الصفحة الرئيسية

د. بهجت سليمان: التّطوير الاجتماعيّ السّوري.. و عقلنة "المؤامرة" االشّاملة في "الإجتماع"

[الحلقة السادسة والخمسون "56“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"] عن:د. بهجت سليمان9


{التّطوير الاجتماعيّ السّوري.. و عقلنة "المؤامرة" االشّاملة في "الإجتماع"}

• د. بهجت سليمان

تناولنا، في ما سبق، جوانب مختلفة من واقع "المجتمع" السّوريّ، و كان لنا في ذلك رأيٌ نقديٌّ واقعيّ يذهب مذهب نكران صيغة "المجتمع" في (سورية) وفق نموذجه الحضاريّ المعاصر، من جهة تكوّنه الملتبس تحت تأثير عوامل انفصال "ثقافيّة" و "سياسيّة" تاريخيّة، و لو أنّ مؤلِّفاته تخضع لصفات "أنثروبولوجيّة" واحدة، بحيث تجعله، تبعاً لهذه الجهة، مجتمعاً متشابهاً "أخلاقيّاً" في كلّ ما لم ينقسم عليه في "الثّقافة" و "السّياسة" و "الانتماء"؛

و كنّا قد رأينا فيه، كما و لا بدّ يذكر القارئ، مجتمعاً منغلقاً و مغلقاً أمام التّأثيرات الحداثيّة التي انتقلت بواسطتها شعوب العالم و مجتمعات الدّول المتقدّمة، بسبب ما يؤسّسه من نسقيّات أفقيّة بجذور عموديّة، تمنعه من التّواصل المتبادل الذي يجعل من الصّفات و المواقف في الانتماء، متبادلة الوجود في الاتّصال النّفسيّ و الثّقافيّ المسؤول عن خلق الهويّة الحضاريّة، التي تتصف بالوحدة و بالثّبات و الاستمرار.

لم تخرج أحاديثنا السّابقة، بالعموم، عن الوصف الملموس و المعلَّل و الموحي بالعوامل السّببيّة، التي يمكن أن يستخرج منها العقل المؤسّساتيّ القضايا الأعمّ في فرضيّات المعالجة و التّأثير، إثر الممارسة النّقديّة التي كانت أساس أحاديثنا جميعها؛

إلّا أنّ الكثير من المشكلات الواقعيّة المباشرة التي تعتبر مفصليّات أساسيّة للجسد الاجتماعيّ، لا يمكن أن تستجيب إلى الممارسة النّقديّة النّسقيّة، بقدر ما تستجيب إلى إحاطة "الاجتماعيّ" إحاطة وضعيّة و مباشرة؛

و أعني بما يدرسه "علم الاجتماع الوضعيّ" كعامل "سوسيولوجيّ" خاصّ، بمعزل مباشر عن الآليّات الأخرى التي تتدخّل في إنتاج "المجتمع" اليوميّ، أو "الوضعيّ" المحدَّد، كالآليّات الأخرى التي تساهم مساهمات "غير مباشرة" في تحديد الواقع الاجتماعيّ الملموس، سواء أكانت آليّات اقتصاديّة أو سياسيّة أو ثقافيّة أو أنثروبولوجيّة، و التي تدخل كلّها في وصف و تحليل الآليّات الاجتماعيّة التّاريخيّة في إطار "السّوسيولوجيا التّاريخيّ" و لكنْ ليس في الوضعيّات المباشرة التي نبحث فيها في إطار "السّوسيولوجيا الوضعيّ" (أو الوضعيّة)؛

و هذا على اعتبارات من استقلاليّات عمليّة لِ"الثّقافيّ" عن "السّياسيّ" أو "الأنثروبولوجيّ" أو "الاقتصاديّ" أو "المحلّيّ" أو "العالميّ"؛

و كل ذلك، إذاً، عمّا نقوله، أيضاً، في "السّوسيولوجيّ" كعاملمن العوامل المستقلّة نسبيّاً، و الذي علينا، في هذه الحالة، بحثه في تحديد مستقلّ و هو ما نسمّيه "المردود الاجتماعيّ" للسّلوك، للفعل و ردّ الفعل، طالما أنّ "الاقتصاد" من وجهه الفلسفيّ، يدخل في تكوين جميع "القيم" السّلوكيّة و منها "السّوسيولوجيّ".

إذا حاولنا أن نتعرّف، مباشرة، على طبيعة البحث الذي يشغلنا، هنا، فإنّنا يمكن أن نقول إنّ التّفكير في "المردود الاجتماعيّ" هو عمليّة إنتاج تساهم إسهاماً حدّيّاً (مفهوميّاً) بتطوير المجتمع؛

و بهذا فإنّ الحديث يتجاوز القراءة أو الوصف في "تطوّر" المجتمع، إلى ما يمكن أن نسمّيه، بواقعيّة، الإسهام في "إنتاج المجتمع" إنتاجاً مباشراً، كمهمّة عمليّة على "الدّولة" في العالم المعاصر أن تكون مسؤولة عنها مسؤوليّة حصريّة، فلا نعود إلى "النّقد" لِ"الاجتماعيّ"، بل ننظر إلى مكامن تردّده و إحجامه و تخلّفه، و ندخل إلى هناك من أجل مواجهة المشكلة أو المشاكل المحدّدة التي تعترض مسيرة المجتمع و تمنعه من الحركة و الانتقال.

في هذا الوضع يتحتّم علينا أن ننسى "الذّاتيّة" بكل أشكالها و تحوّلاتها القيميّة و المعياريّة، لنجعل من الظّاهرة الاجتماعيّة نفسها ميدان القراءة الوضعيّة المباشرة، و ذلك بعد أن كان لنا أحاديث في "المعياريّات" المختلفات و المتعدّدات، و التي أحالتْنا في كثير من الأشكال إلى أحكام و براهين على قضايا أصبحت معروفة في سياق الحرب و السّلم و ظواهرهما في الممارسات و التّعدّيات و الجريمة و الانحدار.

سوف لن نعيد الكرّة على أمور كهذه، لنبقى ما أمكن في حقول الأفعال الخاصّة و كيفيّات النّظر إليها و ممكناتنا في صياغة أفكار على التّطوير الاجتماعيّ، و خلق مجتمع يُسمّى مجتمعاً، على هذا الأساس.

(آلان تورين) عالم الاجتماع الفرنسيّ الرّائد و المعروف، و المولود في عام (1925م)، واحد من الذين يمكن التّضامن معهم في هذا الخصوص، عندما نتحدّث على مجتمعات غير نمطيّة بالنّسبة إلى "السّوسيولوجيا" الكلاسيكيّة، حيث اشتغل بما أسماه "سوسيولوجيا التّنمية"، لولا أنّه لا يخرج هو من نمطيّته في قراءة المجتمعات المتخلّفة "قراءة طبقيّة"، مع أنّه يُفرّق ما بين "الطّبقات" في علم الاقتصاد السّياسيّ الكلاسيّكي (الماركسيّ على وجه الخصوص)، و بين "مثيلاتها" في "دول العالم الثّالث"، تلك الطبقات التي تجمعها "اختلافات" معقّدة.

و خلافنا المبدئيّ معه في أنّه لا يُغادر المفهوم الطّبقيّ للمجتمعات، مع أنّ مجتمعات دول العالم الثّالث، في رأينا، تأبى، و بشدّة، الانصياع إلى هذا "التّكميم الطّبقيّ" الاجتماعيّ، فتقع الأفكار التي تحاول ذلك في فخ "التّاريخانيّة" و "الحتمويّة".

و على رغم ذلك لا يبارح (تورين) [بوصفه أهمّ رائد في علم الاجتماع الوضعيّ ("سوسيولوجيا الفعل")، عمل على تحليل "الباراديغما" في حاجاتها المتطوّرة إلى الإحاطة بالمجتمع المعاصر] المركزيّة الغربيّة في "سوسيولوجيا الفعل" الوضعيّ، في "ماركسيّة متطوّرة"، ليعود متجاهلاً أن "البارديغما" الاجتماعيّة التّكريسيّة للعالم – في رأينا - بالذّات، ليست خاضعة للتّطوّر بمعنى "التّجاوز"، و إنّما هي قابلة للتّطوّر بمعنى "الضّمّ" و "الاغتناء" و الكثافة مع التّاريخ "الوضعيّ" للإنسان، بوصفه تاريخاً يتعلّق بوحدة عالميّة تتقلّص و تصغر باتّجاهٍ من تشديد "السّيطرة" المتبادل، و تطوير "العنف" البشريّ، و أي ليس العكس.

