الصفحة الرئيسية

د. بهجت سليمان: عن الدولة العميقة.. معاهدُ و مراكز "الاستراتيجيّات" و "الدّولة العميقة" و ثقافة الدّولة

[الحلقة السابعة والأربعون "47" من «سلسلة الفكر الإستراتيجي»]أ بهجت سليمان في مكتبه

عن

[الدولة العميقة]


{معاهدُ و مراكز "الاستراتيجيّات" و "الدّولة العميقة" و ثقافة الدّولة}

ـ د. بهجت سليمان

لا يخطر على بال أحد من غير المتخصّصين المجتهدين، ما هي المواضيع التي تُعنى بها، أو يمكن أو تعنى بها، المراكز و المعاهد الدّرسيّة و البحثيّة و العلميّة التي تسمّى "استراتيجيّة"، أو التي لا تُسمّى كذلك..، باتّجاه ذلك البعد "الاستراتيجيّ" الحقيقيّ الذي يشكّل أفق تلك "المؤسّسات" التي ترفد "العمق" الاقتصاديّ و السّياسيّ و العسكريّ للقرار المركزيّ (السّياديّ) في الدّول القويّة المعاصرة، أو غيرها في تلك الدّول التي تسمّى "الدّول العميقة".

و لكن دعونا، أوّلاً، نتعرّف على "الدّلالات" الخاصّة لمصطلح "الدّولة العميقة"، لنعرف كيف نربطه، أو لا نربطه، باستراتيجيّات تلك الدّول "الفاعلة" أو التي يبدو عليها كذلك، و من ثمّ، ثانياً، لنقول بضع كلمات على تلك "المؤسّسات" المسمّاة بِ"مراكز" و "معاهد" الدّراسات و الأبحاث و كيفيّات استثمارها في وجهين على الأقلّ..


أوّلاً- الدّولة العميقة (The Deep State) :


عادةً ما لا تنحصر الدّلالة الّلغويّة للمصطلحات التّركيبيّة المجازيّة بالحالة الوضعيّة المحدّدة للبعد الدّلاليّ الصرف للمصطلحات المستحدثة، و بخاصّة عندما تُريد هذه المصطلحات شيئاً من "التّورية" في الإشارة إلى ما هو أقلّ أو أكثر من الدّلالة الّلغويّة، أو عندما تُريدُ أن تقدّم، في ما يُحيط الألفاظ، من طاقةٍ اتّفاقيّة مدروسة الأهداف و التّأثير لتجعل الإشارة نفسها إلى الدّلالة من غير تحديدٍ أو اقتصاد.

يتداولُ جميع المثقّفين و السّاسة و السّياسيين، على ما أظنّ، اليوم، مصطلح "الدّولة العميقة" في معرض الكلام و التّدليل على "دولة" هي في حالةِ ما "فوق الدّولة": (Super State) أو أعمق من "الدّولة"، في "الدّولة" الواحدة، ذاتها، التي يجري عليها الحديث تجريداً أو تشخيصاً أو تسميةً بالتّحديد.

و لقد انتشر هذا "المصطلح" مؤخّراً، في الثّقافة السّياسيّة، من باب تقليديّ و هو الحفاوة المعروفة بالكلمات الجديدة و المصطلحات غريبة المصدر و المعبّرة فعلاً..

في الحقيقة يمكن أن يستعيض المرء عن هذا المصطلح، كما سوف نرى، بمصطلحات أخرى، و لكنّها "العادة"، و أعني تلك العادة المزمنة عند الشّعوب المستهلكة للحضارة، إذ أنّها إضافة إلى استهلاكها للسّلع و المنتجات المادّيّة و وسائل الإنتاج، لا توفّر ، أيضاً، استهلاكها للكلمات و المصطلحات الجديدة في الفكر السّياسيّ أو في غيره من حقول الثّقافة و المعرفة.

طبعاً لسنا في معرض "النّقد"، فكلّنا لدينا هذه "العادة"، و بخاصّة في الحقل الفكريّ الفلسفيّ و المعرفيّ؛ و لكن، في الحقيقة، و في الأغلب، نادراً ما يلجأ المفكّر السّياسيّ أو الفيلسوف أو الباحث في "نظريّة المعرفة" إلى هذا التّقليد أو إلى هذه "العادة" إلّا عندما تخلو الّلغة المستخدمة (الّلسان المستخدم) من المصطلح "المقابل" المناسب أو الكافي و المعبّر ، فعلاً، عن "الفكرة" أو المفهوم الذي يكون السّياق بصدد تناوله؛

مع أنّ ثمّة البعض ممّن، فعلاً، يستخدمون "المصطلحات" الأجنبيّة عن "الّلسان" المكتوب أو المقروء في سياقٍ ما، يشبه "الفكر" أو "المعرفة"..، و بقصد "التّثاقف" و "التّباهي" الحفظيّ، و لكنّه، هو نفسه - و أعني "السّياق" - يكون، عندها - كما قلنا- "مستعاراً" أو مزيّفاً، تبعاً للحالة التي يكون الدّعيّ فيها قد قطع شوطاً استطاع فيه إيهام القرّاء أو المستمعين بأنّه على ثقافة عالية و معرفة واسعة بما ينطق به أو يلغو أو يقول.

و يهمّنا، الآن، أن ندخل إلى داخل هذا "المصطلح" ("الدّولة العميقة") لنقرأه قراءة غير مألوفة كما كلّ القراءات المعرفيّة النّقديّة، على العموم.

