الصفحة الرئيسية

د. بهجت سليمان: عَرَبٌ.. و مشرق و مغرب

[الحلقة التاسعة والثلاثون "39" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي]د. بهجت سليمان7

{عَرَبٌ.. و مشرق و مغرب}

* د. بهجت سليمان

[تأمّلات في تاريخ.. و جواب، من الواقع، على سؤال]

تبدو بعض "الأسئلة" بريئة و بسيطة، رغم أنّها قد تكون أسئلة تاريخيّة مركّبة و معقّدة، دفعت إليها "إشكاليّة" واقعيّة و تاريخيّة و سياسيّة.. 
و لذلك كان على "الأجوبة" الملائمة أن تجري في الجواب مجرى "الاستثناء" التّركيبيّ و "الامتياز" الذي يقبلُ معه "الجوابُ" التّعقيدَ و ربّما "الإلغاز" و "الغموض" الّلذين يحكمان أقصى درجات "الوضوح".

تُشبه تلك "الأسئلة" سؤالَ أحد أصدقاء "صفحتنا" من المغرب العربي، الذي كان على النّحو التّالي:

["لماذا وعبر مختلف المراحل التاريخية كان المشرق العربي يعتبر المغرب منطقة هامشية تاريخيا؟
"شعر القدامى بهذا التجاهل وعبروا عنه في كتابات مختلفة كان أوضحها قول احد الشعراء لا أتذكره وهو يصف نفسه بأنه افضل من المتنبي وغيره لكن سوء طالعه انه من المغرب ولو كان في المشرق لما تفوق عليه احد
"واستمر الجفاء حتى في العصر الحديث ودارسو العلاقات الدولية يعرفون قصة اعتراض لبنان على انضمام السودان لجامعة الدول العربية واقتراح احد الوزراء العرب ترضية لبنان بتغيير تسمية جامعة الدول العربية الى جامعة الدول العربية و السودان!
"دون ان ننسى أدبيات حزب البعث بضرورة تحديد الأرض العربية في شمال افريقيا!
"أو اعتبار محللين سياسيين خليجيين أن دول المغرب هي دول عربية حلفا لا أصلا!
"دلالة بسيطة ماهو حضور اخبار واحداث المغرب في قنوات دول المشرق!"].. (انتهى السّؤال).

** الجواب **


واضح أنّ "السّؤال" جاء بصيغة "استنكاريّة" غالبة، علاوة على أنّه سؤالٌ لا يتحلى بالمرونة الفكريّة بسبب بنيته التّركيبيّة الشّديدة و الاحتجاجيّة الغزيرة، بحيث أنّه يحتاج، إذا كان و لا بدّ من أخذه على درجة متقدمة من الجدّيّة، إلى "كتاب" مؤلّفٍ بروح بحثيّة و أكاديميّة، بخاصّة من جانب "التّوثيق" التّاريخيّ المعقد لبلاد "المغرب العربيّ"، و الذي يختلف عليه جميع المؤرّخين من قدماءَ و محدّثين، إضافة إلى الرّوح الفكريّة التّاريخيّة و الثّقافة السّياسية الوطنيّة و القوميّة الخاصّة و المسؤولة، و ذلك ليكون جواباً لائقاً بالهمّ الوحدويّ العربيّ الذي يأسر جميع العقول المنتمية إلى أمّة و قضيّة و إشكاليّة تاريخيّة و اهتمامات طائلة و هموم بدون نهايات.

ليس بوسع أيّ مدخل إلى مقاربة في الجواب أن يتجاهل طبيعة تاريخ العرب و المسلمين الموحي و المعقّد في الوقت نفسه، في المشرق و المغرب، و الذي لا بدّ من الإحاطة به، بوضوح و استيضاح، ليتوفّر لأيّة دراسة قيمتها الجدّيّة التي تحمل مسؤوليّتها الكاملة.

و لأنّ "الغرب" درجَ على اتّهام "العقل العربيّ" بأنّه عقل لا تاريخيّ، فإنّنا نفهم هذا الاتّهام بواقعيّة غير مُعيبةٍ أو إذلاليّة أو مذلّة، لأنّ في تلك "التّهمة" شيئاً يفوق الواقع التّاريخيّ إلى البنية الثّقافيّة العربيّة - الإسلاميّة التي تفسّر الجوانب الأكثر أهميّة في هذا "الاتّهام"..
و أعني بتلك "البنية" ما هو ثابت في "عنجهيّة" العقل العربيّ الإسلاميّ، هذه "العنجهيّة" الضّالّة و المضلّة، و التي تجعل الفكر مُستَلَباً يُفسّر الوقائع و الظّواهر، ذاتها بذاتها، بدلاً من أن تكون الوقائع مفسّرة للظّواهر، و بدلاً من أن تكون الحقائق التّاريخيّة وراء ما يُسمّى بالوقائع، و بدلاً من أن تكون "الحقائق التّاريخيّة الأكيدة" و "الوقائع" و "الظّواهر"، معاً، تعبّر عن مُتَّصَلٍ دلاليّ واحد يتبادل في زمنيّته و مكانيّته أدوات و مضامين و مفاعيل التّأثير في حجّة التّفسير.

على أيّة حال، فإنّنا سنحاول أن نفوّت الفرصة، هذه المرّة، على الأقلّ، على من يتّهم العقل العربيّ بالّلاتاريخيّة، في مقاربة متأنيّة لهذا الواقع التّاريخيّ الذي "يؤرّق" - ربّما - صديقنا في "السّؤال".

و هكذا، فلعلّ الفصل التّاريخيّ الحضاريّ بين مشرق "العرب" و مغربهم متعذّرٌ، بسبب أنّ تواجد "الفينيقيين" العرب - (و هم من "الكنعانيين") - في (قرطاج)، في (تونُس)، يعود إلى مايُقارب الثّلاثة آلاف عام (814 ق. م).

غير أنّ زوال الإمبراطوريّة القرطاجيّة التي امتدّت على السّواحل الغربيّة للبحر المتوسط في عام (146 ق. م)، جعل الامتداد العربيّ في المغرب العربيّ علاقة صامتة أو منسيّة، و ذلك حتّى "الفتح الإسلاميّ" [(بين (65 و 92هـ)] على عهد القائد العربيّ المعروف (موسى بن نصير) الذي رافق الخليفة (مروان بن الحكم)، و عيّنه هذا الأخير مستشاراً و وزيراً لإبنه (عبد العزيز بن مروان) الذي ولّاه أبوه (مروان) على (مصر) منذ فتح الإسلام لمصر عام (65هـ / 684م)؛ حيث كلّف (موسى بن نصير)، الذي كان قائداً شجاعاً لديه، لفتح "بلاد المغرب" و "أسبانيا" الأوروبيّة و سائر شبه الجزيرة "الإيبيريّة".