* ملاحظة: [يختلف العلماء الاجتماعيّون على تعريف "الباراديغما"، و يتراوح ذلك الخلاف من القول بأنّها "الخلفيّة الفكريّة" لفهم المجتمع، إلى أنّها "النّظارة" أو "المنظار" الذي يحدّد رؤيتنا للمجتمع، و حتّى أنّها "المعتقد السّلوكيّ" الدافعيّ لتقييم الظواهر الاجتماعيّة..، إلخ.]
[و في رأينا، فإنّ الجميع يتجاهل في تعريفها، الأساس التي تحدّده، هنا، بحيث أنّها تعود، كما نرى، إلى "معنًى" أو "دلالة" أبسط و أدقّ، عندما نأخذها بالاشتقاق من المضمون الفيزيائيّ لكلمة "بارادايم" (باراديغم)(بالّلاتينيّة: Paradigma) بحيث يُحيطه، بدوره، الغموض و الخلاف و الاختلاف التّفسيريّ العلميّ، هو، أيضاً؛ و لكنّنا نميل إلى تعريبه بِـ"الدّالّ" النّموذجيّ؛ و هذا، في رأينا، أدقّ تعريف للبارديغما].

يربط (تورين) اختلاف "الباراديغما" الاجتماعيّة، بعصر "العولمة" (Globalisation)، حيث اختلف، باختلافها (الباراديغما)، صنوف "الفاعلين"، إلى درجة "انهيار العالم الذي سمّيناه اجتماعيّاً و زواله"، و هو الأمر الذي يُحتّم علينا "نظرة" جديدة أو "باراديغما" جديدة، بمصطلحاتها و علومها و أدواتها و أولويّاتها، أيضاً.

[راجع: آلان تورين. باراديغما جديدة لفهم عالم اليوم].

إنّ "انهيار العالم الاجتماعيّ" ، أو الذي سمّيناه ، بدافع أفكار "الحداثة" العالميّة ، كذلك ، لا يعني انهيار مصطلحاته بقدر ما هو انهيارٌ لمجموعة قيمه ، بما في ذلك الاختلاف الجوهريّ لطابع و دور و حدود "المؤسّسة" الفاعلة في "المجتمعات" العولميّة ؛
و هو الأمر ، نفسه ، الذي نعوّل عليه ، نحن ، في قراءة الظّاهرة الاجتماعيّة الوضعيّة المعاصرة ، و ليس بمعزل "اصطلاحيّ" عنه .

لقد بقيت "الدّوافع" التي تحرّك حمّى الاستثمار الاستعماريّ – مثلاً – هي ذاتها تلك الدّوافع "الحداثيّة" ، و أعني تلك التي عزّزتها مفاهيم "الحداثة" المتعلّقة بالاستغلال و السّوق و "الإمبرياليّة الماليّة" ، مع أنّها أخذت لها في طور "العولمة" شكلاً مختلفاً ، يُبدي تطوّراً لارتباطات "المؤسّسة الوطنيّة" بالمؤسّسة العابرة للقوميّات و القارّات ، و تبعيّة شديدة من قبل الأولى إلى الثّانية ، مع بقاء "الثّقافة" السّلوكيّة الكولونياليّة الماليّة ، هي ، نفسها ، بالذّات ، إن لم تكن قد تعمّقت ، أكثر ، بكثير ؛

و لم تقم علاقات التّبادل "المنفعيّ" ، "الاستثماريّ" ، الجديدة ، على أيّ "أساس" (و بالتّالي "بارديغما") جديد أو مختلف أو مغاير إلى الدّرجة التي تتطلّب نبذ "القانون" السّابق لصالح قانون "معاصر" تنتظم فيه "علاقات السّوق" ، من استثمار و إنتاج و استهلاك و توزيع و إعادة توزيع لرأسمال الرّيعيّ ، مع التّحوّر الذي طرأ على طبيعة "المشروع" الإمبرياليّ العولميّ ، الذي اختلفت ترتيب عناصره ، و حسب ، ما بين المقدّمات و النّتائج ، و الأسباب و الغايات ..
فيما بقي "المشروع" بأغراضه و أهدافه الأخيرة ، هو ، نفسه ، في صيغة أكثر توحّشاً ، في الاستغلال و الاستثمار و الاستعمار .

لم نخرج عن حديثنا في "الاجتماعيّ" الوضعيّ ، فَ"الاقتصاديّ" جذرٌ عنيدٌ يُقيم في كلّ أرض ، و هو دوماً يقع في الأدوات التّفسيريّة الأولى للظّاهرة الاجتماعيّة و سوف يبقى كذلك ، و لو دخل عليه التّعديل التّاريخيّ الحقيقيّ و الواضح و الصّريح في الأداء و ترتيب الأولويّات ؛

إذ أنّه "فيما كان ماركس يعتقد في المكانة الاجتماعيّة المتميّزة نتيجة للتّقسيم الطّبقيّ للعمل" ؛
فإنّه – بحسب (أنتوني جيدنز) – كان (ماكس فيبر) "يرى أنّ المكانة قد تتغيّر بمعزل عن الأوضاع الطّبقيّة . صحيح أنّ تملّك الثّروة قد يُضفي على المرء مكانة عالية في العادة ، غير أنّ ثمّة استثناءات عديدة على هذا الوضع . إنّ كثيراً من النّاس قد يتمتّعون بمكانة عالية في مجتمعاتهم حتّى بعد تبدّد ثرواتهم أو زوالها ، كما أنّ جماعات أخرى قد تتمتّع بهذه المكانة العاليّة بسبب ما لديها من علم أو ثقافة أو أداء مهنيّ متميّز دون أن يرتكز وضعهم العامّ على أسس مادّيّة أو طبقيّة" .

[ انظر : أنتوني غيدنز . علم الاجتماع . ترجمة و تقديم الدّكتور فايز الصُّيَّاغ ] .

المهم في الأمر هو التّوجّه إلى مصادر "النّوع الاجتماعيّ" في الاستهداف العمليّ في "التّغيير الاجتماعيّ" ؛ فربّما يكون ذلك ، مثلاً ، باعتماد "هؤلاء" أصحاب "المكانات" الخاصّة في بيئاتهم أو في محيطهم الاجتماعيّ ، كمعتمدين حاملين للصّبغة العضويّة الاجتماعيّة التي تضمّ في جوهرها "جرثومة" التّغيير المنظور .

ربّما أنّ ما هو لافت في الّلحاق بالمردود "الاجتماعيّ" في توضّعاته المعاصرة، إنّما هو هذا "التّركّز" الثّقافيّ الشّديد للنّظرة "النّفعيّة" إلى العالم، و ذلك سواءٌ فيما كان "العالم" البيئة المحيطة أو "المؤسّسة" الوطنيّة، أو "الدّولة"، نفسها، بحيث أصبح كلّ شيءٍ يُحيط بالسّلوك مصدراً محتملاً و قائماً للمردود الاجتماعيّ الذي دخل في حيّز المنفعة الفرديّة الخالصة.

من هنا، فإنّ وضعيّة "الاجتماعيّ" أخذت لها بُعْداً في "التّطوّر"، فرض على فلسفة "التّطوير الاجتماعيّ" مهمّاتها الأصعب، عندما ترجو فيها نتائج "سوسيولوجيّة" داعمة للاجتماع و ليست مفتّتة له.

إنّه حتّى في أكثر المظاهر، و الظواهر الاجتماعيّة المعاصرة، "عنفاً جماعيّاً" و "مشاريع" جماعيّة، يمكننا أن نقف، فيها، على جذر نفعيّ وضعيّ هو أكثر "شخصيانيّة" و أكثر "خصوصيّة"، فرديّة، وضعيّة ، يشكّل المناسبة السّلوكيّة القابلة للتّقييد التأويليّ و النّقد المستقلّ، بالمقارنة مع الأهداف "الجماعيّة" للظّاهرة الاجتماعيّة؛

بحيث أنّنا علينا أن نتريّث، كثيراً، عندما نحاول الفصل بين "الدّافعين"، الشّخصيّ و الجماعيّ، إلى الدّرجة التي علينا أن نقبل، فيها، هذا الاندماج المرن و المسوّغ و الخطر، ما بين النّزعة الاجتماعيّة "الوضعيّة" الفرديّة، و بين تلك النّزعة الدّافعيّة لسلوك الجماعات "الثّقافيّ" العنيف.

