الصفحة الرئيسية
n.png

د. بهجت سليمان: الدستور.. و "سوتشي“.. الخروج من النّافذة و الدّخول من الباب..

[الحلقة الثامنة والأربعون "48“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"]أ بهجت سليمان في دمشق

عن

[الدستور.. و "سوتشي“]

{الخروج من النّافذة، و الدّخول من الباب.. "الدّستور السّوريّ"، مثالاً}


* د . بهجت سليمان

يَفهم كلّ من يُريد، و يستطيع، أنّ "الحرب على وفِي سوريّة" قد تركت أثرها الذي لا يُمحى في تقديرات زمنيّة، في زمنٍ تقديريّ مستقبليّ؛ تماماً مثلما أنّ الحرب، اليوم، التي ما تزالُ قائمة بشروطها.. قدفاقت ظروفُها تلك الدّرجة التي تُسمّى "الموضوعيّةَ"، فوصلت إلى "السّطوة" المستقلّة عن رغبات و أمنيات "الجميع"، سواءٌ في الآثار المادّيّة المباشرة أم في تلك التي لا تُقاسُ بالمحسوسات أو بالأسعار..

انطلقت "الحرب" من "مجتمع"، من حالة اجتماعيّة محدّدة كنّا قد أشبعناها تسميات و صِفاتٍ في مناسبات سابقة، و هي، بالاختصار، تتعلّق بمجتمع كان عليه أن يُنجزَ فروضَ التّاريخ و الاجتماع و السّياسة، بالضّبط كما كانت هذه الحرب..
مع أنّ البعض سوف يفهم من حديثنا، هذا، على أنّه عُجمةٌ مقصودة بالتّعالي، على رغم أنّنا نسمّي واقعاً كنّا قد قلنا عليه، هنا، في ما مضى من مناسبات، إنّه واقعٌ كان عليه أن تُخاضَ حربُهُ كما خيضت و تخاض، و إنّه - كما قلنا - كان من الغريب و الشّاذّ، مجتمعيّاً، و عالميّاً، و من النّفاق الأسطوريّ أنّ هذه الحرب لا تقوم.

بعد قليل، سوف يحشر الكثيرون أنفسهم في اقتراح اجتراح "المعجزات"، هذا إن لم يكونوا قد بدأوا، بالفعل؛ و بعد قليل ستخرج القوى المناورة من مخابئها إلى ضوء الدّولة و المجتمع و السّياسة و الإعلام؛ و في الفترة نفسها سوف تتقاطر مشاريع التّشاطُر و التّحايُل الاقتصاديّ و الحكوميّ (التّنفيذيّ) و السّياسيّ، و هذا، أيضاً، إن لم تكن قد سبقتنا قبل هذا الحديث..؛

و سوف لا يكون مستغرباً، قريباً، أن نُضطرّ إلى الاستماع إلى محاضرات أعداء الدّولة و أعداء المجتمع و أعداء الإنسانيّة، في الوطنيّة و البعثيّة و الحزبيّة و النّضالات التّاريخيّة و علوم الاجتماع و نظريّات "التّحليل الاقتصاديّ القوميّ" و "المحاسبة الماليّة القوميّة" و "الموازنات" المخطَّطَةِ الأفقيّة و الشّاقوليّة، و نظريّات "الإدارة" و "إدارة" أزمات مجتمع الحرب و مجتمع ما بعد الحرب، و مشاريع "التّنمية" الإداريّة و الوطنيّة، و مقترحات "التّجارب" العالميّة "الرّائدة"..؛

و في القريب العاجل لن يكون من المستغرب أن نفاجأ بالكثير ممّا نعتبره، و سنعتبره، انتهازيّة و نفاقاً و التفافاً على الدّماء و الشّهداء والجوع و الذّلّ و المهجّرين و المهاجرين الدّاخليين.. إلى العراء..
و ربّما سوف تعود الكثير من "الأشياء" إلى مكانها العتيق أو ما يُسمّيه جهابذة "مُهندسي النّكبات" بالمربّع الأوّل.. و أعني إلى نقطة "البداية" أو إلى ما قبل نقطة البداية - طبعاً أعني بداية الحرب - بل و ربّما سنرى الكثيرين ممّن "اعتقدناهم"(!)، في ما، هم، صنّفوا أنفسهم كذلك، أعداءً للوطن و للمجتمع و للدّولة..، في واجهة "دكاكين" و محلّات "العروض" الاجتماعيّة و السّياسيّة يَلمَعون تحت الإضاءات الفنّيّة المُبهِرة عالية التّقْنيّة و الهندسة و الدّيكور؛

فيما سينكفئ، انكفاءَةً قسريّة و تهميشيّة و استبعاديّة، أبطالٌ حقيقيّون - و هذا جزء من التّجربة التّاريخيّة العالميّة - خُلقوا، بطبيعتهم..، كذلك، قبل الحرب  و من أجل هذه الحرب، على الحصر..، و ضيّعتهم "استراتيجيّات" الحرب الدّاخليّة الدّخيلة على الوطنيّة، و معأنّهم لم يُغادروا خطوط.. النّضال الوطنيّ، كلٌّ منهم بما أوتي و بما استطاع و بما كان قد تأهّل له و ما يُجيده و يُحسنه؛ و لقد كان كلّ ذلك، قياساً بالمعطيات، كثيراً و بلا حدود.

إنّه من التّكرار أن نذكّر القارئ بأنّنا لا نميل إلى نقد التّاريخ من أجل اتّهامه، فهذا ما نعتقد به و قد ألمحنا مراراً إلى هذا المنطلق عندما بحثنا، و سنبحث، في القيمة النّظريّة للفعل الاجتماعيّ و السّياسيّ الماضيين؛

و لكنّ إيماننا بموضوعيّة التّاريخ الماضي ليس إيماناً تسليميّاً، بقدَر الأحداث التّاريخيّة – مع أنّ هذا جزء من الحقيقة، و لكنْ فقط – بقدْر ما هو نزوع إلى واقعيّة عقلانيّة، يُمليها علينا خروج الفعل الماضي من دائرة التّأثير المباشرة التي تسمح لنا بتغييره أو الانقلاب عليه.. و في كلّ الأحوال فليس هذا هو ما يؤرّق العقل في مواجهة آثار هذه الحرب.

