الصفحة الرئيسية
n.png

الدكتور بهجت سليمان يكتب عن الدولة الأمنيّة

[الحلقة التاسعة والأربعون "49" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"]


عن [الدولة الأمنيّة]


{في فقه السياسة: الدّولة الأمنيّة و النّظريّة النّقديّة.. الحقائق غير العارية في ميدان التّطبيق}..

* د. بهجت سليمان

تدور أحاديثنا و بحوثنا، هنا، جميعها كما قد لاحظ القارئ، حول المجتمع و الدّولة و الفرد و المواطن و الثّقافة و إشكاليّات أخرى، كانت العادات الثقافيّة قد فرّطتْ بتركيبها فجعلت منها موادّ سطحيّة و مواضيع عابرة و بلا أهمّيّة في المتناول الدّعائيّ، الإعلاميّ و الأيديولوجيّ، في "الشّعار" السّياسيّ. نحن، على هذا، نتكلّم في "فقه السّياسة" المشروط بِـ"فلسفة السّياسة".أ بهجت سليمان في دمشق

و لأنّ التّبسيط و التّسطيح قد أنتج مجتمعاً و مؤسّسات لصيقة به من حيث النّوع و النّعوت، في سورية، و أيْ مجتمع هو الآخر، تسطيحيّ و تبسيطيّ، و أفقيّ حداثيّ و مقلّد و شكلانيّ، في كلّ ما هو اعتياديّ، فيما بقي "المجتمع" في أعماقه الثّقافيّة و التزاماته "الأخلاقيّة" و أدواته النّفسيّة، مجتمعاً متخلّفاً لم تمسسه الحضارة و لم تؤثّر فيه، لا من قريب و لا من بعيد.

إذا أردنا الحقيقة ، فإنّ هذا الأمر، يرجع في معظمه، لطبيعة "الخطاب" "الحداثيّ" المسطّح الذي استخدمته "الدّولة" لإيصال فكرتها المتبدّلة بطبيعتها تبعاً للضّغوط العصريّة التي تنوء تحتها الدّولة العالميّة المعاصرة، بحيث لم تؤسّس "الدّولة" لخطابها السّياسيّ على جذور ثقافيّة جديدة، فتركت المجتمع يتوالد كيفيّاً و يُعيد إنتاج نفسه في فضاءاته التّقليديّة، و ذلك في التّربية و التّعليم و التّعليم العالي و الإعلام و الإدارة..، إلخ؛

بينما انصرفت "الدّولة" إلى تعزيز جانب واحد من "الأمن"، و هو "أمن" الأقليّة السّياسيّة الحاكمة ، فكانت كتلة الطّاقة الأمنيّة متركّزة في حيّز عمليّ محدود، فاقم، من تكراره، جهلٌ متعدّد بطبيعة "الأمن" الاجتماعيّ و السّياسيّ، إلى درجة استطاعت فيها القوى الرّجعيّة أن تتّهم "الدّولة" السّوريّة بالدّولة "الأمنيّة"، فيما كانت تلك القوى تجد لها أوسع الحقول لعملها "الثّقافيّ" الذي نتج عنه "تنظيم" أهليّ رجعيّ واسع، مع غياب "الأمن" الحقيقيّ من تلك الحقول الاجتماعيّة التي سيطرت على مفاعيلها و منتجاتها قوى التّخلّف و سلطات الماضي الاجتماعيّة و الثّقافيّة و السّياسيّة..
بعد أن فشلت "الدّولة" في تعزيز حضورها الثّقافيّ في حقولها الاجتماعيّة جرّاء غياب المنظور السّياسيّ الفاعل و الكفيل بحماية المجتمع من أعداء الدّولة و أعداء المجتمع..

و قد تصوّرواو صوّروا من أنفسهم أمام المجتمع بأنّهم حملانٌ وديعة و ضحيّة لقوى و سلطات تعسّف "الدّولة الأمنيّة" بعد أن عمّموا هذا الوصف المخادع و الخادع لكسب ثقة و تأييد الحقول الاجتماعيّة التي جعلوا منها، مبكّراً، حاضناً للتّخلّف و ثقافة التّخلّف و الجريمة و الإرهاب.

ينسى الكثيرون، أنّ حضانة الإرهاب و البيئة الحاضنة التي عاصرت و تعاصر الحرب و تمدّها بالّلوجستيّات الّلازمة، هي أوسع من ظرفيّتها المعاصرة مع الحرب، و هي تعود إلى عقود مضت كانت فيها الدّولة منشغلة، في المؤسّسات، بشكليّات سياسيّة و انغلاقات ثقافيّة أيديولوجيّة غير واقعيّة و غير عقلانيّة، و بمشاريع الاستثمار الشّخصيّة المحميّة بالسّياسة..
بالإضافة إلى الإهمالات المتعدّدة التي رافقت ذلك، لحقول اجتماعيّة بعينها، كانت هي الأَوْلى بالتّوجه نحوها بالاهتمام الحقيقيّ و التّأثير النّوعيّ و المباشر، و أعني تلك الحقول و البيئات الأكثر تخلّفاً و الأكثر تغييباً سياسيّاً عن برامج الثّقافة و الاقتصاد و التّوزيع العادل للمفاهيم السّياسيّة المعاصرة بواسطة الأدوات المادّيّة المناسبة.

يفهم الجميع، تقريباً، من مصطلحات مثل "الاقتصاد" و "التّوزيع" و "الثّروة القوميّة" و "العدالة" و "الخيرات"..، إلخ؛ على أنّها ترتبط، فقط، بالمال و الطّعام و الشّراب و الجوانب الشّهويّة و الرّغبيّة الأخرى؛

و لكنّ الحقيقة هي في غير ذلك، و في بُعْدٍ كبير عن ذلك، طبعاً مع عدم إهمالنا لهذه الحقائق اليوميّة التي تشكل أسباباً للاستمرار البيولوجيّ؛
بينما تنصرف تلك المصطلحات، في الأساس العلميّ لها، إلى مفاهيم رمزيّة و لكنْ فاعلة، و تتعلّق بالتّغييرات على مستوى القاعدة الاجتماعيّة بواسطة النّقل الثّقافيّ و الحضاريّ من مستوى الحياد و السّلبيّة و الاستهتار و التّشتّت و الاستقطاب العصبيّ و الدّينيّ، إلى مستوى المشاركة الفعليّة لتلك القوى و الحقول بالبرامج الحكوميّة مباشرة فاعلة و ملموسة..
و بإشراكها بتحمّل المسؤوليّات الاجتماعيّة التي تنظر إلى نفسها من خلالها على أنّها قوى اجتماعيّة منضويّة في أطر تنظيميّة حكوميّة تمنع أو تقلّل من انفراداتها و التحاقها بالقوى السّياسيّة المجتمعيّة السّلبيّة و الإرهاب الاجتماعيّ و السّياسيّ.

و هذا هو جوهر "الاقتصاد" الاجتماعيّ و "التّوزيع" السّياسيّ و "العدالة" المؤسّساتيّة و "الخيرات" السّياسيّة العامّة.