الاستنتاج الأوّل من هذا التّحليل يتعلّق بكيفيّات و ضرورات اختيار "المفاصل" الاجتماعيّة و السّياسيّة للتأثير في المجتمع و المؤسّسة و الدّولة، عندما نريد أن نتوجّه إلى "التّطوير" الاجتماعيّ؛

و أمّا الاستنتاج الثّاني و الأهم، فهو ذلك المتعلّق بالأسماء الحصريّة للوضعيّات المنطقيّة الاجتماعيّة، التي تظهر و تترسّخ كوقائع و ظواهر تشكّل سبباً أو أسباباً مباشرة للصّيغة السّوسيولوجيّة العامّة للأفراد المختلفين.

من الواضح أنّنا نتناول المظاهر التي تبعث على التّجمّعات "المنطقيّة"، قبل تلك التّجمّعات "الثّقافيّة" أو "السّياسيّة" في المجتمع، و ذلك كي لا ندخل من هذا الباب في "عقلانيّة" السّلوك السّوسيولوجيّ الذي يُدخلنا في الملاحظات البنيويّة الأعقد من كونها أوّليّات مفصليّة لظاهرة الاجتماع، مثل تلك البنى المتعلّقة بالأنساق و الأحزاب و الأفكار و التّجمّعات ذات الخلفيّات غير البريئة التي تدخلنا في السّياسة.

إنّ جلّ ما يتطلّبه الفحص الوضعيّ لعلاقات الجماعات، هو ما يتوجّه نحو التّصرّفات الأوليّة و التي يمكن للمؤسّسة أن تجعلها تتوجّه في الاتّجاه السّوسيولوجيّ المتطوّر و الذي يستجيب إلى خطاب "الدّولة"، بدلاً من أن تنحرف إلى الاتّجاهات الصّلبة في التّلاحم العضويّ الفاقد لمرونته في التّغيير.

يجري تسابق "السّلطات" المختلفة إلى احتكار الوضعيّات الاجتماعيّة احتكاراً ثقافيّاً و سياسيّاً، منذ أن تظهر الوضعيّات الاجتماعيّة في مظهر الأداء و العمل، و ربّما ما قبل ذلك أي في طور الموضوعيّة الأوليّة التي تمنح الاتّجاهات و التّوقّعات؛

و في هذه الحالة تصبح أبسط أشكال العمل الاجتماعيّ و الاقتصاديّ، مستهدفة، أو يجب أن تكون مستهدفة في تنظيم "الاجتماعيّ"، الذي ما إن يخرج على هذا "الوضع" حتّى يتحوّل داخلاً في نمطيّات جاهزة و متينة يصعب التّعامل معها، في المستقبل، على أنّها ملكيّات سوسيولوجيّة، لتدخل في إطار البوتقة السّياسيّة السّريعة الشّرهة للاجتماعيّ شراهة الملح للماء؛

فلا تنجو من ذلك التّجاذب الاستقطابيّ السّريع أوضاع من مثل الأساليب الفرديّة و الشّخصيّة لتملّك المال، و تكديسه و ادّخاره، و بناء المِلكِيّة، و أشكال الزّواج، و تكريس السّلطات الضّيّقة و الأوّليّة، و الإعداد للانتخاب أو الاختيار السّياسيّ في مناسباته، و حتّى التّوجّه إلى الرّياضات الجماهيريّة (كرة القدم، مثلاً)، و علاقات البيع و الشّراء اليوميّة، و ممارسة التّجارات الرّيعيّة كتجارات العَقَارَات، و الحفلات الاجتماعيّة الشّعبيّة، و المناسبات الضّيّقة، و التّحصيل الدّراسيّ، و بيئة التّعلّم، و نوعيّات العلوم، و مجالس العزاء و "الذّكر"، و الأعياد الدّينيّة، و المناسبات الطّقسيّة كَ"الموالد" و غيرها، و سائر ما يتّصل بالتّجمّعات الأوّليّة الحاكمة لأجوائها بالتّقاليد و الطّقوس..، و الأحكام الموضوعيّة الأخرى، كالعادات و غيرها ممّا لا تحكمها المؤسّسة الرّسميّة التي من واجبها أن تعمل فيها على التّحويل السّوسيولوجيّ العقلانيّ من خلال نظرة شاملة و تأسيسيّة للمجتمع المتغيّر.. إلخ، إلخ.

و هكذا يدخل في إطار "البناء الاجتماعيّ" أو "التّغيير الاجتماعيّ"، الأوّليّ، كلّ ما يدخل في "الموضوعيّة" و "الوضعيّة"، و الذي يخضع، بالتّالي، إلى "العرف" و "اتّفاق النّاس"؛
و في هذا الإطار، فإنّه من المفهوم كيف أن على "المؤسّسة"، "الدّولة"، نفسها، أن تخلق موضوعيّاتها العقلانيّة الخاصّة بالسّوسيولوجيا، من أجل تأطير "الاجتماعيّ" بالعقلانيّة، و هي خطوة أولى في "الاجتماع" و "السّياسة" و "الثّقافة العامّة".

و بهذا القدْر أو ذاك تستطيع "الدّولة"، أن تساهم في التّكوين "الميتافيزيقيّ" للأفراد الاجتماعييّن ، قبل أن تستولي على اتّجاهات تكوينهم أو تغييرهم "ميتافيزيقا" العادات المُهملة في الاستراتيجيّات المؤسّسيّة، لتحصرهم ، فيما بعد، في منصهر "الثّقافة" المريرة المتمرّدة على "الدّولة" و على "المجتمع".

و تبدو هذه المهمّة التّغييريّة أو التّنظيميّة، شاقّةً، فعلاً، بخاصّة عندما نريد الدّخول إلى الأماكن المستترة في الوعي الفرديّ و التي تربّى عليها الفرد و اكتسبتها الجماعة، مبكّراً، قاطعين بذلك شوطاً كبيراً بالاستقلاليّة عن "المؤسّسة".

يمكن في حلّ أوّليّ، أو فرضيّة أوّليّة، أن يتوجّه الاهتمام نحو السّؤال: "كيف يتكوّن الوعي؟"؛

و عندما يتمّ اقتراح "الأجوبة" ؛ إذ ليس هنالك جواب واحد على هذا السّؤال ؛ اقتراحات على شكل فرضيّات علميّة و واقعيّة قابلة لأن تصير خططاً منظّمة عمليّاً ، فإنّه يمكن لنا أن نكون قد وضعنا قدمنا الأولى على باب "المستقبل" ؛

حيث من الواضح و الأكيد أنّنا لا يمكن لنا التّأثير بالماضي ، في الوعي ، بمفعول رجعيّ ، و لكنّنا نستطيع أن نقدّم الإسهام في مستقبل "التّغيير" الاجتماعيّ ، و هو مبرّر ما نبحثه الآن ، إذ من البديهيّ بضرورته أن يُشارك الإنسان الطّبيعة في إنجازاتها ، و بالتّالي فللدّولة أن تشارك المعطيات الفطريّة صناعتها للإنسان الاجتماعيّ الذي هو ، من هذا الجانب ، يمثّل موضوع التّغيير .

"كيف يتكوّن الوعي ؟" ، هذا سؤالٌ لا يستقيم ، إذاً ، عندما يكون السّائل هو "المؤسّسة" ، إذ يجب أن يكون عندها السّؤال هو "كيف نكوّن الوعي الاجتماعيّ ؟" ، أو "كيف نساهم في تكوين الوعي الاجتماعيّ ؟" ، و بالتّالي "كيف نغيّر بالوعي ؟" أو "أين تكمن قواعد تغيير العقل الاجتماعيّ ؟" ..

ينبغي أن يكون أوّل ما يخطر في بال "المؤسّسة" هو التّوجّه نحو مكامن "المواطنة" الاجتماعيّة ، بحيث تكون قادرة كمكان سياسيّ على ممارسة جميع أنواع الممارسات المادّيّة و الرّمزيّة ، التي تخلق و تكرّس و تُرغم على المواطنة .
و واضح إنّ الإرغام الاجتماعيّ على "المواطنة" لا يكون بالقسر و لو أنّه يحميه القسر و تؤطّره القوّة ، و لكنّه يبدأ بمجموعةمن الأفعال الهادفة إلى خلق واقع "المواطنة" و عناصرها المختلفة .

