الصفحة الرئيسية
n.png

د. بهجت سليمان: نقدٌ على نقد.. عن «الدولة الأمنية».. الدّولة القطريّة حقيقة بالواقع و الدّولة القوميّة حقيقة بالفكرة

{الحلقة الخمسون «50» من «سلسلة الفكر الإستراتيجي»}أ بهجت سليمان في دمشق

[نقدٌ على نقد.. عن «الدولة الأمنية»]

{الدّولة القطريّة حقيقة بالواقع، و الدّولة القوميّة حقيقة بالفكرة}


(و أمّا «سورية» العربيّة.. فهي أوّلاً، و أخيراً أيضاً)

...
لعلّ الجميع من القرّاء المتابعين قد أدرك أنّنا نبحث في هذه السّلسلة من الدّراسات الموسّعة، ما هو من قبيل القضايا "الوضعيّة"، المحضة، التي تتناول واقعنا المجتمعيّ الوطنيّ بوصفه نموذجاً من الواقع العربيّ – الإسلاميّ، و الدّولة الواقعيّة بصفتها مثالاً حيّاً عن الدّولة القطريّة العربيّة، و ربّما الدّولة الأكثر نموذجيّة للدّولة القطريّة بما هي (سورية)، كما نرى، و يرى معنا الكثير من السّاسة و المفكّرين، من تقدّم (سورية) على باقي البلدان العربيّة، من حيث هي المثال الحيّ للدّولة "القوميّة" العربيّة و لو أنّها لا تعبّر عن مشروع "الأمّة" في الدّولة –الأمّة التي تمثَّل الأمّة العربيّة تمثيلاً كاملاً في دولة الأمة العربيّة الواحدة.

و نحن لا ننطلق، هنا، من أيّ وهم سياسيّ على "الدّولة – الأمّة"، على اعتبار قناعتنا الأكيدة بمستقبل هذه "الدّولة"، و بواقعيّتها في الظّروف التي تحتاجها و التي هي رهن تطور الوعي القوميّ العربيّ و تطوّر النّظام السّياسيّ العربيّ في مستقبل إدراكه للضّرورة التّاريخيّة التي تفرض نفسها، موضوعيّاً، على الدّولة القطريّة العربيّة العاجزة بمفردها عن تمثيل قضايا الأمّة العربيّة و تمثيل دور "دولة الأمّة" لقوّة العرب و مكانتهم العالميّة، و ذلك عندما تصبح المعطيات الواقعيّة لِ"القوميّة" العربيّة معطيات فعليّة قيد الإدراك السّياسيّ و االمصلحةالقوميّة الواحدة، هذا و لو استغرق الأمر أجيالاً طويلة.

لقد تجاوز الواقع العالميّ للأمم عصر "الرّومانسيّات" العاطفيّة و الإرادات الذّاتيّة السّياسيّة التي تشكلّ سبباً، و لكنْ وحيداً، من أسباب قيام دولة الوحدة، و حتّى من قيام "الثّقافة القوميّة" لدولة الأمّة أمام شكل النّظام العالميّ الذي يتّجه إلى تقسيم المنقسم و تجزيءالمنفصل و فصل الجسد الواحد السّياسيّ، القطري، إلى أجزاءمتناقضة في الكتلة التّقليديّة الواحدة للشّعب الواحد، عندما يكون من مصلحة هذا "النّظام" أن يقسّم الوحدات الجغرافيّة إلى مختلفات تاريخيّة و ثقافيّة، و هو يستطيع فعل ذلك بدليل الوقائع التي دخلت فيها بعض "الأقطار" العربيّة هنا و هناك..

هكذا، إذاً، لا يتقيّد الفكر في حالته الفقهيّة الاستراتيجيّة بمكانٍ و زمان؛ و ربّما عليه ألّا يتقيّد بالوقائع الغلط، تاريخيّاً؛ و لكنّ عليه أيضاً أن لا يستعيد الوقائع الرّومانسيّة التي جُرِّبت فكانت أن جرَّبت فشلها السّياسيّ في واقع عربيّ معقّد في النّشأة و التّكوين (الأردنّ؛ السّعوديّة، لبنان؛ قطر، الإمارات العربيّة المتّحدة،.. إلخ) ، أو المعقّد في التّحوّلات (اليمن؛ السّودان)، أو المعقّد في الاحتلال و الاستعمار (فلسطين)، أو الدّاخل في مشاريع ملهمة من التّجزيء و الفصل و إعادة التّشكيل (العراق)، أو المستهدف، وجوديّاً و حضاريّاً و ثقافيّاً و سياسيّا (سورية)، و هلمّ جرّاً.

