلى تباين في وجهات النظر، طُرحت في المؤتمرات الحزبية، القطرية والقومية، ولقد ناقش المؤتمر القومي العاشر المنعقد في دمشق في أواخر شهر أيلول 1968، كل القضايا المطروحة ومختلف وجهات النظر وجميع مجالات وأساليب العمل على المستويات الداخلية والعربية والدولية، حيث تصب حصيلة ذلك كله في خدمة معركة التحرير المصيرية المستمرة، وتحقيق هدف التحرير. وفي نهاية جلسات المؤتمر، اتُخذت القرارات والتوصيات بشأنهما.
اجتمعت قيادة الحزب المنتخبة من المؤتمر المذكور، لوضع ما يلزم لتنفيذ المقررات والتوصيات، وقررت في 20 تشرين الأول ما يلي:
1ـ ممارسة النضال الذاتي للتغلب على مظاهر المرض الجديد (الانزلاق نحو تشكيل مراكز القوى) وهو في طوره الأولي، والقيادة على ثقة بأن ذلك ليس صعباً على أي عضو كمناضل ثوري.
2- تطبيق قرارات المؤتمر حول النقد والنقد الذاتي.
3ـ إجراء تغيير شامل في المسؤوليات الحزبية والحكومية ولاسيما لمن أمضى دورة حزبية كاملة في مكان واحد (الدورة الحزبية عامان)، و تكليف الرفيق الأمين العام بتشكيل وزارة جديدة، على أن يُطبق مبدأ التغيير الشامل في المسؤوليات الحزبية والحكومية بكل دقة.
نشأت أزمة لاعتراض وزير الدفاع، عضو قيادة الحزب الفريق حافظ الأسد، على هذا القرار، مما دعا القيادة الحزبية للاجتماع وقررت تفويض الأمين العام الدكتور نور الدين الأتاسي اتخاذ الخطوات الضرورية لتجاوز الأزمة، بما يحقق متابعة الحزب لنضاله في مجابهة التحديات المصيرية، ويرسخ وحدته الفكرية والتنظيمية ويعزز سلطة مؤسسات القيادة.
تفاعلت الأمور وتطورت مجدداً، وعادت الأزمة من جديد في شهري شباط وآذار 1969، وتوقفت بانتحار عبد الكريم الجندي عضو القيادة القطرية ورئيس مكتب الأمن القومي في 1 آذار 1969.
لقد فهم عبد الكريم الجندي، الحزب الذي انتمى إليه منذ بواكير شبابه، كما فهم ثورة 8 آذار 1963 التي كان له فيها دور بارز جداً ، أنه حزب يناضل من أجل تحقيق أهداف الأمة العربية جمعاء، وأنها ثورة على الذات قبل أن تكون ثورة من أجل المجتمع.
كان عبد الكريم الجندي مؤمناً بالتنظيم وملتزماً بالعمل ضمن مؤسسات الحزب، وعبّر عن ذلك بحديث له في اجتماع لكادر حزبي في شهر نيسان 1966، حيث قال:
أريد أن أوضح لكم قبل كل شيء أننا نعمل ضمن حزب، ونحاول أولاً: أن يكون هذا الحزب ثورياً بكل معنى الكلمة، وهذا يعني تأكيد سلطة المؤسسات الحزبية، والمؤتمرات والمقررات هي التي تحدد منهج العمل. ونحاول ثانياً: العمل ضمن القيادة الحزبية كقيادة جماعية، فالديمقراطية تتحقق بواسطة المؤتمرات، والقيادة الجماعية تعمل بقرارات الأكثرية الملزمة للأقلية، وطالما أن هناك حزباً علمياً ثورياً فالقيادة لا تعمل كأشخاص بل تعمل من خلال المقررات والتوصيات والخروج عن مقررات المؤتمرات هو خروج عن الحزب.
لقد كان عبد الكريم الجندي راضياً عن نفسه، وعن تضحياته بنفسه بقرار من رفاقه ومن أجلهم دون أي حسابات.
لقد خاب أمل عبد الكريم، حين لمس أن بعض رفاقه فهموا الثورة من أجل المنصب والمكاسب ولإرضاء الغرور الشخصي، كما أدرك أن هؤلاء الرفاق كانوا يستغلون تضحياته، كما عرف من خلال مواقعه القيادية قبل وبعد الثورة، أن الألغام قد تفجرت، تباعاً، في القيادة.
إن من كانت الثورة حياته كلها، ومن كانت أحلامه جميعها تتعلق بها، ومن وصل إلى قناعة مخيبة لآماله ببعض رفاقه الذين يعملون على صرف الثورة عن مسارها، كان لابد له من الإقدام على آخر التضحيات وأهمها بان يقدم حياته قرباناً، عسى أن يعود هؤلاء الرفاق إلى الصواب، ويعودوا، بالتالي إلى الطريق السليم الذي من أجله قامت ثورة 8 آذار 1963 وحركة شباط 1966.
كانت الثورة، إذاً، هي الهاجس الذي يعيش في داخل عبد الكريم الجندي، ومن أجلها كان يعطي كل جهده ووقته وفكره، وكانت ثقته كبيرة، وإيمانه لا يتزعزع بأن إرادة الشعب هي التي ستنتصر باستمرار، ولكي تزداد معرفتنا به لابد من الإطلاع على ما وفي وصيته التي كتبها حين اتخذ قراره بمفارقة الحياة مساء يوم 1 آذار 1969:يلخص سبب قراره.
من كتاب (البعث وثورة آذار) لمروان حبش

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

June 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
3232699