لا نرى أنّ هنالك داعياً للخوض في تفاصيل علامات المواطنة٪؜ التي ترسلها "المؤسّسة" كإشارات موجّهة و أفعال نموذجيّة ، تكفل ابتكار المحفّزات الكافية لخلق الدّافع الاجتماعيّ إلى المواطنة ؛

و هي على كلّ وجه محصورة و محدّدة بتلك المنظومة العموميّة التي تتوجّه إلى الواقع الاجتماعيّ المباشر ، في التّكوين و التّغيير التّربويّ ، و تأمين أنساق الخطاب المؤسّسيّ في جميع وسائله و أدواته و مفرداته المصطلحيّة المحدّدة ، و الواقع الاقتصاديّ المباشر ، بمختلف مكوّناته و مراحله ، و إلى تأمين النّموذج العامّ لكيفيّات الانتماء التي تؤسّس للمواطنة ، و التي يكون القيام بها مؤشّراً إلى الغيريّة السّياسيّة تجاه أفراد المجتمع .

يأتي في المقام الثّاني كيفيّة صيانة الانتماء إلى "المجتمع" ، عن طريق الملاحظة السّياسيّة الدّائمة للمعطيات المتطوّرة الدّاخلة في الحاجة إلى التّغيير و إيجاد أفضل القنوات الآمنة للتّغيير المطلوب و المناسب ؛

فعلى سبيل المثال ، ليس من واجب الدّولة أن تضخّ بسيل "الخدمات" و "المرافق العامّة" و الحاجات الأساسيّة ، في البيئات و التّجمّعات الأكثر تحضّراً و رقيّاً اجتماعيّاً ، بحكم الظّروف و الأسباب المباشرة ، و إنّما على "الدّولة" أن تتوجّه بكلّ طاقاتها إلى الأحياء و الأماكن و التّجمّعات الأكثر فقراً و حاجة ، من أجل تقليل الفوارق البيئيّة بين أنواع التّجمّعات ، و بالتّالي اختراق الوعي الجامد في أماكنه الصّلبة ، و ليس القيام بالعكس لتكريس و تعميق تلك الفوارق الاجتماعيّة ؛

و يقاس على ذلك سائر "الخدمات" ، إذ من المتعذّر على أبناء الفئات و الطّبقات التي تحتلّ أدنى درجات السّلم الاجتماعيّ ، أن يكونوا قادرين بوسائلهم و أدواتهم الخاصّة لتأمين حاجاتهم الحيويّة ، في مقابل البعض الآخر من الفئات و الطّبقات المحظوظة و الميسورة ، أصلاً ، و ذلك لانتفاء الوسائل و الأدوات ، بطبيعة الحال ، في الفئات الأولى و توفّرها في "الثّانية" ؛
فتبدو توجّهات مؤسّسات الخدمات المختلفة ضروريّة في التّمييز الاجتماعيّ الأكيد ، ليس كما هو حاصل حتّى اليوم ، و إنّما على عكس ما هو حاصل و يحصل ؛
الأمر الذي يمنع استبداد الفئات المحظوظة بالفئات الضّعيفة بمساعدة و بسبب "الدّولة" ، كحكومة و مؤسّسات ، بالذّات .

تبدو بعض "المفارقات" في بنية الدّولة السّياسيّة و الحكوميّة ، أقلّ أهمّيّة و تأثيراً ممّا هي على الحقيقة في واقع الأمور ، و هنا على "الدّولة" أن تجيب على "الأسئلة" التي كنّا قد سقناها أعلاه ؛ فتدرك أنّ عليها إغداق المرافق العامّة في الأمكنة الاجتماعيّة الأقلّ تطوّراً و الأفقر و الأبسط و الأكثر حاجة إلى العناية المباشرة ؛

و لا أتحدّث فقط ، هنا ، على تلك العشوائيّات المنتشرة في أحزمة المدن السّوريّة ، و إنّما ، أيضاً ، على تلك البؤر المنغلقة على فقرها و تخلّفها و محدوديّتها في قلب المدن الكبرى ، أحياناً ، و ، أيضاً ، حتّى إلى أقصى البيئات ذات الحياة البدويّة التّرحاليّة ، إن كان الأمر يساعدها على الاستقرار .

إنّ "الضّياع الاجتماعيّ" .. بما هو مصطلح يُشير في جنباته إلى ما يفوت على المجتمع و الدّولة من كثافة تكوينيّة مرغوبة و ضروريّة و مؤطّرة و موجّهة ، إنّما هو مصطلح يوازي ، مباشرة ، مصطلحات من مثل "التّخلّف الاجتماعيّ" و "المحدوديّة الاجتماعيّة" و "الانغلاق الاجتماعيّ" .

كبيرةٌ هي الفوارق بين مجتمعاتنا و المجتمعات التي كتبت لها "النّظريّات الاجتماعيّة" و "المنظومات الفكريّة السّوسيولوجيّة" المتطوّرة ، و لا يزال يفصلنا عن تلك الأطر الاجتماعيّة المقنّنة و المضبوطة الكثير من الأوّليّات التي نفتقدها في مجتمعنا ، بحيث لا تعود تنطلي على أحد مزايدات أصحاب الأفكار السّطحيّة المحمّلة بغبار "الفكر الغربيّ" الّليبيراليّ ، لأنّها تقع في غير مواقعها العمليّة في الحقول الاجتماعيّة المختلفة أشد الاختلاف في بيئتنا الخاصّة .

و على أنّنا مصرّون على أنّ ثمّة اختلافات كبيرة بين مضامين علوم الاجتماع ، بحسب الزّمان و المكان العالميين ؛
إلّا أنّنا نتفهّم و نؤيّد واقعيّة مفاعيل تلك البديهيّات التي تحكم التّشابه الإنسانيّ في السّلوك ، و بخاصّة في إطار ردود الأفعال ، و الأفعال مبهمة الدّوافع ، في جميع المراحل الاجتماعيّة التّاريخيّة ، بالعموم ، و في إطار الخضوع الحتميّ لقوانين موضوعيّة حاكمة للاجتماع ؛

و في هذا الإطار ، فإنّه من المفيد أن نقرّ بموضوعيّة التّصنيف الاجتماعيّ من حيث البنية و النّسق و الهدف العامّ في التّفاعلات الاجتماعيّة ، لنكون قادرين على وضع أقدامنا في الأرض الصّلبة عند تقدّمنا في هذا العالم المتشابك و الصّعب .

كان من أهمّ من تميّز ، في تاريخ "علم الاجتماع" ، بنموذج نظريّ و عمليّ في التّنسيق الصّنفيّ لهيكليّة الظاهرة الاجتماعيّة (المجتمع) ، "البارون" البريطانيّ ، و "عالم الاجتماع" ( أنتوني جيدنز ) المولود في عام (1938م) ، و صاحب نظريّة "الكلّيانيّة الانبنائيّة" ، التي تميّز في "المجتمعات" ما بين "البنية" و "النّسق" و "الانبناء" ، حيث "البنية" و "النّسق" هما البعد "الماكرويّ" في "البنية الاجتماعيّة" المزدوجة ، بينما يقوم في "المستوى الميكرويّ" ، هناك ، ما يقع بالفعل الإنسانيّ الذي يرتكز فيه الفاعلون على القواعد و الموارد التي تشكّل الملامح الأساسيّة للفعل البشري الصّادر عن النّاس ؛
و أمّا "البنية" في "المستوى الماكرويّ" فهي القواعد و الموارد المنظّمة و المتواترة و القائمة بمعزل عن الحدود "الزّمكانيّة" ؛
في حين أنّ "النّسق" ، في هذا "المستوى "نفسه" ، هو العلاقات التي يُعاد إنتاجها من قبل الفاعلين و الأفراد و الجماعات ضمن النّطاق "الزّمكانيّ" الواحد .

[ راجع : أنتوني غيدنز .علم الاجتماع ] .