إنّ هذا الواقع المعقّد في و المكان و الزّمان الشّارطين للوجود، و المعبّرين عن واقع يزداد خطورة، يوماً بعد يوم، على مستقبل "البلاد" العربيّة، سواءٌ أكان على الوجود الوطنيّ أم كان على الوجود القوميّ ؛ يفرض في المعالجات الواقعيّة لغة ملتزمة بالمشكلات الحالّة و القائمة أكثر ممّا هو يفرض التّعامل الفكريّ و المعالجات النّقديّة للطّموحات و الأهداف البعيدة، كما جرى عليه الأمر في "الفكر القوميّ" المزعوم الذي بدأ مع ما سمّي كذباً عصر "اليقظة العربيّة" و الذي كان في الحقيقة "يقظة إسلامويّة"(!) و ليست قوميّة، و استمرّ في "مؤامرة" مباشرة، أو في جهل تاريخيّ للمشكلة القوميّة العربيّة، إلى أن وصل اليوم إلى واقع "خرافيّ" من الوعي العربيّ الإسلاميّ، يحتاج بنفسه إلى نظريّة نقديّة لتجاوز مشكلاته المزمنة.
نعمل على الخروج من عنق التّقليد الذي أصبح زجاجة كتيمة و عمياء، و ذلك في الأقوال الدّارجة و الثّقافات المعمّمة و الأيديولوجيّات المارقة و الخطاب الخبيث.

قلّد المثقّفون بعضُهم بعضاً ، تقليداً في الشّعار و التّديّن و الممارسة ؛ فلم ينجُ أحدٌ، حتّى الآن، من لعنة الاستظهار و المحفوظات التي عَفّنَتْ في أدمغة أصحابها و تيبّسَتْ فاستحالت أفكاراً مسطّحةً و ضجيجاً من "الثّقافة" القوميّة و الوطنيّة الفارغة التي ليسَ لها وجه يُقرأ أو يُفسّرُ، فإذا بها أصبحت ملعباً للهازلين و المتكسّبين السّياسيين، و أوغاد الخيانة و العجزة المقلِّدين.

و الخطابُ السّياسيّ عندما يكون أصيلاً في الوطنيّة، فهو لا يُعوِزُهُ غيابُ نعتِ القوميّة أو تكلّفُها في غير موضِعها من المناسبة و المقام.
و نظراً لأنّ حديثنا له طابع المحاجّة و السّجال مع أفكار محدّدة، أثيرت و تثار دائماً، فإنّنا نرى أن نلتزم سياق "الحجج" المطروحة، سعياً وراء وضوح المعالجة، على التّفنيد.


(1) أوّلاً:


إنّ أبحاثنا، في هذه المتوالية، لا تدّعي أنّها "ورقة تغيير شامل" للواقع القطريّ في (سورية)، و لو أنّها تعمل على محاولة نقد الواقع الاجتماعيّ و السّياسيّ للدّولة و المجتمع، كجزء ينضاف إلى "القرار السّياسيّ" السّياديّ، او بالأحرى كجزء مساعد للرّؤية السّياديّة للقرار السّياسيّ في جانبه الاجتماعيّ و البنيويّ و الوظيفيّ و الإداريّ و الأيديولوجيّ، بشكل خاصّ؛ تاركين مسائل كبرى لأصحابها في "القرار"، و هي تلك التي تتعلّق بظروف القرار و مناسباته الزّمنيّة التي تتحدّد بواقع التّحوّلات العالميّة و التّحالفات و الشّراكات..
و هي التي تحتاج نظريّة أخرى في "السّياسة" العامّة و الخارجيّة و الدّوليّة، لم نتطرّق إلى معالمها إلّا لماماً و من بعيد، و ربّما نعمل عليها فيما بعد انتهائنا من الأولويّات التي نجدها أكثر إلحاحاً اجتماعيّا و سياسيّاً على حياة المجتمع السّوريّ و الدّولة السّوريّة في صناعة قراراتها الماسّة بالوجود قبل تلك الماسّة بمستقبل هذا الوجود، و بخاصّة بعدما أضافته الحرب من تعرية للوقائع و الحاجات.

ومن الواضح على طول سياق هذه المتوالية من الأبحاث أنّنا نشدّد على مسألة نقد الدّولة كما على مسألة نقد المجتمع، متجنّبين ما أمكننا "نقد التّاريخ" الماضي لاعتقادنا أنّ هذا الأمر لا يتجاوز أوهامه و عجوزاته، من حيث أنّ التّاريخ الماضي، و التّاريخ بوصفه تاريخاً، لا يمكن توجيه النّقد إليه إلّا بما هو نتائج معاصرة يمكن معالجتها في الواقع، و ذلك كما هو معروف من أن نقد الأثر إنّما يتمّ في النّقد الوضعيّ للأثر و ليس في رواية الأثر من المقدّمات إلى النّتائج الواقعة.

هكذا تدخل "الدّولة" و يدخل "المجتمع" بوصفهما عنصريّ نقد واقعيّ و ليس في الموقف منهما على أنّهما ظاهرتان علينا أن نبتعثهمامن الموت، و هو الأمر الذي يجعلنا نعوّل بشدّة و تفاؤل على نقدنا النّظريّ العقلانيّ للمادّة الواقعيّة و الوضعيّة للنّظريّة، و إلّا لما كان، أصلاً، ثمّة مبرّر لكل هذه الأفكار و لكل جهود هذه الكتابات.

و "الدّولة"، كما هو من واجبنا أن نفهم ، هي ظاهرة مستمرّة، و يعني متغيّرة، و يمكن لها أن تتبدّل في مستوى سيادتها و قرارات السّيادة، و هو، بالضّبط ، الأمر المسوّغ للبحث في عناصر و مقوّمات و مؤهّلات "الدّولة"، هذه المفردات، التي هي على الأغلب، من الممتلكات الواقعيّة المتعلّقة بالقرار السّياسيّ، و بالتّالي "الدّاخليّ"، في صنف العناصر التي تقبل التّغيير و يجري عليها النّقد من أجل التّغيير.