و لأنّ "الموضوعيّة" في نظريّتنا العقلانيّة النّقديّة لا تعني، بالمطلق، لا "القَدَريّة" العمياء و لا كذلك "القُدْريّة" البلهاء.. فترانا لِزاماً علينا، و بالدّافع العقلانيّ، أيضاً، أن لا نسمح للفكر بالتّغاضي عن ساحته الحقيقيّة و التي هي ساحة فعله في الواقع، في الحاضر، بحيث يُعوّضُنا نقد الواقع عمّا فاتنا في الماضي و نقد الماضي من التّاريخ و خرج من دائرة إمكاناتنا في التّأثير، بواسطة نقد "الأثر"، في ما يتّصل بذلك الماضي، و في ما استقرّ منه، في الحاضر، و في ما سيواصل أفعاله في إنتاج ذاته بحدود معيّنة في الحاضر و في المستقبل، أيضاً.

على هذا الأساس، فقط، ينبغي علينا، و ينبغي لنا، أيضاً، أن نواكب المستجدّات اليوميّة التي نعاصرها، لا سيّما أنّها من التّسارع و الدّقّة في قَدْرٍ ليسَ واضحاً للجميع، ربّما، و هو، كذلك، ليس واضحاً، كما يجب أن يكون على الحقيقة، بالنّسبة إلى من يتخيّل أنّ ما يجري، من تبعات الحرب، بسيطاً، أو لا يمكن التّأثير فيه.

لقد مزّقت الحرب "البديهيّات" و "المسلّمات" الاجتماعيّة و السّياسيّة، بقدر ما أنّها، في الوقت نفسه، تركت آثارها "الوجدانيّة" التي غلّت في أعماق "الجميع"، و كلّ من الجميع على طريقته، و لكنْ بما لا يمكن تجاهله بالنّسبة، أيضاً، إلى "الجميع".

ربّما لا يكون "الجميع" قد حصدوا آثارها الدّامية و ربّما لا يكون الجميع قد تأذّوا في الأرواح و الأجساد و الآمال و التّصوّرات الأكثر بساطة على الحياة و العيش اليوميّ غير المتطلّب و لا الحالم؛

إلّا أنّها، و بالتّأكيد، قد قتلت أحلاماً يوميّة(!) و رغبات في حاجات متواضعة، كثيراً، للكثيرين، أيضاً؛

الّلهم باستثناء أولئك الذين كانت الحرب بالنّسبة إليهم، حُلُمَاً، و قد تحقّق، من أجل الولادات الخرافيّة لطموحاتهم و أحلامهم و أمجادهم.. و مواقعهم الجديدة المُحقّقة، الاجتماعيّة منها و السّياسيّة.. و ارتفاعهم إلى شاهق نظرتهم الشّامتة و السّاخرة و المتشفيّة من "ضحايا" هذه الحرب، هؤلاء الضّحايا الذين يُعدّون بغالبيّة أبناء المجتمع السّوريّ..

و من الطّبيعيّ أن يكون للأثار الهدّامة لهذه الحرب الفتّاكة مكوثٌ طويل في الواقع و في ما هو في مستقبل واقع الأحداث أيضاً؛

إلّا أنّ ما هو غير طبيعيّ، أن نُقرَّ بذلك و أن لا نعيرَه حقيقة أهمّيّته الفعليّة، و بخاصّة فيما نستطيع تداركه أو منعه أو تحويره باتّجاهٍ أقلّ إيلاماً و أضيق نطاقاً و أبعدَ عن الاستهتار، و أكثر اعترافاً، مِنّا..، بضرورة التّخفيف من تبعات هذه الحرب في السّياسة و في الاجتماع و في الأخلاقيّات السّياسيّة التي تمارسها الدّولة.

علينا أن نعترف بأنّ المجتمع السّوريّ قد تفسّخ في موت جزئيّ، أو كلّيّ، أيضاً، في جوانبٍ منه، كما علينا أن نوجّه أنظارنا إلى تلك البقيّة التي جعلت عدّة الحرب الاجتماعيّة تتماسك و لو في تناسكٍ أو نسكٍ تاريخيّ، و أن لا نهملَ أثر هذا على ما حققته الدّولة من انتصارات سياسيّة بتضحيات المجتمع و الجيش؛
و أن نفهم أنّ مكافأة هؤلاء الباقين.. لها من الأصول ما يمنع الدّولة من الانزلاق في تصرفات و قرارات مصيريّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة، و حتّى، أيضاً، في أفعال "فرديّة" أو قرارات "شخصيّة" تبدو أنّها كذلك..
إلّا أنّ لها اجتياحاتٍ خارقةً لثقة المواطن بدولته، و ربّما زعزعت من إخلاصه المستقبليّ، الضّروريّ، لوطنه.

ترتبط هموم الحرّيّة الحقيقيّة، و التّخلّص من هواجس و كوابيس هذه الحرب، بالكرامة المجتمعيّة الإنسانيّة و السّياسيّة. و لا تبدو العوائق التي تعترض، هذه المرّة - و أعني في مستقبل التّخلّص من آثار الحرب - تحوّلات التّاريخ الاجتماعيّ السّوريّ، أنّها "قدر سياسيٌّ عالميٌّ"، أيضاً، كما كانت الحرب، و إنّما هي ممّا يدخل، حصراً، في اختصاص السّيادة و الشّرعيّة و القرار المستقلّ.

و من المناسب أن نفهم, أوّلاً، أنّنا بصدد "عمرانٍ" جديد، بعد أن محقت الحرب مظاهر و أعماق و فلسفة "العمران". و نحن نستطيع، بل و لا بدّ من هذا أن نحوّل هذا الانمحاق التّاريخيّ إلى "عمران" حقيقيّ، كما يمكن لنا، أيضاً، أن نجعل من الدّمار و الخراب قدراً سائلاً متقدّما على كل أهداف السّياسة المقبلة في شؤون لا تُحصى و بعضُها لا يُذاع..!

صحيح أنّ لغة "السّياسة الحقيقيّة" ليست مشاعاً بين جميع أفراد الدّولة و المجتمع؛ و من الطّبيعيّ أن تكون القرارات الأكثر "خطورة" و "أهمّيّة"، حكراً على المشتغلين في هذا المضمار.. إلّا أنّ آثارها هي ممّا لا يمكن التّحكّم به، إذْ سوف تكون نتائجها عامّة و شاملة و موحية لجميع الأفراد و لو على أساس أولويّاتٍ و تراتيبَ خاصّة..
هذه النّتائج التي ستتمتّع بحساسيّات شاملة و عميقة و "ضميريّة" (و لو كانت، أيضاً، مضمرة!) نتيجة لأنّ المُستقبِلَ لها، و المُتلقّي هو "المجتمع" المجروح، و أعني المجروح في أشرف و أنبل مواطنيه، و هؤلاء ليسوا "قلّة"..، أبداً، في تعداد محيط و ساحات النّتائج و الآثار.