تحتاج "المشكلة الاجتماعيّة" (المشاكل) إلى خيالٍ نظريّ نقديّ واقعيّ و علميّ في وقت واحد ؛ ذلك أنّ تصوّرها ، نفسه ، يساهم في تحديدها و تأطيرها و معاينتها ، ناهيك عن أنّ "النّظريّة النّقديّة" التي تؤسّس للمعاينة و المعالجة ، تؤسّس لوجود "الوقائع النّظريّة" ، فتساهم بذلك بوجود الشّكل "المعايَن" و المحدّد لطبيعة المشكلة النّاجمة عن "الواقعة" الوضعيّة الاجتماعيّة ؛

ما يعني أنّ "التّغيير الاجتماعيّ" ، شأنه شأن أيّ عمل خلاّق ، يحتاج إلى التّوصيف النّقديّ الأوّليّ للواقعة التي جعلت منها ظروف تكرارها و نتائجها غير المرغوبة ، مشكلة من مشاكل المجتمع المتخلّف ؛

و هذا الأمر يحتاج إلى "الجرأة" في تصوّر "المشكلة" ، بناءً على جرأة ابتكاريّة و إبداعيّة في تحمّل مسؤوليّة الواقع ، و هذا ما نفتقده ، بالبداهة ، حتّى اليوم .

إنّ مجرّد إهمال الظّروف الاجتماعيّة بوقائعها المستحيلة إلى مشاكل نمطيّة أو نموذجيّة ، لا يعني اختفاء هذه الظّروف أو انعدام المشكلة ؛

و غالباً ما تلجأ "المؤسّسة" أو "الدّولة" إلى أسلوب "التّجاهل" المضني للوقائع التي تضع في نصب عينيها ظروفُها ، الجريمةَ الاجتماعيّة على التّحديد ؛

و يرجع ذلك ، أوّلاً، إلى الإهمال المتكدّس للوقائع المتكرّرة ، تحت زعم أنّ أترك ، مثلاً ، أو أن أؤجّل ، ما هو عليّ من واجبات مباشرة ، سياسيّة و حكوميّة و إداريّة ، و فكريّة ، و أخلاقيّة ، إلى غيري ، لعلّه يقوم بها ، أو لعلّه ، يُدوّرها ، أيضاً ، إلى آخرين !

و في ضوء ما تقدّم فإنّ القدرة على اكتشاف "نظام القرابة" بين الوقائع الاجتماعيّة التي يُبدي ظاهرها تباينها الشّديد أو العمليّ ، ذلك أنّها (القدرة) ممّا يجعل الفعل السّياسيّ و الحكوميّ و المؤسّسيّ ، أكثر اقتصاديّة و أوقع في العلل الحقيقيّة و أكثر قدرة على اختزال المناورات السّلوكيّة ، و ذلك من أجل التّوجه المباشر إلى جوهر المشكلة التي أصبح تحديدها ، في خضمّ التّفاصيل الاجتماعيّة ، أكثر إمكانيّة و علميّة و مردوديّة ؛ على اعتبار أنّ "المردوديّة" الاجتماعيّة ، كما نوهنا به ، هي من المقاييس الضّيّقة و المباشرة التي يتوجّه إليها الحسّ الاجتماعيّ غير النّقديّ ، و غير المطالب في مراحله الابتدائيّة أن يكون غير كذلك .

في مراحله المفصليّة التّاريخيّة لا يُطلب من "المجتمع" المغلق و المنغلق أن يكون مجتمعاً نظريّاً قابلاً للتّجاوب مع النّظريّات و الأقوال و الشّعارات التي تردّدها ، عادة ، منظومة المؤّسّسات في الدّولة ، كخطاب سياسيّ تحتاجه الدّولة في الإعلام ؛

و في المراحل التّغييريّة الاجتماعيّة الانتقاليّة يُصبح من الضّروريّ تأويل الفعل على الجملة المقولة ، بل و على العكس ، و أعني استبدال الفعل بالقول ، ذلك أنّ الحساسيّة الاجتماعيّة و الذّائقة الفطريّة في أدنى مستوياتها البنيويّة و التّكوينيّة ، إنّما هي ممّا يستجيب إلى "الفعل" و ليس إلى "القول" ؛

و يعتبر هذا الأمر من قبيل التّحدّيات التي تعترض "المؤسّسة" ، لعلّة اشتراك المستويّات و الطّبقات التّكوينيّة الاجتماعيّة بالجماعات نفسها خارج المؤسّسة و في تلك التي تكوّنها ، هي ، أيضاً ، بالذّات .

طبيعيّ أن يوحي لنا العمل السّياسيّ بمردوده الاجتماعيّ ، بهذه الصّعوبات ، و طبيعيّ ، بالتّالي ، أن يُنظرَ إلى "التّغيير الاجتماعيّ" كفعل "نادر" في التّجربة و في الأداء في مجتمع مثل مجتمعنا ، الذي تأسّس و تكوّن و استقرّ على عادات سياسيّة و بنية مؤسّساتيّة لا تلبّي هذه الحاجات الاجتماعيّة ، بالسّهولة التي يفترضها الكثيرون ؛

و أكثر من هذا ، في مجتمع يعتاشُ فيه البعض على مشكلاته الاجتماعيّة ، نفسها ، و يستثمرها باتّجاهات استغلاليّة تمنح مستثمريها "السّلطة" و "المال" و "الفاعليّة" المزيّفة ، و الأهمّيّة الفارغة .

هنالك ، فكريّاً ، ما يؤكّد أنّ القواعد الثّقافيّة الاجتماعيّة العامّة تستطيع أن تستبق البنية الثّقافيّة الخاصّة التي تحدّ من اندماج "الجماعات" المختلفة في سوسيولوجيا عامّة تخضع للنّقد النّظريّ ، على شرط أن تكون تلك القواعد من النّوع التّرغيبيّ بالمردود الاجتماعيّ ؛
فالمنشآت الاجتماعيّة التي تعود بالفائدة الواضحة للأفراد و تدمجهم في السّلوك ، و العمل ، تشكّل حيّزاً هامّاً لإنتاج القابليّات النّفسيّة السّوسيولوجيّة للاندماج ، كأن تكون تلك المنشآت من النّوع الذي يشكّل مرافق عامّة ذات قيمة تبادليّة واقعيّة مقارَنةٍ ، و في الوقت نفسه تقدّم مجاناً للأفراد الاجتماعيين .

و تدخل تلك الآليّات التي تمكّن الجماعة الواحدة من التّمايز الهرميّ الذّاتيّ ، في عداد القواعد العامّة التي تخلق حوافز المسؤوليّة الاجتماعيّة في البيئة المكانيّة الاجتماعيّة الواحدة ، مع ربط تلك الحوافز بأطر أوسع على صعيد التّواصل المتبادل ما بين الجماعات ، بحيث تُصنع الجسور الحافزيّة للتّبادل الاجتماعيّ الأوسع الذي يتطوّر في أطر من الجماعيّة المتعدّية نحو صيغة عامّة للمجتمع .

فالمردود النّفسيّ هو جزء من المردود الاجتماعيّ الذي يظهر للفرد أو للأفراد في صيغته المفيدة ، في الحافز المنبعث من التّمايز الهرميّ الذّاتيّ في درجات السّلطة و التّبعيّة و الخضوع و الإخضاع إلى نظام محلّيّ ضيّق و مقبول ، و يستطيع أن يتواشج مع حافزّيّة أوسع عن طريق المنافسة أو عن طريق الاحتياج المتبادل ما بين المجموعات المتجاورة أو المتباعدة ، في دائرة تكون فيها القيادة في التّأثير للمؤسّسة العامّة النّاضجة في أهدافها الاجتماعيّة السّياسيّة .

و الأمثلة كثيرة على هذه الحافزيّة و لكنّ أشهرها تلك التي تتمثّل في تحريض مردوديّة المنافسة في المباريات الأهليّة الخاصّة المتعلّقة بجانب من الجوانب الحيويّة أو أكثر من الشّؤون الحيويّة المحلّيّة و المتنوّعة بحسب الجماعة نفسها و طقوسها و عاداتها و اهتماماتها و حاجاتها ذات الجانب "الاجتماعيّ" ، مدعومة بالحوافز المتناسبة مع أهمّيّة الهدف الاجتماعيّ و السّياسيّ التي تسعى وراءه "الدّولة" في سبيل تقوية عوامل الاندماج و سهولة و معياريّة القياس العائديّ من فكرة و عمليّة الدّمج نحو "التّغيير" .