لا نقلّل، هنا، من حقيقيّةِ و واقعيّة الظّرف الموضوعيّ الذي يجعل الفئات و الطّبقات السّوريّة الأكثر تخلّفاً، أكثر تأثّراً بخطاب أعداء الدّولة و المجتمع، باعتبارهم نمطيّات تقليديّة قبليّة مؤسّسة على ثقافات "السّلف" (غير الصّالح)..، و يتمتعون بقابليّات أكثر فعليّة ليكونوا مشكّلين لجماهير القوى الاجتماعيّة المناوئة أكثر ممّا يمكن أن يُعتبروا جماعات أو جزءاً من مجتمعٍ متآلفٍ مع أجزائه الأخرى؛

و لكنّ البرامج الحكوميّة، بالفعل، كانت أن مورست بأنانيّات "مركزيّة" و جهالات "ذاتيّة"، فغرقت أفرادها في مشاريعها "الخاصّة" السّياسيّة التي كان هدفها محدوداً بمشاكل استدامة وجودها السّياسيّ الخاصّ، الذي يُديم من استئثارها بمؤسّسات السّلطة في حيّز المصالح الشّخصيّة و الخاصّة بعيداً عن أيّ "مشروع عامّ" في إطار المسؤوليّات التّاريخيّة؛ مع زيادة التّوسّع في الاستثمارات الماليّة باستغلال الموقع السّياسيّ و منافعه الشّخصيّة.

شكّلت هذه الظّاهرة نموذجاً موحياً لاستثمار ضعف الدّولة و انحسار سلطتها عن "المكان الاجتماعيّ" المتفلّت، فتشكّلت في مختلف الأماكن الاجتماعيّة ظاهرة مشابهة في الكثير من معالم تلك الظّاهرة الانعزاليّة لتلك التي خرجت على الدّولة، بحيث دخلت قوة جديدة، اجتماعيّة، على خطّ التّمرّد، فكانت أن شكّلت نماذج محاكية للانعزاليّة السّياسيّة و شبيهة بها اجتماعيّاً من جهة انفرادها في "السّلطة" الاجتماعيّة و القرار المحلّيّ، و قد تناسب ذلك مع غياب سلطة الدّولة "المباشرة" عن معالم المجتمع و النّظام.

لقد كان من أثر ذلك، مع ظروف هذه الحرب، أن افتقدت الدّولة صلابةَ سلطتها حتّى في الأمكنة التي بقيت تحت "السّيطرة" السيّاسيّة التّقليديّة؛
و ربّما من المفيد اليوم أن نبحث في جزئيّة هامّة و أعني في مفهوم "الدّولة الأمنيّة"، و في السّياق في كيفيّات إعادة السّيطرة مع كلّ مظاهر التّفلّت و العبث التي تُبديها بعض قوى المجتمع في اتّجاه استراتيجيّات خاصّة بعيدة عن سلطة الدّولة، في الأماكن التي لم تخرج من تحت "السّيطرة"، إذْ أنّ لتلك التي خرجت على السّيطرة تعاملاً خاصّاً تعتبر استراتيجيّات العمل العسكريّ أوْلَى بالتّنظير المؤقّت لها، و هذا ما يخرج عن طبيعة أحاديثنا، هنا، في هذه "السلسلة".

فالسّؤال الأكثر جوهريّة، هنا، إذاً، إنّما هو كيف يستعيد "النّظام الأمنيّ" ذاتَهُ في فعّاليّات "السّيطرة" في حقولٍ خرجت، نسبيّاً، عن السّيطرة و خرجت، نسبيّاً، حتّى على "الدّولة"، و ذلك عندما خرجت على "القوانين" الاجتماعيّة و القوانين الوضعيّة التي انحسر تطبيقها في معمعة هذه الحرب؟

يتعلّق الجواب تلقائيّاً بثقافة "الدّولة" و ثقافة "النّظام العامّ"، و ليس في شيء آخر، أبداً، و في استعادة ممارستهما، و تطويرهما، في الجيوب التي تَكَهّفَتْ أثناء الحرب، كما يتعلّق الأمر، و هذا في النّتيجة المترافقة مع الأدوات ، بكيفيّات تطبيق "القوّة" المناسبة، في أثناء ذلك.

و من دون مخاتلات، نحن أمام سؤال بسيط، و لكنّه كبير..، و هو كيف نعيد بناء الدّولة و المجتمع؟

يعني بناء "المجتمع"، ممّا يعنيه، بناء "واقع اجتماعيّ" آمن و أمنيّ و متجاوز لذاته التّقليديّة التي أفرزت جميع مساوئ هذا الواقع بتقاليده العمليّة التي تظاهرت في العزلة و الانعزال و التّمرّدات المختلفة، ما فاجأ الغالبيّة، فيما لم يُفاجئ البعض الآخر.

تختلف "الواقعة الاجتماعيّة" عن "الواقعة الطّبيعيّة"، بل و تنفصلان كلّ الانفصال.

إنّ مولوداً بشريّاً قد جاء إلى هذه الدّنيا في يوم محدّد و ساعة محدّدة، هي واقعة اجتماعيّة طبيعيّة واضحة الاستقلاليّة عن غيرها من الآراء و القناعات التي ترتبط ارتباطاً مباشراً، في "الثّقافة"، بإمكانيّة الخلاف حولها، لتخرج، إذاً، من سياق الواقعة الطّبيعيّة العارية.

و من الواضح أنّنا عندما نتكلّم على الظّاهرة الاجتماعيّة، موضوع الفعل و التّغيير و التّأثير، إنّما نحن نتكلّم على تلك الوقائع التي هي من الصّنف الثّاني، بحكم اجتماعيّتها الثّقافيّة و السّياسيّة، و التي تحتمل "الخلاف" و "الاختلاف".
و لكن ماهي "قوّة الدّولة" ما لم يكن نطاق فعلها في هذا الإطار؟

يمكن إذاً أن نسمّي الواقعة الأولى من ضمن "الوقائع العارية"، فيما لا يُمكننا تسمية واحدة الصّنف الثّاني من تلك الوقائع الاجتماعيّة الثّقافيّة، كذلك، أي واقعة "عارية"، بمعنى أنّها تحتمل الرّأي و تحتمل المعالجة العلميّة و العقلانيّة في إطار "النّظام النّقديّ" ("السّيستام" النّقديّ) الذي يوجّه و يؤطّر أحاديثنا كلّها في هذا المجال.

هذا و من الواضح كيف ترتبط معالجة وقائع الصّنف الثّاني، هذه، الدّاخلة في الوقائع غير العارية أو ارتباطاً وثيقاً بِـ"المؤسّسة"، و تالياً بالدّولة؛

فيما ليست هي، كذلك، تلك الوقائع التي تعتبر من الصّنف العاري، من ممتلكات معالجات الدّولة في مهامّها الأصليّة، الّلهمّ إلّا من جوانب إحصائيّة غير جوهريّة، في الأساس، و إنّما تكتسب جوهريّتها من ارتباطها المستقبليّ بمعالم المجتمع و مضامينه الثّقافيّة و السّياسيّة، في مستقبلها غير الأكيد!
و هذا باعتبار أنّ التّفاصيل التي يتناولها الاهتمام السّياسيّ المباشر إنّما هي تفاصيل يوميّة و حاضرة ترتبط بمعاصرة المعالجة للواقعة أو للظاهرة الماثلة أمام الشّأن العامّ.