يبدو أنّ علينا، اليومَ، من أجل عمرانٍ جديد - و لا أقول "إعماراً" جديداً.. - العمل على فقه اجتماعيّ و سياسيّ و دوليّ مختلف تماماً عمّا كان عليه الأمر في أوقات أخرى، و هذا يتطلّب "فقهَ سياسةٍ"جديد، و ليس على طريقة تلك "الإنجازات" المُغرضة التي توضّعت، مؤخّراً، في الفقه الدّينيّ السّوريّ "الرّسميّ"..، في مؤلّفاتِما سُمّي- !- بِ"فقه الأزمة"، و الذي عاد لِيُكرّسَ أعمق أسباب هذه "الأزمة"(!).. و هذا إذا قبلنا بتسميتها هذه التّسمية المتواضعة أو المضلّلة و الموحية بالاستهتار بها و بعدم اجتياح آثارها لمن يُسمّيها كذلك..، أيضاً..!؟

من طبيعة هذه الحرب القاهرة أن تتوزّع أدواتها و قواها و تناقضاتها و مشاريعها في أوضاع متعدّدة و في مظاهر واقعيّة لا متكافئة، و ذلك تبعاً لطبيعتها غير التّقليديّة، و صفاتها الأبعد من "حداثيّة"، و أغراضها فوق الواقعيّة الحقيقيّة..؛

و من الطّبيعيّ، نتيجة ذلك، أن تتوزّع جبهاتها و جيوشها و أفخاخها و مخاطرها، في كلّ مكان، في الأرض و في الجبهات و في المفاصل الاجتماعيّة و السّياسيّة، بل و حتّى في أروقة و ظروف و ملابسات اتّخاذ "القرار".

و من الواضح، و مهما قلنا - و سنؤكّد، كذلك، الآن، على استمرار الحرب و استدامتها و ديمومتها، بأشكالٍ عديدة، إلى أجل لا يمكن إلّا للأقدار التّنبّؤ به.. – على طبيعة هذه الحرب.. إنّها تتناول، و قد تناولت، الحاضر بالدّمار و القتل و التّشويه؛

إلّا أنّ الأهمّ، هنا، هو ما ينصرف من نيّة و استعداد عناصر و قوى و سلطات كانت مؤثّرة في إشعال الحرب و في إضرامها، إلى المستقبل في صياغة الأثر "الحداثيّ" السّوريّ للحرب، بهدف "الإزاحة" التّاريخيّة له و لنتائج تبدو موضوعيّة و ضروريّة و حالّة، للحرب، مثل الكثير من القناعات التي أنضجتها الحرب باتّجاه "الحداثة" الحقيقيّة و "المعاصرة" الجدّيّة..؛

تلك "الإزاحة" التي تهدف إلى إجهاضِ كلّ أثر إيجابيّ حقّقته الحياة، في الحرب؛ و هذا "الأثر" الإيجابيّ، هو من طبيعة إنجازات الإنسان للتّاريخ، عندما لا يستسلم للموت و لو كان يُحيط به الموت من كل جوانبه.

إنّ "إزاحة" النّتائج الإيجابيّة الحقيقيّة للحرب، و ذلك على قلّتها أو نَدرتها، هي المشروع الأخطر من كلّ ما قد رتّبته الحرب من مآسٍ، و هذا باعتباره ينصرف إلى "المستقبل" الذي راهنّا، "جميعنا"، عليه، مع جميع أشراف هذا البلد، و الذي ألمحنا، أعلاه، إليه، و نوّهنا بضرورة الاشتغال الوطنيّ الاجتماعيّ و السّياسيّ عليه.

المناسبات كثيرة، على ما يبدو، هي التي تسوّغ مناسبة حديثنا هذا؛ على اعتبار أنّ "قوى" الشّدّ إلى "الخلف" و "جماهير" القتل، و أعني إلى الجريمة الاجتماعيّة السّياسيّة المستدامة، و التي كانت جوهر هذه الحرب، لا تفتأ تعمل على اغتصابها للحياة، و اغتصابها للمجتمع و للسّياسة، و ذلك كما كانت قديماً و حديثاً.. و كما كانت عشيّة الحرب، القريبة..

و حيث، أنّ مناسبة هذا الحديث أو مناسباته، بالأحرى، متوفّرة في تاريخنا القديم و الحديث و المعاصر.. إلّا أنّ ما أثار حفيظة هذا الحديث، هو، بالتّأكيد، شيءٌ مفارق و جديد.

تستمرّ الحرب المتهالكة على جميع جبهاتها و قواها، بعد سبع سنين طائلة، و لكنّها تشتعل، و ستشتعل، في جبهات جديدة، في "الدّستور" و "الحكومة" المقبلة و السّياسة المنتظرة و جميع مستقبل هذا البلد.

و إذا كان لنا أن نكون جدّيين، فعلينا أن نقسّم حديثنا "العمليّ" (التّطبيقيّ) إلى مضامين و مفهومات موضوعويّة منفصلة في ما بينها ،ليس لأنّها هي كذلك في الحقيقة و في الواقع، و لكن لأنّنا نريد لها أن تكون مستقلّة كزيادة في الإيضاح و الوضوح، و زيادة في احترامناالقارئَ المحترم الذي ينتظر - ربّما - منّا الكثير.. و هكذا سيكون حديثنا، الآن، على "الدّستور".

على كلّ حال، ليست رغبتنا، نحن، هي بالعودة إلى البدايات "التّأسيسيّة" السّياسيّة و الاجتماعيّة، إلّا أنه "الواقع" المعقّد هو الذي يفرض على "الجميع" هذه العودة إلى زمن و أعمال التّأسيس، و أعني إلى "الدّستور السّوريّ"..، من جديد.

يطمح الكثيرون، على ما يشهد واقع الثّقافة السّوريّة، المعاصر، إلى "دستور" سوريّ للإنسان.. للبشر.. و للمجتمعات و الأفراد و القوى الاجتماعيّة المعبّر عليها و عنها أو تلك "الضّعيفة" و "المهمّشة"..، بكلّ ما هو هذا الطّيف الهائل يستطيع أن يضمّه و يحتويه بالضّرورة التّاريخيّة التي تحكم الجميع، و لو كان للبعض، و ربما نحن منهم، أراءٌ أخرى في هذا الصّدد..!

و أن نقول كذلك، يعني كأنّنا نقول إنّنا نطمح، "جميعنا"، إلى دستور من أجل الجميع، يستطيع أن يُعبّر عن أقوى قوى المجتمع، و ربّما أكثرها عنفاً، أيضاً(!)، كما هو في الوقت نفسه يستطيع أن يحمي و يلبّي حاجات أبسط و أضعف و أوهن، أيضاً!- هذه القوى الاجتماعيّة التي لا صوت لها في التّاريخ، بعد، و لا ثقافة و لا نصوص.. و لا خطاب!

