الصفحة الرئيسية

كتب الدكتور بهجت سليمان: دور الوظيفة السّياسيّة للتقسيم العالميّ للعمل

{الحلقة الخامسة و الثلاثون «35» من «سلسلة الفكر الإستراتيجي»}د. بهجت سليمان6

[تقسيم العمل] و

[دور الوظيفة السّياسيّة للتقسيم العالميّ للعمل]


* د. بهجت سليمان

يُرجِع البعض فكرة تقسيم العمل الأولى في التّاريخ إلى (أفلاطون) في "جمهوريّته" التي تقوم أساساً على ثلاث "طبقات" هي "الملوك أو الحكماء"، و "المحاربين و المقاتلين"، و "المزارعين و أصحاب الحرف اليدويّة".

و لئن كان (أفلاطون) قد أقام اعتباراته على أساس مصلحة "الاستقرار" الاجتماعيّ في "الجمهوريّة الفاضلة"، فإنّ من يقول بأنّ هذا الشّكل "الاجتماعيّ" لتقسيم العمل القائم على استثمار و استغلال "قوّة العمل"، كان أساساً للفكرة التّاريخيّة التّالية حول تقسيم العمل، إنّما يعتمد مغزى موسّعاً من أهداف (أفلاطون) ممّا كان هو نفسه قد ذهب إليه.

أمّا الفرنسيّ (دوركهايم) (1858- 1917م)، في كتابه "تقسيم العمل الاجتماعيّ"، فيعتبر أنّ مفهوم "تقسيم العمل" يعود إلى (أرسطو) (في "الأخلاق إلى نيقوماخوس") و إلى (آدم سميث) (1723- 1790م) الذي كان أوّل من أنشأ لتقسيم العمل، "نظريّة".

على أيّة حال يمكننا أن نقول إنّها ظهرت أوّل الأفكار السّياسيّة العالميّة الجديدة في الفضاء الذّهنيّ للتّاريخ البشريّ الكلاسيّ (الكلاسيكيّ)، حول التّمايز "الاجتماعيّ" و "الاقتصاديّ" و "السّياسيّ" لقوى الإنتاج، منذ "عصر النّهضة" (Renaissance) (بالإيطاليّة Rinascimento) الذي بدأ في (إيطاليا) منذ القرن الرّابع عشر، كحركة ثقافيّة و جماليّة، أوّلاً، ليمتد إلى سائر أنحاء (أوربّا) على مختلف الأصعدة؛

فجاءت أفكاره السّياسيّة كاحتجاج على السّلطات الدّينيّة الاستبداديّة المطلقة في العصر الوسيطيّ، فتبلور في أثناء ذلك ما سمّي بِ"النّظام السّياديّ الإقطاعي" كتعبير مباشر على نظام اجتماعيّ "أرستقراطيّ" ناضج، في ظروفٍ من العوز الإنسانيّ الشّامل، نتيجة ما قاسَتْه (أوربّا) من الجهل في "العصور الوسيطة" (Middle Ages) التي كانت قد بدأت منذ انهيار "الإمبراطورية الرّومانيّة" في القرن الرّابع و الخامس الميلاديين و حتّى بدايات "عصر النّهضة".

و إذِ ارتبطت تاريخيّة "الإقطاع" بالازدهار الفنّيّ و الفكريّ و السّياسيّ الذي تحقق في "عصر النّهضة"، فإنّ أفكار "عصر النّهضة" كانت بمثابة ردّ فعل عنيف على الفكر السّلطويّ المطلق الذي ساد في العصور الوسطى؛

مع أنّ الاعتباريّة السّياسيّة الفرديّة في صيغة مذهب "السّلطة المطلقة" السّياسيّ الإقطاعيّ الجديد جاء متعارضاً كلّيّة مع النّظريات السّياسيّة المُستحدثة في إطار الفكر الإقطاعيّ لعصر النّهضة، مع فارق وحيد و هو أنّ "النّصوص" التي ظهرت كتنظير أو كحفاوة بالنّظام السّياديّ الإقطاعيّ "الجديد"، كانت تحمل في ثناياها بذور "العلمنة" التي مهّدت أساساً للإصلاح الدّينيّ "البروتستانتيّ" (1517م) - الذي جاء متأثّراً بأفكار "الحركات الإنسيّة" في "عصر النّهضة" - مع (مارتن لوثر) (1483- 1546م)، بما في ذلك ظهور الاتّجاهات المعادية للسّلطة المطلقة بالتّوازي مع الأفكار المؤيّدة لها.

لقد ظهرت التّناقضات السّياسيّة جليّةً مع بدايات القرن "السّادس عشر" الميلاديّ، تلك التي اختلطت فيها الاتّجاهات "القوميّة" في "الممالك" الحديثة (انكلترا و فرنسا) مع "الولايات الإقطاعيّة" في إطار "المدن" مع "الجمهوريّات المدينيّة" (المدن و الأمارات الإيطاليّة و المقاطعات الألمانيّة) مع "المقاطعات الدّينيّة الكنسيّة" (الفاتيكان) مع "الأمارات العلمانيّة" (السّويد المستقلّة عن الوحدة الإسكندنافيّة).

و سنعتبر، هنا، أنّ التّطوّرات السّياسيّة في "عصر النّهضة" كانت أوّل بذور التّقسيم السّياسيّ الدُّوَليٍّ للعمل كنتيجة لحدّيّة الأدوار و تعايشها في التّمايزات المتعدّدة و المتناقضة للأفكار و الدّول و المواقف المتباينة من العالم، بالإضافة إلى دور "القوى" التي لا تعبّر عن نفسها تعبيراً مباشراً في ذلك، و التي لا يذكرها عادة التّاريخ المنصوص عليه في المؤلّفات التّصنيفيّة للوقائع العالميّة و ظاهرات الأفكار و السّياسات الخفيّة التي توازي و تُحايِثُ، دائماً، الحركة الظّاهريّة للأحداث؛

و سأتوسّع، بالتّالي، في مفهوم "تقسيم العمل" بمختلف أنواعه و جذوره و غاياته المقصودة الأخيرة في السّياسة العالميّة المعاصرة؛

1 ـ فأبحث أوّلاً، في "التّقسيم الطّبيعيّ للعمل"..

2 ـ ثمّ في "التّقسيم الاجتماعيّ للعمل"..

3 ـ و تالياً، في "التّقسيم الدّوليّ للعمل"..

4 ـ و فيما بعد، في "التّقسيم السّياسيّ العالميّ للعمل"..

5 ـ و أخيراً، في "الوظيفيّة المعاصرة لتقسيم العمل العالميّ"..


- أوّلاً: في التّقسيم الطّبيعيّ للعمل:


تعود أولى الأفكار و الصّور العَمَليّة في "تقسيم العمل"، إلى "الطّبيعة" نفسها للدّرجة التي نستطيع فيها أن نقول إنّ أوّل تقسيم للعمل الموضوعيّ كان تقسيماً "طبيعياً" للعمل.
يدخل في عداد "التّقسيم الطّبيعيّ" للعمل، ما تقوم به قوىالطّبيعة نفسها، و الأدوار الفطريّة الموزّعة على عناصر الطّبيعة و على الكائنات الحيّة، ثمّ تلك الأدوار التي تؤدّيها الحيوانات و منها الإنسان، ثمّ في مرحلة لاحقة ذلك التّوزيع شبه التّخصّصيّ للعمل الإنسانيّ فيما بين الكبار و الصّغار، و بخاصّة ذلك التّقسيم "الجنسانيّ" (بحسب الجنس) للعمل، و التّوزيع "الجنسيّ" (التّناسليّ) للعمل ما بين المرأة و الرّجل؛ و في غمار كلّ ذلك ظهور تلك النّزعة الجنينيّة للطّاعة و التّحكّم في الممارسات و المناسبات.