يرجع تاريخ نشوء أو ظهور مصطلح "الدّولة العميقة" ، بزعم "البعض" ، إلى ثمانينات و تسعينات القرن الماضي ، العشرين ، في (تركيا) لوصف نسق خاصّ من شبكة علاقات ما بين مجموعات وظيفيّة في (تركيا) مؤلّفة من ضباط في "الجيش" و أمن "الاستخبارات العسكريّة" إلى مجموعة سياسيّة من النّسق الثّاني و الثّالث ، و ربما إلى أدنى ، في الدّولة ، من الذين توافقوا "أيديولوجيّاً" على "حماية علمانية الدولة التركيّة" من حيث المآل السّياسيّ ، حفاظاً على تركة (كمال أتاتورك) الأيديولوجيّة ، مؤسّس "العلمانيّة" التّركيّة ما بعد انهيار "الإمبراطوريّة العثمانيّة" ، لمواجهة أيّ تعدٍّ على "إنجازات العلمانيّة" و "المدنيّة" في (تركيا) ، على اعتبارها "مبادئ" مؤسّسة لمفهوم الدّولة التّركيّة المعاصرة ؛

و لقد نشأ هذا "التّيّار" ، الذي جاء في و جه الميول الأيديولوجيّة - الدّينيّة الإسلاميّة التّركيّة، مع "الانقلاب العسكريّ" التّركي في نهايات عام (1980م) بزعامة الجنرال (كنعان إيفرين) و قيادة "مجموعة من الضباط" الذين نشأوا و تجذّروا على فكرة "حماية المبادئ الأساسية للجمهورية التركية" كما وضعها (اتاتورك) ، مؤسّس الجمهوريّة التّركيّة ؛
و كان "المبدأ الرئيس" في تلك المجموعة الانقلابيّة هو "الفكر الكماليّ" في مواجهة الصّعود الملحوظ للتيار "الإسلامي السّياسيّ"في "الانتخابات التركية" ، آنذاك ، بعد فشل "حزب الشّعب الجمهوريّ" في تلك الانتخابات من إحراز التّقدّم السّياسيّ - الاجتماعيّ على منافسيه الإسلاميين .. ؛

و قد عزّز "الدستور التّركيّ الجديد" ، في حينها ، من دور "الجيش"في الحياة المدنية بغرض حماية "الجمهوريّة" و "العلمانيّة" ؛

و بقي الأمر على هذا النّحو إلى أن تمكّن "حزب العدالة و التّنمية" الذي يترأسّه (رجب طيب أردوغان) ، و بعد مرور (30)عامًا على ذلك "الانقلاب"، من تعديل كبير على تلك "الموادّ الدّستوريّة" ، بما فيها المتعلّقة بحصانة "العسكريين" الانقلابيين القدامى ، و ملاحقتهم من جديد ، و إصدار العقوبات الشّديدة عليهم !

فأصل "الدولة العميقة" في (تركيا) (بالتّركيّة : derindevlet) ، بحسب ما تقدّم ، هو مجموعة من التّحالفات و السّياسات النافذة أو التي تعمل على ذلك في "الظّلّ" ؛ و تتكوّن هذه التّحالفات من عناصر رفيعة المستوى "داخل أجهزة المخابرات ، المحلّيّة و الأجنبيّة و القوّات المسلّحة التّركية و "الأمن" و "القضاء" و "المافيا" .. ، إلخ .

و فكرة "الدّولة العميقة" مشابهة لفكرة "دولة داخل الدّولة" ، في برنامج سياسيّ محدّد يتضمّن "الولاء للقوميّة" و "مصالح الدولة" ؛

و يرجع البعض استخدام تعبير "الدّولة العميقة" للمرة الأولى إلىصحيفة "نيويورك تايمز" إلى عام (1997م) في مقال عن (تركيا) ، حيث جاء فيه أن "الدّولة العميقة" تعبير يُطلق على مجموعة من "القوى الغامضة" التي يبدو أنّها تعمل بعيداً عن مؤسّسة "القانون" .
و منذ ذلك الحين ، جرى استخدام تعبير "الدّولة العميقة" لوصف أعضاء "جماعات نافذين" ، لكنّهم "غير منتخبين" أو غير رئيسسين .. ، و يعملون في "الحكومة" أو "الجيش" ، أو في خارج "سلك الحكومة" ، في دول مثل (تركيا) و (مصر) و (روسيا) ..
فيما يعتبر بعض "السّياسيين" ـ خطأً ـ أن (السّعوديّة) هي "المملكة" التي تعبّر عن مفهوم حكم نظام "الدّولة العميقة" ، نظراً لتقاليد "الاستبداد" فيها و هضم "الحقوق" ، في الوقت التي تعتبر فيه "المركز" العالميّ للإسلام و مقرّ "قبلة المسلمين" ، ما يقتضي أن تكون على أعلى "درجات العدالة" في السّياسة الاجتماعيّة و "الإنسانيّة" الشّفافة و الواضحة .

يقدّم البعضُ الآخر من السّياسيين و المحلّلين السّياسيين ، المحلّيين و الأجانب ، النّموذج الأميركيّ كمثالٍ على "الدّولة العميقة" ؛

و يعتدّ هؤلاء ، في ذلك ، بأنّ ثمّة مواجهة سرّيّة بين "البيت الأبيض" و "الدّولة العميقة" ، في (أميركا) ، التي تعمل بنشاط لإضعاف الرّئيس (ترامب) ؛

و يذهب البعض ، في (أميركا) ، إلى أنّ وجود "حزب واحد" في "السّلطة" لمدّة ثماني سنوات ، كافٍ ليظلّ "أشخاص" منه في "الحكومة" الجديدة أو في الحكومات الجديدة المتوالية ، ليواصلواتبنّي "أجندة الإدارة أو الإدارات السّابقة" ؛

كما يقول "البعض" الآخر إنّه في حال وجود شيء من هذا القبيل ،اليوم ، و بشكلّ خاصّ ، فلكي يتمّ تدمير "مصداقيّة" (ترامب) السّياسيّة و إظهاره كرئيس فاشل ! على أنّ هناك من يقول إنّ التّرويج لمواجهة إدارة الرّئيس الأميركيّ (دونالد ترامب) لما يسمى بِ"الدّولةالعميقة"، هي شيءٌ أو جزء من "نظريّة مؤامرة" من قبل جماعة في (أميركا) يطلق عليها إسم جماعة يقودها متعصّبون من "الحزب الجمهوريّ" تُسمّي نفسها بِ"اليمين البديل" (Alt Right) و هي "جماعة" على عكس "اليمين المتطرف" العنصريّ ، يفتخر أعضاؤهابهويتهم "البيضاء" ، بدون معاداتهم أو كراهيّتهم لهوّيات الآخرين .. ، كما يقولون ، فيما يعتبرهم آخرون أخطر من أولئك "المتطرّفين" أو "اليمين المتطرّف" ؛
و لقد كانت هذه "الجماعة" موجودة قبل إدارة الرّئيس (ترامب) ، في "الحزب" ، "و كانت تنتظر فرصتها التي حقّقها لها (ترامب)" .