الرّاسخ، حتّى الآن، في الاجتماع و السّياسة و الاقتصاد، هو أنّ "الدّستور"، بعامّة، تعبير عن شموليّات اجتماعيّة و سياسيّة، إلى درجةِ أنّه يمكنه، و من واجبه، أن يحمي الجميع، اجتماعيّاً، و سياسيّاً؛ و هذا الأمر من طبع المفاهيم الحضاريّة الحداثيّة التي يتمنطق بها الجميع...؛ باعتبار أنّنا لا يمكننا أن نحكم - مثلاً - بالقانون على "الشّواذّ" (لأيّ اعتبار، و بأيّ اعتبار)- عرفيّاً - بالإعدام أو بالقتل..

نحن، هكذا، أمام "عملاق" القوانين يستمدّ أسطوريّته من "أسطورة" الدّولة نفسها، و ليس العكس.

و إن كنّا، في أحاديث سابقة، هنا، قلنا إنّ "الدّستور" وجد ليحمي الدّولة، فذلك ببساطة لأنّ الدّولة هي ضامنة للمجتمع، كلّه، و ليس لقوى فيه أو لأفراد و إرادات دون غيرها، أو لعناصر و عصابات و عصبويّات و ثقافات متفوّقة، لسبب تاريخانيّ أو غيره، على غيرها، أو لخطاب اجتماعيّ - سياسيّ كافٍّ و مانع و حارمٍ لغيره، و ذلك مهما بلغ مبلغاً، حتّى، من "القدسيّة" و "الألوهيّة" و "الإلهيّة"!

و طالما أنّ هذه "السّيرة" قد انفتحت، و أعني سيرة "الدّستور" التي فتحتْها الحرب و نتائج الحرب، فإنّ على "الجميع"، أو على القادرين، على الأكثر.. أن يُساهموا في بناء "الدّستور" كمقدّمة تأسيسيّة للعمران الاجتماعيّ السّوريّ الذي يرجوه المواطنون.

من أبسط العيوب في حديثنا، الآن، أن نُضطرّ إلى التّذكير ببديهيّات خارقة لكل دماغ و شعور و قناعات..؛
و من أسخف ما يتناوله الفكر النّظريّ النّقديّ هو هذه البداهاتالدّماغيّة و الحسّيّة على الأكثر..؛

و إنّه من النّافل، بالمطلق، أن نقول إنّنا علينا أن نحذف من تاريخنا المستقبليّ؛ بعد أن دفعنا، نحن السوريين، و ليس أحد، غيرنا، في العالم، أثمان هذه الحرب من تضحيات و حرمانات و تعويق و فشل! تركات و أسباب هذه الحرب؛

إذْ من غير الذّكاء، إن لم يكن من تقليد الغباء - بحكم تحصيل الحاصل- أن نقول إنّ علينا أن ننظر بمسؤوليّة تاريخيّة إلى إعادة عمران "المجتمع" قبل عمران الأسقف و الجدران..

كان واضحاً منذ البداية أنّ الجزء السّياسيّ و الأهم من هذه الحرب، إنّما كان على الشّرعيّة و على السّيادة السّياسيّة المستمدّة من الشّرعيّة؛ و لكنّه ليس هناك أكثر ممّا يمثّله "الدّستور" لهذه الشّرعيّة و هذه السّيادة.

و إذا كانت "الدّولة" هي الضّامن الوحيد للأفراد و الجماعات و الثّقافات و الحاضر و المستقبل، و هي عليها أن تكون كذلك، فإنّ من حقّّ الباقين على قيد الحياة!- أن ينعموا بطمأنينة سياسيّة كفيلة بإلغاء القبيلة و ثقافة القبيلة القائمة على إخصاء (بلى، و ليس إقصاء!) الآخر عندما لا تتمكّن من قتله...؛

كما أنّه على الدّولة، و عبر "الدّستور"، أوّلاً، أن تكون في حماية المجتمع من أعداء المجتمع، و لو كان ذلك غصباً للدّولة من "ضعفها".. أو كان "غصباً" لها من مجامىتها التّاريخيّة و السّياسيّة لقوى الشّرّ و الظّلام..!؟

من المفترض أن تكون الحربُ كفّارةً عن ذنوب البسطاء و الضّعفاء الذين أجرموا في التّاريخ بحقّ أنفسهم، و حسب، و الذين لم يشاركوا في أيّة صيغة للحياة الاجتماعيّة و السّياسيّة، ذلك لأنّ الأقدار لم تخدمهم، و قد حان موعد القدر معهم ليُعبّروا عن وجودهم بكلّ ما يمكن لغيرهم أن يقوموا بذلك، مع أنّ منهم (هؤلاء المساكين و الضّعفاء و المهمّشين..، تاريخيّاً) من يفوق عبقريّات "العنف" الذي استولى على تاريخ سورية منذ مئات و مئات السّنين، و لكنْ بالإنسانيّة و بالعبقريّة البشريّة، أيضاً، على اعتبار أن الإنسانيّة في زمن الإقصاء و الإخصاء و القتل و الإجرام هي عبقريّة نادرة!

من الواضح، كما قرأنا و اطّلعنا، على سلبيات مشروع ("اتّفاق" سوتشي) أنّه من المرجّح أن يكون مشروعاً - و هو كذلك!- للدّستور السّوريّ المطلوب..

هنالك بداهات في "القراءة"، و لو أنّ الجميع ليسوا بقارئين، و لكنْ على غير طريقة الأنبياء، طبعاً(!)..؛

و أمام هذه البداهات علينا أن نقول بضع كلمات..

و سأتناول قضيّة واحدة في نتائج (سوتشي) توحي بأنّها مسألة مفصليّة تاريخيّة اجتماعيّة و سياسيّة، و هي كذلك بالفعل!

السّؤال الذي سنبني عليه في الحديث، هو "هل قامت الحرب، بالفعل، من أجل تثبيت واقع أنتج هذه الحرب..؟!"؛ و سوف ينبري أشرف الجميع، بالتّأكيد، ليجيبوا "كلّا" بالطّبع!