اشتهر (موسى بن نصير) بشجاعته و قدراته القياديّة التي بفضلها استطاع إخماد ثورات "البربر" و إخضاعها و السّيطرة عليها، ثمّ على جميع أنحاء المغرب، و كان يُساعده في ذلك قادة عسكريون أكفاء و محنّكون من "البربر" و "العرب"، الذي اشتهر من بينهم (طارق بن زياد) ذو الأصل الهجين من "أمّ بربريّة" و "أبٍ عربيّ" كما تقول بعض المصادر التّاريخيّة، فيما ترجح "المصادر التّاريخيّة" أنّه من أصل "بربريّ" (من قبيلة "نفزة" البربريّة).

يلجأ بعض المؤرّخين إلى واقعة أنّ المرحلة الأولى من "فتوح المسلمين" إنّما تعود إلى ما قبل هذه التّواريخ، و ذلك مع فتح (برقة) (الجزء الشّرقيّ من ليبيا الحاليّة) استكمالاً لفتح مصر، على يد (عمرو بن العاص) في عام (22 هـ / 643م)، كما فتح (عمرو) (طرابلس الغرب) و (صبراتا) و أتمّ فتح (فزّان).

"و جاءت الخطوة التّالية على يد (عبد الله بن سعد بن أبي سرح) في عام (27هـ / 648م)، ففتح (سبيطلة) و بثّ جنوده في البلاد فبلغ (قفصة) و فتح (حصن الأجم) جنوبيّ (القيروان)".
"و عندما استقرّ الأمر لمعاوية أرسل في عام (45هـ /665م) حملة بقيادة (معاوية بن حديج السكوني).. و أمره القيام بغارات على المنطقة الواقعة غربيّ (طرابلس)، و انتهى هذا القائد إلى سهل (قمونية) إلى الجنوب من (قرطاجنّة)".

[راجع: الدكتور محمد سهيل طقوش. تاريخ الدولة الأمويّة. دار النّفائس. بيروت – لبنان. الطبعة السّابعة . ص(35- 36)].

و إذ يشمل المغرب العربيّ كلّ الشّمال الأفريقيّ الواقع في غربيّ (مصر)، فإنّ الاختلاط العربيّ البربريّ بعد "الفتح الإسلاميّ" للمغرب، بشكل خاصّ، ترك أثره "الأنثروبولوجيّ" على طبيعة العربيّ المغربيّ الذي غلب عليه، نتيجة الاختلاط "الأثنوغرافيّ"، طابع الهجنة في الانتماء و التّكوين، يُستثنى، و لو على نحو يسير، من هذه "التّعميمة" سكان ما يُعرف اليومَ بِ(تونُس) القرطاجيّة، الفينيقيّة، الفونيّة، البونيّة، الكنعانيّة، العربيّة؛ و هذا ما يستقرّ اليوم بوضوح من "تشابهات" كبيرة في "المورفولوجيا" و "السّيكولوجيا" و "الأنثروبولوجيا"..، و غير ذلك، بين عرب (تونُس)، اليومَ, و بين "عرب بلاد الشّام" السّوريين..

غير أنّنا، في الحقيقة، لا نعوّل في معقوليّة "الهويّة" العربيّة، كثيراً، على مسألة "الأصل"، التي تبدو خرافة عالميّة، اليومَ، بعد التّطور العالميّ الكبير لعلوم "الأثنولوجيا" و "الأنثروبولوجيا" و ثبوت الاختلاط العرقيّ العالميّ بين الشّعوب..
بقدر ما نعوّل على كيان "الأمّة" بتاريخها القديم المشترك، بالدّرجة الأولى، هذا التّاريخ الذي هو يصنع الوَحدة "الطّبيعيّة" للشّعوب و الأمم، بما يتضمّنه هذا "التّاريخ" من وَحدة "الجغرافيا" و وَحدة "الثّقافة" التّاريخيّة و ما ينجم عنها من "مشتركات" مُوحِّدة في المصلحة و الواقع و الأهداف و المستقبل.

كان لوهج "الدّولة الأمويّة" تاريخ الدولة الأمويّة، (41- 132 هـ / 661- 750م) (في التّاريخ العربيّ- الإسلاميّ)، أثرٌ كبيرٌ في تكوّن "البيئة العربيّة" لشّعوب "المغرب العربيّ" بارتباطها بالمقدّس الدّينيّ الإسلاميّ الذي هو "القرآن"؛ إذْ فعل "القرآن" ما لم يفعله "السّيف"..
و على هذا بدأت الرّابطة "العربيّة" بين "شعوب آسيا" العربيّة و بين شعوب "المغرب" الإسلاميّ، على جذرٍ عربيّ قديم يعود إلى الفينيقيين- الكنعانيين العرب الذين أقاموا دولة مُهابة في شبه جزيرة (قرطاجة) تلك "الضّاحية" من ضواحي مدينة (تونُس) في أعلى رأس بحري على البحر الأبيض المتوسّط.

هزمت طلائع جيوش "العباسيين" بقيادة (أبو مسلم الخراسانيّ)، الجيوشَ الأمويّة في (العراق)، و دخلت (البصرة) و (الكوفة) في عام (132هـ / 749م)، و أعلن (أبو العبّاس السّفاح)، في الكوفة، قيام دولة "الخلافة العبّاسيّة" التي يُعد مؤسّسَها الفعليّ أخوه (أبو جعفر المنصور) ليتتابع الخلفاء العبّاسيّون على مدى عصور تجاوزت الأربعة قرون و ذلك حتّى عام (656هـ / 1258م).

كانت بلاد "المغرب الأدنى" في (أفريقيا)، في الأطراف البعيدة عن مركز "الخلافة"، تشهد فوضى كبيرة ضربت "العالم الإسلاميّ" أثناء الصّراع على السّلطة بين الأمويين و العبّاسيين عندما استولى (عبد الرّحمن بن حبيب)، الزّعيم العربيّ البارز في "المغرب الأدنى"، و دخل (القيروان) متطلّعاً إلى إقامة دولة مستقلّة، و لكنّه اغتيل عام (137هـ / 754م)، في ظلّ فوضى الصّراع على "السّلطة".