ثانياً- الدّولة العميقة و الدّولة السّطحيّة :


من هذا العرض السّريع لتاريخ "المصطلح" الذي نشأ في (تركيا) ، أو في وصف "الدّولة التّركيّة" المعاصرة ، كما يُقال ، ثمّ عمّمته "السّياسة" على ظواهر دولية "أخرى" ، يتبيّن لنا أنّ مصطلح "الدّولة العميقة" ، هو مصطلحٌ "فضفاض" و لا يخدم غرض "الواقع" السّياسيّ ، بالفعل ، بقدر ما يُخفي هذا "الواقع" بتسميته على غير ما هو عليه ، في سياق نعوتٍ أدبيّة سياسيّة ، ربّما هي تعمل ، على عادة الصّناعات الإعلاميّة للوقائع المزيّفة ، على تزوير "واقع" كان يمكن أن يُسمّى ، كما لاحظنا ، بأسماء مختلفة و تؤدّي الغرض بشكل أفضل و أكثر حقيقيّة ممّا قدّمته تلك الصّيغة "الأدبيّة" - الإعلاميّة السّياسيّة لوصف الحقائق .

و على ما يبدو أنّه ليس ثمّة اتّفاقٌ في الرّأي على تعريف "الدّولة العميقة" ، من واقع أنّ البعض يعتبرها "حكومة ظلّ" أو "دولة ظلّ" داخل "الدّولة" ، فيما يُنكر "البعض" هذا التّعريف فيذهب إلى أنّ "الدّولة العميقة" إنّما هي "ضمير الدّولة" نفسها ، بوصف الدّولة "وظيفة أخلاقيّة" و لها أهدافها "الإنسانيّة" التي تقوم عليها و تتجذّر بها .

و لا أعلم كم هي هذه الصّفات السّابقة و غيرها قادرة على أن تحسم مفهوم هذا "المصطلح" ، و لكنّها ، بكل تأكيد تشير إلى "ظاهرة" هي ، في رأينا ، أعمق من ذلك و أقدم في التّاريخ .

و ربّما كانت أوّل تباشير هذا "المفهوم" تعود إلى تلك القوى النّافذة في المجتمعات الحديثة ، عندما بدا أنّ علاقة السّياسة و الدّين هي علاقة متناقضة ، و أقلّه متوتّرة ، حيث نشأت الاستراتيجيّات المتناقضة و راحت تبحث لها على "أنصار" و "أدوات" و "وظائف" في بنية مؤسّسة "الدّولة" ، نفسها ؛

و ربّما يؤشّر هذا الأمر إلى استيعاب فكرة "الثّورات" و "الانقلابات" و الشّعبويّات التي كان لا بدّ لها من امتدادات "بشريّة" و "مادّيّة" في المؤسّسات و أدوات الحكم ، لتستطيع الانقلاب بأفكار التّغيير .

إنّني أعني أنّ "الدّولة" بهذا المعنى ، هي قديمة العهد في انطوائها على قوى تدميرها ، نفسها ، في شبكة المصالح و الأفكار و التّطلّعات البشريّة الأخرى و التي كانت ، على الأغلب ، تحركّها أفكارٌ تطمح إلى أن تكون "مؤسّسات" .

لقد كانت أفكار التّغيير العالميّ ، و ذلك ما بين "عصر النّهضة" و "عصر الأنوار" هي التي في العمق ، فكان مشروع "الأعماق" هو مشروع "الدّولة" البديلة ، أو العميقة ، باسم آخر ؛ و كانت الأفكار المقبولة حتّى حينه تمثّل "الدّولة السّطحيّة" بالنّسبة إلى التّحوّلات التّالية للدّولة .
فيما بعد ، و في عصر رأس المال العالميّ و الاستعمار الدّوليّ ، كانت الدّولة المتواطئة مع المستعمرين ضدّ مصالح بلادها و مجتمعاتها هي "الدّول السّطحيّة" ، فيما كانت التّهيّؤات الوطنيّة الجنينيّة هي التي تمثّل "الدّول العميقة" .

و نحن نلاحظ أنّ ثمّة في كلّ عصر ، تتعايش "دولتان" - ربّما - في الحيّز السّياسيّ و الاجتماعيّ الواحد ، بحيث أنّ رحم الدّولة السّطحيّة يحمل في داخلها جنين "الدّولة العميقة" ، و هذا وفق التّشبيه الماركسيّ للتّشكيلات التّاريخيّة ، الاقتصاديّة و الاجتماعيّة ، المتوالية ، و لكن من دون تلك النّقيصة التي انطوى عليها "الفكر الماركسيّ" في "الحتميّة" التّاريخانيّة التي تجوهرت في قلب "المادّيّة التّاريخيّة" الماركسيّة .

على كلّ حال ، نحن سننقلب على هذا "المفهوم" ، أخيراً ، في نهاية حديثنا ، لنؤكّد مفاهيم أخرى على عمق الدّولة و الدّولة العميقة و الدّولة السّطحيّة .

إنّ معيار قياسِ "عمق الدّولة" ، هو ، بالفعل ، "مشروع انقلاب" أو مشروع "استقرار عميق" .. ؛ و أمّا ما عدا ذلك فلا يمكن للصّيغة السّياسيّة أن تستقرّ على وصف "الدّولة العميقة" للدّولة الحاكمة في "الظّلّ" ، و هذا هو مبدأ التّسمية المعاصرة ، الخاطئ ، للدّولة "العميقة" .

هنالك ، طبعاً ، بديل ، أو بدائلُ ، لكلّ حالة ، أو لكلّ الحالات ، التي تتخفّى بها أدوات "الخفاء" و مؤسّسات السّيطرة ، الخلفيّة ، في سياسات بعض الدّول الموصوفة بأنّها تنطوي على دولة أخرى ، عميقة ، و هذه البدائل ، كما سوف نرى ، بعد قليل ، هي بدائل لصيقة بطبيعة الدّولة "الظّاهريّة" ، نفسها ، و ليست غريبة عنها ، أبداً ، لكي يصحّ عليها إسم "الدّولة العميقة" .

