الصفحة الرئيسية
n.png

كتب الدكتور بهجت سليمان: في "الثّقافة" و "المجتمع".. و "التّخلّف".. "التّغذية الوافدة" و "التّغذية الرّاجعة"

{الحلقة السابعة والثلاثون "37“ من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"}د. بهجت سليمان5

[في "الثّقافة" و "المجتمع".. و "التّخلّف"]

("التّغذية الوافدة" و "التّغذية الرّاجعة")

 

تفرضُ المناسبات الفكريّة مساراتها الموضوعيّة أو المنهجيّة؛ فلقد شاء الحديث أن يكون هذه المرّة على "المثقّف" السّوريّ، بأنواعه و أجناسه و "أجزائِه" المتعدّدة و المختلفة، فبدا هذا الحديث أنّه يحتاج إلى مقدّمات و منطلقات نظريّة و فكريّة و سياسيّة، لا يُحبَّذ أن تتجنّب التّاريخ و الثّقافة و الشّخصيّة و الفرديّة، و هو حديثٌ في الثّقافة و الاجتماع في القاع.

و إذا كانت ثمّة خصوصيّاتٌ لبعض المظاهر أو الظّواهر التّاريخيّة التي تتحدّى المنطق و تعاند الميلَ التّاريخيّ في القطوع الطّوليّة و العرضانيّة و الأفقيّة و الشّاقوليّة؛ فإنّ ظاهرة الثّقافة نفسها، في مجتمعنا ، قد اختصّت بهذه المعالم القطعيّة الشّاذة على غير ما قد كانت عليه في مجتمعات أخرى، و ذلك بسبب هذه العلاقة الإشكاليّة بين المثقّف و المجتمع من جهة، و بسبب نسقيّات الثّقافة في علاقاتها مع المجتمع، و بسبب تلك العلاقة بين المثقّف و الثّقافة من جهة أخرى، و بين المثقّف و الدّولة من جهة تالية و إن كانت ليست أخيرة أو آخِرة.

في إطار حديثنا السّابق أو الأسبق..، هنا، على التّقسيم العالميّ السّياسيّ المعاصر للعمل، و تقسيم السّياسات و إشعال الحروب و فتح السّوق العالميّة للاستهلاك الثّقافيّ المُضني، و توظيف الأدوار و تفريغ القيم.. و تشديد السّيطرة، إلخ؛ و في إشكاليّة وجود أو بناء "الدّولة" المعاصرة..

فإنّ السّؤال الضّمنيّ الذي كان و ما زال يبدو أنّه "المُعضلة"، هو كيف تكون (سورية) قويّة، اليومَ، في "الذّاتيّ" و "الموضوعيّ" في هذا العالم "الإشكاليّ" و الالتهاميّ؟

يُحيلنا هذا السّؤال، مباشرة، إلى بنية المجتمع و الدّولة لتفحّص جوانب القوّة و الضّعف، على اختلافها، التي تلعب و ستلعب دورها في مستقبل الاجتماع و السّياسة و الدّولة و "السّلطة".

يحتّم فهمنا، و كيفيّات هذا الفهم، للشّرط المحلّيّ و الإقليميّ و الدّوليّ و العالميّ..، و كيفيّات استخدامنا للأدوات المتاحة ذاتيّاً و موضوعيّاً و عولميّاً، و وسائل إنتاج الهويّة من جديد، و تعزيز الوجود في تحدٍّ و رهانٍ فكريين، و صناعة جسور العبور إلى متطلّبات هذا العصر، و اعترافنا بواقع علينا فهمه من أجل تجاوزه..

كلّ هذا و غيره يُحتّمُ علينا أن نُجيدَ قراءة البنى المختلفة للواقع، و بخاصّة منها بنية الثّقافة و المثقّف و العلاقة التي يشترطانها مع البنية العامّة لمؤسسة الدّولة، و ذلك في إطار العمليّة البنائيّة الضّروريّة التي تنتظرنا، و ربّما على غير أساسٍ من نموذج أو مثال، و ذلك بقدر ما تتطلّبه خصوصيّة المرحلة التي نمرّ فيها و يجب أن نعبرها من دون تردّد.

لقد تحدّثنا في الكثير من جوانب البنية الاجتماعيّة و السّياسيّة للمجتمع السّوريّ، في الحلقات السّابقة من هذه "السّلسلة". و لأنّ التّكرار، هنا، غير مفيد على هذه الأمور، يبقى التّأكيد عليها شيئاً هامّاً و ضروريّاً، و لكن في مناسباتها الأفضل، و حسب، مع التّركيز، بخاصّة، على التّكوين الاجتماعيّ الثّقافيّ السّوريّ ذي البعد التّاريخيّ و المعاصر.

و لأنّنا ندرك، جميعاً، أنّ فائدة كلّ ما تحدّثنا فيه، لا تعدو أن تكون شكليّة في عالم غير ثقافيّ و في مجتمع لا يولي للكلمة حرمة أو اعتباراً، فإنّه من المبدئيّ أن نتحدّث على "الكلمة" نفسها بوصفها مضمون الثّقافة و العلوم المختلفة، و هذا ما يجعلنا نتوقّف عند "الثّقافة" نفسها في مجتمعنا السّوريّ غير المثقّف، بوجه عام، و أعني الذي لم يعتد على أهمّيّة الثّقافة و بخاصّة منها تلك "الثّقافة السّياسيّة" العقلانيّة؛

لأنّ ما شاهدناه و عرفناه من نماذج ثقافيّة في إطار المعارضة السّوريّة البائسة، يجعلنا نكرّر أنّ المجتمع السّوريّ قد أزمن في جهل ثقافيّ عامّ أبعده، كمجتمع فعليّ، عن المشاركة الحقيقيّة الفاعلة في الدّفاع عن الوطن كما يليق بالفكر أن يكون في الملمّات التّاريخيّة، و كما ينبغي أن تشكّل الثقافة من ركيزة حضاريّة لمجتمع أرقى و دولة أقوى و مواطنين يتمتّعون بجميع لياقات المواطنة التي هي أيضاً واجبات و ليست، فقط، حقوقاً.

لا نُغمطُ أحداً حقّه، هنا، من أولئك الأبطال، أبطال الكلمة إلى جانب أبطال السّلاح، الذين كان لهم دورهم و لكنْ الذي اقتصر، في الواقع، على الوصف و الرّفض و الهجوم على مكامن الغلط و جيوش التّدمير و جماهير التّخريب و أدوات القتل البشريّة السّوريّة الحاقدة و الباطلة، إذ ليس هذا هو، بالضّبط، و حسب، دور الثّقافة الطّليعيّة الحقيقيّة في الأزمات المدمّرة، و إنّما يتجاوز الوصف إلى التّحليل الموجب لمواقف تعبيريّة معرفيّة و أخلاقيّة لها أثرها المباشر في تعرية صميم الجهل و أدوات الدّمار.