لا يواجه الفكر السّياسيّ الواقعيّ و العقلانيّ، النّظريّ و العمليّ، ظاهرة الدّولة الوضعيّة على أنّها "خالدة" في نعوتها و أعراضها الدّاخلة في معطيات القرار المتغيّر، سواء أكان هذا القرار قراراً صائباً أم كان قراراً خاطئاً؛

هذا و لو أنّ "النّظريّة النّقديّة" تنظر إلى الدّولة، كفكرة، بوصفها "ظاهرة" خالدة، و متغيّرة، و لها من الثّبات تلك "الصّفات" التي تجعل منها ظاهرة قابلة للرّؤية و الملموسيّة لتكون عنصراً أو عناصر منعناصر النّقد الفكريّ السيّاسي..

و القول إنّنا لا أمل لنا في نقد "السّلطة" (الدّولة)، و ليس هنالك من مبرّرات أو مسوّغات تجعل من نقدنا حالة علميّة و ضروريّة، نظراً لتجربتنا أو لتجاربنا السّابقة مع "الدّولة"...، إلخ؛ إنّما هو قول انسحابيّ من المواجهة الفكريّة و العقليّة للعالم، كما أنّه قول ينطوي على تيئيسيّة ثقافيّة و سياسيّة، لا نجد فيها قيمتها التي تتحمّل النّقد و التّوبيخ..!

و أمّا من الجانب الآخر، فعلينا أن نعيد قراءتنا للكثير من "المصطلحات" المضلّلة التي دخلت و استقرّت في لغة النّقد الفكريّ، و ذلك من أوّل طور للحداثة العالميّة في القرن الثّامن عشر الأوربّيّ إلى آخر يوم كانت فيه ثقافاتنا السّياسيّة الهابطة تكراراً و ترديداً لشعارات "الحداثة" الكاذبة التي بدأت مع "الأنوار الأوروبّيّ"، و أفكار "الثّورة الفرنسيّة"، و بالتّالي مع أفكار "التّقليد" المتعثّر الذي مارسته النّظريّة القوميّة العربيّة التّقليديّة و ما استقر من أفكارها في ما سمّي زوراً عصر "النّهضة العربيّة".

نمرّ، اليومَ، في تشكيلة عالميّة مفصليّة، سياسيّة و تاريخيّة و ثقافيّة؛ و لا نستطيع، نحن- العربَ، مواجهة هذه الظّاهرة العالميّة إلّا بواسطة أفكار نقديّة معرفيّة و عميقة و غير تقليديّة، نظراً لخواء ثقافاتنا التّقليديّة من أي "نظام مناعيّ"، عضويّ و فكريّ ، يمكن لنا، به، أن نواجه أفكار العالم المعاصر، بالنّقد و التّشريح و التّجنّب و الرّفض.

هذا هو الأمر الذي يجعلنا ننظر إلى نقد "الدّولة" القطريّة، علىالتّحديد، أنّه نقد علميّ و ضروريّ و واقعيّ و عقلانيّ، و على أنّه الشّكل الوحيد لإطلاق آمال العقل في تغيير الواقع و المجتمع و الدّولة، نفسها، في وقت واحد؛

و أمّا أن ننفض أيدينا من "الدّولة الواقعيّة"، و مهما كانت أعراضها و صفاتها، أيضاً، فهذا يعني أن ندخل في تجربة عمليّة و نظريّة "ثوريّة" يساريّة طفوليّة و رومانسيّة، أو في تجربة انقلابيّة إسلامويّة، يُثبت لنا العالم، باطّراد، أنّ زمن كلّ منهما قد ولّى في نظام عالميّ حيّ و متقارب و متشارط و شارط للتّغيير..!؟

إنّ عدم تأهّل أو تأهيل "الدّولة" العربيّة القطريّة المعاصرة، و سواء أكانت ملكيّة أم أميريّة أم جمهورية، أم غير هذا و ذاك..، لا يُسوّغ لنا طرح "النّظريّة الثّوريّة" في تغيير الواقع، ذلك لأنّنا نكون، فقط – كما تقول التّجربة الحيّة و القريبة المعاصرة - نريد أن ننظّر و نكسب الأعداد المتزايدة، ربّما، من "المصفّقين" المرائين و العدميين الذين يريدون التّغيير من أجل التّغيير و التّدمير، و الذي رأيناهم، هم أنفسهم، يتوجّهون، في الأمس القريب، إلى أقرب صناديق الاقتراع لتثبيت دولة "الإخوان المسلمين"، في غير دولة عربيّة و في غير أخرى!