و على العكس ، تماماً ، فإنّ أدوات عمل "الدّولة العميقة" ، المزعومة ، التي تحافظ على "شبكات المصالح" في داخل "الدّولة الظّاهريّة" من"استخدام العُنف في إطار حالات استثنائية خارج إطار القانون" ، كما يتصوّر البعض ، و بخاصّة في ما يعرف بحالة "الأحكام الاستثنائيّة" أو حالات "الطّوارئ" و "الأحكام العرفيّة" ؛ و التي يجري فيها اتخاذ العديد من "الاجراءات الأمنية" بدعوى الحفاظ على "الأمن القومي" من "الأخطار الخارجيّة" ، و إزاء ما يتهدّد "الدّولة" و المجتمع و السّيادة من مخاطر مختلفة ؛

فهو ، في رأينا ، ممّا ينبغي أن يُنسبُ إلى حالات "الدّولة السّطحيّة" ، و ليست "الدّولة العميقة" كما يقترح السّياسيّون المزعومون ، و إنّه في كلّ مرّة يجري فيها الّلجوء إلى "التّطرّف" أو إلى "البدائل الاستثنائيّة" ، سواءٌ أكنّا أمام المثال "التّركيّ" أو "الأميركيّ" أو "السّعوديّ" أو "المصريّ" المعاصر أو "السّوريّ" ، في ما قبل الحرب على سورية ... و أثناء "الحرب" ؛ فإنّنا نكون ، وجهاً لوجه مع "الدّولة السّطحيّة" و ليس العكس !

يقترح البعض بشأن ما تقدّمنا به ، حول ما يميز "الدّولة العميقة" ، أنه "ليس لها رئيس أو حكومة "مستقلّ" و ليس لها جيش منفصل عن الجيش الوطنيّ الظاهر للعيان ، و كذلك هو واقع "الشرطة" أو "المؤسّسة الأمنيّة" ، أو "الجامعات" ... ، إلخ ؛ مع العلم أنّ الأمر هو بالعكس ، تماماً ، فإنّنا ، هنا ، و عند اختراق المؤسّسات القائمة بمشاريع داخليّة خاصّة و سرّيّة ، نكون ، بالفعل ، أمام "الدّولة السّطحيّة" أو "الهشّة" ، و ليس أمام "الدّولة العميقة" كما يجري عليه الأمر في التّنظير السّياسيّ المعاصر على "الدّولة" .

و إذا كانت هذه "النّظريّة" ، بصدد "الدّولة العميقة" ، هي نتاج أهمّ محاور الدّراسات النّظريّة السّياسيّة المختلفة ، في عصرنا ، في "العلوم السّياسيّة" ، بوجه خاص ، والعلوم "المجتمعيّة" ، بوجه عام ؛

فإنّ ما تحتويه أو ما تقوم عليه من معان متعلقة بشبكات المؤسسات والمصالح و المجموعات و "علاقات السلطة" و "القوة" في مستوياتها المختلفة ؛
إنّما هو تقليدٌ ثقافيّ هزيل بالمقارنة مع عمق "النّظريّة السّياسيّة" النّقديّة ، التي تؤَوّلُ الظواهر و الوقائع و العلاقات المباشرة و غير المباشرة ، تأويلاً عقلانيّاً و عمليّاً موحياً بحيويّة الأفكار في تطبيقها على العالم ، و بخاصّة على "الدّولة" بوصفها عقلانيّة فكرويّة (أو فكرانيّة) قبل أيّ شيء .

إنّنا ، و هذا بوجه عامّ ، في كلّ حالة نكون فيها أمام "ازدواجيّة" دولتيّة ، فنحن ، مطلقاً ، إنّما نكون أمام "الدّولة السّطحيّة" ، إذ من المستحيل أن تنقسم "الدّولة" إلى دولتين إحداهما "سطحيّة" و الأخر "عميقة" إلّا في حالة هشاشة "النّظام العامّ" ، بحيث أن ما تخسره "الدّولة الظّاهرة" ، أو "الظّاهريّة" ، بالعامّ و الخاصّ ، أمام "الدّولة العميقة" المزعومة ، فإنّه يشكّل ، بالبداهة ، خسارة حضاريّة و واقعيّة ، فعليّة ، للمجتمع و للأفراد في وقت واحد .

ليس ثمّة ما هو "حكومة الظّلّ" ، أيضاً ، إذاً ؛ إذ ينطبق توصيف هذه الحالة على سابقتها ببساطة و نجاح ، لا يسمح لأيّ اعتبار آخر من المثول ؛

و الأمر نفسه ، أيضاً ، ينطبق على ما يُسمّى بِ"الدّولة الموازية" .. ؛

فنحن ، مع "الدّولة" ، أو في حالة "الدّولة" ، إمّا أن تكون "الدّولة" أو لا تكون !

يقودنا هذا الحديث على "الحكومة العالميّة" أو ما يُسمّى بِ"حكومةالعالم" "الخفيّة" أو "العميقة" أو "الموازية" أو تلك التي تقوم في "الظّلّ" .

و نحن إذا أمعنّا ، جيّداً ، في هذا "الواقع" ، و هو "واقع" فعليّ ، على كلّ حال ، فسترتسم لنا مباشرة ملامحُ عالَمٍ سطحيّ و سخيف و هزيل ، و ذلك على رغم "عمقه" المؤذي للإنسانيّة ، لأنّه ذلك العالم الّلاإنسانيّ الذي يسمح لنا بالقول عليه إنّه "عالّمٌ سطحيٌّ و هزيل" .

إنّ حكومة المال و صناعة الأفكار ، العالميّة ، هي البديل المَرَضيّ و السّطحيّ و غير العميق ، لعالمٍ عقلانيّ و "سياسيّ" أو معرفيّ ؛
و هو أمر ، يوحي على كلّ حال بسخافة المصالح البشريّة و هزالة النُّهَى الإنسانيّة السّياسيّة ، الفرديّة و الجماعيّة و الدّولتيّة .. ، و بانحطاط جماعيّ للشّعوب و المجتمعات العالميّة ، قبل الدّول .. ، إلخ ؛

و هو واقعٌ أبعد من أن يكون ، فعلاً ، واقعاً عالميّ للمصالح ، كما يُحبّ الأكاديميّون أن يقولوا ، فيما هو جزء من لعبة عبثيّة يتفاخرون بالتّشدّق بوصفها على أنّها مأثرة المآثر ، و غير واعين أو مدركين إلى حقيقة كونهم ، هم ، من يُساهم بهذه السّطحيّة الفعليّة و الحقيقيّة ، و يبتعدون بها ، و تبتعد بهم ، إلى أسفل دركٍ من أدراكِ المهزلة الجهنّميّة التي يصنعها العالم ، بالتّواطؤ مع "مفكّريه المزعومين" ، اليوم !