إنّ المرارة التي يحملها حديثنا ليست منتقاة؛

إنّها هي تلك "المرارة" الطّبيعيّة التي أنتجتها الحرب؛

و إنّها، أيضاً، هذه "المرارة" التي نخشاها، اليوم، في إعلان "تأسيس" (سورية) جديدة، تقوم على أقلّ ممّا قامت عليه، بالدّستور، ذلك الدّستور الذي كان طبيعيّاً أن يقوم، سابقاً، على أفضل منتخبات و توصيات و وصايا ذكريات "الاحتلال العثمانيّ" و الاستعمار العالميّ، و التّواطؤ السّياسيّ "الوطنيّ" و الإسلاميّ الذي تعهّد، فيما بعد، أن يكون أنجبَ مَن يُتابع "رسالة العثمانيين" و "الفرنسيين" و "الإنكليز" و مستعمري العالم و معهم و أعداء المجتمع السّوريّ من الرّجعيين في داخل (سورية) و في المحيط العربيّ و الإقليميّ الذي بدأ و ما انتهى يعادي (سورية)، و في كلّ مكان..؛

إلّا أنّه من غير الطّبيعيّ، بل و من السّخف السّياسيّ التّاريخيّ و التّهريج الرّاقص على دماء البلد، أن نعود إلى ذلك "الدّستور" الذي كان جزءاً من الحرب، هذا إن لم يكنْ قد لخّص كلّ أسباب هذه الحرب، في كثافة "خطابيّة" لا يقرأها إلّا الحكماء..

عندما نقول؛ أو بالأحرى عنما يقولون..، و كائنين مَن كانوا؛ "إنّ الشّعب السّوريّ مجتمع لا طائفيّ" (أو ما معناه)، فإنّما يوجّهون الرّصاصة الأخيرة التي من شأنها الإجهاز على (سورية)، مجتمعاً و دولة و أفراداً و أدياناً و طوائفَ و أعراقاً و عوائلَ و قبائلَ، و ما شئنا، و ما نشاء، من خرافات و حقائق، أيضاً، و ذلك فيما عجزت عنه حرب عالميةٌ بكلّ المعايير!

تحدّثنا، سابقاً، على علاقة "النّصّ" بِ"الخطاب"؛ و هذه مناسبة أخرى لتطبيقٍ عمليّ على هذه القضيّة.

إنّ "النّصّ" على أنّ "المجتمع السّوريّ" هو "مجتمع لا طائفيّ"، هو ليس إلّا تكريساً، في ذاكرة حيّة و مكتوبة و في "دستور" هو "ربّ القوانين" الوضعيّة، لحقيقة أخرى - و هذا ما هو بادٍ في النّصّ - و هي أنّ (سورية)، أو "المجتمع السّوريّ"، على التّحديد، و بالضّبط، و بالتّأكيد، و بالتّشديد.. و بالتّجديد..، هو "مجتمع طائفيّ"، و حسب!

لا أناقش، أنا، هنا، موضوعة "طائفيّة" المجتمع السّوريّ، أو لا طائفيّته، و ربّما لهذا موضع آخر. إنّني على التّحديد أقرأ "الخطابَ" في "النّصّ"، على نحو ما كنّا قد فعلناه في "النّظريّة" النّقديّة، كما قلنا إنّ فكرة النّصّ أو حدود النّصّ، ليست محدودة بحيّز الكتابة أو بحيّز القراءة و لا كذلك بحيّز الاستيعاب و الفهم، و إنّما هي "فكرة" تخترق مجال النّصّ إلى مجالها الأرحب و الذي قلنا عليه "مجال الخطاب".

إنّني أشير، مرّة أخرى، أنّ "سلطة النّصّ" لا تسري على "سلطة الخطاب"، و هي أضيق من ذلك بكثير، لا سيّما أنّ "التنّصّ"، هنا، يشارك الحطاب "الحقيقة"، و أعني تلك "الحقيقة" التي تقول أنّ المجتمع السّوريّ مجتمع طائفيّ، و أعني مؤلّفاً من أديان و طوائف شتّى لا يجمعها إلّا "سوء الظّن بالله"!

و عندما يأتي "النّصّ" على خلاف هذا "الواقع"، و هو نصّ مُخادِع، إذاً، فإنّما يُريد تأبيد هذه الحقيقة بجعلها حقيقة مكتوبة، و في "الدّستور"، و حيّة و شاخصة أمام فهوم الأجيال المتعاقبة، هذا إذا أردنا للدّستور أن يكون دستوراً "جامداً" (و جمود "الدستور" يعني صلابته النّابعة من قابليته للحياة الطويلة، فكذلك، مثلاً، يُسمّى الدّستور الأميركيّ..) و أعني دستوراً متيناً بمرونته التي تقاوم الزّمان!

إنّ تحقّق "المرونة" و "الجمود" في دستور مُخادِغ، يعني أنّه يفتتح عصراً جديداً لحرب قادمة أو لاستدامة حرب قائمة..!؟

ليس الآخرون "أقوى" منّا نحن، و أيّاً كانوا هؤلاء.. على فهم طبيعة مجتمعنا و تركيبته المعقّدة، و بالتّالي ليس للآخرين أن ينوبوا عنّا في إرساء أوّل دعامة وطنيّة لبناء مستقبل، في "الدّستور"..؛ هذا إذا لم يكن هذا "التّعاقد" السّياسيّ قد جرى خفيةً عن "الوطن"، في تواطؤ سياسيّ تاريخيّ هائلٍ.. و مخيف مع أعداء (سورية)؛ من السّوريين، أقصد؛ من أجل ترك باب الحرب موارَباً؛ حيث قلّة هم هؤلاء الذين يرغبون، فعلاً، في انتهاء هذه المجزرة، من جهة؛
أو في انتهاء هذا "المأتم"..، من جهة أخرى؛ و أعني، هنا، ما يعنيه مصطلح "المَأتَم" بالّلغة العربيّة، بالضّبط.. (و يمكن لمحبّي الاستزادة الرّجوع إلى المعجم)..!؟

أظنّ أنّه من المفيد التّحذير من الأفخاخ المقبلة مع كلّ حركة أو فعل سياسيّ سيكون في (سورية) المستقبل، إذ يُفْتَرَض أن يقوم المواطنون، و في طليعتهم السّياسيّون الوطنيون الذين عليهم، حصراً، يقع عبء الدّفاع السّياسيّ عن "الدّولة" و عن "المجتمع"..؛

ناهيك، بالطّبع، عن أنّه ليس كلّ من اشتغل بالسّياسة، من السّاسة أو السّياسيين، هو رجل فكر سياسيّ، أو قريب من ذلك، بالفعل!

من المفترض أنّ علينا أن نتجاوز "مجتمع الحرب"، هذا، الذي استعاد إيقاعات "السّقيفة" أو غيرها من الوقائع الخلافيّة في تاريخ العرب و المسلمين؛ و لكي نستطيع ذلك علينا أن نأخذ بيد أحلام الباقين إلى الضّوء، بعد أن عاش هذ المجتمع سنينَ من الظّلام تعود إلى ما قبل الحرب بكثير، و لكنّها هي، بالتّأكيد، التي تخادمت مع هذه الحرب.