و على العموم فإنّ تراكم نتائج و آثار "التّقسيم الطّبيعيّ" للعمل في الوعي الإنسانيّ يجعل من هذا "الوعي" في قابليّات و جاهزيّة متنامية لتقبّل "الاختلاف"، بوصفه أمراً طبيعيّاً و ضروريّاُ لاستمرار تنامي "النّتائج" البنيويّة التي تصبح من المكوّنات الفرديّة، البشريّة كما تدخل في ترتيب البنية العامّة للإنسان الاجتماعيّ بوصفه أكثر من فرد مستقلّ أو مجرّد، كما أنّها تشكّل الأساس الضّروريّ لخلق البنية الاجتماعيّة للجماعات و التّجمعات الأولى، ممهّدة لابتكار العنصرالاجتماعيّ للثّقافة المُبكّرة في التّمايز و التّعضّي التّاريخييَن، الّلَذَين يُمهّدان بدورهما لدخول الجماعات في علاقات إنتاج الوعي الجمعيّ، ثمّ الاجتماعيّ، و ظهور فكرة الاجتماع كفكرة لا بدّ منها من أجل تلبية الحاجة إلى الاستمرار، لتتكوّن، و لأوّل مرّة، فكرة التّاريخيّة التي تُعزّز الاتّصال الزّمنيّ للمكان الاجتماعيّ المتتالي و المتكوّن برسوخ و هدوء.

تكتسب، في هذا الطَّور، فكرة الفرد و "المجتمع" أهمّيّتها الخاصّة، فيما تتضمّن كلّ من فكرة الفرد و فكرة الجماعة شروطهما متبادلة التّكافل، فيبرز في الوعي صورة الحاجة المتبادلة التي تكفل وجود كلّ من الفرد و الجماعة، و ذلك بوقف كلّ "فكرة" منهما على استمرار الأخرى، و هذا ما يجعل أوّل القناعات الإنسانيّة بالتّضامن العلنيّ و الخفيّ و المباشر و غير المباشر، تنتقل، بصقالتها، من "الطّبيعيّ" إلى "الاجتماعيّ".

و يلعب "التّراكم"، بوصفه تراكماً للوعي الوجوديّ الجمعيّ و تراكماً للحاجة إلى التّبادل الشّخصيّ و تراكماً للحاجات المتبادلة إلى "الآخَر"..، يلعب دوره التّعزيزيّ في ظهور العائلة و الملكيّة الخاصّة التي تتجاوز حدود الملكيّات الشّخصيّة بما هي (الملكيّة الخاصّة) ملكيّة مؤلّفة من عناصر "الوفرة" التي تكون قابلة للتبادل الاقتصاديّ العينيّ الأوّليّ كنواةٍ في تاريخ الاقتصاد الاجتماعيّ و السّياسيّ، الذي سيظهرفي المراحل التّالية مع مجتمع "الطّبقات" و العلاقات الخارجيّة، بين الكيانات السّياسيّة القادمة مع التّاريخ المستقبليّ.

يَعود "التّقسيم الطّبيعيّ للعمل" إلى الآلاف الطويلة من السّنين؛ و لقد سبق هذا النّوع من "التّقسيم" للعمل، جميع الأهداف "السّياسيّة" التي حدّدت فيما بعد أغراض "المجتمعات" الضّيّقة الأولى، كمجتمع القبيلة و العشيرة البدائيّيَن؛

و ذلك مثلما شكّل هذا "التّقسيم" البيئة الأولى لنموّ الأفكار الاجتماعيّة على "العمل" انطلاقاً من أوّل مفاهيم "التّبادل" التي عرفها الإنسان مع التّجاوز الحدّيّ و النّهائيّ لاقتصادات "الاكتفاء الذّاتيّ" في إطار ما كان قد نشأ من "اقتصاد" يُسمّى بِـ"الاقتصاد الطّبيعيّ المنزليّ".

من المفهوم كيف تنشأ في هذه البيئة الطّبيعيّة للعمل، تلك المفاهيم الأوّليّة من الاستئثار و الاحتكارات النّوعيّة بهدف "التّسيّد" في علاقات فرض "السّلعة" (أو السّلع) الأكثر أهمّيّة (أو استراتيجيّة) ليتكوّنذلك "المعادِل" الطّبيعيّ للقيمة و المسمّى "معادل التّبادل"، و الذي يُشكّل النّواة الأولى التي ستشقّ الطّريق بوصفها "وَحدة القيمة" التي ستتطوّر باتّجاه اختراع "النّقد" كَـ"معادل عام".

و الّلازم، هنا، أن يتبيّن القارئ كيف أنّ تحوّل "العمل" من "الاقتصاد المنزليّ" إلى "الاقتصاد" في إطار "الجماعة" و خلق "القيمة" في إطار "التّبادل"، إنّما كان فاتحة في التّاريخ لنشوء مفهوم "العمل الاجتماعيّ" بما هو خالق "القيمة" الحقيقيّ بمختلف الأشكال المعروفة، اليوم، لهذه "القيمة".
في إطار "التّقسيم الطّبيعيّ للعمل"، هذا؛ مع تكوّن مفهوم "القيمة" الذي ما يزال غائماً و ضبابيّاً، في هذه المرحلة التّاريخيّة؛ بدأ يتمايز، أيضاً، مفهوم "القوّة" تبعاً للتّحكّم بالفائض الطّبيعيّ الأوّل من "السّلع"، تحكّماً احتكاريّاً جعل من أصحابه يتمتّعون بوضع اجتماعيّ متفوّق..
فيما بدأت العلاقة الجدليّة بين "السّلطة" و "المِلكيّة" تظهر بوضوح على العلاقات الاجتماعيّة التي تكرّست فيها تلك "التّراتبيّة" بالمشاركة مع المفهوم الّلاهوتيّ لتراتب "السّلطة" (الهيراركيّة)؛ فكان مع تلك البدايات أن بدأ، أيضاً، تمايز الطّبقات الاجتماعيّة، الجنينيّ، و معها تأسّس أوّل المفاهيم الإنسانيّة للقيمة الاجتماعيّة المرتبطة بالمِلكيّة، إضافة إلى تداخل هذا "الوضع" التّاريخيّ مع تنظيم "القبيلة" البدائيّة تنظيماً مستقرّاً و نهائيّاً، فكانت، أيضاً، أن ظهرت أوّل المفاهيم "الدّينيّة" في تكدّس "القوّة" و حمايتها بِ"المقدّس" (و الطّوطم)، و بالتالي افتتح هذا العصر الطّريق التّاريخيّة نحو "السّياسة" و مفاهيمها الضّروريّة الأولى في "التّحكّم" و "التّدبير".