(2) ثانياً:


ليسَ صحيحاً، البتة، أنّه من المألوف في التّاريخ أن يكون "الجهاز البيروقراطيّ" في "الدّولة"، في أيّة دولة، عاجز عن استيعاب ظروف "التّغيير"، كما أنّه من غير الواقعيّ أن نقول إنّ "أداة التّغيير الجذريّ" في "المجتمعات الحيّة"، هي "الحزب الثّوريّ"، على اعتباره "أوسع من قمّة الدّولة و بأنّه منتشر في مختلف الشّبكة الاجتماعيّة". حافظنا، نحن، هنا على التّعبيرات بالنّص، تلك التي توجّهت إلينا بالاحتجاج أو النّقد أو الرّفض أو المعالجة الوديّة!
و أمام ذلك، لنا أن نقول:

1- إنّ جزءاً هامّاً من "الفلسفة الاجتماعيّة" لرائد من رواد فلاسفة "علم الاجتماع" المعاصر مثل (ماكس فيبر)، قد تفرّغت للنّظريّة البيروقراطيّة، بالتّحديد، على أنّها جسمٌ غير مهمل في التّغيّرات التّاريخيّة "الحيّة"؛
و لقد كان لنا، نحن، رأي بالتّناصّ مع (فيبر)، قديمٌ، حتى قبل أن نطّلع على رأي (فيبر) بهذا الخصوص.

لقد عالجنا، نحن، هذا الأمر في مناسبات مختلفة سابقة، هنا، و رأينا أن (ماكس فيبر) كان أَدْعَى من واكب السّياسة الفولاذيّة إلى الوضوح الصّريح في الضّمّ و االتّوحيد و التّسويغ و التّغيير للفلسفة السّياسيّة العمليّة لِ(بسمارك) في توحيد (ألمانيا) المعاصرة؛

لم يؤسّس (بسمارك)، مثلاً، "حزباً ثوريّاً"، و لم يقل إنّه قائد لثورة، و لم يجر توحيد ألمانيا بثورة أو بأفعال "جذريّة" ثوريّة، هذا مع أنّ توحيدها كان بالقوّة المباشرة؛
و إنّما كان ذلك الواقع أن جرى تحويله بالقرار السّياسيّ "المُهيب" و المنطلق من إدراك الأهمّيّة التّاريخيّة للفعل "القوميّ" و الوطني الذي كان بديلاً وحيداً أمام استمرار (ألمانيا) بوجودها في عالم يُحيط بها من "الإمبراطوريّات" القويّة و التّاريخيّة الضّليعة في "الوحدة" و التي لم تكن تعاني التّفتّت و التّشرذم كما كان واقع الأمر في (ألمانيا) التي كانت منقسمة على نفسها في أكثر من (37) قوميّة (على الأقلّ!)، و هذا على ما أذكر من ذاكرتي القرائيّة السّياسيّة لتاريخ أوروبا السّياسيّ و الفكريّ الحديث و المعاصر.

و لننته و لنتخلّص من "خرافة" الحزب "الثوريّ"، اليوم!

2 - فإذا كانت بعض التّجارب السّياسيّة في التّاريخ، قد شكّلت حقائق أنجزتها "أحزاب ثوريّة"، بالفعل، ناهيك عن التّحوّلات المأساويّة لتلك الأحزاب و سلوكاتها المشكوك فيها..، فإنّه علينا أن ننظر بعين الواقعيّة إلى أنّ "مفردات" تغيير "العالم" ليست مفردات خالدة صالحة لكلّ زمان و مكان؛

كم أنّ ما يصح على "مجتمع" لا يمكن أن ينطبق على "مجتمع" آخر، أو على مجتمعات متباينة تاريخيّاً و سياسيّاً و ثقافيّاً و اعتقاديّاً..، إلخ، إلخ؛

و قد لا نبالغ إذا قلنا إنّ كتابة تاريخ و تجارب بعض "الأحزاب الثّوريّة"(العالميّة)، إنّما كانت تتمّ من خارجها، و أعني من قبل أناس لا يعرفون تاريخ و تفاصيل هذا "الحزب" أو "ذاك"، و لربّما لو كانوا على علاقات أوثق في داخل النّظام التّرتيبيّ، و النّظام السّياسيّ النّظريّ و العمليّ، لتلك الأحزاب، إذاً لكانت "النّظرة" إلى "تواريخ" هذه الأحزاب، و تجاربها "الثّوريّة، نظرة مغايرة و مختلفة، على الأقلّ، عمّا كانت عليه، و ذلك من خلال الكتابة التّوثيقيّة الحيّة و الحقيقيّة للتّجارب و الحقائق التي دخلت في الضّياع و النّسيان؛
هذا على أنّنا نأخذ بعين الاعتبار، أوّلاً و أخيراً، أنّ الإنسان "متشابه"، في أثَرَتِه و أنانيّاته و نقائصه و شططه، في كل زمان و مكان.

3 - في مجتمعات مثل مجتمعاتنا، بخاصّة، فإنّ الانتشار المكانيّ و الزّمانيّ للأفكار الاجتماعيّة و السّياسيّة، بحدّ ذاته، هو أمرٌ مشكوك فيه، تبعاً للتّكوين الثّقافيّ و الاعتقاديّ التّجزيئيّ و الانفصاليّ التّاريخيّ لمجتمعاتنا "القروسطيّة" المعاصرة؛

4 - و لقد كنّا أسهبنا، هنا، في مختلف المناسبات بالتّحقيق النّظريّ و الفلسفيّ و التّاريخيّ و الواقعيّ الحيّ، على هذا الأمر المؤسف و الدّاعي إلى رأي جديد و نظرة مغايرة إلى الثّقافات التّقليديّة الأفقيّة الشّاملة!