ليس ، إذاً ، في ما نراه ، ما يُسمّى بِ"الدّولة العميقة" على أساس المعايير و المقاييس غير النّوعيّة التي كانت محلّ استعراضاتنا السّابقة .

ففي كلّ مكان ، في الشّرق و الغرب ، و في الشّمال و الجنوب ، و فيما يُسمّى بالعالم المتقدّم أو المتحضّر ، و كذلك في العالم المتخلّف ، و في مختلف أقاصي و أداني الأرض ؛ هناك ما نستطيع أن نسمّيه ، و بجرأة العقل ، " عالم سطحيّ و هشّ و هزيل " . و يثبتُ هذا الأمر أن ضجيج العدالة البشريّة المفقودة هو أقوى بكثير من حقيقتها وجودها على الأرض ..

ثالثاً- معاهد الحوث و مراكز الدّراسات :

يجب أن ننتهي من "نظريّة الدّولة" بوصف "الدّولة" نمطاً واحداً و يقينيّاً لحالة اجتماعيّة و سياسيّة واحدة للثّقافات الاجتماعيّة و السّياسيّة المنظّمة أو التي يجب أن يُحيط بها "النّظام" في مختلف الحُيُوز السّلطويّة في الدّولة المعاصرة ، على أنّها الشّيء نفسه في كلّ مكان و في عديد الشّعوب و المجتمعات و النّسق الواحد للنّظريّة الفكريّة على "الدّولة" ، أو على أنّها من الخيارات الواحدة ؛ هذه النّظرة التّابعة لنظريّة "المدرسة التّطوّريّة" (Evolutionnnisme) التّقليديّة ، الحَتمويّة و السّاذجة ، و التي أصبحت ، في رأينا ، بالية ، اليومَ ؛

و ذلك باعتبار اختلاف الثّقافات الاجتماعيّة و السّياسيّة ما بين الدّول الصّناعيّة "النّامية" (إذ ليست الدّول المتخلّفة هي "النّامية" !) .. ، و الدّول الطّرفيّة المتأخّرة عن ركب النّمو ، و هذا في أقلّ الأسباب مع أنّه سبب له أبعاده و أعماقه و آثاره المتباينة تبايناً لا يمكن للتّاريخ أو الأفكار تجاهله أو تجاوزه ، و على الأقلّ فيما ينجم عنه ، عدا عمّا تقدّم ، من تفاوت و اختلاف فرص "التّنظيم" بمفهومه المركّب و الواسع .

و يقضي هذا الوضع بأن نتخلّصَ ، أيضاً ، من فكرة "التّخلّف" التي أصبنا بها في قياس درجة تقدّمنا ، إذا كان المقصود ، كما هو العادة ، ذلك التّخلّف بالمنظور المركزيّ الغربيّ ، و هذا ما يجعلنا نعمل على تأسيس نظريّاتنا الخاصّة في "التّخلّف" و في غيره ، لنضع يدنا و عقلنا على ملموسيّات تخلّفنا الحقيقيّة ، بعيداً عن الوصفات المصدّرة إلينا كما للدّول التي نتشابه معها في درجة التّنظيم أو النّظام و في مستوى الرّكود الخاصّ الذي أصاب مجتمعاتنا و دولنا ؛

و على أنّ ما نعانيه ، نحن أجدر بفهمه ، و علينا أن نكون كذلك ، لنستطيع تجاوز "تخلّفنا" الخاصّ من دون أن نضع في أفقنا ذلك النّموذج "الغربيّ" ، العولميّ ، للتّقدّم ، لا سيّما أن التّقدّم هو حالة خاصّة بكل دولة أو مجتمع أو شعب ، لأنّه يستهدف ، بالأصل ، تك الحالة "الوضعيّة" و الخاصّة جدّاً من التّخلّف الذاتيّ ، و هذا قبل أن ننظرَ إلى البعد الموضوعيّ للتّخلّف و الذي عنده ، فقط ، نستطيع الاندماج في الثّقافة السّياسيّة العالميّة ، بما فيها تلك الثّقافة على نظريّة الدّولة و غيرها من الأفكار .

و لكي لا نسمح لأحدٍ بتضليلنا و السخرية من فهومنا و عقولنا ، فإنّ "الدّولة العميقة" ، فعلاً ، هي ليست تلك التي يتحدّث عنها "الفكر السّياسيّ" ، الإعلاميّ و الإعلانيّ .. ، في العالم ، اليوم ، و إنّما نرى أنّها تُنتج ، فعلاً ، في كيفيّات من دون ضجيج ، و ذلك في كلّ دولة متماسكة و قويّة و حاضرة و مؤثّرة .

و هذا الحديث يجب أن يقودنا ، مباشرة ، إلى الوقوف على طبيعة المعاهد و المراكز الوطنيّة و القوميّة للدّراسات و البحوث و الإحصائيّات و صناعة "القرار" ، في بعض دول العالم لنرى كيف تستثمر نتائجها ، و كما قلنا ، أوّلاً ، في بداية هذا الحديث ، في وجهين على الأقلّ ، و لنرى ، من ثمّ ما علاقة هذا الأمر بواقع "الدّولة العميقة" الحقيقيّة ، و لكن ليست تلك التي تقوم بازدواج أو فصام مع دولة من طبيعة أخرى و من نوع آخر في الحيّز السّياسيّ الواحد .

و سوف نأخذ ، كمثال ، تلك المراكز البحثيّة "العميقة" في "الولايات المتّحدة الأميركيّة" ، بوصفها دولة سبّاقة و رائدة في هذا المضمار ..

ثمّة في (أميركا) "مؤسّسات" تقوم بما يُسمّونه بالدّراسات "ما بعد الدّكتوراه" ، و مؤسّسات نوعيّة أخرى "متخصّصة" بالاستراتيجيّات المختلفة ؛ و لا يعني هذا الأمر أنّ جميع "الأساتذة" و "المشرفين" في هذا النّوع من المعاهد و المراكز و الدّراسات ، هم أكاديميّون ، حصراً ، بل و لربّما كان الأهم من بين هؤلاء هو ذلك الجزء الفكريّ و الموجّه السّياسيّ منهم في ورشات العمل ، أو الجزء المعرفيّ (الفلسفيّ) و "الفلسفيّ السّياسيّ" الذي يرسم الاستراتيجيّات البحثّية و الدّرسيّةلتلك المؤسّسات ، و ذلك باستخدام الأكاديميين و تكليفهم بالأبحاث "الجزئيّة" التي يعمل فيها ، أخيراً ، "الاستراتيجيّون" ، صنّاع مشروع القرار السّياسيّ الأخير ، على تجميع تلك الأجزاء البحثيّة و دمجها و ربطها في صورة فكريّة "بانوراميّة" (و سرديّة) متكاملة ، هي من التّخصّصيّة و الأمنيّة الفكريّة و السّياسيّة على نحو خاصّ و كبير .