- ثانياً: في التّقسيم الاجتماعيّ للعمل:

كان "التّراكم الأوّليّ" و خلق مفهوم "التّبادل" ينطوي على سِرٍّ أدركه الإنسان بسرعة، إذ لطالما كان هذا "السّرّ" من منتجات الإنسان نفسه.

لقد اكتشف الإنسان في سياق "العمل" تلك القيمة، أو القيم، التي يخلقها هذا "العمل".

و كان لإدراك أن ذلك "الفائض" الخاضع للتّبادل "العينيّ"؛ أي أنّه نتيجة لعمل زائد، أو أكثر تنظيماً للقوّة المبذولة فيه؛ دورٌ حاسمٌ في توجّه "الوعي" البشريّ نحو صناعة "الوَفرة" انطلاقاً من الاستغلال الأمثل للعمل و الوقت و التّنظيم؛

و كانت هذه العناصر كافية، في اجتماعها، لتبدّل صورة "العمل الطّبيعيّ" إلى صورة "العمل الاجتماعيّ"؛

فكان التّخصّص المضاف إلى التّراكم قد شقّ طريقه بقوّة نحو "تقسيم العمل الاجتماعيّ" و ظهور ما يُعرف بِـ"الطّبقات".

في كلّ مرحلة من مراحل الإنسانيّة كانت "الأشياء" و "المفاهيم" متجادلةً في الخلق و الظّهور؛ فما كان من الأشياء يسبق المفاهيم، كان يبحث له عن فكرة في الوعي المباشر لاستقراره و تطوّره المنظّم و المقصود؛
و العكس، أيضاً، صحيح، بحيث أنّ ما كان من المفاهيم يتطوّر متجاوزاً الواقع المؤطّر، سرعان ما يُضيف إلى الأشياء تحسيناتها العقليّة، وفق تلك الميزة التي يتميّز بها الإنسان عن باقي المخلوقات، من جهة أنّه يُضيف الخيالَ، أيضاً، إلى واقع الأشياء المحسوسة فيطوّر بذلك تلك الأشياء بناءً على نموذج ذهنيّ سابق و مبدع و خلّاق.

لا ينشأ "تقسيم العمل الاجتماعيّ"، صدفةً، كما كان واقع الأمر، و الحاجة و الطّبيعة..، قد فرض "التّقسيط الطّبيعيّ للعمل"؛

و إنّما يبدأ "التّقسيم الاجتماعيّ للعمل" مع التّمايز الاجتماعيّ للفطرة الاقتصاديّة مع استثمار الشّيء الجوهريّ في العمل و الذي هو "القوى المنتجة" (طاقة العمل الإنسانيّ مع الأدوات)، و ذلك بناء على تمايز للقوى الاجتماعيّة التي اصطفّت، و إلى النّهاية، في "الطّبقات" الاجتماعيّة - الاقتصاديّة في تقسيم سياسيّ للقوى المنتجة و القوى الاجتماعيّة في وقت واحد، و ظهور المالكين لأدوات (ثمّ لوسائل) الإنتاج و المال، من جهة؛ و ظهور "العامل" (أو العمّال) الذي يملك قوّة عمله التي تحوّلت هي الأخرى إلى سلعة (بضاعة) خاضعة للتّبادل الاقتصاديّ في سوق العمل..
و كان، قبل ذلك، أن عرف التّاريخ شكلاً من أشكال العبوديّة الاقتصاديّة في "الزّراعة" المنظّمة، و هو ما كان متمثّلاً في "نظام القنانة" الزّراعيّ، و الذي كان مالك الأرض، بموجبه، يمتلك "العبد الزّراعيّ" كما يمتلك أيّة أداة للعمل، بما في ذلك التّصرّف بذلك "القِنّ" الزّراعيّ (العبد الزّراعيّ) بالحياة و بالموت.

مع "التّقسيم الاجتماعيّ للعمل" و ظهور "الطّبقات" الاجتماعيّة -الاقتصاديّة، في ما بعد، ظهر بالتّوازي ما سنسمّيه، أيضاً، "التّقسيم السّياسيّ للعمل" و تمايز الفوارق الاجتماعيّة بين "الطّبقات" بناءً على "القوّة" و "الملكيّة" الّلتين أصبحتا في تراكم اجتماعيّ نوعيّ قادرتين على التّعبير أكثر فأكثر عن "الحقوق" الأخرى التي تولّدانها، و أعني بها حقوق السّياسة و السّيادة التي سمحت تلقائيّاً بظهور "الدّولة" الأولى التي ترجع إلى ما يُقارب الألف الثالث و الثّاني قبل الميلاد، و التي تميّزت، علاوة على "طبقيّتها"، بتنظيمها السّياسيّ المُحكم و الشّديد، أيضاً.

كانت هذه الّلحظة التّاريخيّة التي بدأ فيها "تقسيم العمل الاجتماعيّ" بمثابة منعطف تاريخيّ كبير و شامل سوف يُرتّب عليه جميع آثاره القادمة من "المهارات" و "التّنظيم" الذي أدرك قيمته و حجمه في تراكم الثّروات الأوّليّ في أيدي الطّبقات "المالكة"..
و في مرحلة تالية ظهر هذا الأثر، بناءً على المبادئ الأولى للتّقسيم الاجتماعيّ للعمل، ظهر في تنامي و تباين "ثروات الأمم"، بعد أن أضيف لها الأدوات السّياسيّة و العسكريّة التي بواسطتها أصبحت الدّول تطمح إلى غزو الدّول الأخرى، فتفوّقت أمم و شعوب و خضعت لها الأخرى..

و هكذا انتقلت "الدّولة- المدينة" إلى عهدها "الجمهوريّ" الأوسع ؛و كانت الحروب الشّاملة ما بين تلك المكّونات على القوّة و الاقتصاد و التّفوّق و الإخضاع و فوائد ذلك..، أن شقّت الطّريق نحو عصور الإمبراطوريّات الكبرى المعروفة في التّاريخ و التي كان آخرها الإمبراطوريّة الرّومانيّة، و الإمبراطوريّة العثمانيّة الّتي ختمت تاريخ "الإقطاع" بمآسٍ على الشّعوب.

ساهم "التّقسيم الاجتماعيّ للعمل"، إذاً ، في خلق الدّول الكبيرة، و في ما بعد كان سبباً في ظهور العصر "الإقطاعيّ" العالميّ.

يذهب الكثيرون من مؤرّخي "الاجتماع" و "الجمال" إلى أنّ أرقى الإنتاجات الجماليّة و الفنّيّة و الأدبيّة ، كانت أن ظهرت في "عصر الإقطاع"، و ذلك نتيجة للتّفاوت الطّبقيّ الحادّ بين المالكين و غير المالكين مع جشع المالكين المرافق، ما وفّر الوقتَ الفائض عند الطّبقات الإقطاعيّة المالكة، مع وفرة العيش و الاستهلاك، الأمر الذي أفضى إلى إدراك أهمّيّة الكنز الإبداعيّ الهامّ الذي يوفّره عامل الوفرة، الشّامل، و أعني"الوقت" الّلازم للتّأمل و التّفكير و الإبداع.