و علينا ألّا ننسى، و قد قلنا على هذا الكثير، أنّ "العمران الاجتماعيّ" هو، أوّلاً، عمرانٌ سياسيّ، بنية سياسيّة عقلانيّة، تمنع الانتكاسات الدّوريّة في المجتمع السّوريّ و انزلاقاته المتكرّرة نحو الحرب؛

و علينا، الآن، أن نتجاوز، جميعاً، مخاطر الحروب المقبلة التي استطاع مجتمعنا أن لا يصل إليها، اليوم؛

و لكنّ الضّامن لأن لا يصل إليها ، في المستقبل، هو ضامن كاذب إن لم يبدأ، أوّلاً، بالدّستور الذي يُفسح المجال لطرد أوهام القوى الجبروتيّة السّياسيّة و الاجتماعيّة الطّاغية و الغاشمة، و التي تترصّد مستقبل الوطن، باستمرار، و ذلك لأنّ لديها مشاريعها التي لا تقوم إلّا على أنقاض "المجتمع" و على أنقاض "الدّولة" الوطنيّة السّوريّة، بكلّ تأكيد.

لا يمكن لمجتمع يُريد أن يخلق مستقبلاً للجميع أن يكون "مجتمع الحدّ الأدنى"؛ و إنّ الصّيغة التي تكلّمنا عليها أعلاه، و المقترحة لدستور للبلد، هي صيغة الحدّ الأدنى السّياسيّة، للتّعايش "الإلكترونيّ"(!)..، عن بعد، لكن و التي ستنتفي اجتماعيّاً، نهائيّاً، في مستقبل ترجمة السّياسة الدّستوريّة النّاقصة و الجاهلة، في "الخطاب السّياسيّ"، في أرض الواقع.

إنّ الصّيغة التي علينا جميعاً أن نكون ضدّها، في صياغة "الدّستور"، أو في "الاستفتاء" على الدّستور.. أو في أروقة السّياسة، و الإدارة، و الشّارع، و المعمل، و المصنع، و في داخل بيوت و منازل الأسر الواعية..، إلخ؛
هي صيغة تهدّدنا جميعاً، و لا ينجو، و لن ينجو من منزلقاتها القادمة أحد، لأنّها تبدأ، و منذ "الفاتحة" بالدّستور، بمجتمع "متعايش"، فيما بين فئاته و قواه و مصالحه، و لو لم يُنَصَّ ، صراحة، على "التّعايش"؛

إلّا أنّنا عندما نذكّر الجميع "تذكِرة" حيّة و صامدة و مكتوبة و سيّدة و "دستوريّة"، بأنّنا "مجتمع لا طائفيّ"، فإنّما نحن نذكّر بعضنا باستمرار بضرورة تعايشنا، كمجتمع طائفيّ، "متسامح" فيه الأقوى مع الأضعف؛

و هذه الصّيغة المزيّفة ليست بصيغة اجتماعيّة أو بشريّة للعيش، بل إنّها صيغة من صيغ تعايش "الرّوبوتات الذّكيّة" التي تنتشر في السّينما العالميّة و التي تنقلب على صانعيها في أوّل خلل فنّيّ، لتصبح آلات للتّدمير و القتل الغبيّ؛ و نحن في مجتمع، هو، في الأصل، قائم على مجموعة من الخرافات و الخلل الذي يتخلّلها في "الفنّ" و في "الأدب " و في "الأخلاق" و في "الدّين"!

هنالك عشرات التّسميات الحضاريّة لوصف "المجتمع" السّوريّ، عندما يكون، بالفعل، مجتمعاً حضاريّاً، أو عندما يُراد له ذلك؛

و لكنْ أن نختار منها، على الحصر، هذا التّصريح (التّقنين) بلا طائفيّة المجتمع السّوريّ، دون غير ذلك من الكثير من الجمل و العبارات و المصطلحات و المفاهيم؛

فذلك لأنّ من "كتب" و "قبِل" (و لن نستبق "الحدث" المقبل، التّالي، الآن، و لكنّنا في المقدّمات الموحية..) و "شارك" و "استقرّ" و "قرّر" و "أقرّ"..، إلخ ، يُفَرّطون بالوطن و بمستقبل هذا الوطن؛

لا سيّما أنّ الأخبار التي ذكرت أسماء الكثيرين من المشاركين في (سوتشي)، إنّما كانت أن أخبرتنا عن أسماءٍ، هي، في الحقيقة، استعراضيّة أكثر ممّا هي أسماءٌ فكريّة، في الواقع.

في "الوثيقة الختاميّة" (أو البيان الختامي) لمؤتمر (سوتشي) العديد من المواضع الذي اخترقت سياق هذا "اللقاء الوطنيّ" المتواضع، و لعلّنا نختار مشكلة أو مشكلات أخرى، فيه، مع أنّنا نفضّل أن ننتظر قيمته كممثّلٍ لقرار سياسيّ حقيقيّ تقبل به مؤسّساتنا الوطنيّة التّشريعيّة منها و التّنفيذيّة.

***

تعقيب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:

مع سلاسلك نفتح دفاتر التاريخ لنكتب من جديد و نفتح كتب التاريخ لنقرأ و نحن نرى من حولنا بؤس الحاضر رغم تفاؤلنا باجتياحات الزمان و المكان و بحتمية الخروج من أزمات الاجتياح.أ ياسين الزروق

نعم الدستور الذي ولد في سورية ولد على تناقضات كثيرة في مجتمعات ما زالت تغزوها أفكار الشرائع السماوية و نركز هنا على الإسلام المراد له بل و المحقق لهذا المراد بأن يكون منهج تطبيق سياسي للدولة لا منهج فكر نهضوي يقي المجتمع السقوط بالشرائع بدلاً من العلو بها بتحييدها حيث لا مكان لها في دفع عجلة المجتمع إلى صحوة بعد كل هذا السبات الذي.

و كما يبدو بعد كل أزمة تعصف بنا و نظن أننا صحونا منه إلى غير رجعة نعود و نسقط فيه و به بكل سهولة و ما فقه الأزمة إلا أبشع انواع السبات بل هو غيبوبة تقضي على الدساتير لتجعلها تشريعاً لتفكك المجتمع و تجهيله و ترسيخ لا عقلانيته و لا وحدته المصيرية في مواجهة ما يحيطنا من كل مؤثرات التفكك و الانهيار..