(3) ثالثاً:


شدّدنا و نشدّد دائماً على مفهوم و طبيعة "الدّولة الأمنيّة" الضّروريّة المعاصرة، من قلب الأسباب التي طرحت في الأفكار الاحتجاجيّة على ما كتبناه.

إنّ مستقبل (سورية) الثّقافيّ و السّياسيّ و الحضاريّ، مرهونٌ، اليومَ، بمخاطرَ تحفّ في كلّ صقع من أصقاع مقدّماته السّياسيّة المتوقّعة؛
و نحن لهذا كنّا نرى، و ما زلنا، أنّ الحفاظ على "المجتمع" و "الدّولة الوطنيّة"، إنّما هو خيار قهريّ و لا بدّ منه؛

و عليه فإنّ توخّي العلميّة و المعرفيّة الواقعيّة، هو ما فرض علينا هذا الخيار الوحيد الذي كانت صياغته في أهمّيّة "الدّولة الأمنيّة المعاصرة" و المتطوّرة في هذا المضمار، هذا و لو أنّ "المصطلح" بذاته يمكن أن يكون مغايراً في "النّظريّة" السّياسيّة، لولا أنّ مناسبة الحديث كانت أن فرضت علينا اختيار هذا المصطلح، دون غيره، نظراً للمزايدات السّياسيّة التي تتّهم فيه "الدّولة" السّوريّة بأنّها دولة أمنيّة، فيما أنّ جميع دول العالم هي دول أمنيّة أوّلاً و أخيراً، و لو كان الشّيء المختلف هو الأداء، و حسب؛

هذا في الوقت الذي رأينا فيه أن الدّولة السّوريّة ليست دولة أمنيّة نموذجيّة و حضاريّة، أبداً، و هي مقصّرة في المضمار، بدليل أن الأمن السّوريّ لم يرتقِ، في الحقيقة، إلى الأمن الاجتماعيّ و السّياسيّ و الوطنيّ، و هو أوّل ما استطاعت "ثورة النّاتّو" من استهدافه، و لقد استطاعت ذلك، ما كان واضحاً أمره في هذه الحرب، و لا يزال كذلك حتّى اليوم.

إنّه مهما كان شكل إشراك معظم "المعارضات" السّياسيّة السّوريّة المزعومة، في مستقبل طريقة الحكم، في (سورية)، إلّا أنّ علينا أن نفهم أنّها تحمل أفكاراً معاديةً للدّولة الوطنيّة، بدليل مشاركتها لقوى الغزو و القتل و الإرهاب و الإجرام؛ و هذا ما يجعلنا، مرّة أخرى، نؤكّد على دور "الدّولة الأمنيّة" المعاصر، كما هو في سائر أصقاع العالم و دوله الأمنيّة الشّديدة التي لا تسمح للحرّيّات أن تتحوّل إلى حرّيّات بالقتل و الإجرام و التّخريب و التّدمير!

\ة "كيديّات" الحضارة المعاصرة بلغتها القويّة أو العنيفة، و ذلك بواسطة "الدّولة – الأمّة".

و إزاء ذلك فلسورية موقفها التّاريخيّ المعروف على أنّه موقف ليس من اختيار البشَر و إنّما هو قدرُ أملتْهُ "قدرة أسطورية" على هذا البلد الأسطوريّ.

ليس نحن من نقرّر مصير علاقات (سورية) بالعرب الآخرين، و إن كانت "الأنظمة السّياسيّة" العربيّة أنظمة على كلّ هذه الهزالة التي لم تسبقها هزالة، بعدُ، في التّاريخ؛
و لكنّه، أيضاً، هو قدرٌ سوريّ كذلك.

لم يكن لسورية، يوماً، موقفٌ قوميّ نابع من ردّ فعلٍ، على هزالة هذا النظام العَربيّ الرّسميّ، لا سيّما أنّه، في الأغلب، كانت هذه هي سمات هذا "النظّام" التّاريخيّة منذ أكثر من قرن كامل؛

و على رغم هذا لم تغيّر (سورية) المعاصرة مواقفها تبعاً للمناسبات و المواقف و الأحوال المتغيّرة باستمرار، فكانت خياراتها صريحة و واضحة، و ذلك في أنّها قلب هذا الوطن الكبير، بحكم التّاريخ و الجغرافيا، معاً، و بحكم الوعي السّياسيّ القوميّ المتفرّد لسورية منذ أكثر من نصف قرن حتّى اليوم..

نختار في (سورية) "الفكرة" و نختار جوهرَ الحقّ، و لا تُثنينا "الحقائق" المتعدّدة هنا و هناك، لأنّ "الحقائق" متبدلّة و متغيّرة، فيما الحقّ ثابت لا يحول و لا يزول.