و لقد رافقَ هذا الإنتاج "الثّقافيّ"، بطبيعة الحال، ظهور النّظريّات الاقتصاديّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة التي كانت تمهيداً طبيعيّاً؛ نتيجة جدليّة الصّراعات الطّبقيّة التي أضافت إليها العلوم الحديثة؛ لظهور البورجوازية و عصر الرّأسمال العالميّ.

كان "تقسيم العمل الاجتماعيّ"، في تطوّره الاقتصاديّ و الثّقافيّ و السّياسيّ، أن مهّد الطّريق إلى "الدّولة القوميّة" مع حلول العصر الرّأسماليّ العالميّ، منذ أن عرفت (انكلترا) خلال القرن السّادس عشر تلك التّحولات الكبيرة من النّاحية السّياسيّة و الدّينية في عهد الملك (هنري الثّامن) حيث وصلت في عهده "الدّولة" إلى تركّز كبير في "السّلطة" المركزية و "الوحدة السّياسيّة" في ما اصطلح عليه مبكّراً بِـ"الدّولة القوميّة" مع التّمذهب الكنسيّ "البروتستانتيّ" القائم على أفكار (مارتن لوثر) و (جون كالفن) التي تتيح التّحلّل من القيود الكنسيّة التّقليديّة الجامدة، و تسمح بمذهب دينيّ "اعتقاديّ" بسيط، و بنظام ربويّ رأسماليّ حرّ و قويّ؛
إضافة إلى تأسيس "شركة الهند الشّرقيّة" و "شركة الهند الغربيّة" و استعمار (أميركا) (الذي بدأ عمليّاً منذ عام 1584م باستعمار فرجينيا)، حيث استطاعت - (انكلترا) - تحطيم أسطورة (أسبانيا) عام (1588م) في التّفوق و السّيطرة على البحار؛

و لقد جرى كلّ ذلك في غضون صراع طويل و مستمرّ و مديد بين "الأرستقراطيّة الإقطاعيّة" متمثّلة بالنّبلاء، و بين البورجوازية الصّاعدة ممثّلة بالتّجار، و ذلك منذ القرن السّابع عشر.

هنا، يمكن أن نقول إنّ العصر الرّأسماليّ الذي يؤرّخ له الغالبيّة، اقتصاديّاً و سياسيّاً و فكريّاً و ثقافيّاً، إلى عهد الثّورة الصّناعيّة الإنكليزيّة - الأوربّيّة التي امتدّت على قرنين من الزّمان، القرن الثّامن عشر و القرن التّاسع عشر، في أوربّا، و بشكل خاصّ مع اختراع الآلة البخاريّة في منتصف القرن الثّامن عشر في إنكلترا، و ظهور الطّبقة الثّالثة الصّاعدة الأوربّيّة في مواجهة الإقطاعيّة و أسلوب الإنتاج الإقطاعيّ الرّيفيّ، مروراً بالثّورة البورجوازية الفرنسيّة عام (1789م)..، إلخ.

أقول إنّ هذ العصر كان قد تأسّس في عهد سابق و منذ القرن السّادس عشر، هذا و لو أنّه ترسّخ، في ما بعد، بقوّة في مفهوم "التّقسيم الاجتماعيّ للعمل" و تعزّز في مفهوم الطّبقات الاجتماعيّة و أسّس بعمق لمفهوم استغلال الإنسان للإنسان، مع ما رافق ذلك، بطبيعة الحال، من نظريّات اقتصاديّة و سياسيّة و ثقافيّة، تنظّر لهذا العصر الرّأسماليّ المديد الذي تعود إليه أغلب منجزات الحضارة في الثّقافة والعلوم، على امتداد القرنين الثّامن عشر و التّاسع عشر.

كان لا بدّ مع هذا "التّقسيم الاجتماعيّ" التّاريخيّ و العميق، للعمل، أن تتراكم جملة من المفاهيم الخاصّة بالتّقسيم الاجتماعيّ للعمل، نفسه، في تمايز القوّة و العنف مع عهد الاستعمار الغربيّ للعالم الذي بدأ مع ظهور الطّبقات البورجوازيّة في (أوربّا) كنتيجة طبيعيّة للتّوسّع في القوّة السّياسيّة التي يحتاج إليها الاقتصاد الموسّع و التّراكم العالميّ للثّروة، مع أهمّيّة ذلك في التّفوق.

إذا لم نقف، بالتّفصيل، عند الاجتياحات الأوربّيّة الإنكليزيّة و الفرنسيّة للعالم في عهود التّوسّع السّياسيّ "الإمبراطوريّ" بدافع ذلك الإرث الذي خلّفته الإمبراطوريّة الرّومانيّة الزّائلة و التّنافس الرّأسماليّ الأوربّيّ الذي كان مسرحه هو العالم كلّه؛ و تلك الحروب الأوربيّة نفسها ما بين الدّول المختلفة عبر أحلاف للمصالح و القوّة و الدّين..، إلخ؛

فإنّنا علينا أن ندرك أنّ الصّراع على رأس المال و التّقسيم الاجتماعيّ للعمل، بجوهره الاقتصاديّ و السّياسيّ، كان أن أشعل حربين عالميّتين للثّأر المبنيّ على مصالح القوّة و العنف و السّيادة؛

و هذا أمرٌ طبيعيّ في تنافس قوى رأس المال العالميّة المختلفة، بل و يبدو أنّه ضروريّ في إطار الصّراع بدليل أنّه قد تمّ بما كان فيه من ترويع للبشريّة.

يقول (آدم سميث) (1723- 1790م):

"يبدو أنّ أعظم تطوّر لقوى العمل الإنتاجيّة، و القسط الأكبر من البراعة و المهارة، و سداد
الرّأي الذي تسير على هديه، أو تسخّر في أيّ مكان، قد تأتّى عن تقسيم العمل".

[آدم سميث. ثروة الأمم].

هذا هو النّموذج الأنصع من الفكر البورجوازيّ الكلاسيّ الذي رافق في القرن الثّامن عشر انتصار البورجوازيّة النّهائيّ على "الإقطاعيّة"، و من الطّبيعيّ أن يبدو هذا النّموذج الفكريّ نموذجاً ثوريّاً في حينه.

من جهة أخرى فإنّ هذا الواقع يُطوّر من "حافز" الإنتاج كما يقول (آدم سميث): "إنّ قوّة التّبادل هي مدعاة إلى تقسيم العمل، و ينبغي لمدى هذا التّقسيم أن يكون دائماً محدوداً بمدة هذه القوّة، أو بعبارة أخرى بوسعة السّوق. فعندما يكون السّوق صغيراً لا يجد الشّخص أيّ حافز يدفعه لينذر نفسه كلّيّاً لمشغل واحد، و ذلك لافتقاده القوّة لمبادلة كلّ ما يزيد عن إنتاج شغله الخاصّ، الفائض عن استهلاكه الخاصّ، مقابل ما يحتاج إليه من بعض منتجات شغل صناع آخرين".

[آدم سميث. ثروة الأمم].