و في هذه الأثناء برز "الخوارج" على مسرح الحياة السّياسيّة في (أفريقيا) و نجحوا في استقطاب قبائل من "البربر" تأثّروا بآرائهم، و أسّسوا لهم دولاً، هناك.

بدأ "البربر" يلعبون دوراً اجتماعيّاً و سياسيّاً مؤثّراً في "بلاد المغرب"، حيث أسّس "الخوارج" إمارتين قامتا على أكتاف "البربر" بزعاماتٍ عربيّة، و استقلّتا استقلالاً يكاد يكون تامّاً.

[راجع: الدكتور محمد سهيل طقوش. تاريخ الدّولة العبّاسيّة. دار النّفائس. بيروت- لبنان. الطّبعة السّابعة. ص(60- 61)].

و عندما أضحت (أفريقيا) تحت رحمة "الخوارج"، استغاث أهل "المغرب العربيّ" بالخلافة العبّاسيّة.

في عام (297هـ) كان (عبيد الله المهديّ) قد نجح بنشر "الدّعوة الفاطميّة" في (المغرب)، و جمع حوله سكان المغرب الذين رحّبوا به، و لقّبوه بِ"المهدي أمير المؤمنين".
يروي (الدّكتور سعد زغلول عبد الحميد) عن "الكامل" لِ(إبن الأثير) أنّ "الدّعوة الشّيعية في المغرب الأوسط.. تعود إلى زمن أيّام (جعفر الصّادق) في حواليّ (145هـ / 762م)".

[راجع: الدكتور سعد زغلول عبد الحميد. تاريخ المغرب العربيّ – الجزء الثّاني. منشأة المعارف بالإسكندريّة – 1979م. ص(546)].

تتحدّث التّواريخ في أنّ أوّل انطلاقة للدّعوة الفاطميّة في (أفريقيا) بدأت في (كتامة) [عاصمة "الحشيش" أو "الكيف" في المغرب العربيّ، (المملكة المغربيّة، اليوم]، و في (تازروت)[ الأمازيغيّة، الواقعة في شمال المملكة المغربيّة].

[(راجع المصدر السّابق: ص(550 و ما بعد)].

كانت قبل "الفاطميين" قد توالت على "المغرب العربيّ" دول "الأغالبة" و "الرّستميين" و "بني مدرار"، إلى أن جاءها "الأدارسة" (الفاطميّون)..
غير أنّ نشر "العروبة" في "المغرب الأقصى" اقترن مع اعتراف "البربر" بِ( إدريس بن إدريس ) و مبايعته بالإمامة (188هـ / 804م)، بعد أن لم يكن "الإمام"، في الحقيقة، أكثر من لاجئ لدى قبائل "البربر"، ليس له أيّة قيمة لولا ما كان مديناً له بهيبته المستمدّة من هيبة "الأسرة العلويّة" و "بيت النّبوّة"؛ و كان ذلك بمثابة تحوّل انعطافيّ عربيّ هامّ، و لو أنّه محدود، في تاريخ "الدّولة الإدريسيّة" النّاشئة حديثاً.

بعدها، بدأت العلاقات الاجتماعيّة العربيّة أظهر في التّاريخ، لا سيّما أن (إدريس الأوّل) كان قد عمل على استقبال أعدادٍ من الوافدين العرب من شبه الجزيرة العربيّة؛
"و لكنّ (إدريس الثّاني ) بدأ يُحيط نفسه بحاشية عربيّة و حرس عربيّ؛ و كان ذلك يعني أنّ الانتشار العربيّ و نشر العروبة في الدّولة النّاشئة كان يسير جنباً إلى جنبٍ مع نشر الإسلام".

[الدكتور سعد زغلول عبد الحميد. تاريخ المغرب العربيّ – الجزء الثّالث. منشأة المعارف بالإسكندريّة. ص(441- 442)؛ نقلاً عن إبن خلدون في "العبر" (أو مقدّمة إبن خلدون)].

امتدّت الفترة الزّمنيّة للفاطميين في المغرب، من (297هـ / 909م) إلى 362هـ / 973م)؛خلف "الفاطميين" في المغرب "الصّنهاجيّون" فامتدّت الفترة الزّمنيّة "الصّنهاجيّة" (الزّيريّة) من (362هـ / 973م) إلى (منتصف القرن السّادس الهجريّ / الثّاني عشر الميلاديّ)؛
ثمّ عرف "المغرب" حكم "المهاجرين الهلاليين" (أبو زيد الهلاليّ)..؛
ثمّ "المرابطين"؛
ثمّ "الموحّدين" في حوالي (909هـ / 1074م)..

لقد كان ابتداءً من فتح "الأمويين" (الأندلسيين) لِ(سبتة) (319هـ / 931م) وتوطيد أقدام الجيوش الأمويّة على ساحل "العدوّة" الأفريقيّة، و تعاون "البربر" مع "الأمويين" لتوطيد السّلطة الأمويّة في "المغرب العربيّ".. افتتح عهدٌ جديد من العلاقات بين "المغرب" و "الأندلس"؛
"و على أساس الجهاد و نشر ""الإسلام السّنّيّ"، مع دخول الأمويين الأندلسيين المغرب، قامت قبائل الصّحراء بحركة "النّهضة" المُرابطيّة التي سمّاها (إبن خلدون) بمصطلح "التّجدّد".. "(!)؛ فحكمت "المغرب العربيّ" إلى أن حكمه "الموحّدون" فيما بعد.

[المصدر. ص(44)].

انتهى حكم "الموحدين" (الأمازيغ) للمغرب العربيّ في سنة (1269م)، بعد أن قضى عليهم "المرينيّون" المتحدّرون من قبائل "زناتة" البربريّة، الذين حكموا "المغرب الأقصى" و "المغرب الأدنى"، تقريباً (وصلت حدود دولتهم من الشّرق إلى حدود مصر)، حتّى القرن الخامس عشر الميلاديّ؛ و لقد تحالفت قبائل "المرينيّين" مع القبائل العربيّة لتُخضع "الموحّدين".

يقول المؤرّخ الدّكتور (صلاح العقّاد):

"من النّاحية البشريّة تميّز المغرب العربيّ، دون المشرق، باحتفاظ عنصر السّكّان الأصليين البربر ببعض ميزاتهم؛ بخلاف الأجناس الأخرى التي دخلت الإسلام في المشرق العربيّ، مثل المصريين أو الشّعوب السّاميّة الأخرى في الشّام التي اندثرت لغاتها الأصليّة و اعتمدت الّلغة العربيّة وحدها للكتابة أو للحديث اليوميّ".