إنّ "العمل" الاجتماعيّ المحلّيّ ، بالذّات ، في إطار الحاجات الأهليّة ، في المكانيّات الأوّليّة ، هو إعداد نفسيّ حافزيّ يُخضع البنية الجسديّة و النّفسيّة و الدّوافع و المؤهّلات ، لعمليّة من عمليات إعادة الصّياغة المختلفة لجوانب الشّخصيّة ..
و ذلك عندما تكون أهدافه "الاجتماعيّة" العامّة مدروسة و مخطّطة الأهداف و النّتائج ، هذه التي ستشكّل عتبات الانطلاق الجماعيّ إلى "المكانيّات" الاجتماعيّة الأوسع التي تقبل أن تكون "المؤسّسة العامّة" هي المقياس لها في مرحلة التّوسّع المكانيّ للصّيغة الاجتماعيّة العامّة التي تتجاوز فيها النّتائج و الأهداف "أهليّة" المكان الاجتماعيّ الخاصّ ، نحو المكان الاجتماعيّ المدنيّ في المتّحد الاجتماعيّ .

تظهر أمثلة "التّغيير الاجتماعيّ" العمليّ ، انطلاقاً من أبسط الحاجات الاجتماعيّة التي تدخل في مردوديّة الاهتمام و العمل و النّشاط ، و ذلك بدءاً بالصّحّة العامة و البيئة و التّعلّم و التّعليم و الاحتفالات الشّعبيّة في إطار الطّقس المحلّيّ و العادات المفيدة و الزّراعة و الصّناعات الصّغيرة (المينيفاكتورة) و الحرف اليدويّة و المبادرات الفرديّة و كلّ ما يدخل في هذا المجموع ، من حالات لصيقة بالبيئة الأهليّة الأوّليّة المؤسّسة للاجتماع المدنيّ في صيغته المردوديّة الملموسة بالنّسبة إلى فئات السّاكنين ، و بما في كلّ ذلك من إمكانيّة تحفيزيّة على "الفعل التّطوّعيّ" المربوط بمردوديّةٍ إشهاريّة و اعتباريّة إعلاميّة عالية و ملموسة.

ربّما ينطلق كلّ ما تحدّثنا فيه من منطلق التّغيير الضّروريّ و المنطقيّ من أجل تحفيز "العقلانيّة" في الاختيار.

و على رغم ابتعاد مجتمعنا عن مواقف الاختيار "العقلانيّة"، نظراً لتدنّي التّكوين الشّخصيّ المستقلّ عند الأفراد؛ إلّا أّنّه من الواجب أن يُنظر إلى "وضعيّة" المشروع برمّته، على أنّه اختيار عقلانيّ من أجل توطيد دعائم العقلانيّة الاجتماعيّة في "التّغيير".
و كمثال على هذا "الحدّ" يمكن تشجيع الأعمال التي يُنظرُ إليها باستخفاف و احتقار، و التّشجيع على التّأطير الاجتماعيّ الموجّه و الهادف فيها، عن طريق إحاطتها باعتبارات مادّيّة و رمزيّة جديدة تبدأ بتفضيلها بالأجور الممتازة و غير العاديّة، و لا تنتهي عند هذا التّفضيل؛

و هذا مثالٌ، أيضاً، على تطوير ممارسة الاختيار العقلانيّ عند الأفراد و الجماعات، و حتّى منها التي لا تزال منخرطة في أبعد "التّضامنيّات" الأهليّة، عن العقلانيّة.

و على رغم هذه "الحقيقة"؛ فإنّ مهمّة "المؤسّسة" هي، قبل كلّ شيء، أن تتمكّن من قراءة "الأوضاع" و "النّظم" الاجتماعيّة المضطربة في مشهد ما تُسمّيه "الظاهريّاتيّة الاجتماعيّة" [(هوسّرل)، و (شولتز)، بشكل أساسيّ] واقع "المؤامرة" الاجتماعيّة الشّاملة.

و ما نفهمه من ذلك هو "الصّورة" التي تنتظم الأنساقَ الاجتماعيّة المختلفة في كلّ فعل ذي مغزى يظهر بمظهر "النَّدرة" الاجتماعيّة التي، هي، وحدها القادرة على إضفاء القيمة في إطار "المؤامرة" اليوميّة في الاحتكاك و التّبادل و الحاجة و الأنانيّة و السّلطات المتوارية فيالاجتماع؛
فيما يُعبّر "الاضطراب" عن ذاته، في كلّ ما عدا "أفعال النّدرة"، بالّلامعنى و الّلاجدوى و الّلاعقلانيّة المتطرّفة.

و إذا كان هذا هو "الواقع"، بالفعل، أو الجزء الأهمّ من هذا الواقع، فإنّ دور "المؤسّسة" بوصفها "الدّولة"، هو أن تعمل على "عقلنة" هذه "المؤامرة" و ثنيها في مفردات طبيعة "الاجتماع"، بالذّات؛ موجّهة معطيات هذا الواقع في اتّجاه تغييره و تطوير واقع الأداء الاجتماعيّ، سواءٌ أكان في إطار "المؤامرة" أو في إطار "الخيريّات العامّة"؛

فالمهم أن لا تغيب "الدّولة" عن حضور هذه "المناسبات"، أيّاً تكن مضامين هذه "المناسبات".

تبدو الصّورة الاجتماعيّة للمجتمعات المتخلّفة أوسع تعقيداً و أدقّ فهماً، مما هي عليه في المجتمعات المعاصرة في دول الغرب المتجاوز للمشاكل و المعوّقات، التي تنتاب مجتمعاتنا المكبّلة بالماضي الثّقيل و الحاضر المتردّد و الرّكيك و المستقبل المجهول أو شبه المجهول، في إطار أداء فرديّ قاصر و أداء مؤسّساتيّ جاهل و مستهتر و عاجز عن مواكبة حاجات المجتمع، نفسه، إلى التّغيير.

ليس أساس "المجتمع" أو العالم الاجتماعيّ، هو تلك المعرفة التي نكتسبها بالسّليقة و الفطرة الخاضعتين للمعالجة الفرديّة و الفهم الشّخصيّ و الإدراك الذّاتيّ و المنفرد، عندما نكون في صدد الحديث على "عقلنة" المؤسّسة لظروف "الاجتماع" عن طريق التّدخّل الصّارم في اتّجاهات و ميول الجماعات، و بخاصّة في المجتمعات المتنوّعة كما هو الأمر في مجتمعنا السّوريّ؛

و نحن في مثل هذه الحالة، يجب أن نكون مستعدّين، دوماً، للأسوأ و المجهول، و هذا ما يتنافى مع "عقلانيّة" المؤسّسة، نفسها، و عقلانيّة "الدّولة" كظاهرة "عقليّة" في التّاريخ.

إن "التّغيير الاجتماعيّ" مطلوبٌ من أجل مواكبة الذّات الاجتماعيّة، نفسها، قبل أيّ دافع آخر، و التي تنمو حاجاتها باستمرار في إطار الضّرورات التّطوريّة الحضاريّة للآخرين؛

و سوف يُلحّ الأمر علينا، أكثر فأكثر، بخاصّة عندما نحتاج إلى أن نكون مجتمعاً فاعلاً في دولة قويّة تستطيع مضاهاة دول العالم الأخرى، و في أقلّ الأمر، عن طريق فهمنا للّغة المعاصرة التي يتحدّث بها العالم المتحضّر.

***

أدناه تعقيب الشاعرة هيلانة عطا الله:أ هيلانة عطا الله

تحيتي وتقديري لسعادة السفير المفكر د. بهجت سليمان لقدراته الخﻻقة في هذه الأبحاث الاستراتيجية، وليسمح لي بإسقاط بعض جوانب هذا البحث على بعض المعطيات التي تختص بها الجمهورية العربية السورية اجتماعيا وثقافيا وتاريخيا وجغرافيا..

إن التنوع يشكل السمة الأبرز لبلدنا بطبيعته المتنوعة بالتضاريس والمناخات والثروات وبحدوده الجغرافية التي تفصله عن بقية الدول من سلاسل جبلية وصحارى وبحار، وبتركيبته الديموغرافية والسكانية التي تتجلى بتنوع ديني ومذهبي وإثني وطبقي، وبنظرة الى تاريخ سورية نرى أنها تعرضت لجميع أنواع الاستعمار القديم والحديث والمباشر وغير المباشر ، مثلما تعرضت أيضا إلى الغزو الثقافي في عصر العولمة الذي تقبض على ناصيته الصهيونية والبيت الأبيض..
ونرى تنوعا في الثقافات والعادات التراثية والفنية في المجتمع السوري، مثلما يوجد أيضا تنوع في الانتماءات الحزبية سواء في الاحزاب المرخصة او الناشطة بأشكال خطرة لا مجال لشرحها هنا..

