الصفحة الرئيسية
n.png

د. رندة مارديني: في الحب...

الحب بأبسط تعريف له هو ذلك الانجذاب الذي نشعر به تجاه شخص معيّن من ضمن أشخاص كثيرين.. انجذاب نحو شخص متفرّد، جسد معيّن و روح معيّنة.. هو اصطفاء و اختيار.. و لكن ما الذي يحكم هذا الاصطفاء و الاختيار لشخص بذاته؟..

أفلاطون أولّ فيلسوف للحب صاغ نظرياته في الحب في "المأدبة" و هي تلك المحاورات الأفلاطونية التي تتضمن سبع خطابات أو مدائح للحب، يلقيها سبع ندماء بينهم سقراط.. و لعلّ أبرز هذه الخطابات هو خطاب أرسطوفانيس الذي يستحضر أسطورة الخنثى الأصلية أو توأم الروح، تلك الكائنات المزدوجة القوية و الذكية و التي مثّلت تهديداً للآلهة، مما دفع زيوس إلى شطرها، و حكم عليها ان تقضي حياتها باحثة عن نصفها الآخر.. أسطورة عميقة تظهر لنا دوما أنّنا كائنات غير مكتملة و انّ الرغبة في الحب هي ظمأ دائم للاكتمال.. هذه الرؤية كان لها نظيرها عند علماء النفس أمثال فرويد و لاكان و غيرهما و التي ترى في حبّ الآخر هو شعور بنقص في الذات، فالحب يأتي من الشرخ الموجود في اعماق انفسنا.. يجب ان نبحث عن الحب في اعماق الذات..

ثلاثة ملامح مميزة للحب أولها هو الاصطفاء او الانفراد بحبّ شخص واحد و هو ما ذكرناه.. و ثانيها هو الجاذبية تجاه شخص معيّن و هي مسألة لم يمكن حتى الآن تفسيرها تماماً.. وصفها أفلاطون بأنها رغبة في الجمال و رغبة في الخلود..

و لكنّ الموضوع أعمق من هذا بكثير.. الانجذاب نحو شخص معيّن هو سرّ مبهم تتدخلّ فيه كيمياء خفيّة، و انماط روحية، و تجارب طفولية، و خيالات تسكن أحلامنا..

المفارقة الثالثة التي تميّز الحب هي أنّ من يحبّ يحبّ الروح و الجسد معاً.. حب للشخص بكامله.. في الحب يتجاوز المحبّ جاذبية و جمال الجسد المشتهى باحثاً عن الروح، تصبح الروح محسوسة في الجسد.. و الجسد بدوره يُشتهى عند حب الروح.. الجسد هو معبد للحب.. و جميع المحبين اختبروا هذا الانتقال من الروحي الى الجسدي و من الجسدي الى الروحي في معرفة متمردة على العقل و اللغة.. و مع ذلك.. الطبيعة البشرية للانسان وسعيه للاكتمال تجعله يتوق دوما الى ما هو أغنى و اجمل.. قد نحبّ شخصاً و نتوق إليه, و لكن بمجرّد ان يصبح واقعاً مادياً ملموساً يتحوّل شعورنا الى شعور خجول بخيبة الامل.. إذ انّ عالم القيمة و الخيال دائماً أكمل و أجمل من عالم المادة الملموس و الذي يشوبه النقص و الفساد و الضعف..

منّا من هو أفلاطونيّ النزعة لا يملك إلّا أن يقع في حبّ القيمة العليا و لا تستوقفه تجلياتها على الارض إلّا بمقدار ما تشبه محبوبته في الخيال.. و منّا ممن يمتلك قلباً مرهفاً يستطيع أن يرى تلك القيمة الخافية العصيّة في تلافيف الواقع المحدود.. في تلك القلوب يكون الحب في الله و لله لا للوجود الحسّي الجسمي للأشخاص بالمطلق, و لكن لتزاوج هذا الوجود مع نفخة الروح التي هي وراء كلّ جمال و أساس كلّ خير و مصدر كلّ حق..

و لعلّ هذا ما يفسّر الظمأ الشديد الأصيل و الغريزي للإنسان لخوض تجربة عاطفية روحية غزيرة تتجاوز حدّ الاشباع الآني للذات الواعية الى الوصول الى المعنى الشامل المتسامي.. و ما أقلّ من يصلون الى هكذا تجربة و هكذا حب و هكذا معنى..

الحب لحظات يفقد فيها الزمن معياريته و قيمته و ليس وقتاً مستداماً، هو الخلود في مواجهة الفناء.. ربما.. هو احد ردود الفعل التي اخترعها الانسان ليواجه الموت و يحدّق فيه وجها لوجه.. من اجل الحب نسرق نحن البشر الفانون من الزمن لحظات تنفتح فيها بوابات الزمان و المكان حيث الهنا هو هناك و لحظة الآن هي الديمومة..

الحب هو لقاء و اندماج قطبين اثنين متناقضين يتكاملان ليكونا واحدا.. و هذا هو الخلود..

و لننهي موضوعنا لا بدّ من إضفاء رؤية صوفية على الحب.. فالحب عند الصوفيين هو القدرة على اختبار أكبر عدد ممكن من الاحتمالات التي قد تفيض من النفوس البشرية، و هو الذي يربط بين هذه الاحتمالات و يعطيك الاستطاعة على رؤيتها كلّها و هي تتفاعل مع بعضها البعض، الآخرون هم احتمالاتنا المختلفة و فرصتنا لنرى أنفسنا بعيون متعددة، و الآخر ليس الا انت بعد طيّ الصور، و الصور في حقيقتها صيرورة بلا توقف لأنها التجلّي الالهي المستمر..

و هكذا نرى الواحدية في التعدد و نصل الى العرفان الالهي من خلال الحب البشري.. أنهي كلامي بمقولة جميلة لواسيني الأعرج تبعدنا عن كلّ هذه التعقيدات و التحليلات: "الحب أبسط من تعقيداتنا.. أن تفكرّ كلّ يوم بأنّ هناك شخصاً معلّقاً على كلماتنا و حركاتنا و حواسّنا و عطرنا.. هذا هو المهمّ حتّى في لحظات الغياب القاسية"..

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

August 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
عدد الزيارات
3695371