على كل حال، و إذا دخلنا إلى مسرح "الحدث" فإنّ لنا، و علينا، أن نتصوّر و نسلّم بكمّيّة التّعقيد التي ترافق نظرتنا إلى معالم الواقعة الاجتماعيّة "غير العارية" و التي تحوّلت في سياق التّكرار و التّكديس الثقّافيين إلى ظاهرة صلبة، تبعاً للتّعقيدات التي تنبني عليها الظّاهرة.

و علينا، مع تسليمنا بتعقيد الظّاهرة (أو الواقعة)، هذا ، أن نتمكّن من الدّخول إلى غيبيّاتها المستترة خلف ظاهرها، و هذا ما لا يعترف به، عمليّاً، واقع الأشياء عند بحث علاقة "المؤسّسة" (الدّولة أو إحدى مؤسّساتها) بالواقع الاجتماعيّ، مع أنّ "البداهة" تفترض ذلك؛

و هذا ما كنّا قد عبّرنا عليه، في مناسبات سابقة، كما و لا بدّ أنّ القارئ يذكر، بِما اعتبرناه "فقه السّياسة"، و الذي يرتبط ارتباطاً مباشراً بفلسفة السّياسة في إطار النّظريّة النّقديّة العقلانيّة.

إنّ كلّ ما يُمكن التّأثير فيه بعمق، نكون قد استطعنا الدّخول إليه إلى ساحة "النّوايا" الشّاملة و العامّة للفعل الثّقافيّ الاجتماعيّ و السّلوك الاجتماعيّ السّياسيّ.

نحن، إذاً، أمام عمليّة من عمليات "البناء الاجتماعيّ" الذي أسميناه، سابقاً، بالعمران الاجتماعيّ – السّياسيّ، من جديد؛
حيث في إطار ذلك سنجد أنّ الكثيرَ من الإشكاليّات، في رأينا، هي أكثر بداهة ممّا يفترض كثيرون لا يُجيدون فهم و تقدير طبيعة و أهمّيّة و استعادة ظروف أعمال الإنشاء و الإحداث و التّأسيس المؤسّساتيّ؛

و يدخل هذا الأمر في السّياقات نفسها التي أكّدنا عليها، هنا، مراراً، و هي أنّ بناء الأخلاقيّة الاجتماعيّة، في العمل و في الممارسات الأخرى، إنّما هو رهنٌ ببناء "السّلطة" السّياسيّة، و "الأمنيّة"، و في استكمال بناء "المؤسّسة" السّياسيّة، قبل التّوجه إلى بناء المجتمع من جديد.

إنّ أيّة انزلاقة محوريّة إلى الخوض في تفاصيل المقول، يجعل النّظريّة النّقديّة مستهلكة في تفاصيل مغرِقة في التّوتّر التّحليليّ، الذي يجب أن تبتعد عنه "النّظريّة", إن كان لا بدّ لنا، و هذا طبيعيّ و ضروريّ، أن نحافظ على هيبة "النّظريّة" في الاستراتيجيّات، ليكون مكان التّفاصيل في "التّاكتيك" العمليّ الذي يتحدّد تباعاً وفقاً للزّمان و المكان.

إنّ من لا يفهم التّنظير بالإشارة الدّلاليّة، لا يمكن له، أبداً، أن يفهم بالتّصريح! مع الأخذ باعتباريّة أهمّيّة الإشارة، و لو من بعيدٍ، إلى بعض التّشخيصات الوصفيّة الخارجيّة، بالعموم، و دون الخوض في تفاصيل هذا التّمثيل التّشخيصيّ في الدّاخل التّفصيليّ (إلّا عند ضرورة السّياق التي تفرض نفسها، فرضاً)، ليبقى هذا الأمر رهن الشّروحات العمليّة للنّظريّة الأساسية العقلانيّة للنّقد الاستراتيجيّ.

بالعموم، فإنّ كلّ مكان اجتماعيّ – سياسيّ (مؤسّسة)، هو مكوّنٌ من عناصر و مقوّمات و موارد (بشريّة و غير ذلك) و خطط و أهداف مرحليّة و غايات؛
و نرى، على أساس ذلك، و هذا هو الأمر الطّبيعيّ، أن يتوجّه الاهتمام إلى هذه العناصر و المقوّمات و المكوّنات ، بحرفيّة و مباشَرة، ليكون بإمكاننا إنجاز أيّة خطّة للعمل و أيّة استراتيجيّة للدّولة و النّظام.

و من شروط هذا التّوجّه، أو من أهمّها، إن لم يكن الأهمّ، هو التّوجّه بموضوعيّة خالصة إلى تلك "العناصر" المؤسّسيّة، ليكون بإمكان "القرار"، الإداريّ، أو الاقتصاديّ، أو السّياسيّ، أن يكون قراراً مستقلّاً و عمليّاً، و أعني ممكناً، في جميع ظروف التّنفيذ.

من الواضح أنّ ما قصدنا فيه "الموضوعيّة"، عندما نأخذ نهاية العبارة السّابقة بالاعتبار، إنّما هو الشّرطُ الأخلاقيّ- العمليّ، و الأخلاقيّ – السّياسيّ، لكلّ عمل مؤسّسيّ يريد أن يكون عملاً وطنيّاً ناجحاً أو محققاً لأهدافه المخطّطة، أو لمعظم هذه الأهداف، على الأقلّ.

و يشهد على ذلك، من التّجربة الحيّة المؤكّدة، أنّ بعضاً من التّعقيدات المؤسّسيّة، و بما فيها أمراضها المزمنة و المستعصية، و التي كان يُنظر إليها على أنّها غير قابلة للحلّ، إنّما كانت تدخل في إطار البداهة العمليّة التّنظيميّة الجادّة، بشرط توفر الإرادة المتوجّهة إلى هدفها، بوضوح "قياديّ" و تجرّد شخصيّ..؛

و ثمّة من التّجارب الشّهيرة و المعروفة بذاتها و بأصحابها تلك التي أثبتت إمكانيّة ضبط العمل و الإدارة بقوّة و من دون "سلاح"!