ولا يمكننا إغفال ماعرف عن الشعب السوري من ذكاء سواء ما اتصف بالذكاء الهدام أو الذكاء البناء، وكذلك حب هذا الشعب للسيادة على المستويين الفردي والجماعي "قبائل وعشائر وأرياف ومدن"؛ وعليه فإن الدولة ممثلة بحاكميتها السياسية والاقتصادية وببرلمانها ومجالسها المحلية، لا يمكنها إﻻ أن تتوخى الوضوح في خططها وبرامجها وفي خطابها لشعبها من جهة، ولابد لها من التشاركية الحقيقية معه في صنع القرار..

فكم شهدنا من حالات تقصير في هاتين الثيمتين لدى بعض مؤسسات الدولة ممثلة بالقائمين عليها، ما أدى إلى إفشالها من قبل المرؤوسين، إما بالإهمال والاستهتار، أو بالهدر أو بالفساد أو بالالتفاف على القوانين والأنظمة، أو بالابتزاز كردة فعل سلبية ، بمعنى أن هذا الشعب ليس من النوع المستكين..
ولذا من الأهمية بمكان تفتيق طاقاته الخلاقة وتوظيفها في عملية البناء وإشراكه بالحاكمية، مع الحرص على ألإمساك بالبوصلة من قبل الحاكم "الدستور والمسؤول".

الشعب السوري قوي الشكيمة ويصعب قياده، وفي آن معا لا يستحيب إلا إلى الحاكمية القوية، وهذا يرجح أن نعطيه حريته وأن تسود الديموقراطية العلاقة بين الحاكم والمحكوم، مع القبض على وشائج هذه العلاقة، نشدها ونرخيها حسب طبيعة الظروف والمستجدات المحكومة بالحركية الدائمة؛ ولابد من التجانس بين القوانين وبين التنوع الاحتماعي الذي ذكرته أعلاه، بما في ذلك مواد الدستور لملامسة جوانب الحياة المتشعبة والمتنوعة، وأحيانا المتناقضة.. وخاصة بعد هذه الهزة العنيفة التي تعرض لها المجتمع السوري.

ولئن كنا وما زلنا متيقنين من أن مشروع طمس الهوية العربية السورية وتفتيت البنية الاحتماعية وإضعاف الدولة، مآله في آخر المطاف إلى الفشل..
فهذا يحتم علينا عدم الاسترخاء والطمأنينة التي تأتي عادة بعد الانتصار، لأن ما بعد الحرب ليس كما هو قبلها وخلالها، فعملية البناء هي معركة حقيقية، تتم من خلال وضع خطط وبرامج حسب الأولويات، وعلى أن تكون ذات جدوى في الواقع المعيشي للمواطن، مع توخي العدالة في عملية التنمية، وفي تقديم الخدمات مناطقيا.

وﻻ يجوز على الإطلاق إغفال دور المؤسسات الثقافية في عملية البناء التنويري التوعوي، لأن أزمتنا في جذورها ثقافية وأخلاقية..
كما لابد من اتسام الخطط الاقتصادية بجدوى عائديتها الاجتماعية.. فالإقتصاد حامل مهم للسلوك الاجتماعي..
على سبيل المثال نرى الفقر أحد عوامل الجريمة، والتفاوت الطبقي الحاد أحد عوامل ضعف البنية الاجتماعية، ونرى المنتج الاقتصادي والسلعة أحد عوامل التأثير في سلوك الأفراد وهكذا...

ختاما ، أنا لست مع مقولة "كما تكونون يولى عليكم" إلا بحدود ضيقة، فعملية البناء تحتاج إلى حاكمية قوية مستمدة من سلطة الدولة، مع توفر العدالة لإحداث التحولات الاجتماعية والثقافية، الكفيلة ببناء دولة قوية قادرة على مواجهة التحديات، التي لن تنتهي بانتهاء هذه الحرب الظالمة.

***

فيما عقّب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الرزوق1

في سلاسلك تتزاحم مصطلحات التكوين و هي تؤسس بناء التكوين الذي سيتجدد بالحداثة أو ما بعد بعدها و سيمضي بكل عواصف العولمة كي يقاوم كل أنواع الزلازل الوجودية الكبرى التي لن يتكون بعدها وجداناً وطنياً اجتماعياً ما لم تقدر على تدمير الموروث العنيف لحيثيات الإقصاء الذي ما أدركه تورين و لن يمسك به غيدينز..

و لن يطاله ماكس فيبر في كل نظريات الحداثة حتى الهيدجرية منها التي تسبق الحداثة بأشواط لا تحصى و عليه فإن الباراديغما التي خرجت من أعماق توين و زفراته الفلسفية في تحديد التفاعلات مع سلوك علمي معين أو نظرية وجودية حاسمة تكاد تتلاشى في البنيان المخلخل في المجتمعات الدينية التي تؤيد من الديمقراطية لا ديمقراطية دينها بفلسفة الغرابة و التناقضات.

لقد عصفت بالمجتمع السوري و بتكوينه الاجتماعي مفاهيم ضالة مضللة منها أن الولاء يسبق الانتماء و منها أن الانتماء هو من أوجه الولاء و الحقيقة أنه لا ولاء قبل الانتماء..
و لو أن الدكتور بشار حافظ الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية لم يجسد أعلى درجات الانتماء بمفاهيمها الخارجة من حب الذات إذا لم نقل المنسلخة عنه و الخارجة من قمقم المناطقية إذا لم نقل أنها أنكرتها بالمطلق لم نكن لنعلن الولاء الوطني له كشخص أنكر ذاته ما أمكن حين وجدها في الذات الوطنية التي تستوعب كل شيء يحمي وجدان الوطن و يرفع سقف المواطنة كي يغدو سماء لا تتساقط على رؤوس من ظنوا أنها رفعت دون عمد.

و ما العمد إلا لغة المحبة التي و لو أنها ما بدت لا لأنها سراب بل لأنها تشف عن مدلولات خوفنا التي تخشى الظهور و لا بد ستظهر ذات حقيقة ناصعة تنصف الانتماء و تجعل الولاء من صور الانتماء لا الانتماء من تبعيات الولاء!

و ما يختلط على الجمهور في نظريات التطوير الاجتماعي هو الهوية الهجينة التي تبدو مكمن خطر متلازم بل متلازمة خطيرة بحد ذاتها إذا ما لم يتواءم التغيير الصبغي في سلاسلها مع الصدمات التي يجب أن تصيب كل نواحي المجتمع.

و عليه فالهوية الهجينة هي نوع من التوازن الجديد غير المشوه لكن عندما تتحول إلى صبغي دخيل يلغي الهوية النقية و يغير تركيبها البنيوي برمته تسقط عندها بهذه الهوية الهجينة مفاهيم الولاء و الانتماء.

و الهوية مكان نحن نقدر على التحرك ضمنه وفق المتاح لعلنا نستطيع تغيير مكان السكن و لربما رقم الخانة و لكن إذا ما أردنا نسف الجنسية فنحن ننسف الهوية لتغدو شظايا في انتماء متكسر لا مرآة له لا في الهوية النقية و لا حتى في الهوية الهجينة الخالقة لتوازنات المكان و لتوازنات المصالح التي تبقي الانتماء..
بقدر ما تحاول توسيع آفاقه فالانتماء يبدأ من حلقات صغيرة و يتسع كما يتسع الوطن بالرؤى و المفاهيم و السياسة و السلطة و الحدود و الكيانات المختلفة بوصفه كياناً شاملاً لا يتجزأ مهما تجزأت النظريات التي تعلن الولاء له في دنيا الانتماء الذي بات انتماءات لا تحصى لمن باعوا الوطن و هم يطرحون نظريات تغييره من الداخل مع أنهم لا يمتون له بأية روابط ولاء و كما قلنا لا ولاء دون انتماء!