و نستطيع أنّ نصنّف "بعضَ" التّخلّف على الموجة الطّويلة السّياسيّة الثّقافيّة و دورها التّبشيريّ في الملاحم الوطنيّة، بأنّ الخطاب الثّقافيّ السّوريّ، نفسه، قاصرٌ بنيويّاً، بحسب التّراكبيّة التّراكميّة الاجتماعيّة، من جهةِ استيعابه و تلقّيه، ما جعل بعض المثقّفين يوجزون في تحليل حقيقة مجريات الحرب و أسبابها و نتائجها الاجتماعيّة المديدة في الأثر، و يعزفون عن التّعمّق في الأسباب. هذا احتمالٌ واحدٌ على الأقلّ.

و عندما نكتب في "الثّقافة" فإنّ علينا، نقديّاً، أن نحلّل المفهوم تحليلاً وافياً من حيث أنّه مفهوم نظريّ و عمليّ مركّب جدّاً، و لكن ما يعنينا منه في هذا السّياق يتعلّق بتحديدات خاصّة تتضمّن الوضع الاجتماعيّ الثّقافيّ؛
و علاقة المثقّف بالمجتمع و الدّولة، بوصف المثقّف طرفاً فاعلاً في العلاقة مع "السّلطة"؛ و علاقة "الدّولة" بالمثقّف؛
بوصف الدّولة هي الإطار السّياسيّ و الاجتماعيّ الذي يُساهم إلى حدّ كبير بتحديد طبيعة "الثّقافة" الاجتماعيّة و السّياسيّة، و منها، بخاصّة، الفرد، المثقّف، و موقعه الاستثنائيّ في البنية الثّقافيّة – السّياسيّة للدّولة.
و سنختار، اليومَ، أن نتكلّم على العلاقات الاجتماعيّة بوصفها نتاجاً للثّقافة؛
فيما سنؤجّل "علاقة المثقّف بالمجتمع و الدّولة (و السّلطة..)"؛
كما سنؤجّل البحث في مسألة علاقة "الدّولة" بالمثقّف إلى حديثين مستقلّينِ قادمين..

ذلك لأنّنا نشعر بمسؤوليّة كبيرة في مثل هذه المواقف الفكريّة المتعلّقة بالثّقافة، فلا يكفينا فيها الإدغام و الاختزال و المرور العابر عليها، إذْ من الّلازم أن نولي الأفكار حولها اهتماماً موسّعاً و مفصّلاً، لأنّ الاختزال في هذه المسائل غالباً ما يُقدّم أسوأ ما في الفكرة في الاتّصال و الوصول.

لا أستطيع، هنا، الجزم بأن الإنسان "كائن اجتماعيّ" كما أجمع الكثيرون على ذلك، إلّا إذا كان المقصود بذلك هو أنّ الإنسان، في ظروف شبه عامّة، إنّما كائنٌ جمعيّ في مواجهة جماعات. من هنا أفترض أنّ "الاجتماعيّة" البشريّة ربّما كانت غلافاً للرّياء الذي يسلكه الفرد الاجتماعيّ عندما يكون يتمتّع بشروط القوّة, إزاء الآخرين. و من الواضح انّ هذه الملاحظة هي أكثر انطباقاً على "المجتمعات" المنقسمة و المتخلّفة مثل مجتمعنا، مع انّها تكاد تكون عامّة بدون استثناء معتبر؛

مع أخذنا بعين الاعتبار أنّ مفهوم "الاجتماعيّ" لا يقتصر على مجرّد التّواصل أو الاتّصال الضّروريّ لتأمين الحاجات الحيويّة اليوميّة المعروفة عند الجميع، و إنّما يتعدّاه إلى ضرورة التّواصل النّفسيّ و العصبيّ في إطار علاقات الاحتكاك المختلفة في العمل و الاقتصاد و السّياسة و العاطفة.

لقد عملت مختلف الظّروف التّاريخيّة، بتراكيبها الزّمنيّة و المكانيّة و النّفسيّة، على جعل مجتمعنا "الحديث"، و أعني بعد الحرب العالميّة الأولى، حاملاً سيئاً لإرث التّناقض بين العروبة و الإسلام، و هو ما عبرت عنه صراحة أيديولوجيا الأصوليّات الدّينية التي كان تنظيم "الإخوان المسلمون" أجلى صورة سياسيّة و اجتماعيّة لها؛ إذْ جعل هذا التّناقض من "الدّينيّ" الّلاأخلاقيّ، الدّينيّ الأخلاقيّ المَسخ، على تعارض مقصود و منظّم مع الانتماءات القوميّة و الوطنيّة، و في عدائيّة لمفاهيم "المدنيّة" و "العلمانيّة"، بعد أن جرى تشويه هذه المفاهيم بواسطة المدّ الثّقافيّ الاجتماعيّ للدّينيّ المتعصّب الذي كان له رواجاً طبيعيّاً في مجتمع أنتجت أرضيّته الإدراكيّة و خلفيّاته الفهميّة و المفهوميّة تاريخانيّة إمبراطوريّة عثمانيّة من شأنها أن تعادي كلّ "قوميّ" و كلّ "وطنيّ".

كانت "مهمّة" الثّقافة الدّينيّة، التّديّنيّة، إذاً، مهمّة سهلة في مجتمع محدود ببقاياه المتناثرة في أنفاق الجهل و التّزمّت الانتمائيّ للدّينيّ في وسطٍ إمبراطوريّ عثمانيّ شكّل، اجتماعيّاً، امتداداً لدولة الخلافة الإسلاميّة، فكان "حظّه" من التّبجيل و التّقديس لا يقلّ، في المجتمع العربيّ السّوريّ، عن "حظه" في دول "الخلافات الرّاشديّة" الآفلة، كما كان استمراراً لأسوأ ما فيها من انفصال أيديولوجيّ دينيّ عن الانتماء إلى هويّة تاريخيّة حضاريّة تماثل حضارات "الآخرين".

و مع هذه "الوقائعيّة" رأينا كيف دخل "المجتمع" السّوريّ، من جديد في فضاء استعماريّ أوربّيّ، كان مكمّلاً طبيعيّاً للنّسقيّة الاستكانيّة الثّقافيّة التي عاشها هذا المجتمع لمئات طويلة من السّنين.

من أفضل المداخل إلى تحليل "المجتمع"، تحليلاً ثقافيّاً، و من ثمّ سياسيّاً، هو المدخل الذي ينظر إلى "البنى الاجتماعيّة" بوصفها تعبيراً عن "أنساقيّة" فاعلة في الحقول و المجالات، تشكّل سدّاً مانعاً و كتيماً أمام أفكار التّقدّم الاجتماعيّ و الانتماء إلى حضارة هذا العالم، و ذلك بغضّ النّظر، هنا، عن طبيعة هذا الحضارة العالميّة و شرائطها المكلفة.

ما أعنيه بالأنساق، هنا، هي تلك البنى من العلاقات الاجتماعيّة الأساسيّة و الحيويّة المؤطّرة في معتقدات مقدّسة أو مبجّلة و مدعّمة بجملة منظّمة من الأفكار و العبارات و الكلمات المقولة التي اكتسبت شرعيّتها من سلطات تاريخيّة موافقة و مساندة، فأصبحت مسلّحة بالعدد و الأدوات و المؤسّسات الاجتماعيّة و السّياسيّة، فأنتجت لها ثقافتها التّعزيزيّة المضافة إلى أصولها العضويّة، ممّا جعل "النّسق" الواحد في المفهوم الواحد نسقاً اجتماعيّاً ثقافيّاً قادراً على أن يُشكّل مرجعيّة عرفيّة و اجتماعيّة مجسّدة في الأفكار و تقاليد السّلوك ما يجعلها تنضمّ إلى مكوّنات النّسق الذي أنتجها لإنجاز ثوابت ثقافيّة نهائيّة من الصّعب الدّخول إلى نُواها المحصّنة في مناهج للتّفكير تضاهي جميع المناهج المعاصرة في الاجتماع و الثّقافة و السّياسة و "السّلطة".