و على عادة جميع العصور أو التّشكيلات الاقتصاديّة الاجتماعيّة فإنّها تستبطن في جُوّانيّتها بذور المعالم المقبلة لشكل التّحوّل التّاريخيّ، الذي ينتظره الزّمن في هيئة المستقبل، و هكذا كان لا بدّ من الانتقال إلى عصر جديد لِ"تقسيم العمل" الذي فهمته الرّأسماليّة العالميّة في الفكر البورجوازيّ الأوربّيّ، على أنّه استثمار للآخر الأقلّ قدرة و قوّة على المقاومة و المواجهة، فكان أن بدأ القسم التّالي في "تقسيم العمل" الاجتماعيّ على مستوى العالم، انظلاقاً من نظريّات اقتصاديّة و سياسيّة داعمة.

يقول (آدم سميث):

"منذ انهيار الإمبراطوريّة الرّومانيّة، لم تزل سياسة أوربّا تميل إلى الفنون، و الصّناعات اليدويّة، و التّجارة، و العمل المدينيّ أكثر ممّا تميل إلى الزّراعة و الأعمال الرّيفيّة".

[آدم سميث. ثروة الأمم]

و لا يخفى على التّدقيق في كلمات (سميث) هذه النّزعة التّسيّديّة الأوربّيّة التي أسّست لظهور عهد الاستعمار الغربيّ للعالم، و لكنْ التي ستؤسس، قريباً، إلى مفهوم اقتصاديّ و سياسيّ هو أعلى من مرحلة الاستعمار، و أعني به "التّقسيم الدّوليّ للعمل".


- ثالثاً: في التّقسيم الدّوليّ للعمل:


في هذه المرحلة يعقل العالم ذاته على أنّه مُجَمّعٌ لمتفاوتي التّكوين. فعلى المستوى الدّوليّ، هناك الرّاشد و هناك غير الرّاشد. هناك الطّفل و هناك الشّابّ و هناك الشيخ الحكيم الوقور. هناك الغبيّ و هناك الذّكيّ و هناك الأذكى. هناك السّيّد الذي تعلو همّته على أولئك الذين ليس لهم همّةُ الإرادة.
و هناك، أيضاً، الدّول التي شقّت طريقها المبكّر إلى التّحضّر، في ما على سفح هذه الذّروة.

ثمّة من الدّول الهامشيّة التي تسكنها شعوبٌ "غير واعية" و التي تقلّد، تقليداً و حسب، الدّول القوميّة المتينة التي يسكنها شعوبٌ أخيار.
و أخيراً هناك المجتمعات التي قدّمت العلوم الحديثة إلى البشريّة في عمليّاتٍ شُجاعة من التّفكير و الإنتاج.
كما أنّ هناك الدّول و المجتمعات و الأمم و الشّعوب الهامشيّة التي تعتاش على استهلاك إبداعات و نتائج ابتكارات المتفوّقين.

هذه هي صورة العالم، صورة التّفاوت الدّوليّ الذي حكمت منطق التّفكير "الإناسيّ" الحديث أو المعاصر، و بخاصّة بعد الحرب العالميّة الأولى التي قسمت العالم إلى حاكمين طغاة و إلى محكومين عبيد.

استطاع العالم ما بعد الحرب العالميّة الأولى أن يُجيّر إليه جميع أفكار "الحداثة" و إنجازاتها العلميّة و الأنثروبولوجيّة و السّوسيولوجيّة و الّليبيراليّة و القانونيّة، بحيث خلق ذلك عالماً واسعاً من المهمّشين (و المتطفّلين!) على مائدة الفكر المعاصر.

لقد أخذ مفهوم "تقسيم العمل" بُعْداً دوليّاً معاصراً يتضمّن جميع أسباب تفوّق البعض من جهة و "دونيّة" الباقين من جهة أخرى.

تعمّقت فلسفات "الأخيار" و نُبذ الآخرون "الأشرار" إلى هامش الصّفحة المليئة بمحافل "الأسياد" و مشاريع "التّقدّم" العالميّ في عصره الرّأسماليّ الأنضج، حيث كانت "الرّأسماليّة" قد دخلت، منذ حين، عصرها الأرقى المتمثّل بالإمبرياليّة، و تحقّقت "نبوءة" (لينين) بأنّ "الإمبرياليّة هي أعلى مراحل الرّأسماليّة". [كتاب (لينين) المعنون كذلك و الصّادر عام 1916م]؛ حيث ظهر وحش رأس المال النّهم، كمارد عملاق، فاستعمرت الدّول المنتصِرة في مجزرة "الحرب العالميّة الأولى"، كلّ العالم!

في هذه المرحلة تحوّلت جميع بذور أفكار "عصر النّهضة" الأوربّيّ، مع فجائعيّة "الحداثة" (من أفكار مزوَّرة في العدالة و المساواة و الحريّة و الدّيموقراطيّة..!) التي عرفها العالم مع "عصر التّنوير"، إلى واقع حيّ و عالم معاش.

أخذ شكل تقسيم العمل البُعْد الدُّوليّ. و شيئاً فشيئاً تآلف الفكرُ السّياسيّ العالميّ مع هذا "التّقسيم" القوميّ للعمل، فظهرت دول العالم المنتجة و صُنعت، صناعة، دول العالم المستهلكة، و بدأ ما يمكن أن يُسمّى بميل تاريخيّ منحدر بشدّة في قسمة اقتصاديّة و سياسيّة و حضاريّة كانت فيها ممارسة القهر على الأمم الضّعيفة مدعومة بهيئات دوليّة و منظّمات عالميّة، أيضاً.

ظهرت الفلسفاتُ و الأفكار و النّظريّات المركزيّة الأوربّيّة (و الغربيّة) كنظريّات التّفوّق العرقيّ و القوميّ و التّاريخيّ التي وجدت تطبيقاتها في الحرب العالميّة الثّانية، بخاصّة، و الإعلان النّهائيّ للصّهيونيّة العالميّة و النّازيّة و الفاشيّة، و تطوّر تطبيقات "فلسفات الإرادة" و "فلسفات القوّة" بناءً على ذلك المخزون الاستعماريّ اللاتكافئيّ بين "الشّرق و الغرب" أو بين "الشّمال و الجنوب"، فجرى تصنيف العالم إلى قسمين رئيسيين: "العالم المتقدّم" و المتمدّن الذي هو (أوربّا) و (أميركا)، و "العالم المتخلّف" و الجاهل و الذي هو بقيّة دول العالم.

و بدأ "تقسيم العمل الدّوليّ"، عمليّاً، بتوزيع الأدوار الاقتصاديّة و السّياسيّة، بين ناهبين و منهوبين، و بين صناعيين و منتجين و بين مستهلكين، و بين أذكياء و منتخبين و بين أغبياء و محدودين و عبيد؛

و توالت مفرداتُ هذه الأفكار حتّى أصبحت واقعاً بفعل الجور و الاستبداد و النّهب الغربيّ لدول العالم الأخرى، التي سُلبت مقدّراتها و طاقاتها و أفكارها، أيضاً.

نشهد في هذه المرحلة من "تقسيم العمل" تطوّراً في لغة السّياسة العالميّة التي تُضمر ما لا تُعلن، بحيث ينشأ مع هذا ذلك النّسق السّياسيّ الاتّفاقيّ العالميّ بالتّواطؤ ضدّ الشّعوب و المجتمعات التي فاتها ركبُ التّراكم الاقتصاديّ و السّياسيّ، على نحو يتأطّر فيه نهائيّاً ذلك التّمييز الحضاريّ القوميّ و الوطنيّ الذي يقسم القيم الأخلاقيّة، أيضاً، فيجعل من الأخلاق السّياسيّة ملحقاً بالسّياسة بما هي أفكار للتّفوّق و السّيطرة و مصالح شاملة.