ليست الأخلاق بوصفها قيمة عمليّة أو تلك المسلكيّة، شيئاً سابقاً على العمل، كما يتوهّم الكثيرون، إن لم يكن الجميع، ممّن ينظّرون على أعمال الإدارة و المؤسّسات و البنية الوطنيّة للإدارة؛

و على العكس فإنّ الأخلاق المسلكيّة بوصفها قيمة عملية تتأتّى في سياق العمل المحكوم، بنظرة بعيدةٍ و أفق إداريّ- سياسيّ متجرّد و مستقلّ؛ تماماً كما رأينا العلاقة العكسيّة للأخلاق الاجتماعيّة السّياسيّة في وضعيّة الدّولة و عناصرها الرّئيسة، من حيث تَقَدُّمُ السّياسةِ على الاجتماع، سواء بالمسؤوليّة أو سواء بالأدوات، و أعني ليس العكس؛

و على رغم ذلك، فما من مانع من الدّخول في بعض الأبواب العامّة، و لو بقيت "النّظريّة" – و هذا لا بدّ منه – على هذه الأبواب ، لترسلَ إلى داخل البنى تفاصيلها من الأدوات و الوسائل و الشّروح و التّوصيات العمليّة في مناسباتها هناك؛

حيث، لا ينتظر أحدٌ منّا أن نقول له إنّ متابعة السّاحة النّفسيّة الدّاخليّة للفرد الاجتماعيّ أو للبنية الاجتماعيّة المحدّدة، التي تُختزن فيها المستَتَرَات الغيبيّة النّفسيّة و الاجتماعيّة، و التي تُحدِّد الكثير من القناعات في مستقبل السّلوك و الفعل و التّفاعل الاجتماعيّ..، إلخ؛ هو شيء ممكن إمكانيّة مباشرة..؛

و إلى هذا ينتمي ما كان أحد الأخطاء السّياسيّة "الأمنيّة" في ممارسات "المؤسّسة"، و الذي أثبت فشله الذّريع؛ أو كذلك كانت الممارسة العامّة المنافقة للسّلطة الوظيفيّة في الإدارة العامّة، بوجه عامّ.

غير أنّنا، هنا، نتحدّث، و سنتفرّغ للحديث، على "الدّولة الأمنيّة"، حصراً، بوصفها الدّولة النّموذجيّة العالميّة في الوقت الحاضر ، تبعاً لما لأهمّيّة "الجانب الأمنيّ"، كوجه غالب معاصر للدّولة الحضاريّة، و لو أنّه لا يبدو ذلك واضحاً في الغرب المتقدّم، ما يرجع، في رأينا، إلى سببين رئيسيين:

1 ٠ الأوّل، و هو أنّ المجتمع المتحضّر، متفرّغ بغالبيّته إلى العمل و الإنتاج و العيش اليوميّ الطبيعيّ الذي لا تناقشُ فيه مسائل "أمنيّة" الدّولة التي تعيش في ظلّها المباشر و الواسع تلك المجتمعات العمليّة؛
على عكس مجتمعاتنا، حيث "الجميع" (و أعني الجميع، فعلاً!) هم "مشتغلون" بالسّياسات العامّة و الخاصّة و بواسطة جهل عامّ مثاليّ بأمور السّياسة، فيما "الجميع" يفترض في نفسه أنّه قائد سياسيّ، أو، و هذا على الأقلّ، منظر سياسيّ أو محلّل سياسيّ أو ناقد سياسيّ، مع إهمال الجميع لعملهم المنوط بهم في الشّأن العامّ أو في الشّأن الخاص أو في الشّأن الشّخصيّ، و ربّما، أيضاً، العائليّ..!

و في مثل هذا الفارق بين مجتمعنا السّوريّ، كمثال، و بين المجتمعات المتحضّرة، فإنّه يتمّ استبعاد اليوميّات الكلاميّة الفارغة و الثّرثرة الاعتياديّة، و الآنيّات، من مجالات العمل و مجالات الأقوال، في الدّول و المجتمعات الأمنيّة "الحقيقيّة"، و المتحضّرة، بحيث لا تعود موضوعة "أمن الدّولة" من اختصاص الّلحظة الزّمنيّة و المكانيّة السّائلة و المستمرّة، أو من اختصاص الجميع، فينقشع الخطاب الثّقافيّ عن جوهريّات اجتماعيّة و اهتمامات ثقافيّة و حيويّة تكون مدار اشتغال الغالبيّة من الفاعلين الاجتماعيين..
كما تكون هدفاً حقيقيّاً ينضاف إلى متانة الذّوق العامّ في مراكمته أوصال المجتمع، و ذلك بدلاً من العكس الذي هو السّائد في "مجتمعنا السّوريّ" كمثال عن سائر المجتمعات "النامية" الحاملة لجينات بيولوجيّة وهميّة من "عقد الاضطهاد" الشّامل، و السّاهرة على الفراغ المعيشيّ و الاهتمامات المنتجة.

2 ٠ و االسّبب الثّاني، و هو الأهمّ، يتمثّل في نضوج أشكال و مفاهيم "المعارضة السّياسيّة" في وظيفتها الأساسيّة في حقول أعمال منظّمات و مؤسّسات "المجتمع المدنيّ" الذي أخذ شكله الواقعيّ و الفعليّ، فلم تعد قوى هذه "السّلطات الاجتماعيّة" تتحرّك و تنمو في سرطانات "الشّرعيّات" التي لا تنتهي في التّعداد و العمل الانقلابيّ في مواجهة "شرعيّة الدّولة"، لتكفّ عن الممارسات و التّنظيرات التّخريبيّة و الابتزازيّة للذّوق الثّقافيّ العامّ..
فتخلو أخبارها و نشاطاتها من على موائد المقاهي و صالونات الثّرثرة الأدبيّة، كما هو الأمر الحاصل عندنا..
كما أنّها لا تعود تقتحم مناسبات الأسرة الواحدة في حياتها اليوميّة و مواعيد طقوسها الاعتياديّة على مَدارِالّلحظة في كلّ يوم..، و على مدار ساعات اليوم الواحد..
و في الوقت نفسه لا تعود لتعمل على توتير البنى الاجتماعيّة الثّقافيّة بحقنها بأحقاد العنصريّة و القبليّة و الّلؤم الانتمائيّ الدّينيّ و الطّائفيّ..
فإذا بالأمر تخلو منه المفردات المعيشيّة اليوميّة في جميع حقول الحياة و العمل، فينخفض، مع هذا، السّعار السّياسيّ "الثّقافيّ" و "الإعلانيّ"..

فيما المؤسّسات الأمنيّة للدّول المتقدّمة، تناسبب تقدّم هذه المجتمعات، و أعني أنّها تخترق، بعمق، مجالات الحياة الخاصّة و العامّة و من دون ضجيج..

إنّ الفارق الجوهريّ و الفاعل بين الدّولة الأمنيّة العالميّة المعاصرة ،و بين دول مجتمعاتنا المتخلّفة و المنغلقّة و المراوحة في أزمنة "التّأسيس" لأسباب تحدّثنا عليها بالتّفصيل في ما سبق لنا، هنا، من أحاديث، و التي نلخّصها بتدنيّ مفهوم و واقع الاجتماع، مع الانفصالات التّاريخيّة و الواقعيّة الثّقافيّة المعبّرة عن وقائع تأسيسيّة أضحت بمثابة الوقائع الغيبيّة أو الخرافيّة لبعدها في التّاريخ الماضي؛

هذا و غيره شكّلَ الفارقَ الأساسيّ و الجوهريّ بين "الدّولة الأمنيّة" الدّكتاتوريّة في المجتمعات المتحضّرة، بحيث استفادت المؤسّسة الأمنيّة فيها من جميع معطيات الحضارة و التّقدّم، بما في ذلك، معطيات "الثّقافة" العميقة و "المعرفة" المعاصرة؛

و بين ما يمكن أن نسمّيه بالواقع السّطحيّ للدّولة "الأمنيّة السّطحيّة" في مجتمعاتنا، و لكنْ تلك التي ضخّمَ من امتدادها عنصريّة الثّقافة، في الدّولة و في المجتمع، و السّطحيّة المعرفيّة التي حالت دون استخدام معطيات الحضارة الواسعة، في الثّقافة و المعرفة ..
فكانت أن تضخّمت الأوهام على "الدّولة"، بما في تلك الأوهام ما يُزعم أنّه مجتمع سياسيّ أو مدنيّ، فيما هو لا يزال يغرقُ مختنقاً في أسوأ أمراض و ظروف "المجتمع الأهليّ" القائم علة نموذج "القبيلة" و "الحيّ" و "الأسرة"، و "المعمل" و "المصنع" و "المانيفاكتورة" الصّغيرة، و الإدارة العامّة الكبيرة، و في كلّ منفَصَل في مجتمع خلّبيّ مزعوم، و التي ترى جميعها في ذاتها "دولة" في "الدّولة".