من المفهوم؛ و بأمثلة ضمنيّة نعرفها جميعاً من قبيل التّهديد و التّكفير و المنع و الإقصاء و الاتّهامات الأخلاقيّة و الدّينيّة..، إلخ؛ كيف تكون للنّسق الاجتماعيّ سلطته الجائرة في مواجهة التّحديث و في مواجهة السّلطة السّياسيّة الممثّلة بالدّولة، و هذا عنما يفترق مشروع الدّولة عن مشروع المجتمع، و هذا ما حصل في اتّجاهات الدّولة المعاصرة في (سورية) منذ أكثر من نصف قرن.

و للنّسق مفهوم "بنائيّ" معروف، بالعلوم المختلفة، يتضمّن بُعداً "معرفيّاً" و "ثابتاً" يعملان، بالتّضافر، ليُنتجا "الثّقافة" الخاصّة المتعلّقة بِ"المنطق".. و "المفهوم" و "الموضوع" و "المحمول" مع "حمولاته" الطّاغية، بحيث يكون هذا "النّسق" قادراً على "الإنتاج" الاجتماعيّ و "الإنجاز" السّياسيّ، في وقت واحد.

يُعلّمنا مفهوم "النّسق" أنّ "الواقع" الاجتماعيّ و السّياسيّ، و بخاصّة في إطار الثّقافة الجمعيّة، إنّما هو أكثر ممّا يُسمّى بِ"المُعطى"، نظراً لما يختزله هذا الواقع في "البنية" إلى نظائر المجاهيل في كونها، هذه، لا تُعبّر عن نفسها صراحة و في كلّ الظّروف، على رغم أنّها فاعلة بفاعليّة لا تقلّ عن تلك التي نجدها في المعطيات المباشرة.

هكذا يجب أن يُقرأ "الواقع" بما يتجاوز ملموسيّات الأحاسيس الاعتياديّة، لأنّ الفكر الثّقافيّ يشتغل في "الخفاء" البنيويّ، أكثر ممّا يُشير إلى ذاته في الجمل المنطقيّة المقولة.

حدّد الألمانيّ (رودولف كارناب) (1891- 1970م) [في كتابه "البناء المنطقيّ للعالَم"] مفهوم مهمّة "تحليل الواقع" بانّه مفهوم لا يمكن إنجازه من دون "تطبيق نظريّة العلاقات" عليه..

و يُفهم من ذلك أنّ "الواقع" لا يُعطى بإسمه على أنّه كذلك، و إنّما فيما يجري تحت أسماء الوقائع من "علاقات". فالعلاقات تشكّل التّعبير الأصدق من "المقول"، في البنية الثّقافيّة للمجتمع، على اعتبار إمكانيّات تزوير "المقول" و ترميزه و تجريده و تحويره في الأداء الّلغويّ الرّمزيّ إلى شيءٍ يبدو أحياناً مغايراً للغرض الذي استلزم العبارة؛
و لكنّه لا يمكن بحال أن ننظرَ إلى "العلاقات" على أنّها كذلك، ذلك لأنّ السّلوك داخل "البنية" الموصوفة هو آخر اشتقاق للثّقافة في الأيديولوجيا السّائدة، و لا شيئ يأتي بعد "العلاقة" إلّا النّتيجة المباشرة التي يمتنع عليها سلوك الارتداد إلى عكسها أو إلى نظائرها بعد الوقوع.

إنّ دراسة "العلاقات" الاجتماعيّة، في معرض الثّقافة ، تُغني أحياناً عن المضمون النّظريّ المقول في الثّقافة، لا سيّما أنّ "الثّقافة"، بحدّ ذاتها، هي ذلك التّركيب "الغريب" و "العجيب" لمجمل الدّوافع الواعية و غير الواعية التي تستحيل في السّلوك الاجتماعيّ المحدّد إلى مواقف لا يُمكن للنّظريّة تحليلها ما لم تكن هذه النّظريّة متسلّحة بمعرفة تختزل الثّقافة و تتجاوزها في المضمون و المدلول.

يظهر أثر تطبيق الوظيفيّة النّاجمة عن "العلاقات" ظهوراً بيّناً في الاستقطاب الاجتماعيّ المبنيّ على خلفيّاته الثّقافيّة المحدّدة. نحن هكذا يجب أن ننظر إلى التّكوّن الاجتماعيّ الحديث و المعاصر للمجتمع السّوريّ، بعيداً عن الرّغبة في أن يكون مجتمعاً منسجماً و متماسكاً وفق ضغط الحضارة.

اختلقت "الثّقافة" السّوريّة المعاصرة "مواضيعَ" بناءٍ على إنجازات مفهوميّة تأليفيّة لم تكن واردة في المعطى و لو أنّها كانت جزءاً من "الواقع" كما نظرنا إليه آنفاً بوصفه يتجاوز "المعطيات". و لقد استطاعت شبكة "العلاقات" بما هي جزء من "البنية" قادرة على تحليل "الواقع" تحليلاً موضوعيّاً، أن تُضيف نتائج تحليلاتها العمليّة في المواقف الحدّيّة المبنيّة على الذّاكرة الجمعيّة كجزء من "الواقع"، إلى مكوّنات "الثّقافة" الاجتماعيّة إلى درجة نّها تمكّنت من صياغة أقوى السّلطات في استعادة تأسيسيّة تاريخيّة كان لها نتائج مخزية على صعيد "الاجتماع".

إنّ الحمولات التّاريخيّة المكوّنة من جمهرة المقول، و لغير المقول على نحو أكبرَ، ربّما، قد أنتجت لها أنساقاً ثقافيّة و فكريّة جديدة إلى جانب الأنساق المضمونيّة من العلاقات الأساسيّة التي دخلت في المعطى المباشر في ظروف "الأهليّة" النّفسيّة للأفراد المعبّرة عن مجتمع أهليّ و محدود و ناطقة بإسمه بالنّيابة عن "الجميع"، بحيث أصبحت "المضافات" الموضوعيّة من المعاصَرة العالميّة تدخل، و قد دخلت، في قائمة "النّشاز".

لقد واجهت "الثّقافة" الاجتماعيّة السّوريّة مشروع المعاصرة في الدّولة السّياسيّة، بنجاح! و كانت قادرة في كلّ ظرف و مناسبة سياسيين أن تتحدّى التّغيير بما في ذلك أن تطويه و تثنيه لتجعله عملاً مقهوراً أما السّلوك المجتمعيّ القويّ؛

هذا فيما كانت "السّياسة" و "السّيادة" لا تعيرُ الأهمّيّة الحقّة و الّلازمة لمثل هذه التّحدّيات، حتى اضطرّ "السّياسيّ" إلى مداهنة "الاجتماعيّ" و ليس العكس!