من جانب آخر، و لأنّ "تقسيم العمل" في هذه المرحلة الموسّعة سيصطدم بمحدوديّة "السّوق" (و الأسواق) بوصفه مناسبة للإنتاج الموسّع و الغزير السّاعي إلى المزيد من مراكمة رأس المال، عن طريق الرّبح القائم على الاستثمار و الاستغلال؛ فإنّه يعمل على فتح المزيد من أسواق الاستهلاك عن طريق الاستعمار حصراً، و ذلك كما كنّا قد وجدنا في أنّ الاستعمار شرط بنيويّ من شروط تقسيم العمل الدّوليّ، من حيث الإنتاج و استغلال الموارد في الأطراف التّابعة للمركز الإنتاجيّ الاستعماريّ.

اقترنَ تحوُّلُ بعض "الأمم" إلى "الثّراء"، بإفقار "أمم" أخرى؛ و كان هذا الشّرط هو الشّرط الوحيد الذي يجعل من الدّول المختلفة و المجتمعات المتباينة، مختلفة على درجات القوّة الاقتصاديّة و السّياسيّة التّالية التي قادت إلى الفوارق الحضاريّة ما بين الشّعوب و المجتمعات و الأمم و الدّول إلى ما نعرفه، اليومَ، من تناضدات.

غير أنّ أهمّ ما أنتجه هذا العصر هو تفتّق العقل الإنسانيّ عن الكثير من "الأفكار" و القناعات و المخطّطات السّياسيّة الموضوعة من أجل عالَم يقوم على المزيد من التّحكّم و الطّاعة و السّيطرة و "السّيادة النّوعيّة" بين البشر، موازية لنظريّات فكريّة و أيديولوجيّات متحيّزة إلى جانب الأقوياء، فكانت أن تقدّمت الأفكار على العالم و طفق العالم يجري وراء هذه النّظريّات و الأفكار.

فمن التّفوّق الطّبيعيّ لبعض الشّعوب، و أفضليّات أمم على أخرى، و شعوب خلقت لتكون محكومة و أخرى لتكون حاكمة، إلى طموح أفكار أخرى تبرّر استعمار و استغلال و حتّى إبادة شعوب بعينها، و ذلك حتّى ظهور الأفكار السّياسيّة الغيبيّة المعتمدة على نصوص دينيّة وضعيّة نُسبت إلى الآلهة؛

أمام كلّ ذلك و ما رافقه من "تطوّر" لأدوات التّحكّم و السّيطرة و ظهور قوى اقتصاديّة عالميّة شديدة التّنظيم، تقاطعت مصالحها الماليّة العالميّة مع الأفكار السّابقة، بدأ عصر جديد في تاريخ العالم في "نظام عالميّ" يستبطن الأفكار الخاصّة التي جعلت من "السّياسة"، نفسها، و لأوّل مرّة في التّاريخ، حكراً على عقول و قوى غير علنيّة و لكنّها حاكمة بحكم احتكارها للمال و الأفكار و التّكنولوجيا و السّلاح و لأشياء أخرى أيضاً ذات أهمّيّة إنسانيّة خاصّة.

و كان لا بُدّ.للتّقسيم الدّوليّ للعمل من أن ينتقل نقلة مختلفة في التّنظيم العابر للدّول و الأمم و الشّعوب و المجتمعات و القارّات و القوى و الأفراد.

- رابعاً: في التّقسيم السّياسيّ العالميّ للعمل:

جرى مع نهاية الحرب العالميّة الثّانية إعادة تقسيم للعالم و علاقاته الدّوليّة كما جرى تقسيم للمركزيّة في القوّة العالميّة بين "الشّرق" و "الغرب" في انقسام جشع على عالمٍ جرى فيه تدمير الدّول التي خرجت من الحرب تجرّ ذيول خيبتها، فيما انتعشت دول جديدة في تحوّلات لموازين القوى فظهرت (أميركا) كقوّة عالميّة رئيسيّة إلى جانب "الاتّحاد السّوفييتيّ" الذي كان أن استثمر نتائج ثورته الاشتراكيّة (الشّيوعيّة أو البلشفيّة) في إقامة تحالف دوليّ واسع في أوربّا و آسيا على امتداد شاسع و مهيب...
دخل العالم، بعدها، في مرحلة أطلق عليها مرحلة تحرّك شعوب الشّرق الآيلة إلى التّحرّر، و حقوق الشّعوب في تقرير مصيرها.

و إذ لاقت حركة هذه الشّعوب الدّعم و التّأييد من قبل "الاتّحاد السّوفييتيّ"، كان الوجه الآخر للعلاقات الاقتصاديّة السّياسيّة يترسّخ أيضاً، بما هو نظام استعماريّ متطوّر جدّاً اقتصاديّاً و فكريّاً، ما أدخل العالم في "الحرب الباردة" التي كسبتها أخيراً "الولايات المتّحدة الأميركيّة" لأسباب عديدة و مختلفة لا نبحثها، نحن، الآن.

واجَهَ العالَمُ مع "الحرب الباردة" منذ خمسينات القرن العشرين الماضي، استقطاباً حادّاً في البنية الهيكليّة للعلاقات الدّوليّة، جرّاء الانقسام الصّريح و العلنيّ و شبه الشّامل للدّول خلف معسكرين اثنين هما "الاتّحاد السّوفييتيّ" و "الولايات المتّحدة الأميركيّة".

بعد نهاية ما سمّي بالحرب الباردة، بخاصّة، وجد العالم نفسه أمام واقع شديد التّعقيد مع ثورة المفاهيم الجديدة و دلالاتها في النّظريّة السّياسيّة، بعد أن جرى تعديلٌ عميق و تغيير جذريّ في أسس العلاقات الدّوليّة في واقع عالميّ متغيّر بسرعة و تنامي الحاجة إلى لعبة الأدوار و المصالح العالميّة المتناقضة، ما جعل العالم أمام مرحلة جديدة من "النّظام العالميّ" تميّز أساساً بنَدرة "المعلومة" الحقيقيّة، مع أنّه بدأ عصراً للمعلومات!

نحن، الآن، إذاً، أمام "نظام سياسيّ عالميّ" بعد أن كنّا في "نظام سياسيّ دوليّ"، نظراً للتّمايز الشّديد في القوّة المنفردة التي استحوزت عليها "الولايات المتّحدة"، و بدأت بمشاريع منفردة على الصّعيد العالميّ، فتوسّعت في "المحيط الهادي" على أقصى تخوم شرق (آسيا)، واحتلّت (أفغانستان) و احتلّت (العراق) و أشعلت الحروب الأهليّة في (أفريقيا) و بخاصّة في (الصّومال) و (السّودان)، و لم تكن (إسرائيل) بمعزل عن هذه "الحروب" و "التّطوّرات" التي كانت تضيف فيها دورها الفاعل الذي يساند دور (أميركا) العالميّ.