نعم من يكتبون الدستور لن ننظر عليهم و نحن نعرف أنهم مكبلون بالأعراف و التقاليد و هم محكومون تديرهم دفة الخوف من كسر أي محرم يرونه في طريقهم و هذا "الغبن بحق الدستور" أو "الغبن الدستوري" بحق مجتمع ما زال يجلس على طاولة الطعام و يؤمن أن البسملة تطرد الشياطين و ما زال يدخل أفراده إلى بيوت الخلاء بأرجلهم اليمنى و يدعون "اللهم إني أعوذ بك من الخبث و الخبائث" كي لا يجاورهم الشيطان..
يجعلنا نتساءل كيف بمجتمعات انحدرت إلى الخرافة أن يهيئ لها الدستور حقوقاً و واجبات و يدعي أنه يراعيها كي لا تثور فإذا ما راعى الدستور الذي يجب أن يضخ الوعي و التغيير هذه الأكثريات الشعبوية البالية و يبدو أنه ما زال يفعل فإنه يرسخ انهيار الدولة و المجتمع؟

و عليه فإن البنيان الدستوري الذي يجب أن ينهض بالدول لا يبنى بالتراضي أو بالمهادنة بل لا بد له أن يؤسس ليواجه أعتى العواصف بمعنى أن يقي المجتمع هزات التفكك بترسيخ المواطنة لا الطائفية و بترسيخ المدنية لا الشرائعية و العقائدية و بترسيخ الروح لا الشهوانية و الغرائزية و بترسيخ الفكر و العقل لا الجهل و التغييب و القطيعية المفرطة.

و هذا ما أكد أن التعايش الذي كان كان بقوة الأجهزة الأمنية و بطشها لا بقوة الدستور و هو ليس عيشاً بل تعايشا مفروضاً لم يؤسس على قاعدة دستور منقذ من هزات الخارج و الداخل و تصيبه الريح المتوسطة قبل الصرصر العاتية.

و ما سوتشي الذي دخلته الدولة لتبين للجميع الحالة القطيعية للموالاة قبل المعارضة و لتبين الحجم الضئيل الذي آلت إليه معارضات الفراغ الإنساني و الدستوري التي ملأت بقبحها و نتانتها الثقوب بالثقوب ففاحت كل روائح التخريب الممنهج بحجة بناء دستور وطني و هنا لا نريد ان ننزع عنهم الوطنية كي لا يقول الدستور عنا بأننا أقصيناهم بل أقل ما يمكن تسميتهم بالمسترزقين الحمقى.

كما قلنا سوتشي ما هو إلا تبيان واضح و صريح لحالة قطيعية تجتاح مجتمعاتنا من ألفها إلى يائها و زادها استعراض بناء دستوري هش في سوتشي استنتج أن شعبنا لا طائفي فرسخ طائفيته المزمنة..
و نحن نعرف المرسخ و لا نريد ترسيخه أكثر فأعاد إنتاج فقه الأزمة لكن بانتقال من عمامة وزير الاوقاف إلى بكيني رندة قسيس و هذا ما يجعل الفراغات المزمنة في دساتير وجودنا السوري ثقوباً سوداء نراهن على إغلاقها ذات حقيقة دستورية سننجزها!

لك النور و لسلاسلك أن تحلق بدساتير الكون الجميل دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

***

كما عقبت الشاعرة هيلانة عطا الله:

بعد التحية لسعادة السفير المثقف الكبير الدكتور بهجت سليمان، اسمحوا لي بتقديم مداخلتي على الحلقة الثامنة والأربعينن "48“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي" [الدستور.. و "سوتشي"]:أ هيلانة عطا الله

تاريخياً نعلم أن لأيّ حرب أسباباً مباشرة وأخري بعيدة، وسأعرّج قليلاً على الأسباب البعيدة التي تمَّ تصنيعها في مختبرات أعداء سورية سواء في فضائنا العربي المليء بالعواصف، أم في جوارنا الأقليمي الانتهازي جداً، أو فيما وراء البحار حيث البعيدون بالمعنى الجغرافي والقريبون بالمعنى السياسي، أو لنقلْ من لديهم أدواتهم وعملاؤهم وأعوانهم الناشطون على الساحة السورية؛

لن أبتعد كثيراً عما تختزنه ذاكرتي منذ عام عام 2005 أي السنوات الخمس التي سبقت اندلاع المظاهرات "السلمية جداً والبريئة جداً والوطنية جداً" ومافيها من مفاصل شكلت إرهاصات ما حصل عام 2011؛

فقد لجأ القائمون على الدوائر الصهيوأمريكية الأطلسية الوهابية العثمانية إلى التلويح بضرورة "تأديب النظام السوري" باستخدام الترغيب والترهيب للضغط عليه وإخضاعه إلى إرادتهم التي اعتبروها "قدراً" لا مفر منه في هذا الزمن الأمريكي ، وخاصة بعد نشوة انتصارهم بسقوط بغداد 2003 وما تلاها من التردّي المتسارع للأنظمة العربية في الحضن الصهيوأمريكي، الذي لم يكن جديداً بقدر ما اختصر عقوداً من الزمن ، ليوحي إلى أن مشروع "الشرق الأوسط" لا بد له من تجاوز العقبة السورية بأسرع ما يمكن..

وعندما لم يمتثل "النظام السوري" إلى الدخول في بيت الطاعة، وتابعت ملامح العصرنة مسارها في شتى ميادين الحياة في سورية لتأخذ المنحى ا التطبيقي، كانت هناك الخطة البديلة ناجزة للعمل داخل المجتمع السوري على صعيدين:

1 ـ بين الفئات الاجتماعية الفقيرة ذات السمات الانفعالية غيرالواعية المنتشرة في بعض الأرياف السورية وفي أماكن السكن العشوائي التي تشكل نسبة كبيرة من المدن وخاصة بجوار دمشق؛
ويحضرني هنا بعض الظواهر التي كنت أرصدها بحكم عملي آنذاك في أحياء القابون وبرزة وتشرين والجادات العليا من ركن الدين، حيث شهدت هذه الأحياء حركة سكانية غريبة، فقد كان يفد إليها مجموعات وأفراد من شتى أنحاء القطر ومن طلاب المعاهد الشرعية من العرب أو من الدول الإسلامية غير العربية، وكان البعض يستأجرون البيوت لأيام فليلة دون محضر تعريف ثم يرحلون ويأتي غيرهم، كما لاحظت جنوح الشباب إلى السلوك العنفي، وهم إما من العاطلين عن العمل أو المتسربين من التعليم أو المنزوين في المساجد في معظم أوقاتهم، أو من المدمنين على تعاطي العقاقير المخدرة، والتي ـ مع الأسف ـ كان بعض الصيادلة يبيعونها لهم مقابل استغلالهم المادي رغم فقرهم، ورغم أن مصدر أموالهم من السرقات.
ولا أجافي الحقيقة إن قلت إن الجهات الأمنية كانت تغض النظر عنهم مقابل الرشوى، أو من حملة الأسلحة الفردية بدءاً من السكين إلى الشبرية إلى الجفت إلى المسدس ، ووصل الأمر بالبعض إلى فرض الخوة على المحلات التجارية التي كانت تبيع المهربات..
كما لاحظت ارتداء بعض الشباب للزيّ الوهابي، وكنت حينها أرفع المذكرات الموثقة المشفوعة بالمقترحات إلى قيادتي الحزبية دون أن أعرف إلى أين مصير هذه المذكرات.