و فيما استطاعت بنيات الأنساق الاجتماعيّة أن تختزل إليها ، كعوامل أوّليّة و قواسم أعظميّة ، جميع "التّطوّرات" الجديدة المعبّر عليها في البنيان السّياسيّ الفوقيّ ، في الدّولة ، و أن تثنيها في التهاميّة جشعة و طامعة إلى ما هو أكثر .. ؛ وجدنا ، لهذا ، هذه "الهجنة" العجيبة التي تتشكّل منها بنية "الدّولة" السّوريّة المعاصرة ، كما كنّا قد فصّلنا على هذا في مناسبات فائتة .

نتيجة للانقسام التّاريخيّ على "الثّقافة" في مجتمعنا ، مع الخصوصيّات التّكوينيّة العربيّة ، "استطعنا"(!) ، حتّى الآن ، أن "ننجو"(!) من رياح الحضارة العالميّة لائذين في أكواخ التّخلّف و التّشتّت بمركّبات ثقافيّة غريبة عن روح العصر العالميّ الذي تجاوز ذاته في مراحل عديدة و مختلفة ، فيما جعلت الثّقافة من المجتمعات الأخرى وَحدة حقيقيّة و حيويّة كانت عامل دفع و جرّ و تقدّم بدلاً من أن تكون العكس .

و أكثر من هذا ، فإنّ الثّقافة العالميّة في المجتمعات المتقدّمة ، وصلت إلى حافّة قسمة عجيبة و عظيمة و هي الانقسام الثّقافيّ إلى ثقافتين واحدة منهما هي ثقافة المشتغلين بالفنون و الآداب و الإنسانيّات .. ، و الثّانية منهما هي ثقافة المشتغلين بالعلوم الطّبيعيّة كالكيمياء و الفيزياء و البيولوجيا و الرّياضيّات ؛ و يشتغل الفكر العالميّ ، اليومَ ، على تضييق الهوّة "المخيفة" ما بين هاتين الثّقافتين بخلق ما يُسمّى بِ"الثّقافة الثّالثة" .. ؛ في الوقت الذي ما زال فيه مجتمعنا ، مثلاً ، ينقسم ثقافيّاً أو يتشظّى ، بالأحرى ، إلى أحلافٍ "مقدّسة" .. تشرخها معتقدات المقبورين و الأحياء من الّلاهوتيين و المنافقين و الدّجالين و أعداء الوطن و الإنسانيّة و الإنسان في كلّ زمان و مكان .

إنّ خطورة المكوّن الثّقافيّ نابعة ، في الأصل ، من كون االثّقافة مكوّناً عاديّاً و اعتياديّاً يصل إلى درجة اليقين الذي يحتفظ بكلّ اتّفاقٍ جمعيّ أو شعبويّ ، و بشكلٍ طقسيّ و دوريّ يهدّد جميع إمكانات و فرص التّقدّم الحضاريّ ، لا سيّما أنّ "المثقّفين" .. ، على العموم ، يخشَون من تطوير محفوظاتهم الغيبيّة الجامدة ، بالاطّلاع على مستجدّات التّفكير العالميّ الذي تمنحه "المعرفة" التي تعمل على الكشف عن مغاليق و مجاهيل العلم و الاكتشاف المدعّم بالتّجربة العلميّة و العقلانيّة ، النّظريّة و العمليّة و الإبداعيّة ، باستمرار .

من مخاطر التّكوين الثّقافيّ المركّب بحكم القوة الاجتماعيّة الغاشمة أن يُظهر في المواقف التي تتطلّب الاختيار بين المصلحة الشّخصيّة و مصلحة الآخر ، سواء كان "الآخر" هذا هو "الغيرُ" أو "المجتمع" ، بعامّة ، مواقف "حقوقيّة" و "قانونيّة" انتقائيّة تجافي "العدالة" الطّبيعيّة التي تحكم الجميع ، بل و تفتئتُ عليها غالباً ، بواسطة السّلطات العرفيّة المتعسّفة ، نفسها ، تلك التي تتوصّل في ظروف خاصّة إلى أن تشكّل جزءاً من مؤسّسة الدّولة و هو الجزء الأكثر عموميّة من حيث الكمّ و الأخلاق الاجتماعيّة التي تخلّلت الأخلاق السّياسيّة .

لقد توصّلت بعض "المجتمعات" إلى درجة استطاعت فيها أن تعرّف "الثّقافة" بأنّها "ذلك الكلّ المركّب الذي يتألّف من كلّ ما نفكر فيه ، أو نقوم بعمله ، أو نتملّكه كأعضاء في المجتمع" .

[ نظريّة الثّقافة . تأليف مجموعة من الكتّاب . ترجمة د. علي سيد الصاوي . سلسلة عالم المعرفة ] .

فبسبب تلك المسافات التّكوينيّة الثّقافيّة في المجتمع السّوريّ ، لا يزال الحديث على "عضويّة اجتماعيّة" مشتركة ، فعلاً ، حديثاً سابقاً لأوانه كثيراً ، و دونه نعيش آثار الانعزاليّات الجماعيّة و الفرديّة التي استطاعت أن تشقّ طريقها إلى المشترك الضّروريّ و الموضوعيّ فأحالته إلى هشيم واقعيّ "نسبويّ" جدّا و "استنسابيّ" . و عندما تكون "الموضوعيّة" نفسها محلّاً للنّسبيّة و الاستنسابيّة ، يغدو البحث على قانون اجتماعيّ ضرباً من العبث الخالص .

نلاحظ ؛ و باستطاعة الجميع أن يلاحظ ، فعلاً ، و لو لأنّ الكثيرين يكابرون ؛ أنّ درجة الانقسام التّراكبيّ الاجتماعيّ في المجتمع السّوريّ قد أظهرت تفاوتات اجتماعيّة مطّردة منذ أكثر من نصف قرن من التّاريخ السّوريّ المعاصر ، و أعني منذ الّلحظة التّاريخيّة التي أتاحت ضرورات الاجتماع في عمليّة التّقارب الموضوعيّ الذي كان لا بدّ منه ، فيما بين السّوريين ، نتيجة تطّور "العالم" و خلق تناضدات اجتماعيّة جديدة حكمت الواقع المباشر بجملة من المعطيات كالاحتكاك العامّ و نظائره .

و هذا الأمر شيءٌ متناقض بأعجوبة ؛ إذْ في الوقت التّاريخيّ الذي أتيح لنا أن نكون مجتمعاً في (سورية) ، نجد أنّ العوامل الثّقافيّة الذّاتيّة ما بين المختلفين قد ظهرت على السّطح مع اتّصالها بأعماق بنيويّة عنيدة أنتجت مجتمعاً متفاصماً كان من نتائجه أن يُعوّل على العنف للتّسويات الاجتماعيّة ذات الطّابع السّياسيّ ، أو العكس ، بدلاً من أن يُعوّل على قوانين الاتّصال الثّقافيّة الاجتماعيّة التي تُبدي تناقضاتها و تطوّرها في حلولها الاجتماعيّة و السّياسيّة المناسبة في إطار ثقافيّ و معرفيّ .