و لهذا سنسمّي هذا الواقع العالميّ بِـ"التّقسيم السّياسيّ العالميّ للعمل" بسبب التّوزيع المنفرد للقوّة في النّفوذ و العنف الدّوليين، و الذي بات بحكم "القدر" السّياسيّ على العالم، جرى فيه النّهب الإمبرياليّ لمقدّرات الشّعوب في الدّول المحتلّة و المتصارعة، كما جرى الإتجار الواسع بالتّقنيّات و بخاصّة منها الحربيّة العسكريّة، و جرى مع ذلك، جنباً إلى جنب، توزيع الأفكار و النّظريّات الإمبرياليّة القاضية بنهاية محتومة للسّياسة العالميّة في القبضة الأميركيّة العالميّة، في خضوع عالميّ لم تألفه الأرض.

و في الوقت نفسه طرأت تغيّرات شديدة على مفهوم "الدّولة القوميّة" جرّاء تفريغها من مضمونها السّياديّ، فدخل الجميع في "سياسة واقعيّة" حيث كانت الواقعيّة مرادفاً للعجز و التّهرّب ممّا لا طاقة لأحد في مواجهته، في الوقت الذي كانت القوّة العالميّة توزّع مفاهيم "الّلبيرتاريّة" العالميّة في هيئةٍ "نيو ليبيراليّة" أغرت الشّعوب، فأحالت القوانين الاجتماعيّة في مختلف دول العالم إلى قوانين شكليّة، تطوّر معها العنف الاجتماعيّ و السّياسيّ في مختلف بقاع الأرض، في غياب الدّور التّقليديّ المصادر للدّولة ذات السّيادة.

يقضي مفهوم "الّلبيرتاريّة" بانشاء نظام عالميّ يسمح للجميع(!) بتبادل العلاقات "الّليبيراليّة" الموسّعة و المنطبقة، عدا على الاقتصاد، على السّياسة و العلاقات الدّوليّة و الصّراع المسلّح..، أيضاً، في إطار "حرّيّة التّحالفات" و "استقلال التّوجّهات"..
لا سيّما أن "الّليبيراليّينالجدد" ينظرون إلى "المصالح القوميّة" في منظار "العسكرة" القائمة على الحروب و "المساومات"، و هو – في رأيهم – ما يخلق "النّظام السّياسيّ العالميّ"، ليس من توازن القوى و التّعاون في إطار "النّظام"، بل من "تفاعلات" القوى الحاكمة و المسيطرة سياسيّاً أو اجتماعيّاً أو التي تستطيع، مع "الدّعم"(!)، أن تسيطر، وفق التّوجّه العولميّ، من جديد!

ببساطة يمكن أن نصف "التقسيم السّياسيّ العالميّ للعمل" بأنّه شرعنة لصرف النّفوذ الإمبرياليّ على العالم، عن طريق التّدخّل المباشر في شؤون و أمور الدّول "ذات السّيادة القانونيّة"، و توزيع الأدوار في الاعتماد المتبادل لتحقيق المصلحة العالميّة، طبعاً و التي تعني أخيراً هيمنة أدوات "العنف" و القوّة و المال على جميع الآخرين. باختصار إنّ هذا الشّكل الجديد من العلاقات السّياسيّة العالميّة، لا يعدو أن يكون "أمركة" العالم!

- خامساً: في الوظيفيّة المعاصرة لتقسيم العمل العالميّ:

لقد وجدنا، حتّى الآن، أنّ تقسيم العمل السّياسيّ و الاقتصاديّ العالميّ له أهدافه الكبرى في إخضاع العالم لرأس المال و قواه و شروطه و أهدافه المتعدّدة؛

غير أنّ ذلك لا يسير وفق كيفيّات فوضويّة كما توحي بها السّياسات المصرّح بها من قبل (أميركا) أو من لفّ لفيفها، كأن يكون ذلك في "النّظريّات" التي توحي بالفوضى أو خلط الأوراق و الأشياء و الأدوار، و إنّما يجري ذلك التّقسيم وفق "وظيفيّة" مُحدّدة ترتبط بأغراض مباشرة و تفضي، أخيراُ، إلى أهدافها الحقيقيّة في التّحكّم و التّسلّط و السّيطرة و الإخضاع.

من الطّبيعيّ أنّ مفهوم "الوظيفة" يرتبط ارتباطاً مباشراً بمفهوم "الدّور"، و هذا بدوره يرتبط، بالطّبيعة، بمفهوم "بنية العالم".

يُحاجج (دوركهايم) (1858- 1917م) في كتابه "تقسيم العمل الاجتماعيّ"، (جان جاك روسو)، في أنّه "لم يثبت، قطُّ، بالبرهان أنّ الحضارة شَيءٌ خُلُقيّ"؛ و هذا أمرٌ يتّفق عليه، في ما أعتقد، جميع الشّهود العقلاء على هذه "الحضارة".

و لكنّنا نتحدّث، نحن، على "تقسيم العمل العالميّ" من وجهة نظر"السّياسة" و "فلسفة السّياسة"؛ و من الأفضل، بالتّالي، استبعادروائز "الأخلاق" من هذا الحديث، ليكون لنا إمكانيّة فهم و وصف "العالم" على ما هو عليه اليوم في هذا العصر العولميّ.

و إذا كانت "الحضارة" لا تأبه، عمليّاً، للأخلاق، فإنّها، بالتّأكيد، لا تأبه لأخلاقيّاتنا، نحن، كما تعرّفنا عليها في تقاليد الفكر الإنسانيّ التّاريخيّ الذي كان، دوماً، ينطلق من الغاية الكلّيّة لينتهي، بها، فيها، أيضاً، مع اعتماد النّموذج الأخلاقيّ في العمل الإنسانيّ على أنّه هو النّموذج الأكثر عدلاً و عقلانيّة و ضروريّة و مسؤوليّة و إنسانيّة.

و لكنْ دعونا نعترفْ بأنّ "الأولويّات" الإنسانيّة، اليومَ، ممثّلة بأكثر المعبّرين عن الإنسانيّة، نفسها، قدرةً و قوّة و تأثيراً، إنّما هي "أولويّات" أصبحت مختلفة كثيراً عمّا كانَتْه في المباحث الأخلاقيّة التي عرفناها جميعاً و التي لم نعرفها، أيضاً؛ ذلك أنّ صورة العالم كلّها قد تغيّرت حتّى بالنّسبة إلى أكثر دعاة الأخلاق التّقليديّة، المعياريّة، حماسة و تحزّباً و انتماء، بسبب غزارة المتراكم من "أعراف الحكمة" المعاصرة التي انقسمت إلى قسمين رئيسيين:

الأوّل، و هو القدرة على التّحكّم و السّيطرة..
و الثّاني، و هو "القدرة" على الخضوع!

غير أنّ ثمّة جزءاً آخر بين هذين القطبين السّياسيين البشريين، و لو أنّه ليس من المعترف به، بعد، يمكن أن يشقّ طريقاً له إلى عالم الواقع و المستقبل..

أتحدّث، هنا، على "قوّة العقل" بوصفها "فعلاً" في عالَم هو، في المحصّلة، يجب أن يكون "معقولاً" و لو أنّه عالم غير "عقلانيّ".