2 ـ بين بعض الفئات الاجتماعية التي كان يُنظر إليها كفئات مثقفة بما فيها أصحاب المنتديات "الأتاسي، ربيع دمشق وغيرهما" ومن كان يرتادها، ممن فشلوا فشلاً ذريعاً بتشكيل معارضة وطنية، فقد نبذهم أبناء المجتمع، والكثيرون قاطعوهم لما وجدوه لديهم من أساليب اختصار الظاهرة بالشخصنة أو الاصطياد في الماء العكر، من خلال توظيف بعض مظاهر الفساد لاستقطاب الناس، كما أوغلوا في القفز فوق الواقع والمعطيات الثقافية والاجتماعية والسياسية السورية، من خلال اعتقادهم أن استيراد التجارب المصنعة في الغرب ستكفل لهم تأسيس معارضتهم ، فلم يستندوا إلى برنامج ولا رؤى مستقبلية.
إضافة إلى ما رحنا نسمعه من شخصيات مستثقفة ومنها مسؤولون سابقون وادباء وفنانون يظهرون على الميديا المشاركة في الحرب على سورية وهم يهتفون بشعارات الحرية والديموقراطية .
وعليه فقد انقسم "الثوار" إلى فئتين: واحدة متشددة دينياً مدعومة من السعودية وقطر وتركيا، وواحدة مستغربة ليبرالية مدعومة أمريكياً وأوروبياً.

إذن نحن أمام ظاهرتين متناقضتين بالمبدأ والمنطلق الفكري ومتفقتين بالغاية والهدف، وأنصار كلا الظاهرتين يتصارعون للوصول إلى المنصب في المجالس التي أُحدِثَت لهم وكذلك للمناصب المرتقبة بعد انتصار "ثورتهم".

ومن هنا كنا على يقين بأن مصير هذه الحرب الغاشمة هو الفشل الذريع، وبقيت الدولة السورية ومؤسساتها وشعبها يعتصرون "الحياة" من عين الموات، وتم استصدار الكثير جدا من القوانين والتشريعات بما فيها دستور عام 2012، الذى كان بحق خطوة جريئة متحدية في ظل الخط البياني للحرب الذي كان في قمته..
وقد لقي هذا الدستور انتقادات كثيرة آنذاك، ولكننا كنا نقول للناقدين والمعترضين على بعض بنوده: إذا قام الأستاذ بتصحيح ورقة امتحان ووجد أن إجابة أو إجابتين غير صحيحتين من أصل عشر إجابات فهل يرسب الطالب؟
وطالما أن هذا الدستور ليس آيات منزلة وقابل للتغيير والتعديل.. فلم هذا التعنت ونحن في ظل حرب تستهدفنا جميعاً أليس الأولى بنا أن نعطى الأولوية لإنهاء الحرب على المشاحنات في بعض البنود؟

واليوم نحن أمام استحقاق أخطر من استحقاق 2012 بعد ما أحرزته سورية من خطوات جبارة على طريق النصر، فمن الخطورة بمكان أن ننقل الحرب من لبوسها الميداني إلى لبوسنا الفكري بتصارع الإرادات في وضع بعض البنود التي أشار إليها سعادة السفير وهي حمالة أوجه وقابلة للاجتهاد والتأويل، بدلاً من ايجاد قنوات تلاقح للأفكار والتركيز على المشتركات منها.
وإن حصل ذلك فنحن على ثقة بأن اللجنة التي ستخول بهذا الأمر الجلل ستكون قادرة على قطع الطريق أمام من يريد المس بسيادة الدولة، ووحدة أراضيها، وتدعيم قانون المواطَنة..
كما نتمنى أن يكون مجلس الشعب على قدر هذه المسؤولية وخاصة من جهة وجود بعض الأعضاء غير المؤهلين..

وطالما أن الدستور يعبّر عن قوة الدولة، والدولة مؤتمنة على حق شعبها في الحياة الحرة الكريمة الآمنة، فحريٌّ بنا أن نكون عوناً، لها فنحن الخلفية الشعبية الداعمة..
نحن اليوم في لحظة تاريخية مفصلية يحيط بنا مخاض نازف من دم سورية / الأم، ولكني أراها ستحضن وليدها قريباً وستبلسم جراحها عندما يكون المولود واضح القسمات، عربياً سورياً، وعندها تكون المصيبة التي لم تمتنا.

***

فيما عقب الأستاذ هلال عون:أ هلال عون

سيدي الفاضل الدكتور بهجت سليمان.. أنت تعطينا الثقة دائما في مقالاتك وأبحاثك ودراساتك.. و تقول.. وأنت رجل دولة وفكر من طراز نادر، أن السياسة الشامية ستحول نقاط الضعف إلى نقاط قوة..
فهل عجزت سياستنا الهادئة الاستراتيجية عن انتقاء أسماء فكرية، لا إستعراضية، في ظرف مفصلي هو ظرف التهيئة لبناء مستقبل سورية!

لا بد أن يكون للأدمغة المميزة في السياسة والقانون والاجتماع من أصحاب الفكر الاستراتيجي الوطني، الدور الأبرز والأكبر في هذه المرحلة، لمنع تمرير أي كلمة قد تعيق بناء الدولة والمجتمع السوري على أسس راسخة، تهيئ وتساعد لتجاوز هنات الماضي والحاضر.

في الواقع، في القلب والعقل، أسئلة قد لا يكون من المستحسن طرحها هنا، عن السبب في تغييب مفكرين وطنيين بارزين.. ليس عن مؤتمر سوتشي فقط ، ولكن عن المساهمة في صياغة القرار في قضايا وطنية واجتماعية وسياسية.. ووووو...

أدامك الله منارة للفكر الوطني النقي والشريف وبوصلة يهتدى ويقتدى بها، إلى الطريق الذي به ومن خلاله، نبني وطنا حضاريا منيعا فاعلا.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

August 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
عدد الزيارات
3695378