التطوير الاجتماعي في سورية بات لغة من لغات الشرع الديني و من لغة التقسيمات التي لا ننكرها بقدر ما نعلن عدم رغبتنا في إسقاطها مؤسساتياً بعيداً عن تطوير الكفاءات فالكفاءات قبل الولاءات في مشوار الانتماء الذي ما زال بعيداً للأسف..
و هذا بحد ذاته يؤشر لطامة كبرى نعيشها و نتعايش معها و لابدّ أن نمسك عجلة التغيير كي تطأ الموروث الذي لم تقدر الحكومة على نسفه لا ديموغرافياً و لا سوسيولوجياً بل بلغة التقسيمات باتت تجسده و تحميه و كأنه هويتها الهجينة التي طغت على هويتها الوطنية النقية التي يشوبها في هذه المراحل الفساد و تجار الوطنيات الزائفة..
الذين للأسف هم في مواقع القرار و يمسكون كل مفاصل التغيير و يبقون هذا التغيير في دروج النسيان كي لا يخرج كالمارد الذي سيبتلع الجميع و هو يحرر الهوية لكن ليست تلك التي في مصباح علاء الدين بل تلك المزروعة في نفوس الطيبين الذين ما زالوا في أمكنة المجهول!

لنا بسلاسلك كل بنيان وطني يعلو بالانتماء ليغدو ولاء وطنيا لا بالولاء الذي لا ينتمي إلا إلى اجتثاث الوطن ليسقط أدنى مفاهيم الانتماء و لك منا كل الحب دكتورنا الغالي اللواء السفير بهجت سليمان.

***

كما عقبت الدكتورة رشا شعبان:أ رشا شعبان

كل التحية و الاحترام دكتورنا الغالي لك و لما تقدمه لنا من موضوعات بحثية تتناول واقعنا و إمكانيات تحولاتنا الراهنة التي تفرض علينا امتلاك الرؤية و التحليل و الأهداف في انعطافاتنا التاريخية نحو ما ينبغي أن يكون.

و مما لا شك فيه أن مسألة التغيّر الاجتماعي ليست صدفة محضة، و لا تراكما اعتباطيا في سيرورة المجتمعات، بل هي مزيج من القصدية و الغائية في إعادة الإنتاج الاجتماعي، مع اعترافنا أن الحتميات الاجتماعية و الثقافية هي أقل قسراََ من الحتميات في عالم البيولوجيا و ناموسيتها المحدّدة و المقوننة.

و هذا يعني أنه ليس بالضرورة امتلاكنا لأهداف تغيرنا الاجتماعي و لزومياته، إدراكنا للقصدية من إعادة الإنتاج الاجتماعي، أن تأتي النتائج من التحول و التغيّر متطابقة كلياََ مع الأهداف و المقاصد من التغيّر أو التحول.

و هذا مردّه طبيعة مجموعات التدخل في عملية إعادة الإنتاج، و العلاقة الجدلية بين الممكن و الواقع، و جدلية التمفصل و التواصل مع الطبيعة التاريخية للمجتمع.

و كذلك طبيعة مجموعات الثبات الكابحة في المجتمع ذات المصالح في الإبقاء على ما هو راهن، و التي تتمثّل أحياناََ في ما هو ديني أو إقتصادي أو سياسي معيّن.

و من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن امتلاك القصدية في التغيّر الاجتماعي لا تعني القصدية بالمطلق، لأن سيرورة المجتمع و صيرورته هي نتيجة لجدلية القصدية التي تتعيّن في جملة القرارات الإنسانية الواعية، و اللا قصدية التي تتمثّل في جملة التحديات الاجتماعية التي قد يكون الإنسان غائباََ عنها، لكن تفعل فعلها في سيرورة التغيّر بشكل لا واعِِ أو غير إرادي.

و هذا نتيجة لطبيعة ما هو اجتماعي و إنساني عموماََ، و ديناميكيات التغيّر.

و بالتأكيد لا بدّ من امتلاك المشروعات في عملية التغيّر، و هذا ما نعنيه بالقصدية، و التي تحدّد الهدف و المنهج و الأدوات.

و من الخطورة بمكان أن يكون البون شاسعاََ بين الوعي الاجتماعي و بين مشروعات الدولة القصدية في التغيير و إعادة الإنتاج الاجتماعي ، لأن ذلك يعني غياب الحامل الاجتماعي للدولة في عملية التغيير المنشودة..
و كلما كان الوعي الاجتماعي متأخراََ عن وعي الدولة لمشروعات إعادة الإنتاج و ضرورتها ، كلما ارتدّ التغيير سلباََ و واجه معرقلات و كوابح تحرف التغيير عن أهدافه و قصديته.

نعم نحتاج لقراءة وضعية مباشرة لمشكلاتنا، و غني عن البيان أن رصد المشكلة الاجتماعية و تعيين موضوعها و تحديدها يمتلك نصف الحل في معالجتها و استئصالها.

و لا نجانب الصواب إذا ما أكدنا على مفهوم الاستحقاق عند اختيار المفاصل الاجتماعية و السياسية التي من المفترض أن تكون القائدة و الرائدة في عملية التغيير المنشودة، حيث أن وصول أفراد إلى مواقع مفصلية و تتحمّل مسؤوليات قيادة التغيير، و غير استحقاقية، سوف تكون العدو الأول للتغيير و التطوير، و ستتحول إلى مجموعات كابحة و مضادة له من حيث الجوهر و المنهج.

و كذلك تغلغل أصحاب البنى الفكرية الثابتة و هي مجموعات الدين و المصالح الاقتصادية و السياسية الملغومة و المستترة أحياناََ و المعلنة عن ذاتها أحياناََ أخرى.

نعم إن الدولة تعتبر من أهم مجموعات التدخل في صياغة و تكوين إعادة الإنتاج الاجتماعي، وهي مهمة شاقة لكن لابدّ منها، في مواجهة مجموعات الثبات الضاغطة و التي تعمل على تكريس واقع سكوني تنمو من خلاله و تتكاثر.

و لا شك أن الوعي لا ينتج ذاته بذاته، بل هو نتيجة تضافر مجموعة مؤسسات ثقافية و تربوية و علمية في المجتمع، ومن هنا تأتي أهمية امتلاك تلك المؤسسات لمشروعاتها الواعية و العقلانية و القادرة على التأثير و التغيير.

إن الاشتغال على تطوير و تقدّم العقل الاجتماعي ينبغي أن ينطلق أساساََ من القدرة على صياغة مشروع المواطنة، ف المواطنة ليست مقولة سياسية فحسب، بل هي مفهوم ينطلق من أهمية إنتماء الفرد للعقل الاجتماعي الذي يتوحّد في مجموعة المعايير و القيم و المصالح الأهداف التي ينشدها المجتمع ويعمل على توطينها.

و ليست المواطنة عملية قسرية ، لكنها أيضاََ ليست صدفة و فوضى، بل هي صيرورة ذات أهداف و وسائل مباشرة و غير مباشرة..
إنها صيرورة و سيرورة تربوية و تنموية لها أسس، و عقدية بين الدولة و الفرد .

نعم نحتاج إلى العقل النقدي في علاقتنا مع مشكلاتنا الاجتماعية، و العقل التوصيفي لما هو قائم، و امتلاك المعايير العقلانية السليمة لبناء ما يجب أن يكون، و امتلاك الجرأة و القوة في استئصال ما يعيق حركتنا تجاه المستقبل و البناء.

نحن مدعوون اليوم لإعادة إنتاج مجتمعنا، و التخلي عن النماذج الماضوية المحنطة، و الغربية الاغترابية عن واقعنا و المغرضة أيضاََ، علينا امتلاك مشروعنا الاجتماعي النهضوي، المنطلق من الدراسة النقدية لمشكلاتنا، و إبداع الحلول الواقعية و العقلانية، و اعتماد النهج العلماني في تعاملنا على المنظور الاجتماعي و السياسي و الفكري.

و من الأهمية بمكان إعادة إنتاج ما هو ديمغرافي في إطار شروط التنوع الثقافي و الديني العاكس لطبيعة فسيفساء المجتمع السوري، و عدم السماح بالمطلق لتمركز مجموعات ذات بعد مغلق و أحادي ساكن في منطقة معينة..
حيث أن الواقع أثبت إنحياز تلك المجموعات المكانية لكل ما هو رجعي و تطرفي و اغترابها عن المجتمع .

و كذلك لا بدّ من العدالة في اهتمام مؤسسات الدولة بالبنية التحتية في كل الوطن، و تطوير البنية المادية الثقافية و التربوية و الصحية و الخدماتية عموماََ، لأن الوعي هو أيضاََ انعكاس للعلاقة مع البنية التحتية في علاقته الإنتاجية مع الواقع.

كل الشكر و المحبة لك حكيمنا الرائع الدكتور بهجت سليمان، و أتمنى أني استطعت الإحاطة بما أمكنني من أفكارك الثرية.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4003401