[المغرب العربيّ في التّاريخ الحديث و المعاصر. تأليف دكتور صلاح العقاد. مكتبة الأنجلوالمصريّة. القاهرة. الطّبعة السّادسة – 1993م . ص(9)].

و لقد كانت، بالتّالي، صفة عروبة "المغرب العربيّ"، قد تأكّدت على بعض من اعتنق "الإسلام"..
"و خاصّة و أنّ فكرة العروبة تقوم أساساً على وَحدة الّلغة بدون اعتبار للأصل العربيّ".

[المصدر. ص(10)].

منذ نهاية القرن الخامس عشر انصرف اهتمام "الإسبان" إلى السّاحل المغربيّ المواجه للمتوسّط؛

فيما كانت الإمبراطوريّة البرتغاليّة قد توسّعت في إخضاعها لشمال أفريقيا، حيث احتلّت (سبتة) في "المغرب" (و ما تزال حتّى اليوم مستعمرة إسبانيّة !)؛

و توافق "الإسبان" و "البرتغاليّون" على توازع سيطرتهم على "المغرب العربيّ" في بداية القرن السّادس عشر، بعد أن كان (الإسبان) قد استعادوا (إسبانيا) من المسلمين في عام (1492م).

و في أوائل القرن السّادس عشر جاء دور "العثمانيّين" لتمدّ "الدّولة العثمانيّة" نفوذها إلى (تونُس) و (الجزائر) مستغلّة اشتداد الصّراع بين المسلمين و المسيحيين بعد سقوط (الأندلس).

استمرّ الصّراع بين العثمانيين و المسيحيين الذين تحالفوا بدعوة من (البابا) ليتلاقيا في حرب للأساطيل البحريّة عام (1571م)، و انهزم "العثمانيّون" في هذه الواقعة الحربيّة، و كان بنتيجتها أن احتفظت (إسبانيا) بالسّواحل الأفريقيّة على "المتوسّط" مع بقايا من جزيرة (مالطا) التي استولى عليها "الإنجليز" عام (1802م).

انحلّ "الحلف المسيحيّ" في نهاية القرن السّادس عشر، و انسحب "الإسبان" من "المغرب" الجغرافيّ كلّه، و عادت "الدّولة العثمانيّة" فأنشأت في شمالي (أفريقيا) ثلاث ولايات عثمانيّة في (الجزائر) و (طرابلس) و (تونُس).
و في عام (1816م) قامت (إنجلترا) بحملة على (الجزائر)؛

حتّى إذا ما كان حكم (محمد علي باشا) في (مصر)، حشد "القبائل العربيّة" الأفريقيّة لمقاتلة "الإسبان".

نتيجة للحروب و التّوافقات و التّصالحات المختلفة، استطاعت الدّول الأوربّيّة أن تحصل على امتيازات تجاريّة نتيجة للتّحالف العثمانيّ الفرنسيّ،

و توالت السّيطرة الأوربّيّة، بعدها، على المغرب العربيّ، في تاريخ معاصر معروف لدى الجميع، بما في ذلك الخطوط الكبرى الأساسيّة لنضالات شعوب المغرب العربيّة ضد الاستعمار الفرنسيّ و الإيطالي، بشكل خاص.

و أمّا التّفاصيل التّاريخيّة الأخرى فهي من اهتمامات و أعمال المؤرّخين، أكثر ممّا هي تعنينا في هذا "العرض" الذي كان لا بدّ منه للوقوف على تاريخيّة التّكوينات المغربيّة المتناقضة و غير المستقرّة، و غير الرّاسخة..
بحيث أنّ كلّا من العروبة و الإسلام لم يحظيا بالتّاريخ الهادئ الطّويل لترسّخ المعالم المغربيّة العربيّة، كما هي قد ترسّخت في المشرق العربيّ، و هنا نبدي الملاحظات الأساسيّة التّالية..

و ما كنّا لنجتهد هذا الاجتهاد التّاريخيّ، اهتماماً منّا بسؤال مواطنٍ عربيّ، مهما كانت مواصفات السّؤال، إلّا لنعبّر عن مسؤوليّة تاريخيّة تُلحّ في ضرورات "التّنوير" العربيّ، من جديد، و كأنّنا، كما يُهيّأ إلينا غالباً، أنّ العرب لشرقهم و بغربهم، لم يدخلوا، بعد، عصر الأنوار العالميّ، الذي نعتبر، نحن، أنّ تاريخنا الخاصّ يجب أن يدخل عصر النّقديّة العقلانيّة لكي يُضيء لنا العقل طريقنا إلى نور الحضارة العالميّة.

و أمام هذه الوقائع التّاريخيّة ذات الدّلالات السّياسيّة، يجب أن نعترف بأنّ الظّروف "العربيّة" و "الإسلاميّة" منحت دول المشرق العربيّ، الفرصة التّاريخيّة التي امتازت عن تلك التي قيّضت لدول المغرب العربيّ، في طور التّشكّل التّاريخيّ لمفهوم و واقع الأمّة العربيّة..
و لو كنّا في السّياسة لا نفكّر بواسطة الأجناس و الأعراق و الأصول و الفروع، وحسب، و لكنْ أيضاً بواسطة المشترك من التّاريخ و الّلغة و المصير، بشكل أساسيّ.

كان لوجود عاصمتين سياسيّتين و إداريّتين و عسكريّتين للإمبراطوريّتين الوحيدتين في تاريخ العرب و الإسلام، الأمويّة.. و العبّاسيّة، في المشرق العربيّ، دورٌ حاسم و نهائيّ في تكوّن الشّخصيّة العربيّة المشرقيّة في التّاريخ القديم و الحديث، مع كلّ ما يعنيه تكوّن الشّخصيّة من استعدادات و صياغات فكريّة و ثقافيّة و سياسيّة في كلا الوعيين المباشر و غير المباشر..