هكذا غابت من "دولتنا" بنية "الدّكتاتوريّة الأمنيّة" - على عكس ما يعتقد الجميع تقريباً -، فيما انصرفت إلى مسالك تعويضيّة و متخلّفة و بدائيّة، أيضا، منحت، مع الزّمن المديد، بقصد و من دون قصد، "الثّقافة" العامّة المرتبطة بمشاريع التّأسيس التّاريخانيّ و اللاتاريخيّ، أسباب و فرصة الإعلان الدّائم عن خطابٍ مغرضٍ شاملٍ، له أهله و أهليّاته و مسوّغاته المعروفة..، استطاع أن يبتزّ، مؤخّراً، بخاصّة، المؤسّسة الأمنيّة نفسها، عندما انكفأت، في الكثير من جوانب الدّولة و الحكومة و الإدارة العامّة، و المجتمع، عن ممارسة وظيفتها الحقيقيّة، الأمنيّة الاجتماعيّة..
فكانت "الفوضى" التي نوّهنا بها، في أوّل هذا الحديث، ظاهرة أصبحت شاملة و متغوّلة في الفساد و الاستهتار بالدّولة، و الإجرام الذي انضمّ، أو انضاف، بحكم "المناسبة"، إلى "الإرهاب" نفسه.

و في تهلهل "النّظام" العامّ، و "النّظام السّياسيّ"، بشكل خاصّ، مع ظروف هذه الحرب، أصبحت "الظّاهرة" المستفحلة بالفوضى و الخروج على "الأمن"، بعامّة، تستمدّ مفاهيمها "الشّرعيّة" من وقائع و مجمل "النّظام" نفسه، كما أصبحت، في "الخطاب العام" و آليّاته التي بحثناها، سابقاً، تشير إلى "النّظام"، نفسه، و ليس إلى شيءٍ خارجيّ أو في بُعدٍ عن "النّظام"، فأصبح "الدّال" الإشكاليّ في "النّظام" نفسه، و ليس في المظاهر الاجتماعيّة لأزمة النّظام التي أشعلتها الحرب.

دعونا نأخذ مثالاً واحداً، فقط!

إنّ "النّقد" الماليّ (العملة) و مفهوم "النّقود"، و هذا مثالٌ، و لكنّه طاغٍ، هو مفهوم بالأصل يُشير إلى "الدّولة" في نطاق الرّعاية الاجتماعيّة السّياسيّة لآليّات "السّوق"؛

و عندما تتراجع الدّولة عن هذا "النّظام" الاعتياديّ، و الذي أصبح من ممتلكات ثقافة البداهة، قبل الحرب، كان أن اختلّ بشكلٍّ فاضح و عميق، فتولّت "قوى" جديدة، و منها قوى معارضة؛

(كما، مثلاً، في توزيع معونات الأمم المتّحدة، عن طريق "الصّليب الأحمر الدّوليّ" ممثّلاً بِـ"الهلال الأحمر السّوريّ، و السّرقات الصّفقاتيّة الكبيرة المؤدّية إلى إثراءات خرافيّة، و التي يقوم بها موظّفو "الهلال" للمعونات، و الذين يتألّفون كلّهم أو جُلُّهُم من قوى "المعارضة" السّوريّة و في إطار عمل "الدّولة الأمنيّة" أو المتّهمة بذلك، و باستهتار علنيّ..)

تولّت فاعليّات قوى السّوق النّقديّة، و تعمّمت في علاقات التّبادل في مظاهر "إثرائيّة" استغلاليّة، على حساب جزء، آخر، اجتماعيّ، فيما بقيت تشير إلى "الدّولة" بل و إلى "الدّولة الأمنيّة"(!) بالذّات، فيما هي هذه "الدّولة" غائبة، تقريباً، عن هذا الواقع، و بدافع الابتزاز الاجتماعيّ و السّياسيّ الذي جرى لها و طبّق عليها و استسلمتْ له..!؟

هكذا مثلاً يُجَيَّر من جديد، ما هو من خارج "الدّولة" إلى "الدّولة" نفسها، و إلى "الدّولة الأمنيّة" المتّهمة بالدّكتاتوريّة...، فتبقى الظّاهرة الاجتماعيّ تشير إلى "الدّولة"، و لا تخرج إلى فضائها الحقيقيّ لتشير إلى "المجتمع" أو إلى قوى اجتماعيّة خارجة على "الدّولة".

فليلاحظ، إذاً، القارئ النّبيه، كيف تجري الجريمة و كيف يُعاد إجراؤها (و ليس تمثيلها!) و القيام بها من قبل "القوى" نفسها تلك التي تتّهم الدّولة الأمنيّة بممارساتها التّعسّفيّة!
و هذا ، بالضّبط ، ما قصدناه من دوران الخطاب الثقّافيّ الاجتماعيّ – السّياسيّ في حلقة كاملة و مليئة بالمعاني و الدّلالات، فيما تُدْخَلُ فيه "الدّولة"، قسراً، كمكوّن لحلقة مفرغة مزعومة، فلا تستطيع "الدّولة"، حتّى الدّفاع عن نفسها في مثل هذه الظّروف التي أصبحت، على كلّ حال، ظروفاً عامّة و اعتياديّة و طبيعيّة، تقريباً...

لا يفصل الوعي الثّقافيّ السّوريّ، حتّى اليوم، بين الدّولة.. و المجتمع، بل و على العكس، فإنّ في جعبته من الأدوات الاختياريّة ما يكفي لخطاب هجوميّ و عدائيّ و منظّم، و قادر على أن يختار، و بمضاءٍ تأييدي اجتماعيّ و شامل، الحدود التي تتناسب مع مشروعيّاته في التّخريب و التّسلّط لينسبها، حسب الحال، و كما يُريد، إلى الدّولة أو المجتمع.

و إنّ الدّولة، بكل بساطة..، لم تستطع حتّى اليوم أن تكون "دولة أمنيّة" فعليّة و حقيقيّة، كما لم تتَمَكَّن، أيضاً، إلى هذه الّلحظة من التّدخّل الوظيفيّ الضّروريّ في سياق مثل هذه الفاعليّات الاجتماعيّة الحاكمة (و قد أخذنا، نحن، منها مثالاً واحداً و بسيطاً، أيضاً ! ) لضبطها و منعها و محاسبتها و الحكم عليها بالعقوبات المميتة للظّاهرة، و أعني لجميع الظّواهر المعادية للمجتمع و المعاديّة لمؤسّسة الدّولة و المنافسة لها منافسة استثئاريّة و احتكاريّة صريحة، تفوّت على الدّولة و على المجتمع "السّلطات" و "المَنافع" و "الأمن" و "الأمان"؟!