و بدلاً من أن تكون علاقات "الاختلاف" علاقات "اعتماديّة" ، يكون فيما بينها اعتماداً متبادلاً ، يمكننا أن نرصد في نصف القرن الفائت من تاريخنا السّوريّ المعاصر ، علاقات فوق تنافسيّة تصل إلى حدّ التّصارعيّة و الاستئثاريّة و الاحتكار . إنّ ادّعاء احتكار الصّواب من قبل الجماعات المختلفة ثقافيّاً هو أمرٌ كارثيّ في عصر يُتيح جميع الأسلحة لتسويات الخلافات أو الاختلافات الثّقافيّة ، بما فيها أسلحة العنف و الجريمة و الإقصاء و الإلغاء و الحذف و التّدمير .

لم يحصل أن صادفت النّظريّات الثّقافيّة الاجتماعيّة مجتمعات بهذه الخصوصيّة الفريدة التي يتألّف منها مجتمعنا السّوريّ ؛ و لهذا فإنّ تطبيق أيّة منهجيّة سوسيولوجيّة منقولة عن الآخرين ، كما يفعل في زعمهم الأكاديميّون في الفلسفة و الاجتماع ، هو تطبيق استعراضيّ و كاذب و فاشل في محصّلة النّتائج المعدومة . و نحن ما لَم نواجه هذا "الخصوصيّة" الثّقافيّة الاجتماعيّة السّوريّة مواجهة جريئة ، من دون مواربة أو خجل أو نفاق .. ، بواسطة التّجديد النّظريّ الذي غالباً ما أكّدنا و نؤكّد عليه ، فإنّنا لن نفعل أكثر ممّا سوف نشرح ، و حسب ، واقعاً يتفاعل بمعزل عن الإرادات المعرفيّة و السّياسيّة التي عليها أن تواجه هذا الواقع في مجابهة نظريّة و عمليّة و ثقافيّة و معرفيّة و سياسيّة مفتوحة .

من غير المستحسن في نقاش و تحليل القضايا الفكريّة المصيريّة أن نلجأ إلى الأحكام القاطعة المانعة ؛ و لكن ثمّة ظاهرة يجب أن نبادلها العلاقة الفكريّة ، على اعتبار آثارها الاجتماعيّة المدوّخة ، و هي أنّ مجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة ، و منها ، بالأخصّ ، المجتمع السّوريّ ، يتراكم فيها الانحدار الثّقافيّ الأخلاقيّ من جيل إلى جيل لاحق و من زمان إلى آخر ..

هذا في الوقت الذي نستطيع فيه ، ببساطة ، أن نقف على تطوّرات تقدّميّة في مجتمعات أخرى ، و أعني من جانب أخلاق العمل و الإنجاز التي يمكن قياس إيجابيّاتها الحضاريّة ، دون سائر وصفات الأخلاق الأخرى .

يتقدّم "الآخر" ، العالميّ ، فيما نراوح و نتراجع انحداراً مع تطّور البشريّة الصّاعد و إنجازاتها في مختلف العلوم و جوانب الحياة ؛ و الأنكى هو أنّ الجميع ، عندنا ، من دون تمييز ، محكومون بالأفعال و ردود الأفعال بالاستجابة إلى المحيط و شبكات العلاقات التي تقع خارجه ، و مُضطّرون ، غالباً ، و بحكم أثر الاجتماع المكانيّ و الزّمانيّ ، إلى التّعاطي بالأساليب و المعطيات و الوقائع نفسها التي أنتجتها علاقات الحصار التّاريخيّ و عمّمتها على جميع الأفراد ، فصارت واقعاً آمِراً و مُلزِماً ، و دونه فليخترِ المرء العزلة الاختياريّة ، الثّقافيّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة ، ما شاء و ما استطاع .

المشكلة الأخطر هي أنّنا لا نُشبه أيّ نمطٍ اجتماعيّ آخر في الحياة المعاصرة أو في التّاريخ ، لنكون مطمئنين على بعض الظروف و الأوضاع "الحتميّة" التي تنشأ عن أطوار مجتمعنا على نحو تلقائيّ .

إنّ نظريّة "الاعتماد المتبادل" بين البنى الجزئيّة و البنى الكلّيّة ، "بين الأجزاء و العناصر" (و بلغتنا ، هنا ، الأنساق و الأنماط و الأفراد) عند (أوغست كونت) (1798- 1857م) بخاصّة ، و هو ما استمدّها من (مونتسكيو) (1689- 1755م) ؛ تعمل عندنا على مزيد من عدوى التّفتّت الاجتماعيّ ، بدلاً من أن تكون عامل الاتّصال المتبادل و التّواشج الإيجابيّ بين مختلف البنى الاجتماعيّة ، ذلك لأنّ للجميع مرجعيّاته التي تقف في مواجهة ما بينها ، مع العالم أنّها تمتح من تاريخ واحدٍ و أصول واحدة ليست مشرّفة كما قد يتخيّل البعض .

في مرحلة من تاريخ سورية المعاصرة ، و بالتّحديد تلك المرحلة التي أشرنا إليها و هي تمتدّ إلى أكثر من نصف قرن بقليل ، "طرأ" على "الثّقافة" السّوريّة "حمولات" جديدة و مفارقة ، بسبب التّحوّلات السّياسيّة في "الدّولة" التي لم تأتِ مطابقةً للمَيل الاجتماعيّ الغالب الذي كان قد تركّز باتّجاه الّليبيراليّات المنقولة من الغرب و التي ازدادت تشويهاً و تشوّهاً في مجتمعٍ محافظ و متخلّف و رجعيّ ، عدا عن كونها ، هي بالأصل ، تحضّ على النّزعات الفرديّة المحافظة أكثر ممّا تشكّل أساساً اجتماعيّاً أفقيّا مفتوحاً أمام التّغيّرات السّياسيّة التي كانت قد حلّت في العالم منذ خمسينات القرن الماضي بشكل خاصّ .

أصيبت الثّقافة الاجتماعيّة بخيبة أمل سياسيّة واسعة عندما حلّت الدّولة الوطنيّة في أوائل السّتينات من القرن العشرين ، محلّ الدّولة البورجوازيّة السّوريّة ذات الطّابع الهجين و غير الأصيل . و كانت الثّقافة قد راهنت على ركودٍ تاريخيّ كان يُلبّي حاجات المجتمع الجامد في أبجديّات الطّقوس الاجتماعيّة و النّفسيّة و التّعليميّة و التّربويّة و السّياسيّة التي نشأت في ظروف مديدة جدّاً من الاحتلال و الاستعمار .

كان لابدّ أن تستجيب تلك الثّقافة الرّاكدة إلى هذه العاصفة السّياسيّة التي شكّلها "البعث" في حكمه للدّولة ؛
و هكذا عبّرت الثّقافة في تياراتها الإسميّة المختلفة و الإطار الواحديّ عن ردّ فعل يكافئ حجم المباغتة السّياسيّة الجديدة ؛

على حين كانت أن اجتاحت العالم كلّه موجة فكريّة جديدة ، مع التّحوّلات الماركسيّة العالميّة (و أشباهها الاشتراكيّة) ، في الثّقافة العالميّة ، حيث تحوّلت إلى ما سُمّي بالثقافة السّياسيّة . هذا أمر يعرفه جيّداً التّاريخ الذي عاصرناه جميعاً إلى عهد قريب ..