تقوم تلك المؤسّسات البحثيّة المسمّاة معاهد و مراكز للبحوث و الدّراسات و المعطيات و القرار .. ، بمسح "معرفيّ" تجريبيّ و تطبيقيّ و نظريّ و فلسفيّ و اجتماعيّ و اقتصاديّ و ثقافيّ و أنثروبولوجيّ و جغرافيّ و تاريخيّ و أثنولوجيّ و أثنوغرافيّ ، و أيديولوجيّ و سياسيّ .. ، إلخ ..
ناهيك عن "المؤسّسات" البحثيّة العلميّة التّطبيقيّة و مؤسّسات المشاريع التّقْنيّة "الخاصّة" ؛ و ذلك للخروج بمعلومات و أفكار و ابتكارات و إبداعات واقعيّة و استراتيجيّة و تخطيطيّة ، لتعمل تلك المؤسّسات على إعادة تكريرها و تنقيتها و توجيهها السّياسيّ لتكون وجبةً فكريّة مناسبة لصانعي القرار الأميركيّ ، تمهيداً للسياسات الإجماليّة الأميركيّة الدّاخليّة و الخارجيّة .

و من الواضح أن جسامة هذا العمل و طبيعته المتداخلة في مختلف مستويات و مؤسّسات الدّولة و المجتمع ، بما في ذلك الدّول و المجتمعات الأجنبيّة الأخرى ، عن طريق الموفدين إلى الخارج تحت أسماء متعدّدة ، و بعضها سريّ ؛ تجعل تلك "المؤسّسات" الوجه الآخر و العميق للدّولة المركزيّة ؛

و بهذا المعنى أو المفهوم ، فقط ، يمكن أن نسمّي (أميركا) - مثلاً -"دولة عميقة" ، و بهذا الاعتبار ، حصراً ، و ليس لأيّ اعتبارات أخرى مهما كانت و مهما بدت هامّة و مؤثّرة .

فالدّولة "الثّقافيّة" أو "الدّولة المعرفيّة" ، هي "الدّولة العميقة" ، فقط ، و أمّا باقي الدّول التي يُزعَمُ أنّها "دول عميقة" ، إنّما هي دول سطحيّة و سخيفة و عابرة و فاشلة ، أيضاً ، و ذلك مهما امتلكت من أدوات السّرّيّة و القوّة و العنف ، و بشكل مزيّف ، حتماً ؛ ذلك أنّ "القوّة" ، و بخاصّة في السّياسة - و لطالما كرّرنا ، هنا ، هذا الأمر - هي "المعرفة" ، بمعناها الكبير ، و حسب ..

نستطيع أن ندخل ، هنا ، في حقل التّسميات الميدانيّة للمؤسّسات و المعاهد و المراكز البحثيّة و الدّراسيّة و صناعة القرار ، في (أميركا) ، و لكنّنا عندها سوف ندخل في متاهة من عشرات "الأسماء" و العناوين ، ربّما ، و نحن لسنا بحاجة إليها ، هنا ، في هذا البحث "النّظريّ" ، النّقديّ ؛
و هي ، على كلّ حال ، متوفّرة أسماؤها و عناوينها في كلّ مرجع من المراجع الكثيرة المتوفّرة ، اليوم ، في عالم "المعلومات" و "الاتّصالات" المعاصر ، و في مصادر متعدّدة معنيّة بهذه الأشكال من البحوث .

غير أنّ ما يهمّنا ، في الأمر ، إنّما هو أن نقف - كما قلنا - على وجهين محتملين ، على الأقلّ ، في كيفيّة استثمار نتائج هذه المؤسّسات البحثيّة ، من قبل "السّاسة" و أصحاب القرار و صانعيه ، و كيف يتمّ التّعامل مع نتائج تلك "المعطيات" .

الوجه الأوّل الذي يجري به التّعامل مع نتائج تلك "البحوث" و "الدّراسات" ، هو الأخذ برجحاناتها الفكريّة و المعرفيّة و الثّقافيّة ، عندما تلاقي لها "ساسة" "أصحاب قرار" يحترمون الفكر الاستراتيجيّ .. ، و عندما تنشأ "التّقاطعات" الإحصائيّة الفكريّة في نتائج "المصادر" المختلفة و المتعدّدة ، بحيث تعتبر تلك التّقاطعات النّاجمة عن دراساتٍ و أبحاثٍ تعود إلى مصادر و جِهات متعدّدة ، بالتّكرار ، علامة على رجحان احتمالات و آفاق أدوات و موادّ معطيات "القرار السّياسيّ" الّلازم .

و من الطّبيعيّ أنّ تُنفقَ "الدّولة" الكثير من الأموال لإنجاح هذه المشاريع ، سواءٌ في ذلك على "المؤسّسات" الحكوميّة أو على "المؤسّسات" الخاصّة بهذه المهام الكبيرة و الصّعبة ، ذات النّتائج المفيدة ، في كلّ الأحوال ، و لو على أشكال مختلفة من "الصّرف" ، بشكل "أجورٍ" مستقلّة و مباشرة ، أو بشكل غير مباشر عن طريق ما يُسمّى بالمكافآت الماليّة .

إذاً ، فالشّكل الأوّل ، أو الوجه الأوّل من استثمار نتائج تلك الدّراسات و البحوث ، هو الأخذ بمضامينها ، بجدّيّة ، و ربّما كان هذا الأمر هو الأجدى و الأفضل لصناعة القرار .

هنالك في الدّول "الثّقافيّة" ، التي اقترحنا تسمية واحدتها بِ"الدّولةالعميقة" ، ما هو يُشبه "التّنافسَ" على صناعة القرار .