و لقد طَوّرَت هذه "السّلطات! "الخطرة من أدواتها و وسائل اشتغالها و عدّتها، باستمرار، إلى الدّرجة التي أنتجت، فيها، خطاباً كاملاً من الخطابات التّاريخيّة الفاعلة، بحيث أنّ الأمر لا يحتاج إلّا إلى استعمال عابر و مقتصد لرمز واحد و ضئيل و يسير، كجزء تقوم هذه "القوى" باستخدامه بخبثٍ و لؤمٍ بيّنين، ليكون هذا الجزء، و مهما كان رمزيّاً، كافياً لتحريض "المجتمع" بعمومه ضدّ الدّولة؛

هذا و لا نزال جميعاً في إشرافة سهلة على زمن التّأسيس لهذه الحرب التي وجدنا فيها ما أدّى، بسهولة كبيرة، إلى خرافة من الاشتعال الجمعيّ و المجتمعيّ، أدّى و يؤدّي إلى دمارات للدّولة و المجتمع و الأفراد على النّحو الذي عانيناه و نعانيه.

لا تُقَدِّر. مؤسّساتُ دولتنا، إلى اليوم، مسألة خطورة و أهمّيّة الواقعة المؤسّسيّة في "المفهوم الاجتماعيّ"، كما أنّها، على ما يبدو، غير معنيّة بفهم وإدراك و تعمّق التّفهّم للعكس؛
و أعني كيف يبني "المفهوم الاجتماعيّ"، في ثقافاته و ملكيّاته الرّمزيّة و الماديّة، ما يُحيط بالواقعة المؤسّسيّة من متلازمات تناذريّة و استدعائيّة و تداعويّة، ليقوم بنسبها المباشر، في استنسابٍ حُرّ و ممكنٍ و خطر على الحقيقة، إلى "الدّولة"، بل و إلى "الدّولة الأمنيّة"..، بل و أكثر فأكثر و صولاً حتّى إلى "رأس الدولة"..!؟

في مثل هذا الواقع، على التّحديد، هذا الواقع الاجتماعيّ "الثّأريّ" و "الانتقاميّ" و "الكيديّ" و "العنصريّ" و "المشوّه" و "المجرم" و "الخرافيّ"، تبعاً لما رأيناه ، أعلاه، و لما تحدّثنا فيه، سابقاً؛ يغدو من الضّروريّ، اليوم، البحث في وسائل "السّيطرة"، و بتجريد و تخصّص و اختصاص، ليكون ممكناً الحديث ، قريباً، أو بعيداً..، على الدّولة الأمنيّة و على "دكتاتوريّة الدّولة الأمنيّة"، أو على "النّظام".

أذكر أنّني في حديث سابق، هنا، كنت قد تكلّمت على تفاصيل الوظيفة الأمنيّة الحضاريّة و المعاصرة؛ و لن أعيد، هنا، أو أعود إلى ذلك، و لكن دعونا، معاً..، نتذكّر مضمون ما قلته، سابقاً، و هو أنّ:

["الأمن" بالذّات هو وظيفة معقّدة و واسعة قد تشمل حتّى "رعاية" أبسط الأشياء الحياتيّة اليوميّة، و ذلك في إطارات و حقول و مجالات و فضاءات "الدّولة الرّاعية" و "الدّولة الحاميّة"، على التّحديد]

و تلك هي وظيفة "الدّولة العادلة"، و ذلك مهما كان أعداؤها قادرين على تشويه الحقائق التي هي، إن تحصّلت، فإنّها سوف تُخرس، في الواقع، جميع هؤلاء، و بالإضافة إليهم جماهيرٌ مثلهم على التّحديد.

يفهم القارئ النّبيه، و لا شكّ، أهميّة "القوّة" في ممارسة "الدّولة" المعاصرة لعدالاتها التي ينتظرها "المجتمع".. و يذكر أنّنا لطالما ربطنا "القوّة" بالمعرفة؛

و أمّا هذه المرّة، فسأضيف إلى هذه الثّنائيّة، "ثالثة الأثافيّ"، كما يقال عند العرب، و أعني بها الشّخصيّات القياديّة و الإداريّة التي تستطيع تنكّب السّلاح المؤلّف من المسؤوليّات الجسام الملقاةِ على أبطال عواتق إنقاذ البلد ممّا كان فيه و مما أصبح فيه، بالإضافة أو الإضافات إلى تلك التي قدّمتها أو شكّلتها أو كانتها هذه الحرب.

و لكنْ دعونا، الآن، نَعُود إلى مفهوم "الحقيقة العارية" و تلك الأخرى "الحقيقة غير العارية"، لنختمَ هذا الحديث فنجعله في دائرة متماسكة، فالدّائرة هي أكمل الأشكال الهندسيّة.

لا يُعتبر العمل في "الشّأن العامّ"، معضلةً حقيقيّة، إداريّة أو اقتصاديّة أو سياسيّة أو وظيفيّة، أو أيّ نعت آخر من هذا القَبيل؛
غير أنّ "الحقائق العارية" بمعنى البديهيّات، هي شيءٌ وهميّ في هذا الوسط الذي يُمثّل خصوصيّات متعدّدة للمجتمع السّوريّ؛

و يُعتبر التّغلّب على الإشكاليّات التي تطرحها هذه البنية التّركيبيّةّ للطّبقة الوظيفيّة الاجتماعيّة السّياسيّة، و بأوسع معنًى لها، إنّما هو عمل خارق و جبّارٌ في مجتمع مثل مجتمعنا السّوريّ.

و إذا كنّا، أيضاً، في ما سبق، قد بحثنا في جانب أو أكثر من هذه الصّعوبة أو من هذه الصّعوبات، المتعلّقة بالبيئة العامّة للعمل العموميّ، فإنّنا نودّ هنا أن نستعيد، أو أن نضيف شيئاً جديداً كما نراه.

من الصّعوبة، إذاً، أن نربط الأشخاص بالنّتائج المأساويّة لمخرجات العمل في الشّأن العام؛ و إذ ذاك فما هو البديل الذي يسمح لنا بتجاوز هذا العنق المغلق للزّجاجة الكتيمة؟

و إذْ ننطلق من الضّرورة التي لا بدّ منها من أجل قطع هذه الاستحالة، فإنّ علينا الأخذ بموادّ النّظريّة العقلانيّة النّقديّة التي نطرحها، تباعاً، في هذه المكثّفات.

تقول إحدى موادّ أو بنود هذه "النّظريّة"، أنّه علينا، عَبْرَ أدواتنا و وسائلنا، و عبر القادة السياسيين والإقتصاديين والإداريين القادرين و المجرَّبين، الذين عاصروا التّحوّلات الاجتماعيّة و السّياسيّة من مواقع المسؤوليّة، أن نكون قادرين على استيعاب قضية أساسيّة..
و هي أنّه في عشيّة الحروب تكون الكثير من الأمور الهامّة قد أجّلت إلى وقت آخر غير معلوم، نتيجة هول الحرب و توقّعات مآسيها من قبل صاحب القرار السّياسيّ في الحلقة الأعلى في الدّولة.