لقد ناضلنا و قاتلنا ضدّ "شعار (سورية) أوّلاً" في جميع المعارك التي خاضتها القوات المسلّحة السّوريّة إلى جانب الإخوة العرب، في غير معركة و واقعة و صراع؛

و من ناحية أخرى فقد اعتبرناه، نحن - كمعبّرين عن موقف وطنيّ، عامّ - صراحة، شعاراً هزيلاً، سواء على صفحتنا، هنا - و هي معبّرة عن جزء غير قليل من وعي السّوريين المعاصر للعالم و مشاكل العالم و العروبة، من خلال تفاعلات الأصدقاء فيها، و هم نماذج من الوعي السّوريّ السّياسيّ المعروف للجميع -

أم في مواقف أخرى للسّوريين في حروبهم إلى جانب الأصدقاء و العرب في كلّ نازلة بالإخوة العرب و الأصدقاء، كانت سورية ترى أنّها على خلاف "الحقّ"، فهكذا كان موقف (سورية) مع (إيران) في الحرب العراقيّة - الخليجيّة – السّعوديّة، عليها؛

و هكذا كان موقفنا مع الإخوة في "لبنان" منذ عام (1976م) مروراً بحرب عام (1982م) و نهاية بحرب عام (2006م)؛

و الأمر نفسه يقال بالنّسبة إلى الإخوة في (فلسطين)، و كان تاج هذا المواقف مع الحقّ الفلسطينيّ المستباح من قبل "صهاينة" العالم في ("إسرائيل") و في غير ("إسرائيل")، أيضاً، في عام (2008م)، و ذلك حتّى لو سمّي أولئك "الصّهاينة" من غير "اليهود"، عرباً..!؟
بالنّسبة إلينا في (سورية) فإنّنا لا تعنينا شعارات الجاهلين، و إنّما لمن يُريد كلاماً حصريّاً،

فسوريةُ بالنّسبة إلى السّوريين هي أوّلاً.. و لكنّها أخيراً، أيضاً..!

و أمّا على "إعادة الإعمار"، فلا يعني، في عرفنا، "الإعمار" أو "العمران" كما نسمّيه، نحن، تخلّياً عن واجباتنا القوميّة إزاء قضايا "الأمّة العربيّة" المنطلقة من دافع "القوميّة العربيّة"، سواءٌ في هذا المكان أو في ذاك المكان، و تاريخ سورية شاهدٌ تاريخيّ، و حاضرنا هو جزء من هذا التّاريخ؛

و هذا على رغم ما علينا، جميعاً، أن نأخذه بالاعتبار بحيث أنّ علينا ألّا نُحرج الأصدقاء، أيضاً، في العلاقات ما بيننا و بينهم و تلك المتعدّية إلى أطراف، غير عدوّة، آخرين..!

في الختام فإنّه من أهمّ معالم السّياسة السّوريّة منذ عام (1970م) و حتّى هذه الّلحظة، أنّها لم تكن سياسة "مناسباتيّة" أو ظرفيّة أو متعلّقة بواقع أو بأمر واقع مع تجاهل الصّورة الكلّيّة للعالم و المنطقة و الإقليم؛

و لقد ترتّب على هذا الواقع أن يكون لسورية خطّ قوميّ واضح و صريح و ذلك مهما تكن التّضحيات التي تتطلّبها مضامين هذا الموقف القوميّ العربيّ، وهذا في نظر جميع العادلين في مواقفهم و آرائهم، و لسنا بطبيعة الحال، واقفين على شهادات بعض الأعداء الأقزام، مع أنّ "شهادات" (و آراء) أعدائنا فينا هي خير ما يبيّن حقيقة التّناقضات المصيريّة بين خطّ (سورية) القوميّ، و ذلك القلق و الخوف و الرّعب الذي يعيشه عدوّنا الصّهيونيّ و أعراب الصّهاينة، الآخرين..
وهذا ما يُفسّر جزءاً هامّا و كبيراً من الحرب الدّائرة علينا في سورية.

ربّما كان حديثنا أوسع من مناسبته، و لكنّنا رأينا فيه مناسبة خاصّة، لنعيد إلى بعض الفهوم حقائق ربّما يكونون بحاجة إليها و في ذاكراتهم النّسيان.

***

تعقيب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:

سلاسلك لم تستنهض في نفوسنا مفاهيم الدول من جنوحها القطري إلى انكفائها القومي فحسب بل إنها جعلت أمن الدول حلمنا في ترسيخ الشدة و الرخاء حيث يجب أن يبعث هذان المصطلحان في ظل تتالي و تعاظم جولات الإجرام العالمي المقصود الذي يستهدف هوية الدول بكل مفاهيمها و مهما تلاشت بالانكفاء أكثر و أكثر عن تعاريف العصر الحديث!...أ ياسين الرزوق1

نعم بدأ مفهوم القطرية يترسخ أكثر و أكثر و بدأت تنحسر اليقظة القومية الطوباوية لصالح اليقظة الدينية الواقعية بالتجهيل و التي في مدها الطاغي في بلداننا تقترن بالإسلام الذي يبتلع كل شيء و يتغذى حتى على أدنى مفاهيم الحرية الشخصية ليجعلها طعاماً سهلاً لمدّه و طغيانه باسم الحلال و الحرام و تحت طائلة الجنة و النار!