و في هذه الحالة ، و هذا هو الوجه الثّاني للاستفادة من نتائج أعمال تلك "المؤسّسات" ، يمكن لجهة منافسة قويّة ، أو ضروريّة في لحظة سياسيّة "استثنائيّة" يعود تقديرها للنّافذين من السّاسة و الاقتصاديين و العسكريين .. ، أن ترى الأخذ بنقيض نتائج تلك الدّراسات و البحوث ، بحيث أن الفائدة منها إنّما تكون باستخلاص نقيضها و لكنْ بناءً عليها ، أيضاً ؛ غير أنّه و في كلّ الأحوال لا بدّ من قرارٍ مبنيّ بتوءدة على دراسة أو بحث أو هدف "دقيق" .. من وجهة النّظر التي انتخبت القرار الأخير..

و في هذه الحالة لا توحي مؤسّسة "القرار" بأنّ الأمر هو كذلك ، كما قلنا ، و إنّما على العكس ؛ فهي توحي لمصادرها العديدة بأهمّيّة ما قدّمته ، و لكنّها (مؤسّسة القرار) تستعمل التّسويف الحقيقيّ ، أيّ المؤجِّل للفائدة من النّتائج ، أو التّسويف غير الحقيقيّ ، و أي الإهمال ، نظراً لأنّ الاستراتيجيّة الغالبة بين مؤسّسات القرار تفترض هذا السّلوك .

هنا ، نكون ، أيضاً ، أمام نموذج أعمق من "الدّولة العميقة" ، و أعني عندما يتحكّم صانع القرار بانفراده في اتّخاذ القرار و احتكاره للتّعليل ، كما قد جرى في الكثير من الأحداث السّياسيّة العالميّة بقيادة (أميركا) و بخاصّة في مطلع هذا القرن ، الواحد و العشرين .

سنوجز ، أخيراً ، ما نريد قوله ممّا تقدّم :

إنّ "الدّولة" القويّة المعاصرة ، هي ، أوّلاً ، دولة مؤسّسات "علميّة" خالصة ، بما نفهم ، نحن ، العلميّة على أنّها "النّقديّة" العقلانيّة بأدوات - فقط أدوات ! - تجريبيّة ، و ليس باستراتيجيّات تجريبيّة .

و بقدر ما يتحقّق هذا الواقع للدّولة المعاصرة ، فإنّ الدّولة تكون ، بالفعل ، عميقة ؛ فيما أنّها كلّما ابتعدت إلى "الخرافيّة" في صناعة القرار السّياسيّ ، غير المبنيّ على معطيات معرفيّة و واقعيّة ، تكون ، على العكس ، في قمة أشكال الدّولة السّطحيّة و الشّكلانيّة و العجز

فالدّولة العميقة هي ااتي تتبع عمق الفكر الدّالّ على الأهداف الكبرى المقترنة بأسطورة الغايات .. !

تقضي مظاهر عمق الدّولة من سطحيّتها ، أن يكون للدّولة قدرتها على التّمييز بين التّجريبيّ (التّاكتيكيّ) و الاستراتيجيّ الشّموليّ . و من المفترض أن تلعب تجارب المجتمعات و الدّول دوراً رئيسيّاً و أساسيّاً في إدراكها لحجم المسؤوليّات المعاصرة المترتّبة على "الدّولة" ..

و لنا أن نتفاءلَ(!) أخيراً ، في (سورية) أن تتّجه "الدّولة" قريباً ، إلى حالة "الدّولة العميقة" ، و أعني "الدّولة الثّقافيّة" أو "المعرفيّة" ، و ذلك بعد كلّ هذا العمق الإعصاريّ الذي عشناه و نعيشه في هذه "الحرب العميقة" ..

يتعلّق الأمر الخاصّ بعمق الدّولة و الدّولة المعاصرة و الدّولة العميقة و الدّولة المثقّفة ، و أدواتها البحثيّة المعرفيّة المركزيّة ، إذاً ، بكيفيّات تراكم تقاليد الفهم الخاصّة في "الدّول العريقة" التي استطاعت أن تراكم تجربتها لأسباب "موضوعيّة" و أخرى "ذاتيّة" ، على ألّا نهمل ، نحن ، بالنّسبة إلينا "الذّاتيّ" بذريعة تعذّر الموضوعيّ ؛ إذ لربّما كان "الذّاتيّ" على مستوى "الممكن" في الدّولة و المجتمع هو مقدّمة نحو "الموضوعيّ" ؛ على أنّه في كلّ حال ، لا بدّ من تضافر الذّاتيّ و الموضوعيّ لإنجاز "العالم" !

و إذا كان العالم ، بالفعل ، تنتشر فيه الهشاشة كما تنتشر الرّيحُ في الفراغ ، فإنّ ثمّة ما يُمكن أن نقوله بشأنه ، أيضاً ، غير ذلك .
و هنا لا شيء يمنعنا من أن نضحّي بمبدأ "الهويّة" الأرسطيّ بعد أن صار ضحيّة للعلوم المعاصرة .. ، حيث وصلنا في هذا العالم إلى درجة معيّنة و محدّدة من الإدراك تسنح لنا الفرصة لأن نقول "النّقيضين" على الشّيء نفسه ، تبعاً لما في لغة الفيزياء و لغة السّياسة من تعقيد أظهرته "التّجربة" على الوقائع و الظّواهر المعقّدة فيهما ، و بخاصّة على ما نقوله في "الفوضى" و "التّنظيم" و على كيفيّات تلازمهما ، كما هو الأمر حاصل في الفيزياء الجزيئيّة من مبدأ "عدم التّعيّن" ؛ و في عالم السّياسة ، أيضاً.

فبالإضافة إلى محدوديّة و سطحيّة العالم في مشاريعه عبر الدّول و الجماعات و المجتمعات و الأفراد ،فإنّ ثمّة ما هو ، بالفعل ، عميق ، فيه ، كذلك ؛ و ذلك جرياُ على ما اكتشفناه من واقع "الدّولة العميقة" على طريقة حديثنا و أفكارنا السّابقة.

و من دون زيادة في الكلام ، فإنّ ما نعنيه من عمق أو أعماق بعض جوانب هذا العالم بدوله و قواه الحاكمة ، إنّما هو هذا الواقع، في ما حولنا، و الذي حوّله "نظام العالم" إلى مفردات و أدوات أقلّ من "وظيفيّة"، بما وصلت إليه من ضآلة و تفاهة و أحياناً خسّة ، في بعض جوانب تلك المفردات ذات الطّابع الوجوديّ و الإنسانيّ و الأخلاقيّ.