و ما هو ضروريّ للإضافة، الآن، هو مسألة التّوقيت المناسب للأعمال الجليلة التي تكوّن أحد أبعاد و أجزاء و مكوّنات "أسطورة" الدّولة - و كنّا قد بحثنا هذا من جانب مختلف – بحيث أنّ الظّروف العامّة للحرب و تناقضات المعايير التي تنشأ فيها، و فظاعة الآلام التي يعيشها المجتمع، تجعله مؤهّلاً لتقبّل الأعمال الجليلة التي تقوم بها "الدّولة"، و منها أعمال الحدّ و الكفّ العنيف و الحازم للتّجاوزات الخطيرة على المجتمع و على الدّولة، و لأصحاب هذه التّجاوزات، أيضاً، الآن..

إنّ ظروف الحرب الدّمويّة تجعل حتّى تقبّل قرابين الدّماء البشريّة أكثر مقبوليّة و أكثر ضرورة بحقّ من يخون.
الخيانة ، بالضّبط، هي الخيانة المنظّمة في غير ساحات القتال، أيضاً، و على غير جبهات النّزال..
إنّها كذلك في ما حولنا، في بيئة الحياة اليوميّة التي يُصار إلى التهامها و اغتصابها بكلّ صفاقة أوتي بها أصحابها هؤلاء..، أيضاً، في الشّأن العام..!
و هل يمكننا التّعداد؟!

أظنّ أنّه من العسير أن نبدأ بتعداد ما هو معروف، خشية أن لا ننتهي، اليومَ، على الأقلّ، من هذه الجردة الواقعيّة التي لَوَّثَت كلّ ذرّة هواء و أرض و ماء..!؟

***

كتبت الدكتورة رشا شعبان, حول البحث أعلاه, التعقيب التالي:أ رشا شعبان

كل الشكر لك حكيمنا و دكتورنا الغالي ل تلك الأسئلة الجوهرية و الضرورية التي تتعمٌق بها و تغوص في ثناياها ، لتضعنا أمام مسؤولياتنا الثقافية و الفكرية التي ظنّ البعض أنها بعيدة كل البعد عن ما هو سياسي و اجتماعي و اقتصادي و علمي و تربوي، في محاولة الخلط الاعتباطي أحياناََ، و الممنهج أحياناََ، أو الفصامي بين كل تلك المجالات التي من المفترض أنها منظومة بنيوية متماسكة و متفاعلة.

و لا شك أن مفهوم الأمن و علاقته بالدولة و المجتمع هو مفهوم في غاية الأهمية و هو من الأسئلة الإشكالية في مجتمعنا الذي ينوس بين الحضاري ظاهرياََ، و المتخلف المتراجع في العمق و الجوهر.

و من الأهمية بمكان التأكيد أن إشكالية مفهوم الأمن هو حاصل الخلط بين مفهوم "القوة"، و مفهوم "العنف"، و لا نجانب الصواب إذا ما أكدنا أن ذلك أيضاََ هو ناتج تلك الثقافة التسطيحيّة و التبسيطيّة في مجتمعنا و وعينا السياسي و لمفهوم الدولة الحقيقية و المكتملة.

حيث أن التمييز بين "القوة" و "العنف" هو الذي يمنح الدولة الأمنية، و مفهوم الأمن، الدلالة في المشروعية و اللا شرعية.

و لا شك أن القوة تمثّلت للإنسان بوصفها خاصية تعبّر عن المقدرة و الشجاعة و الجرأة، في حين أن العنف هو تلك الممارسة التي تعكس البعد الغرائزي في الإنسان بما هو كائن انفعالي و الأعجز عن التحكّم في رغباته و أفعاله.

نعم إن القوة هي الامتثال لسلطة القانون أو العقد الاجتماعي الذي يتمظهر سياسياََ لحفظ الحق، و احترام حقوق الآخرين.

ولعلّ الثنائيات المتضادة و المتناقضة، تظهر لنا تمييزاََ واضحاََ و جلياََ بين القوة و العنف.

إنها "المقدرة" في مقابل "القوة"..
و "الشجاعة" في مقابل "الجبن"..
و "الحق" في مقابل "الباطل"..
و "العدل" في مقابل "الظلم".

و قد أشار "باسكال" إلى ذلك في قوله: أن عدالة من غير قوة هي أشبه بالعبث، كما أن قوة دون عدالة لا تكون إلا مدمّرة.

و هذا يؤكد أن المساحة التي تضمحّل فيها القوة يختفي الحق فيها، و أن المجال الذي تظهر فيه القوة ينكشف في الحق و يسود.

و عندما يحدث الخلط و التماهي و يتهاوى التفاضل و التمفصل بين "القوة" و "العنف"، تفقد الدولة الأمنية مشروعيتها، لأنها فقدت علاقتها بالقوة و سلطة القانون الواجبة و الملزمة.

و ما تمظهر الظلم و الاستبداد إلا تعيّن للعنف و الممارسة غير الشرعية اللاعقلانية و اللاموضوعية للقوة، التي فقدت بدورها شرعيتها.

إن الخلط الثقافي و الاجتماعي و الذي تعيّن ذاتياََ من قِبَل بعض المسؤوليين الأمنيين، و الذي أيضاََ انعكس في ثقافة تسطيحية خرافية لدى المواطن، و الذي كان تربة خصبة لانتهازيي الحرية المزعومة و المشتغلين على مصفوفات الحريات و الحقوق الإنسانية و متزعمي المجتمع الذي زعموا مدنيته، عندما أرادوها نقيضاََ مضاداََ لمفهوم الدولة، و لزعزعة أركان السياسة بوصفها القوة..
كل ذلك شكّل منظومة متكاملة لإضعاف مفهوم الأمن بوصفه القوة و الأمان و الحق، و كان مكرّساََ لمفهوم الدولة الأمنية في الإطار السطحي و الضيّق و الآني.

نعم علينا الاعتراف و بشجاعة، أن انسحاب الدولة الأمنية من الشأن الثقافي الحقيقي، و التربوي، و العلمي، و الاقتصادي، و انصرافها إلى الوقائع العارية، كان له انعكاس سلبي على قوة الدولة الأمنية.

إنه عدم التمييز بين الواقعة العارية في الثقافة، و تلك غير العارية فيها، و كذلك في الاقتصادي و الاجتماعي و العلمي، كل ذلك أدى إلى تمييع مفهوم الدولة الأمنية الذي تمظهر في عقل الإدارة و المواطن لينتهي في الدولة و السياسة.

إن الواقعة العارية لا تكتسب في العقل الاجتماعي مشروعيتها العقلانية، مما يفقدها مشروعيتها بوقفها موضوعاََ أمنياََ..
أما الواقعة غير العارية فهي تفرض معقوليتها و عقلانيتها، ف تصبح مشروعة بوصفها موضوعاََ أمنياََ.