فكانت هذه المناسبة التّاريخيّة أن شكّلت المدخل السّياسيّ الجديد الذي دخلته الثّقافة السّوريّة في أيديولوجيا إسلامويّة ، حصراً ، كنتيجة لردّ الفعل الكيديّ و المباشر على "الثّقافيّ" و "الاجتماعيّ" و "السّياسيّ".. لدولة "البعث" التي نظرت إليها على أنّها تهديد تاريخيّ لمصلحتها الرّجعيّة و العميلة في الصّراع الدّائر اجتماعيّاً و سياسيّاً بين ثقافة تقليديّة مؤيّدة بالتّاريخ الطّويل و مؤسّساته الاجتماعيّة و السّياسيّة الرّاسخة و المتينة .. و بين ثقافة وليدة جديدة عبّرت عن تطلّعات و أحلام أكثر الفئات الاجتماعيّة تهميشاً و مظلوميّة واقعيّة و تاريخيّة و فقراً بما كانت هذه الفئات المضطهدة تمثّله من قوى عمل متحرّكة و متحرّرة في وقت واحد .

مثّلت الثّقافة الوليدة الجديدة القوى الوطنيّة و التّيارات الفكريّة القوميّة و الاشتراكيّة ، المختلفة ؛ فيما مثّلت الثّقافة أو الثّقافات التّقليديّة أكثر البنى الاجتماعيّة انغلاقاً و تعصّباً و تزمّتاً و محدوديّة تاريخيّة و عمّقت بردّ فعل جديد أشهر الأيديولوجيات السّياسيّة المعادية للوطنيّة و القوميّة و التّحرّر الاجتماعيّ .

" تطوّرت " الثّقافة السّوريّة ، فيما بعد ، في إطار "الأزمة" و "الإشكاليّة" في وسطٍ اجتماعيّ موبوء "إنسانيّاً" و في بيئة سياسيّة جاحدة وطنيّاً . و من الطّبيعيّ أن تبقى ثقافة الرّعاع و الغوغاء العدديّة بالمرصاد لأيّة فكرة تقدّميّة أو لأيّة "أيديولوجيا" تحمل صفة الوطنيّة و القوميّة و تنطلق من التّعبير عن حاجات الحاضر و ضرورات السّياسات الوطنيّة المتعلّقة بالدّيموقراطيّة الاجتماعيّة و المساواة "الحقوقيّة" للجميع .

بعد أن فشلت جميع محاولات قوى "الرّجعيتاريا" السّياسيّة التي تمثّلها ثقافة راسخة في "المجتمع" و التي عبّرت عن مواجهتها بدرجات تراوحت من التّحريض و الاغتيال العنصريّ و حتّى المواجهات المسلّحة المعروفة جيّداً في تاريخ (سورية) المعاصر ، وجدت أنّها لا بدّ لها من تغيير قواعد "الّلعبة" و تعزيز سياساتها العدوانيّة بالمجاملات الثقافيّة و الاجتماعيّة و المداهنات السّياسيّة المباشرة و المنظّمة التي تمكّنها من مفصلة البنى الثقافيّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة و "العسكريّة" و "المسلّحة" ، أيضاً .. ، الخاصّة بها ، في بنى مؤسّسات الدّولة و المجتمع ، مع إعادة تنظيم البنى الأهليّة المنغلقة ثقافيّاً في المجتمع ، و العمل ، بذلك ، على قطع الطّريق أمام أيّ محاولة سياسيّة أو ثقافيّة تقوم بها الدّولة لتنمية المؤسّسات "المدنيّة" و "العلمانيّة" ..

و أيضاً و في الوقت نفسه ، لتتمكّن من تقاسم أيّ نجاح أو تقدّم تحرزه الثّقافة و السّياسة في المؤسّسة العامّة ، و ذلك في جميع ما لم تتمكّن من تخريبه و إفساده ، على التّحديد .
نحن يجب أن ى ننظر إلى "الثّقافة" على أنّها مجموعة من الأفكار و العادات و المحفوظات الخاصّة ، كما أنّ علينا أن ننظر إلى "المجتمع" بوصفه يتجاوز بيئتنا الاعتياديّة المحدودة على الأغلب ، أو تلك التي تربطنا بها العلاقات بحكم سبب ما أو ظرف من الظّروف .

فالثّقافة تركيبة شاملة من الذّاتيّ و الشّخصيّ و الخاصّ و النّظريّ و العمليّ و الاعتياديّ و العفويّ و التّلقائيّ و المنظّم ، و هي تشتمل على مبادئ و دوافع و أشكال السّلوك بنفس الدّرجة التي تنتظم فيها أذواق الطّعام و شكل الّلباس ممتدّة ، كذلك ، إلى البنى العضويّة و المورفولوجيّة و التّحفيزيّة مشكّلة هناك الثّقافة النّظريّة في الوعي و أحوال النّفس الأعمق في الجهة الخلفيّة من الوعي الفرديّ و الجماعيّ في تواطؤات الغريزة و المصلحة و الموقع و الوسائل و الأهداف ؛

و الأمر ذاته ينطبق على المجتمع من حيث هو تلك الدّوائر و الحلقات التي تنطلق من العلاقات الثّنائيّة بين المتقاربين أو المتشابهين أو بحكم المصلحة و الضرورة ، إلى تلك الدّوائر الأوسع التي تبدأ بالأسرة و لا تنتهي في فضاء الدّولة كمؤسّسة اجتماعيّة- سياسيّة و لكن بوصفها أيضاً جرماً دوليّاً يدور في فلك النّظام العالميّ ، و ذلك في كلّ ما يتّصل من تبادل اعتماديّ أو اعتماد متبادل في التّغذية الدّاخلة و التّغذية الرّاجعة ما بين مختلف البنى الموصوفة على ما قلناها أعلاه .

في إطار اجتماعيّ نقديّ .. ، على سبيل المثال ، و على التّنوّع الثّقافيّ الحقيقيّ في دولة كالولايات المتّحدة الأميركيّة ، تنكبّ الدراسات على مظاهر الثّقافة التّعدّديّة و المتنوّعة و المختلفة ما بين الأفراد في الولاية الواحدة أو فيما بين الجماعات أو الولايات المختلفة ، على "اندهاشٍ" هائل لتلك "التّنوّعات" الثّقافيّة ، و لكنْ أيضاً تلك التي تدور في فلك "الفرديّة" أو "التّقليديّة" أو "الأخلاقيّة" ، و حسب ! أو في أنماط الحياة الفرديّة المستقلّة ، أو المتدرّجة ، أو الغامضة في طريقة الاحتكاك و التبادل الاجتماعيّ ، و هذا أقصى ما يؤرّق علماء الاجتماع و الأطّباء النّفسانيين و المؤسّسات السّياسيّة و الدّينيّة و الاجتماعيّة ..