مع ما يحمله هذا الأمر من مفاعيل "أنثروبولوجيّة" و "أثنوغرافيّة"، في وقت واحد، هذا إذا استبعدنا المفعول "الأثنولوجيّ" من حيث لن نعوّل هنا على "الأصول" المجرّدة..
و إنّما سنبقى في إطار تشكّل الوعي التّاريخيّ للمكان الاجتماعيّ و السّياسيّ الّلذين يحسمان جميع صفات الشّخصيّة الثّقافيّة و الحضاريّة من جانب الانتماء السّياسيّ و الهويّة، و هذا في أقلّ ما يمكن أن يترتّب على الأسباب من نتائج.

لا نشكّ بعروبة و إسلام شعوب المغرب العربيّ، اليومَ، كما أنّنا لم نشكّ بذلك في الماضي السّياسيّ.

غير أنّ الواقعيّة التّاريخيّة المؤلّفة من الوقائع المشكّلة للظّاهرة هذه التي تدخل مباشرة في الفكر المستمرّ من دون انقطاع، تتطلّب منّا عقلانيّة فكريّة و سياسيّة خاصّة لاستيعاب المعقوليّات المعاصرة، تجنّباً للوقوع في الفراغ التّفسيريّ في التّعليل.

و المغرب العربيّ المعاصر لا يواجه، أيضاً، هذه التّحدّيات المصيريّة، مواجهة مباشرة، اقتصاديّة و اجتماعيّة و معيشيّة و سياسيّة و أمنيّة، كتحدّيات وجوديّة في المواجهة المباشرة مع الصّهيونيّة العالميّة و كيانها السّياسيّ في "إسرائيل"..
و كذلك، لا يواجه ما يواجهه المشرقُ من الجحود الرّجعيّ و العداوات الإقليميّة المستبدّة بالفكر و الوعي و الشّعورو الإحساس..، إلخ..

و من الطّبيعيّ، إزاء هذا و ذاك، أن تبقى الشّخصيّة الوطنيّة و القوميّة الفرديّة و الجمعيّة و الاجتماعيّة، في يقظةٍ و تنبّه دائمين، ما يعكس ذلك الوضوح المستمرّ للانتماء، و حتّى منه، أيضاً، الانتماء القسريّ، عند من هم من ناقصي و معلولي الهويّة و الانتماء، نتيجة أنّ الظّرف التّاريخيّ و الشّرط السّياسيّ الحاكمين، موضوعيّاً، و هذا في الأقلّ، لا يُميّزان بين منتمٍ و غير منتمٍ لهذا السّعار العالميّ الذي يستولي على مشرق العرب!

نحن يا صديقي، جميعنا، في مشرق الوطن و مغربه، نعاني من عدم انتماءٍ حقيقيّ لقضايانا الوجوديّة الكبرى و المصيريّة..

و هذا واضح علينا في طريقة تفكيرنا، تقريباً، جميعنا، ذلك أنّ الانتماء القوميّ العربيّ هو، أوّلاً، انتماءٌ للأوطان التي نشاهد، جميعنا، كيف يجري التّصرّف بها، من قبل مواطنين مزعومين، و ما زالوا يُرون و يجدون لهم أنصاراً فكريين و سياسيين و محسوبين، أيضاً، على العرب و على العروبة.

لا يبدو لنا، نحن، أنّ المشكلة تكمن في أنّ "المشرق" ينسى أو يتناسى أو يتجاهل "المغرب"، أو العكس..
و إنّما مشكلتنا، كلّنا، في المشرق و المغرب، هي مشكلة الانتماء إلى قضايانا، و لا يهم بعدها هل انتمينا إلى عرق أو أصل أو صفات أخرى، طالما أنّنا مهدّدون جميعنا بالإذلال و الافتراع.. و الامّحاء و الانسحاق و الفناء...

بدأت حديثي على التّاريخ، ليس لأقول إنّ تاريخاً في المشرق هو تاريخ مشرّف عن ذاك الذي في المغرب، و لكنْ لأذكّر و لأقول ببساطة إنّ تاريخنا، هنا و هناك، منكوءٌ و ممحون بكلّ المحن التي عرفتها البشريّة قاطبة، و كانت موزّعة عليها، و كانت علينا في اشتمالٍ و اجتماعٍ.. أخشى أن يكونا أبديين، إذا لم يستيقظ العرب من غفوتهم وغفلتهم!

كان لا بدّ من ذلك العرض التّاريخيّ في المقدّمة لأقول، أيضاً، إنّ علينا، هنا و هناك..، ألّا ننسى حجم الزّيف التّاريخي و الفضائح التاريخيّة و التّأريخيّة، كما وجدنا واحدة منها، اعلاه، من سخافات (ابن خلدون) (!) [بلى، فأمام الفكر الحرّ ليست هنالك أيّة محرّمات أو خطوط حمراء أو خرقاء، و لا أصنام!]..
و كذلك لكي أقولَ إنّ علينا الخروج من ماضينا إلى الأبد، و عندها سنجد أنفسنا نتلاقى كعرب و كمواطنين عالميين أمام مضارب مواعيدنا في نقطة واحدة يجتمع فيها الحقّ..

و بدلاً من تساؤلك الذي نحترمه، أكيداً، بدليل ما أفردنا له من وقت وجهد، حبّذا لوكان السّؤال هو كيف نكون معاً أمّة واحدة محترمة و غير مغتصبة و غير مُحقّرة.. و تطمح إلى دولة قوميّة و لو في آخر هذه الهجرة المحمّديّة من التّاريخ...!؟

ليست نصيحة هذه التي سأقولها و إنّما هي خاتمة نوعيّة لحديث جدّيّ، و هي أنّ علينا أن نعرف، في الفكر، و بخاصّة في السّياسة، كيف نصوغ الأسئلة، فإنّ الفلسفة، تقول إنّ السّؤال أكثر من نصف الجواب..