و فكرة الحالة الثورية لم تكن فرنسية أو أميركية و لعل النعمان بن المنذر ذلك المسيحي النسطوري الذي كان سيد المناذرة قبل الإسلام بقي في بحث عن ترسيخ قبيلة الأحرار قبل أن يغوص في بيروقراطية البناء الذي لا مناص منه كي تنطلق القبائل إلى تجميع صفوتها لكن خارج الأحزاب الثورية التي لا تخضع لأبنية هرمية و لا لامتدادات أفقية أو عمودية بل تخضع لتهييج غرائزي يسقط ما يسقط في سبيل إعلاء كلمة الله المسروق..
و لم يكن حينها جاهلياً بقدر ما كان بعيداً عن جاهلية الإسلام الذي وأد القضايا بتفاسير حامليه و سبى و ذبح و رفع أصناماً لا تحصى من جموع الجهل و التخلف..
و باحثاً عن قرار نهضوي يعلو بالكرامة و لا يجعل القومية تسطيراً للهوان و لا يجعل اليقظة تسطيراً للدين .

فعمر بن الخطاب عندما قال نحن قوم أعزنا الله بالإسلام كان يضرب قواعد العيش المشترك بالتمييز رغم أنه الفاروق و ربما كان يقصد أن الإسلام حينها كان يرفع أركان الدولة المنعتقة من قطريتها لتسبح في فضاء الخلافة أو أمير المؤمنين و هذا بحد ذاته صراع لن ننتهي منه.

فالقومية الممتدة لتجمع ما تفرق بعد سقوط الخلافة تغرق بفكرة الخلافة نفسها بشوفينية مفرطة و لا تستقي من الغرب إلا التقليد الأعمى غير عارفة أن القومية التي تبنى على التقليد تمسح الهوية و تسحب بساط الانتماء من تحت الجميع و نداءات الولاء لدين سفاح أو خليفة سفاح ما زالت حاضرة في الأذهان بعد أن بدت سطحية الانتماء لسورية بتبعية الخونة لصالح خليفة سفاح عرف كيف يتاجر بقوميته التركية و كيف يستقطب الجهلة بخلافته و فتحه العثماني كما يقال فتاريخنا الذي يدرس ما زال يتحدث عن حقبة الفتح العثماني لا الاحتلال المظلم...

و كيف هنا نفتح باب القومية إذا ما كانت تجارب البعث الثورية تسقط ببيروقراطيتها و نمطيتها و لا تعرف كيف تسخر الأحداث لجعل الأحزاب حالة استقطاب إنساني بنيوي يمتد طولا و عرضا و أرضاً و سماء إذا ما كانت هي نفسها مفخخة بالقطرية و بالنزعات الدينية العابرة للقوميات؟..
فمن سيحمي القومية ضمنها من استشراء الدين و طغيانه و هنا القطرية تحتاج أن تحمي نفسها قبل القومية التي تئن في خطابات الأحزاب الثورية و بفعلها البيروقراطي غير الإدراكي و غير التحليلي

ماكس فيبر و بسمارك و غرامشي أسسوا لثورات صناعية تخرج العقل من ركود الخائفين أو المتزمتين أو الانحساريين و لكنهم في إيطاليا و ألمانيا لم يستطيعوا في البداية إبعاد شبح النازية و الفاشيستية كي يجعلوا القومية عابرة للحدود فما امتدوا بنزعاتهم الاستعبادية و لا حافظوا على عرقهم المنتقى..
و ها هم بميكيافيلية مفرطة أسقطوا بالوحشية دول العالم الثالث كي تنهش نفسها بعد أن نهشوا العالم بحروبهم الاقتصادية التي أغرقت الماركسية بالضياع و جعلت البعد الرأسمالي يجتاح كل التيارات الماركسية بحجة أن الغاية تبرر الوسيلة.

فما كان من دول العالم الثالث التي تدعي الاشتراكية و تغزوها الإقطاعية و الرأسمالية بانحسارات بيروقراطية إلا أن غرقت أكثر في بوليسيتها لا لتكون أمنية آمنة بل لتكون عالة على العالم الحديث تستنزف مواردها البشرية و الاقتصادية بعد أن سلبت الإدارة و القرار و تعايشت مع قطريتها دون أدنى وازع قومي إنساني حقيقي.

و سورية مثال صارخ على تكالب الأمم عليها بانسلاخ أبنائها عن قطريتهم قبل قوميتهم مخلصين الدين لجهلهم يضربون الاوطان و الإنسان بصيحة كاذبة "الله أكبر على من طغى و تجبر"!

بسلاسلك نتكون لنكتب تكوين الاوطان و الإنسان على جباهنا... لك النور دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

***

كما عقبت الدكتورة رشا شعبان بالآتي:أ رشا شعبان

كل الشكر دكتورنا الغالي لسلاسلك التي تشحذ عقولنا، و تؤسس لرؤى جديدة لكثير من المفاهيم التي توهمناها كمالاََ، لا يقبل النقد و لا التجديد.

إن دولة الأمة العربية الواحدة، هي فكرة تمتلك من الكمون و القوة، ما يجعلها قادرة لأن تتحقق بوصفها واقعاََ فعلياََ..
لكن العجز عن إدراك ماهية العلاقة الجدلية بين الدولة القطرية و الدولة القومية، هو ما جعل هذا الكمون يقف عاجزاََ عن التحقق الفعلي، و ذلك بمنهجية مؤامراتية داخلية تقسيمية تفتيتية من الأنظمة التي رأت في مخطط التفتيت وجوداََ يحقق وجودها و زعامتها..
و من الخارج الذي تمثّل في الدول الاستعمارية و التي أوجدت الأنظمة التفتيتية، التي صنعتها و ربطتها بمصالحها و نفوذها..