هذا مع أنّنا ، و كما يعرف الجميع ، نتكلّم على بيئة اجتماعيّة صناعيّة (تصنيعيّة) و غير عريقة و غير منسجمة في التّكوين التّاريخيّ ، و لكنْ أيضاً التي أثبتتْ تجانسها الهائل قياساً بمجتمعات أخرى لها من التّاريخيّة ما يمكن لها أن تتباهى به أو تنظر إليه بإعجاب .. !!؟

إنّ علاقة "الثّقافة" بِ"المجتمع" هي أكثر من علاقات "التّعاطف" و "الاندماج" و "الانسجام" و "التّعاضد" و "التّكافل" .. ، إلخ ؛ المزعومة و الكاذبة و المكذوبة ، حيث تتعدّاها ، في الافتراض ، إلى البنية العمليّة التي تقدّم الطّاقات الدّيناميّة للعمل في المؤسّسة الاجتماعيّة و السّياسيّة ، في آن واحد ؛ و هي الحاضن الآدميّ الذي يشكّل البنية النّظريّة للإبداع في إطار الاستقرار الاجتماعيّ و النّفسيّ الاجتماعيّ ، كذلك .

لا يُمكننا أن نقدّر قيمة ما نتحدّث عليه ، هنا ، إلّا عندما نُجري المقارنات الطّبيعيّة و الضّروريّة و الإجباريّة ، بين ما حققناه ، تاريخيّاً ، في إطار "مجتمعنا" ، حتّى الآن ، من توحّشٍ و وحشيّة ثقافيّة و سياسيّة ؛ و بين ما قد تحقّق في أيّ مجتمع متحرّر من الثّقافة "التّكبيليّة" و "التّبكيليّة" .. ، و ما أصبحت عليه تلك المجتمعات في ثقافاتها المدنيّة الحرّة ، من إنجازات حضاريّة على كلّ مستوى ، مقارنة مع إنجازات ثقافاتنا الاجتماعيّة و ضمور مجتمعنا ، دلاليّاً و عمليّاً ، فيما هو عليه ، و ما زال ، إلى اليوم .

"نعايش" ، اليومَ ، في مجتمعنا ، حمولات ثقافيّة و اجتماعيّة تاريخيّة و واقعيّة كارثيّة ؛ هذا إذا كنّا قادرين على ربط النّتائج بالأسباب فيما نحن نحصده من مرارات و إخفاقات و تراجعات .

و من الطّبيعيّ أنّ هذه الحمولات و المحمولات قد وجدت لها أنسب الحاملين و الفاعلين . فعدا عن القطعان التّاريخيّة التي تغتذي و تتناسل و تلعب و تنام .. ، ثمّة من هم يُمثّلون الوجه الاجتماعيّ للثّقافة بيننا ؛ و هؤلاء هم من ندعوهم بالمثقّفين .

يبدو هذا الوضع ضروريّاً أو أكثر من ضروريّ(!) من أجل تحقّق وجهتيّ المسار "الدّيالكتيكيّ" (الجدليّ) لما يُسمّى في الأدبيّات السّياسيّة و الإداريّة المعاصرة بالتّغذية القادمة و التّغذية الرّاجعة لتحقيق و تحقّق التّفاعل الكامل لديناميّات التّخلّف ..

إنّ على هؤلاء.. و على ثقافتهم.. و على صبيانيّتهم و ولّاديّتهم الشّاذّة، و على اندحاراتهم السّياسيّة الذّاتيّة..، و على إنجازاتهم الفكريّة البائسة..، و على تاريخهم و حاضرهم و مستقبلهم..؛

أعني.. - و لو بدت الكلمات السّابقة غير لائقة - على كلّ ذلك..، سيكون حديثنا المقبل وفق ما هو مخطّط و وفقَ ما نرجوه!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                               

 

 

                                                                                                                                                                                                                    

***

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                       

كتبت الدكتورة رشا شعبان التعقيب الآتي:أ رشا شعبان

دائماََ أيها الحكيم تحيلنا إلى موضوعات تفرض ذاتها بوصفها الأسئلة الأرأس في تحدياتنا الفكرية و الاجتماعية و السياسية في عالمنا المعاصر.

و مما لا شك فيه أن علاقة المثقف بما هو اجتماعي، هي إشكالية تدعونا إلى النظر و التدقيق و التحليل، أمام إعادة صياغة تمتلك ضروريتها في الواقع الذي نعيش.

و الأكيد أنه بين مطلب التفكير الشخصي و الالتزام بقضايا الواقع يراوح الفكر في علاقته بموضوعه..
فمن فهم التفكير الشخصي على أنه انشغال عن أسئلة الواقع.. عبّرت مواضيعه عن اهتمامات ضيقة.
و من فهم الالتزام بقضايا الواقع على أنه ذوبان للطابع الذاتي.. عطّل الإبداع.
ولعلّ هذا الوضع يحتّم النظر و إعادة الفهم في علاقة الفكر بواقعه و علاقة المثقف بمجتمعه.

و الحقيقة التي لا تقبل الدحض و لا التشكيك، أن المثقف يفقد قدرته على الإبداع و المصداقية و الحضور، في حالة عدم الاكتراث تجاه ما هو مجتمعي و يومي، و هنا يبرز المثقف بوصفه منفصلاََ عن ذاته و مجتمعه و واقعه.

و حين يتوغل فكر المثقف في ذاته و لأجل ذاته، ضارباََ ب أشكال مسؤوليته الاجتماعية و الفكرية، فاقداََ الإحساس ب ما هو آخر، يستحيل صانعاََ للوحوش، بدلاََ من مهمته في صناعة الإنسان و دوره في عملية التغيير الاجتماعي.

و لا شك أن الشخصية التاريخية للمثقف و الفيلسوف و المفكر، ناتجة عن علاقته الفاعلة بالمحيط الثقافي الذي ينشد تغييره، و لكن هذا المحيط يرتد بدوره ليؤثر في المثقف، ليرغمه على نقد ذاته نقداََ مستمراََ في محاولة الإبقاء على الصلة الواجبة و الضرورية مع واقعه، و التي تبرّر المصداقية و المسؤولية و الالتزامية بقضايا المجتمع.

و المسؤولية و الالتزام بقضايا المجتمع لا تأتي إلا عبر اكتراث المثقف؛ أمام السياقات الاجتماعية التي يعبّر عنها وعلى تجسيد قيم الحرية و الحقيقة و العدالة في قضايا الناس، ضد أشكال الإغتراب التي يعيشونها.

و عليه أصبح واجب المثقف قراءة البنى المختلفة للواقع و عبر سياق اجتماعي أنتجها و ينتجها، لاستكناه الطرائق و الأدوات الناجعة و الناجحة في عملية التغيير المنشودة.

نعم إن الواقع السوري هو واقع إشكالي و معقّد، مما يفرض على المثقف النظر في تلك العلاقة التشابكية بين أطرافه الإجتماعية و البنى السياسية، على نحوِِ استثنائي و إبداعي بآنِِ معاََ.

إنه الواقع الذي حمل و احتمل كل التناقضات الممكنة تاريخياََ و راهناََ، تلك التناقضات بين الديني و الاجتماعي و الأخلاقي و الاجتماعي، التي تصدّرت في مرآة الدولة و السياسة.

إنه المجتمع الذي حمل كل مراحل التاريخ دون قطيعة تمفصلية، و دون استمرار تواصلي صحي مع كل حلقات التاريخ الماضية، لنجد أنفسنا أمام الذهنية الحاضنة لكل الذهنيات المنصرمة، و التي غاب عنها الهوية الواضحة المستقلة عن غيرها.