و أخيراً، و لمن يرغبُ في الاستزادة في الجواب..، فإنّ "السّؤال" في "الفيلّلولوجيا" هو قضيّةٌ أو نظريّةٌ أو فرضيّةٌ.. تحتاج إلى برهان؛ و ما كلّ تلك المقدّمة التّاريخيّة في حديثنا هذا إلّا مقدّمة أولى و ثانية.. لنتيجة ينبغي أن تكون قد أحكمتْ في الجواب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                         

 

***

[جواب ل السيد “عبد الرحمن صالح" من المغرب]

عن سؤال له يتعلق بموضوع بحثنا في:

[الحلقة التاسعة والثلاثون "39" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"]

{عَرَبٌ.. و مشرق و مغرب}

(الجواب):

من الهامّ و المفيد الوقوف على ما يلي:

خضعت (الجزائر) للاحتلال الفرنسيّ (بعد الاحتلال العثمانيّ الذي دام حتّى عام 1830م) بين الأعوام (1830 – 1962م)؛

و خضعت (تونُس) للاحتلال العثمانيّ حتّى الحرب العالميّة الأولى و هزيمة "الدّولة العثمانيّة"، حيث ورثتها (فرنسا) في استعمارها لتونس بعد "الحرب"؛

و أمّا (المغرب الأقصى) (مراكش) فقد حكمها من يُسمّون بِ"الأشراف العلويين"(!) منذ القرن السّابع عشر و استمرّ ذلك في ظلّ ما سمّي بِ"نظام الحماية" الفرنسيّ، حتّى تحرّرت من "نظام الحماية" في عام (1956م)؛

و كذلك الأمر بالنّسبة إلى (موريتانيا) التي أخضعها و استعمرها "الفرنسيّون" في ظلّ الحكم المشيخيّ- القبليّ هناك، إلى أن نالت استقلالها بعد "الحرب العالميّة الثّانية".

في ظلّ الاحتلال العثمانيّ، قامت (فرنسا) بحملتها الشّهيرة على (مصر) عام (1798م)؛

ثمّ تبعتها (بريطانيا) في حملتها العسكريّة التي غزت بها (مصر) عام (1807م)؛

ثمّ قامت الحملة البريطانيّة على (الجزائر) عام (1816م)؛

ثمّ احتلّت (فرنسا) (الجزائر) عام (1830م)؛

و احتلّت فرنسا (تونُس) عام (1881م)؛

ثمّ احتلت (بريطانيا) (مصر) عام (1882م)؛

و أخيراً الاحتلال الإيطالي لِ(ليبيا) عام (1911م)؛

و الاحتلال الفرنسيّ لِ(المغرب الأقصى) عام (1911م).

و دامت التّحرّشات الإسبانيّة بالسّواحل الجزائريّة على مدى أكثر من ثلاثة قرون (منذ أوّل القرن السّادس عشر، حتّى أوائل القرن التّاسع عشر).

لم يَسِر تاريخ الاحتلال و الاستعمار لِ"المغرب العربيّ الكبير" وفق خطّة زمنيّة رتيبة أو "كرونولوجيّة" (تعاقبيّة)؛ و يرجع الأمر واقع المشاريع الاستعماريّة "العثمانيّة" و "الأوربّيّة" و تداخلاتها المتعلّقة بالأولويّات و التّواطؤات و الاتّفاقات غير المعلنة ما بين دول الاحتلال و الاستعمار، التي يصمت عليها التّاريخ، أو التي لا تظهر في وثائقه لأسباب معروفة من السّريّة و تبادل المصالح الاستعماريّة في تجهيل الأمم المغلوبة، الأمر الذي يُعتبر مكمّلاً للخطّة الاستعماريّة العالميّة التّقليديّة في ممارسة العنف على الشّعوب و الدّول الضّعيفة.

و الثّابت في التّاريخ، أنّ (محمد علي باشا) ارتقى على أريكة (مصر) عام (1805م)، و ربّما قبل ذلك من حيث النّفوذ السّياسيّ التّمهيديّ، و أعني منذ خروج الفرنسيين من (مصر) عام (1801م)، حيث كان يتسلّم في هذا العام (1801م) قيادة أحد الألوية في مصر بعد أن كان قبلها قد حصل على رتبة "الأميرالاي"، في ظلّ الاحتلال العثمانيّ المتخلّف و الّلئيم، و الذي ما كانت تعني له حياة الشّعوب العربيّة إلّا من حيث هي تؤدّي "الخراج" المالي للسّلطان العثمانيّ، كما كان يستعملها، عند الحاجة..، استعمال "الأسياد" للعبيد..!

هنا و قبل كلّ اعتبار آخر فإنّه من المحتّم و الواجب أن ننظرَ إلى عصر (محمد علي باشا)، و بخاصّة في (مصر) و (السّودان) و "شمالي أفريقيا"، في الغرب، كما هو الأمر إليه في "المشرق العربيّ"..، على أنّه عصر سيادة في مشروع سياسيّ "إقليميّ" له من الخصوصيّة ما عجز عن فهمها جميع "المثّقفين" و المفكّرين"، العرب و الإسلام، باستثناء القلّة من "المؤرّخين" الذين، بخاصّة، جاوَرُوا عهد (محمد علي) في الزّمان و المكان.

و أمّا هذه "الخصوصيّة" التي يُدركها "الفكر" السّياسيّ، وحده، فهي "استقلال" مشروعه "الحضاريّ"، و أعني بذلك مشروعه السّياسيّ العابر للقوميّات و الأديان، و المنفصل، استراتيجيّاً، عن مشروعَيّ "الدّولة العثمانيّة" و "الدّول الغربيّة"، في المنطقة "العربيّة".

و يمكن الاستدلال الفكريّ السّياسيّ على هذا الأمر، ببساطةِ أنّ (محمد علي) قد واجه، بالإضافة إلى الرّجعيّة الدّينيّة العربيّة، كلّاً من "العثمانيين" و "الغربيّين" في مشروعه الخاصّ، بما في ذلك جميع المؤامرات التي حيكت ضدّه من قبل "الأتراك" و "دول الغرب"، كلّ منها على حدة، و باتّفاقاتهم عليه، ضدّه، بتواطؤات علنيّة و سرّيّة؛

و ذلك كلّه بدليلٍ بسيط، و هو كيف اجتمع عليه، ضدّه، "جميعهم" (تركيا و ألمانيا و فرنسا و بريطانيا و النّمسا) [و قد استطاعت (بريطانيا) أن تحرّض ضدّه كلّ هؤلاء، لثأرٍ تاريخيّ لها مع (محمد علي) منذ أن أفشلها في احتلال (مصر) عام (1807م)] في فرض اتفاقٍ إذلاليّ عليه (اتّفاقيّة (لندرة) الشّهيرة عام - (1840م)- )، قضى بتحجيمه النّهائيّ في (مصر)..
ذلك بعد أن شعروا أو أدركوا بُعد خطّته و همّته الحضاريّة مرتعدين خوفاً من انتصاراته، و بخاصّة عندما بدأ يُخضع أذنابهم من "المتديّنين" المسلمين، من "الوهابيين" و غيرهم من "الأصوليين" في المشرق العربيّ و الجزيرة العربيّة في إطار مخطّط شخصيّ له لم ينل رضى هؤلاء!