إن الدولة الكاملة هي ما يستقيم في ظلها معاش مواطنيها بحلول الاستقرار و السلم و الأمن، فيصير تعاون أفرادها يسيراََ و يتم لهم الرفاه و الرخاء و القوة، التي تمكنهم من ترسيخ وحدتهم و درء المخاطر التي قد تطرأ عليهم من الخارج.

إذ ذاك يصبح تحصيل القوة واجباََ أمنياََ لاكتمال الدولة النابعة من اكتمال المواطنة، و ذلك بدوره يستحيل مشروعاََ لاقصاء العنف و الإرهاب، و حتى و إن اقتضى ذلك مقاومته أمنياََ عبر ممارسة عنف مضاد، من قِبَل "سيّد" يتجسد في الدولة، رسم الفضيلة و الحق و العدل مقصداََ للدولةو الكمال غايتها.

إن الدولة الأمنية، ليست نموذجاََ لدولة العنف و اللاحضارة، بل هي النموذج لدولة القوة و الحق عندما تدرك أهمية ثلاثي المشروعية في الزمان، و المكان, و الكيف بوصفه الآلية، نعم إنه:
متى؟
و أين؟
و كيف؟

ولا يوجد موضوع أحادي لما هو أمني، بل كل الموضوعات واجبة أمنياََ، و كل المجالات.
إلا أن الموضوع يتحدّد لا بنوعه، بل في قيمته و أدواته و طرائقه.

و نعود لنؤكد معك حكيمنا الغالي، أن الغاية من استلهام كل ما هو تمييعي و تسطيحي و تبسيطي لما هو أمني في الدولة و المجتمع، هو بعينه تلك المحاولة للإستحالة من الدولة الأسطورية إلى دولة الخرافة.

كل الاحترام و الإجلال لفكركم التنويري دكتورنا الغالي و أستاذي الذي أكن له كل الحب و التقدير الحكيم بهجت سليمان.

***

كما عقّب الشاعر والأديب ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الزروق

مع سلاسلك نخرج من مفاهيم الأمن التقليدي المتعارف عليه في سريانات القطيع الكبير في الدول الدينية خاصة منها دول الشرق الأوسط و أنت رجل الأمن البارع في ميدان الفكر النهضوي و المجدد المنعتق من فكرة أن الأمن هو اليد الباطشة بالجمهور كي يبقى يصفق أمام طبقة حاكمة لا تميز بين أبيض و أسود إلا بمقياس الخضوع و النفاق.

و كما قلت نخرج معك من فكرة الأمن التقليدي إلى فكرة اللغة الضاربة في عمق الأمن المجتمعي أسروياً و تربوياً و تعليمياً و ثقافياً و فكرياً و اقتصادياً و عقائدياً حتى نصل به إلى ترجمة سياسية لعقد مقبول يخرج الدستور من قوة السلطة و سلطة القوة إلى سلطة المواطنة و مواطنة السلطة.

و عليه كلما كنت مواطناً أكثر كلما كنت مسلحاً بالقانون التطبيقي لا الوضعي و كلما كنت قانونياً أكثر كنت مسلحاً بالمواطنة التطبيقية لا المحكية في سطور دستورية لا تذاع إلا في الخطابات الرسمية!...

نعم قال نيوتن "نحن نبني الكثير من الجدران و القليل من الجسور" نيوتن الذي أدرك بقوانين الجاذبية أن جاذبية السلطة تحوّل القوة الضاربة من أنياب الردع إلى أنياب الافتراس.

و كم هو الفرق شاسع بين الردع و الافتراس و كم هو فكر سطحي أن يبني الإنسان مدرسة و لا يعبد طريقاً إليها و الطريق هنا ليس بإسقاط جغرافي فحسب بل بتهيئة فكرية و بغرس قيم جمالية تجعل الحق جميلاً في عيون طالبيه.

و لا ندري كيف لنا أن نبني جدراناً فاصلة بين السلطة و المجتمع و من ثم نستغرب الفجوات الكبرى بينهما رغم أن السلطة تدعي أنها تحاول مد الجسور بكل ما أوتيت من أدوات و كلنا نعرف إميل زولا الذي قال يوماً "لن تكتمل الحضارة حتى يسقط آخر حجر في آخر كنيسة على رأس آخر قسيس!".
و عليه قال "زيوس": "لن تبزغ في الشرق قبلة الحضارة ما دام يخرّ لدينٍ أعمى!".

و الدين للأسف هو أداة سلطوية بارعة في ترسيخ الدول الأمنية خاصة في عالم الشرق الذي يخضع لأدنى أكذوبة يفرضها الدين دون أدنى مقاربة منطقية و محاكاة عقلانية تحليلية.

فكيف لحاكم في الشرق أن يقدر على نزع سلطة الدين و هو أساس ترسيخ سلطته الأمنية التي تحاكي الخلفاء و صراعاتهم السلطوية على مرّ التاريخ الذي يدس في عقولنا من السم ما يجعلها تخضع للموت قبل أن تفكر بأدنى دواء يبطل مفعوله!...

الدولة الأمنية البوليسية ربما هي مفهوم ليس من السهل أن يتداعى أو يسقط في الشرق لأن المفهوم المعاكس هو حصان طروادة إلى نزع ما تبقى في هذه الدول من بذور الأمن المجتمعي على هشاشته الكبرى.

و ما المجتمع الأهلي و الجمعيات المدنية رغم ضآلة انتشارها و استقلاليتها في المشرق إلا أنياب مسمومة تغرس في جسد المجتمعات لأنها إلى حدّ الآن لم تعِ الفرق بين تنمية المجتمع و بين أخذه إلى عصيانات لا تحتملها مشرقيتنا الخاضعة للنص الديني و للمصاحف قبل الخضوع للسلطة.. مما يجعل هذه الجمعيات قنابل موقوتة إن لم تراقب بالشكل المنهجي.

فمثلاً ما يقال عن انتشار القبيسيات بمد الدولة كان سيغدو أسوأ بكثير خارج إشراف الدولة رغم أن الدولة و حزب البعث و المؤسسات الدينية غالت في مهادنة الدين و المتدينين.

لكن الدين الذي نشرف على توجيهه و لو أمنياً أفضل بكثير من الدين الذي يزعزع أمننا و استقرارنا رغم أن ما جرى في سورية أبرز مفاهيم جديدة في الأمن "الأمن الظاهر" و "الأمن الباطن" و "الغليان المستتر".

فإن لم نستطع إدخال الأمن المجتمعي ظاهراً و باطناً سنبقى نراوح في المكان و سنبقى على قاعدة النفاق الأصغر "و إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا!" و قاعدة النفاق الأكبر "من رأيتموه يرتاد المساجد فاشهدوا له بالصلاح!".

فهل من صلاح أمني إلا بتحويل الدول الأمنية البوليسية من دول البطش الذي لا يجدي لأنه يبقي المواطن أو الرعية قنابل موقوتة إلى دول أمنية مجتمعاتية مواطناتية قادرة على استيعاب الهزات الداخلية و العالمية بالمواطن نفسه الماص الأكبر للصدمات و حامي حمى الوطن و المؤسسات!

لسلاسلك أن تقينا انفجارات الكيانات الجاهلة في مجتمعات يبطش بها الجهل و الجاهلون دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4300327