و بإمكاننا القول أننا أمام ثقافات، لا ثقافة واحدة، و يحضرنا المعطى تاريخياََ، في حين عجزنا عن الإنفكاك عن حمولاته و دلالاته الاجتماعية و الثقافية.

و المعضلة الأكبر هي في الأنساق الجاهزة، التي حاول من خلالها العقل العربي، أن يجد فيها حلولاََ لإشكالية تقدمه و نهضته، التي تجلّت في النسق السلفي الجاهز، و كذلك في النسق الحداثي الجاهز..
و النسقان أنتجا فشلاََ في العلاقة مع التاريخ و الواقع، و الخاص و العام، حين غاب عنهما العلاقة الضرورية بين الواقعي و التاريخي و ديناميكية التمفصل و التواصل معه، و بين الواقع و الراهن و أشراط التغيير الاجتماعية و السياسية.

لقد وقعنا في فخ الحلول الجاهزة، تلك الحلول التي صاغتها الجماعات في كل حقبة من التفكير في المشاكل التي تواجهها، و غابت عنا ضرورة إعادة التأويل للتراث و تفسيره و استيعابه ضمن إشكالية ما هو راهن، و في إطار العلاقة الجدلية مع السياقات الاجتماعية الحاضرة.

و لعلّه من المفيد الإشارة هنا إلى أن واقعنا يتراجع انحداراََ، بالمقارنة مع ذاته، و الدليل هو في معاينة الأسئلة النهضوية في فكر النهضة، التي كانت أكثر جرأة و حداثة من أسئلة الحاضر، في العلم و الحرية و الدين و المرأة، لقد بدت الأسئلة أكثر تقدمية، و هذا يؤكد أن تقدمنا يسير بعكس مفهومه، إنه التقدم تراجعياََ.

و كذلك في علاقتنا مع الآخر، أسقطنا مفاهيم الآخر، دون النظر في الواقع الذي أنتجها، و نسينا أو تناسينا أن المفهوم هو ابن البيئة و السياق الاجتماعي و التفاعلات و المناظرات الفكرية التي ينتمي لها.

و من المفيد أن نكرّر ما ذكرنا سابقاََ، أننا نحتاج إلى استعادة التفكير في المفاهيم، لا استعادة التبشير بها.

كل الشكر و المحبة لك أستاذي الدكتور بهجت سليمان..
وأتمنى أن أكون قد استطعت التركيز على بعض مما ورد في مقالتكم الثرية و العميقة.

 
 

***

 
 

كما كتب المهندس والكاتب ياسين الرزوق زيوس, التعقيب التالي:أ ياسين الزروق

من سلاسلك المعرفية نعلّم من يكبلون الوعي بسلاسل الجهل الانعتاق و كسر الأكبال و المعتقدات كي لا يبقى القصور المعرفي و الوعي المتوهَم عاملاً من عوامل رفع الثقافة دون تحديد أهدافها و معانيها فما الثقافة بلون واحد و ما معانيها بمغزى واحد و ما متلقفوها و حاملوها و مفسروها بسياق واحد و وعي واحد و هدف واحد و نسق واحد.

فهناك ثقافة الوعي و هناك ثقافة اللاوعي و هناك ثقافة المعرفة و ثقافة اللامعرفة و ثقافة الشجاعة و ثقافة الخوف و ثقافة النفاق و ثقافة الفن و ثقافة العلم و ثقافة الخنوع و ثقافة السيادة و الاستقلال.

تعاريف الثقافة ليست في وارد حصرها أو تحديدها و لكن ما يمكن التسليم به في سياقات حديثنا ذات المصب السوري الوطني أن الثقافة هي فعل و ليست تصفحا فالتصفح المودي إلى الوهم خارج ميادين الواقعية و التطبيق لا معنى له و هو يعاكس الثقافة لتنحدر إلى تعاريف واهية غير مؤثرة...

عندما يقرن كارناب الواقع بالعلاقات فهو لا ينطلق من بيت واهن كشبكة العنكبوت بل ينطلق من تشابكات و مناحرات و حروب كبرى طحنت بلاده قبل غيرها و رفعت مستوى فكره إلى مستوى بناء الحدث المترافق بالصورة لكن ليست تلك الصورة النرجسية العاجية التي لا تلامس الواقع بل تلك الصورة التي تعكس نظريات الثقافة لتصور المجتمعات في سرها و في علنها في سلمها و في حربها في جهلها و في علمها في زهدها و في فسقها.
و هذا الكارناب يؤمن بشكل لا لبس فيه أن ارتداد العلاقات يؤسس لوقائع لا بد أن تحصل و لا يمكن أن نبحث في الوقائع دون أن نسبر مسار العلاقات من حيث المنبع و المصب.

و ما نظرية الثقافة و هي تحاول ردم الفجوات بين ثقافة الفن و ثقافة العلم بين ثقافة المطلق المجرد و بين ثقافة النسبي التحليلي بثقافة ثالثة أو رابعة أو لا نهائية من امتداد التعاريف التي ليست هي مطلوبة في سياق المجتمع السوري لتطلق أبجدياتها أو لتبرز عضلاتها في حرب طاحنة أبرزت الانسياق القطيعي وراء ثقافة القطعان أو لربما تكوين القطعان بثقافة الشائعات و بثقافة المعتقدات المختلقة أو الأحاديث المخترعة وفق منهجية لا نود أن نسميها ثقافية فقط بل ثقافية معرفية تصل الماضي بالحاضر و تحمّله تراكمات من الأحقاد و المعارك التي ما زالت ترسباتها في أنساق اللا وعي و طوابقه التي لم تهدم و لن تهدم و لن نطلب من المجتمع هدمها.

لكن علينا القول بصراحة مطلقة إذا لم نجرِ مطابقة كمطابقة العين للصورة ما بين الوعي و اللا وعي لن نخرج أمام العالم بصورة منطقية تعكس توازننا و مطابقتنا الحقيقية للوقائع المنطلقة من تفاعل علاقات بناءة و سنبقى مشوهين أمام أنفسنا و أمام هذا العالم الذي يعمل أصلاً على تشويهنا بكل أركانه كي يطحن جذرنا البنيوي الذي للأسف لم يتأصل بعد و ما الأصالة بنسف الحداثة بل بجعل الحداثة عامل استلهام تبشيري لا عامل استحضار تغييبي.

و ثقافة العطاء و التنافذ الثقافي لن يوقفها مزمار داوود و لا سواه فكل المزامير باتت مشرعة لتطرب من تشاء و علينا كمجتمعات في دول العالم الثالث لم تدرك ثقافة المواطنة بعد عدم الانجرار كالفئران وراء مزمار الساحر الغربي الذي يسعد بل و يطرب بدفننا أحياء خارج كل ثقافة حية تؤسس لمجتمع متماسك.

و هذا ما يجب أن ترسخه الحرب السورية الطاحنة بدلاً من أن تجعل ثقافة الوقوف على الأطلال ثقافة مرجعية عكس ما نتمناه من رصد الأطلال لحمايتها من غزوات الثقافة الرجعية التي لن نخرج منها و هي تبقينا في ثقوب التاريخ السوداء!

لك النور سفير ثقافة الحياة وسط ركام الموت الدكتور الغالي بهجت سليمان.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

April 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 1 2 3 4 5
عدد الزيارات
2807101