و أمّا عن انشغال (محمد علي باشا) في حملته على الجزيرة العربيّة عام (1807م) - كما تقول - فهذه مغالطة تاريخيّة، إذ أن (محمد علي) كان في عام (1807م) يواجه الحملة البريطانيّة و يُفشلها في (مصر)، كما كان يُعدّ قوات في الوقت نفسه للقضاء على "المماليك"؛

و أمّا في "الجزيرة" فقد بدأت أوّل حملة له ضدّ "وهابيي الجزيرة العربيّة" بقيادة إبنه (طوسون) في عام (1811م).

و أمّا عن قولك إنّ (محمّد علي) كان يعمل على غزو (الجزائر) لصالح (فرنسا)، فهذا هو الأمر الذي لا يؤيّده تاريخ و لا وقائع؛

و على العكس فهو كان صاحب "مشروع خاص" في إطار "الولاء الشّكليّ" للعثمانيين الذين كما قلنا استجاب لتكليفهم له بمقاتلة "الإسبان" في "المغرب العربيّ"، و ذلك في إطار ولائه "الإداريّ" و الشّكليّ للدّولة العثمانيّة.

[حول هذه الأمور و ما تُريدون من تأريخيّات أخرى، يمكنكم الرّجوع إلى كتاب "حروب محمد علي" لمؤلّفه (السّيّد فرج) (ص 40 و ما بعد)،

و إلى كتاب "المغرب العربيّ" لمؤلّفه (دكتور صلاح العقّاد) (ص 34 و ما بعد)،

و إلى كتاب "عصر محمد علي" لمؤلّفه (عبد الرحمن الرفاعي) (ص 280 و ما بعد)].

لقد كانت (فرنسا) هي الأسوأ على الإطلاق، من بين جميع دول الاستعمار، في علاقتها المزيّفة مع (محمد علي باشا)، حيث كانت تُظهر له عكسَ ما تُضمِر، و العكس صحيح.

في مراجعة "مذكّرة الدّول الغربيّة إلى الباب العالي العثمانيّ" (1839م) التي مهّدت لاتّفاقيّة (لندرة) [الدّول الخمس: "النّمسا، و "الرّوسيا"، و انجلترا، و فرنسا، و بروسيا"]، و التي كانت تطلب فيها إلى "الباب العالي" ألّا يُبرم أيّ أمر لتثبيت الواقع الذي أنجزه (محمد علي) في حروبه المنتصرة، إلّا باطّلاعهم و اتّفاقهم، و ذلك بعد أن حجّم (محمد علي باشا) أطماع تلك الدّول في المنطقة.

[عبد الرحمن الرفاعي –عصر محمد علي]؛

يتابع هذا المؤرّخ المصريّ، (عبد الرحمن الرّافعيّ) (1889- 1966م) في كتابه "عصر محمد علي"، فيقول:

"و قد يبدو غريباً أن تشترك فرنسا في هذه المذكّرة، و هي التي كانت تنادي بتأييد مصر في تلك الأزمة، و لكنّ السّياسة الفرنسيّة كانت في مسلكها غير مستقرّة و لا أخذة بالحزم و أصالة الرّأي و بُعد النّظر ، فقد كانت تأمل عبثاً من تدخّل الدّول أن تصل إلى التّوفيق بين وجهتيّ نظر مصر و تركيا بطريق الوساطة، و كانت تقصد من جهة أخرى إلى أن تدخل الدّول في حلّ للأزمة يمنع انفراد "الرّوسيا" بحماية تركيا، و لكنّها بتخبّطها و اضطرابها تركت الميدان للسياسة الإنجليزيّة تملي فيه إرادتها على الدّول الأخرى".

 [عصر محمد علي . عبد الرحمن الرّافعي . دار المعارف . القاهرة . الطّبعة الخامسة . (1989م) . ص(289- 290)].

سقنا هذه الوقائع التّاريخيّة لغرض توضيح أنّ "السّياسات"، سياسات الجميع، ليست أجيرةً، بعضُ عند بعضها الآخر، و لكنّها مشاريعُ سياسيّة تتداخل و تتقاطع و تتوافق، أحياناً، عندما يحقّق مشروع واحد مصلحتها جميعاً..
و هي أيضاً تتناقض، و بشدّة و صراحة و وضوح عندما تتهدّد مصالح أيّ منها في مواجهة "الآخر" أو "الآخرين".

و بالطّبيعة السّياسيّة التّاريخيّة، فإنّ السّياسات لا تتطابق فيما بين الدّول و الأطراف المختلفة، و إنّما تتسايرُ أحياناً بالتّوازي، و تفترق أحياناً أخرى في انفراجات هندسيّة في زوايا تكاد تصل إلى "الزّاوية المستقيمة"!

أخيراً عندما يقول صديقنا من (المغرب) إنّ "محمد علي باشا كان جزءاً من مشروع فرنسي لاحتلال الجزائر لصالح فرنسا"، فإنّ هذا يعكس وجهة نظر "خاصّة" بل و "شخصيّة"، أيضاً، على اعتبارنا أنّ هذا الزّعم لا يؤيّده التّاريخ، كما أثبتنا عكس ذلك أعلاه، و إنّما هو "استنتاج" شخصيّ يتنافى مع الاستدلال التّاريخيّ الذي على "المفكّر" و "السّياسيّ" أن يصل إليه كتأليف وثائقيّ فكريّ خاصّ، بناء على وثائقيّات التّاريخ.

إنّ جميع وقائع التّاريخ تشهد أن (محمد علي) كان ُمحارَباً من جميع دول الغرب بالتّواطؤ مع "العثمانيين" الذين شعروا جميعاً بخطره عندما ظهر أنّ له مشروعاً مستقلّاً عن "الجميع"..

 

***

* فيما يلي تعقيب الشاعر ياسين الرزوق زيوس, ويُفَنّدُ ما قاله الأستاذ الجزائري "عبد الرحمن صالح" من نقدٍ ل بعض ما ورد في البحث:أ ياسين الزروق

سلسلة ليست صعبة بقدر ما تجتاحها اللغة المبهمة لكن ليست مبهمة بطرحك بل بعدم وجود لغة عربية مفهومة على مستوى اللهجات المتداولة في تلك البلدان مما يجعل العامل الفكري أو العامل الثقافي صعب التنافذ و التداول ما بين العربين إذا ما سرنا بمنطق الفصل ما بين المشرق و المغرب.