و إذ يُبدي هذا الواقع ما يُبديه من هذه "المصائر" الهزْليّة فإنّ لها وقعاً شديدَ الإيلام في آثارها الشّاسعة و المستمرّة، يحوم حول الآفاق التي يمكن أن تحدّد مأساويّة تحوّلاتها التي تذكّرنا، و إن على المستوى الفرديّ و الشّخصيّ، بِ"مَسخِ" (كافكا)، ذلك المخلوق الإنسانيّ ("الموظّف" في "مصلحة البريد") و الذي تحوّل في "ظروف غامضة"(!) إلى "حشرة" لا إسم لها و إن كانت تمثّل أكثر "الصّفات" نموذجيّة يمكن أن تخصّ أغربَ و أحطّ مسوخ الحشرات المعروفة و غير المعروفة في الأرض..

إنّ ما يُنتجه "العالم العميق" (التّسمية هكذا أفضل!) من تقزيم لكلّ الشّعوب و مَحوٍ لبعضها، و حذف لبعضها الآخر من الأفراد و المجتمعات من الخارطة السّياسيّة للعالم، يستحقّ أن ندعوه بعالم، فعلاً، عميق، تقوده ليس "دول عميقة" أو "دولة عميقة"، و حسب، و إنّما، أيضاً، "قوى عميقة" منها ما هو مفهوم ومنها ما هو ليس مفهوماً و يكاد يكونُ أحجية من عالم آخر له كلّ صفات "الألوهة"، باستثناء الخلود..

***

تعقيب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الزروق

تأملت في مفاهيم الدراسات و الاستراتيجيات فلم أجد أجمل و أمتع من الغوص في سلاسلك التي تجعل العمق سمة الفكر بما ينعكس على الدول و مقتضيات بنائها و تطويرها و انطلاقتها العظمى..

نعم إن مفهوم الدولة العميقة حديث و مبرمج كما برمجة مصطلح النظام كريجيم regimeلا كسيستم system و هنا ننظر إلى الأهداف العميقة التي أرادت مثلاً في مصطلح الريجيم الفصل بين الدولة و نظامها العام و سياقها التمثيلي الشعبي القانوني بمعنى فصل الرأس عن الجسد و فصل الروح عنه..

و كذلك فصل قلب الوطن النابض عن وجدان الشعوب الحية التي إذا ما أرادت أن تبقى حية عليها أن لا تنساق وراء لعبة المصطلحات دون أن تعرف الخروج من متاهتها.

فمتاهة المصطلحات هي من أشد المتاهات وعورة و اجتيازها ليس بالأمر السهل و الخروج منها ليس ب "عضة كوساية" كما يقول المثل الشعبي الذي يدرج من المصطلحات ما هو بعيد الإسقاط سواء كان يدري أو لم يكن يدري.

نعم أميركا تعشق الصياغات الملتبسة و الدول الغربية و الدول الغازية المحتلة كالدولة العثمانية بوجهها الديني قبل أن يصبح أتاتوركياً اخترع أبناؤه مصطلح العمق فلم ينجحوا في إزاحة أردوغان عن تسطيحه و جعله فارغاً من مضمون العمق السياسي بانسياقه وراء مشروعات أيضاً عميقة..

لكن ليس في موازاة تلك المصطلحات بل بما يوازي مصطلحات يصنعها مشروع ديني ما زال يطفو بضحالة رغم عمقه اللاهوتي و أهدافه المتطاولة على بنية الإنسان و على إنسانيته و عقله.

و كما قلنا أميركا تعشق الصياغات الملتبسة لأنها تتقن إثارة الشروخ و النعرات و التفرقة في مجتمعاتنا و ما رجال الأبحاث و الاستراتيجيات و استشراف السياسات المستقبلي إلا أعضاء في تجمعات اجتماعية أنثروبولوجية إثنولوجية جيوبوليتيكية جيوسياسية و جيوتكتيكية ليغرقوا كل دولة على مقاسها في استشرافات نهايتها..

لأن الدول التي تحذر من المستقبل تعمل على تفتيت إنسانيته بإنسانيته كي تدرك نزعة التسيد بأن تزيح العمق المعرفي ليغدو عمقاً ضئيلاً يغزو الدول المقابلة بالسطحية و النزاعات المميتة للعقل و الروح قبل الجسد

و عليه مازالت دول العالم الثالث ساقطة في كل فجواتها الفكرية و المعرفية بين القادة السياسيين و الشعوب و بين المفكر و العالم و بين العالم و الجاهل و بين مستويات الجُهّال أنفسهم و في كل نعراتها الطائفية و المذهبية و العشائرية و القبلية و المناطقية.

و ما زلنا نرى في كلّ بعد استراتيجي للمراكز العالمية المختصة بالدراسات و الأبحاث عمقاً يسيل في بلداننا ليغرقها بالسطحية و الأوهام و الخرافات بعيداً عن الهوية التي تغرق بالتيه و عن كل بنية معرفية تبحث عن التواصل لتجعل من المثقف بنية لا تغرق العموم بالعامية بل تغرق حداثتهم باختصاص المعرفة و معرفة الاختصاص!...

دمت نبراساً لدول عميقة تدرك عمقها المعرفي لا انسياقها اللاهوتي و تدرك وجهها الجميل إن بقي جميلاً لا مسخها الطافي في كل الأصقاع و الدروب كي يشوه وجهها المشوه أصلاً في عصر المعرفة التي لا تفنى و لا تخلق من العدم بل تتحول إلى كل أشكال العلوم و الإبداع و الحداثة و التطور و العصرنة الحية لا الميتة قبل ان تولد في وجدان الشعوب دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

التعليقات   

0 #1 Ayham 2018-02-03 05:25
اول ما خطر ببالي هو نسخ و لصق عن تعاريف لمصطلح الدولة العميقة و هذا ليس مقال . هذا درس اكاديمي عن مصطلحات سياسية . و لا اعرف ما فائدة شرح 2000 كلمة عن مصطلح
هل هو لاعطاء انطباع عن الثقافة ؟
شعرت انني ضيعت وقتي ب كلام لا يفيد
اما التعقيب على المقال
فلم احد الا مسح جوخ
ربما هناك من يهتم بالمصطلحات و تاريخها لا ادري
اقتباس

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4287343