و لذلك عملت الأنظمة العربية و الدول الإستعمارية على إضعاف الوعي القومي العربي بوصفه العدو الأول لمخططاتها في المنطقة العربية.

لقد عجزت الدولة القطرية عن تمثيل قضايا الأمة، لأنها بالأساس ارتبط وجودها بالمصلحة التفتيتية و التقسيمية.

و لا شك أن الوعي القومي العربي ليس رومانسيات و لا ظاهرة عاطفية انفعالية قائمة على الفعل و رد الفعل، بل هو تلك الكينونة القائمة على إدراك أن وجودي قطرياََ يجب أن يكون انعكاساََ و تعيناََ لوجودي قومياََ، و وجودي قومياََ هو التمظهر في ما يجب أن تكون عليه هويتي في الإطار العروبي الواحد، البعيد كل البعد عن التعينات القبلية و الدينية و المذهبية.

إن الوجود القومي هو انصار للكل في الواحد، و تعيّن للواحد في هذا الكل المنسجم.

و من الأهمية بمكان التأكيد على أن الهوية القومية ليست واقعاََ و لافكرة ثابتة، فهي تتأسس و تستمر في إطار صيرورة و حركة جدل للزمن، و تفاعل لمجموعة العناصر المكوّنة لها، و التي تمنحها التجدّد و التشكّل الدائم.

إن الهوية القومية ليست كموناََ مغلقاََ، بل كموناََ منفتحاََ على حركة الزمن، و تجدّد الواقع، و تغيّر المعطى العالمي، و تحوّل المجتمعات.

إذ ذاك نستطيع أن نمتلك إمكانية الانتقال من الدولة القومية بوصفها فكرة، إلى الدولة القومية الواقعية و الفعلية القادرة على تجديد ذاتها و إدراك المعقّد فيها، و حينها سوف يصبح المعقّد هو تلك الخصائص المتمايزة، بين ما هو خاص في القطريات بوصفه الجامع للإختلاف، و ليس المانع للوحدة و الإنصهار الجدلي الإيجابي.

إن أزمة الهوية القومية العربية هي أزمة إقصاء لعناصرها من داخل بعضها البعض، إنها عجز في التواصل و عجز عن إقامة وجود سلمي يضمن البقاء و الاستقرار للجميع..

و الدليل تلك الحروب و المؤامرات بين الأنظمة العربية التي تعيش و تقتات على النزاعات العربية و الاقتتال في ما بينها، و إضعاف موارد بعضها البعض و إنهاك قدراتها.

و كذلك هي أزمة الموقف و الالتزام ، و هذا ما انكشف لنا عبر المثقفين الإنتهازيين ، الذين لبسوا لبوس الفكر القومي العربي ..
و على المقلب الآخر كانوا يمثلون الأنظمة الحاكمة في مشروعها التفتيتي عبر التملّق و الوصولية و اللهاث وراء المال و السلطة، مما أفقدهم المصداقية و المشروعية.

و هذا يعني أن قوميتنا العربية تعاني مرضاََ في التنفيذ و التحقق بسبب تواطؤ الحاكم و المثقف مع المخطط التفتيتي و التقسيمي، و ليس مرضاََ في الفكرة، و طبعاََ الفكرة التي أكدنا أنها صيرورة متجددة و ليست مغلقة و ساكنة.

و لا نجانب الصواب إذا ما أكدنا أن المرض في التنفيذ تمظهر في عدم القدرة على اتخاذ موقف و الإلتزام به، وتلك علّة الأزمة في الهوية التي عجزنا عن تحقيقها واقعاََ، ومن يعيش أزمة كهذه، لن يستطيع تعيين منزلة له داخل العالم الكبير الذي وُجِدَ فيه، و لا يمتلك حتى القدرة على رسم الوجود الأمثل له في العالم.

و من المفيد لنا اليوم، و أمام تلك الهزّات العنيفة لكينونتنا من الداخل و الخارج، إدراك العلاقة الجدلية بين الهوية الوطنية و الهوية القومية، و تعيّن كل منهما عبر الآخر ، بشكل إيجابي و حضاري.

ولا شك أن الدولة القطرية القوية التي تمتلك نظاماََ سياسياََ قوياََ و ديمقراطياََ حقيقياََ و قراراََ سيادياََ مستقلاََ، سوف تكون المنطلق لإعادة إنتاج وعي قومي عروبي، يستلهم الماضي نقدياََ و يؤسس لمستقبل حضاري متقدّم، و يجعل من الحاضر نقطة تمفصل مع ما لا يجب أن يكون، و مركز تواصل مع ما يجب أن يكون.

و نؤكد معكم دكتورنا الغالي أن الدولة الأمنية في إطار الفهم الحضاري هي الحصانة لدولة القوة، بل هي دولة القوة التي تحمي الدولة داخلياََ و خارجياََ ، و ليست النعوت السلبية للدولة السورية بوصفها أمنية، إلا حرباََ من الإرهاب ، يستهدف وجودها و قوتها.

كل الشكر و المحبة لك أيها الحكيم، و كل التقدير و الإجلال لجهودك التنويرية التي أدمنّا عليها.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4300335