ذلك المشرق الذي وطّد ديكتاتوريات الوجودين الإسلامي و العربي..
و ذلك المغرب الذي رغم كل ولوجنا منه إلى دول خرقت عمق أوروبا إنما بقي تلك الخاصرة الرخوة للإسلاموية و للعروبة اللتين تتعاطيان مع الشعوب بمنطق الاعتناق الإجباري..

و هذا ما رسخ المشرق بمعنى الترسيخ الديني و القومي و اللغوي فهنا طلعت نزعة النبوة في هذا المشرق و هنا خلقت العروبة بقرآن عربي منزل و هنا بارك النبي محمد بشامه و يمنه ..فكان لا بد من الترسيخ العميق لما هو أصل..

و ما الفتوحات غربا بعد المسار الاقتتالي المفخخ بكل الفتن إلا فروع درجت على تحميل منطق القوة عقائدية ضاربة و عرقية نافذة مما يدل على صراعات سياسية اخترقتها الإيديولوجيا العقائدية أو اخترقت المجتمعات بالإيديولوجيا العقائدية طويلة الأمد في حقبة الخلفاء الراشدين الذين رسموا بالشورى بيعتهم التي تفتقر إلى المنطق الغائب ما فوق السقيفة أو تحتها!...

للأسف بتنا اليوم في عرب المشرقين أو عرب المحاور و لم يعد العرب منقسمين ما بين مشرق و مغرب بل ما بين كتلة و كتلة و عرق و عرق حتى أنهم سبقوا المناذرة و الغساسنة في تسليم القرار الذاتي إلى الدول المتنازعة على المشرق بنزاع تبدو بعيدة عنه دول الحصاد المغاربي الذي كما يبدو و كأنه في عالم آخر مغيب عن التحولات الكبرى في المنطقة..
رغم كل ما اجتاحه من زيف الربيع الأسود في تونس و ليبيا و رغم ما اجتاح الجزائر من تيارات الإسلام الظلامي الجزائر التي أعطت للأمازيغية ما سيعطى للبربر في جوارها..

و ما هذا على السلطة بعسير و لكن ما يجعلك تحزن أن الاجتياح الغربي لدول المغرب سرق مشرقيتها شئنا أم أبينا و ما كان السفير و الشاعر " عمر أبو ريشة " بحزين على دولة الأندلس بقدر ما حزن على مشرقيته الضائعة ما بين اللاهوت و الناسوت.. اللاهوت الممسوس بالنصوص.. و الناسوت الذي تجرد من إرادة الإنسان عندما قال:

قلت يا حسناء من أنت و من
أيّ دوح أفرع الغصن و طالا

فرنت شامخة أحسبها
فوق أنساب البرايا تتعالى

و أجابت أنا من أندلسٍ
جنّة الدنيا عبيراً و ظلالا

و جدودي ألمح الدهر على
ذكرهم يطوي جناحيه جلالا

حملوا الشرق سناءً و سنىً
و تخطوا ملعب الغرب نضالا

هؤلاء الصيد قومي فانتسب
إن تجدْ أكرم من قومي رجالا

لك النور أيها الممتد فوق المشارق و المغارب دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

***

وفيما يلي تعقيب الأستاذ فهد الملحم:


إن محمد علي (الألباني الأصل) بعد ان توطدت اركان حكمه في مصر سعى جاهدا لمشروع استقلالي؛ واعتمد بذلك على ولديه (طوسون) وهذا الاخير كلفه بالتوجه للحزيرة العربية لمحاربة الوهابيين عام 1811؛ لكنه لم يوفق فأرسل ابنه (ابراهيم باشا) الذي دخل الدرعية عام 1818..

لكن التوسع الاهم كان في بلاد الشام في ثلاثينات القرن التاسع عشر؛ وتوسع شمالا حتى اقترب من استنبول؛ لكن روسيا قلقت من هذا الوضع الدولي فدافعت عن الدولة العثمانية (لكن فرنسا وبريطانيا خشيتا من التدخل الروسي) فأجبرتا الحكومة العثمانية لتوقيع اتفاقية كوتاهية 1833 التي نصت على انسحاب محمد علي من الاناضول..

وهنا روسيا فرضت اتفاقية (اونيكار اسكله) على العثمانيين واهم ما نصت عليه تحكمها بالدردنيل..

وهذا الوضع ايضا لم يرق لبريطانيا وفرنسا وقررتا الوقوف بوحه روسيا وكذلك تححيم دور محمد علي وفي عام 1840 تم توقيع معاهدة لندن وابقاء حدوده في مصر فقط وهنا لم يقبل محمد علي بذلك فما كان من انكلترا والنمسا وتركيا بعمليات حربية ضده؛ حتى فرنسا رضخت لذلك القرار وسعت للتفاهم..

وفي نهاية عام 1840 ما كان من هذا الالباني إلا الرضوخ والانسحاب من سورية وفلسطين وإعادة اعترافه بأنه تابع للسلطان العثماني..

من خلال هذا السرد البسيط؛ لم يذكر التاريخ بأن محمد علي توجه نحو المغرب العربي او سعى للسيطرة عليها او انه كان تابعا لفرنسا وإنما كانت رياحه شمالية الهوى.

وبالنسبة للبعض من سكان المغرب العربي الذين يروجون لفكرة مفادها أنه ثمة غبن ما بموضوع العرب في المشرق والعرب في المغرب؛ فهذا شيئ يعود لهم ؛ لأننا ننظر دائما للوطن العربي نظرة شمولية واحدة ؛ ونحن ندرس أجيالنا بأن إحدى مقومات الوطن العربي هي العروبة واللغة العربية المنتشرة من المحيط غربا حتى الخليج شرقا..
ونسعى دائبين في ادبياتنا المجتمعية والحزبية لإحياء هذه الروابط وتمتينها بشتى السبل لتحقيق هدفنا الاسمى وهو الامة العربية الواحدة والتي يسعى الاستعمار جاهدا لجعلنا ننسى هذا الهدف..

فليس من الحكمة بمكان إثارة هكذا تساؤلات واستفسارات في ما يتعلق بعرب المغرب وعرب المشرق...

قطعنا الطريق على الاستعمار التقليدي بخصوص تكفيرنا بارضنا وعروبتنا؛ واليوم سورية تدفع الثمن بآلاف الشهداء على مذبح صون الامة العربية والهوية العربية والكرامة العربية.

/وجهة نظر/

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4003586