إنّ أوّل ما تقتضيه "المعقوليّة" هو أن يكون المرء قادراً على تقبّل الواقع، بوصفه إنجازاً أخيراً في الّلحظة المُعايَنَة، كما بوصفه مكوّناً من مكوّنات التّفكير.
و ينطبق هذا الأمر على السّياسة و الاقتصاد و الثّقافة، و لكنّه قبل كلّ شيءٍ هو نتاجٌ لأحكام "فلسفة السّياسة" التي تعني، أيضاً، في ما تعنيه، معرفة الحدّ الفاصل بين الفكرة المجرّدة، بالمطلق، و تلك التي تكتسي برداء التّجريد و لكنّها ممكنة عمليّاً في عالم العمل و السّلوك.

من جانب آخرَ، تُبدي "فلسفةُ السّياسة" وجهاً يُناضل ضدّ العجز غير الإراديّ الذي يُصيبُ الفكرَ بعدوى الاستكانة، من حيثُ أنّ "الإرادة" التي نعرفها، جميعاً - و أعني التي سمع بها الجميع(!) - هي ليست أكثر من استجابة وجدانيّة لأصلٍ أوّلَ استفاضَ بالعقلِ إلى أن كانت "الإرادة". إنّ الإرادة معرفة.
و بهذا "المعنى"، فإنّ "فلسفة السّياسة" هي "معقوليّةٌ" في المُعاشِ و "عقلانيّة" في "تاريخ الأثر". "الأثر" الذي هو، وحده، الذي علّم الإرادة التّأثير.

تحضّ السّياسة، بما هي "أصلٌ ميتافيزيقيّ" (فلسفيّ و أونتولوجيّ)، على "الفعلِ"، بعد الإدراكِ المُفضي إلى التّفكير. و ههنا يتكامل "الممكنُ" مع "الواقعيّ" الذي أجّلتْه "الأحداث". و الأحداث في لغتنا، هنا، هي أحداث "الحرب" التي نعيشها بواحديّة و تعدّديّة و تشابه و انسجام، و بخلاف أيضاً!

يكادُ يكونُ كلُّ ما كان من حديث، في هذا العرضِ، أعلاه، لأجل هذه الّلحظة من الكلام..

شَغلت هذه الحرب.. كلّ العقلِ و الفكر و القيم و الأخلاق و الوجدان و العاطفة..، فيما هي، بالتّأكيد، كانت مجرّد فرصةٍ للإنسانِ "القرد" الذي لم يُبارح نعته في صفات الخلق و المخلوق.

و لقد تأصّلتْ، في الأساس، مسؤوليّةُ التّفكير بالحرب، من حيث هي مُعضلة مزمنة، بقلّة من المواطنين! و ربّما أنّ هذا "التّفكير" بالحرب على وقع الموت و الشّهادة و الحاجة و التّشرّد و الحرمان و الأوجاع التي لا يحدّها سوى الأمل..، هو أكثر ما يُلزِمُنا بمسؤوليّة التّفكير التي تتجاوز المعهود.

إنّه حيث أفضى "تقسيم العمل" العالميّ الجائر.. إلى هذا "الوضع" الصّريح و المفضوح من "تقسيم العمل" في "الدّور" و "الوظيفة"، فإنّه من المناسب أن نختمَ بشيءٍ من الكلام في إطار هذه الفكرة على الحصر.

نحن عندما نقول بِ"تقسيم العمل السّياسيّ العالميّ" لا نذهب إلى القول بأنّ ثمّة "خيارات" أو "قُرعة" يجري بموجبها هذا "التّقسيم".

"العالمُ"، اليومَ ، أنتَ إمّا أن تكونَ فيه أو لا تكون أبداً!

هذه هي "المعادلة" التي تبدو أنّها من المعادلات البسيطة ذات المجهول الواحد، مع العلم أنّها معادلة مكوّنة، كلّها، من مجاهيلَ من دون أيّ "دالّ" واقعيّ أو حسابيّ أو رياضيّ، باستثناء أنّها تحتوي على "دالٍّ" واحدٍ، "هندسيّ"، "وجد".. لكي يُنقذ إخفاق المشروع العالميّ في موتٍ سريريّ مباشر و نهائيّ.

و من هذه المعادلة ثمّة ما هو يتفرّع عنها في المشتقّات التّابعيّة التي ترسمُ المشهد العالميّ في شكله المعقول و المقبول؛ و تتداخلُ في الرّسم البيانيّ لهذه "المشتقّات التّابعيّة" (بلغة التّحليل الرّياضيّ) صورة معقّدة، حيث "تتطابق" بعض خطوط البيانات و "تتباين" أخرى و يُضحّى بخطوط مهملة فتنزلق إلى محور الأفق في الإحداثيّ "السّينيّ" الخطّيّ، فيما ينعكس اتّجاه بعضها على هذا المحور الأفقيّ باتّجاه العكسيّة السّالبة، بينما يبقى المبدأ الميميّ المركزيّ لهذا الرّسم البيانيّ "الدّيكارتيّ"، يتّقد بطاقة المنح إلى "أعلى" و إلى "أسفل" و إلى "أمام الأفق" و إلى "خلف الأفق" في مجهولٍ مطلق نحو تناهٍ في الفَناء.

عندما يُستعانُ بالرّمز على "تقسيم العمل السّياسيّ العالميّ" المعاصر، على مستوى العالم، فذلك لأنّ الكلام بلغة المباشر سيبدو سخيفاً تبعاً لسخافة الأهداف العالميّة في هذا "النّظام" العالميّ الأخرق الذي لا تُجدي فيه القيمة النّهائيّة و لا تُفترضُ أيّة غاية إنسانيّة عظيمة؛ و إنّما يتمركز جميع هذا "النّظام" على الشّهوة الدّنيويّة التي تُعتبر عند أصحابها مطلقة "المعنى"، في الوقتِ الذي ينأى فيه "معنى" العالم في غاية تختزنها "دلالات" (و مدلولات) متواضعة الوضوح إنْ لم نقل مجهولة الغايات.

يعمل الجميع من أصحاب القوى السّياسيّة في العالم المعاصر على رسم الأهداف كخطّة لإخضاع الآخرين؛

و في ما يقبل "البعضُ" (الغالبيّة في الحقيقة) بهذه الخطّة العالميّة للنّظام في تقسيم العمل السّياسيّ العالميّ، فإنّ "المقابل" غالباً ما لا يتناسب مع حجم "العوائد"، و هذا في "محاسبة التّكاليف" الاقتصاديّة و الماليّة بل و حتّى الشّخصيّة التي تتبع أغراض الأفراد، إذ أنّ الصّيغة المثلى للتّضحية غالباً ما تكون بالكلّ من أجل الأجزاء.

إنّه بدلاً من أن يعمّق العالم في "النّظام" مسوّغات "القيم" في "السّياسة"، فإنّ ما يحصل هو العكس تماماً، و أعني تفريغ "القيم" من باقي دلالاتها الواقعيّة أو الوجدانيّة كمعللات للوجود.

إنّ "التّطوّرات" المنتظمة و المستمرّة و غير المحدودة للرأسماليّة العالميّة و تعبيراتها الأيديولوجيّة البلهاء في الّليبيراليّة و الدّيموقراطيّة و غيرها، لم تعد تستطيع أن تجنّب "روح العصر" تهافته الذي يتساخف و يتتافه، يوماً بعد يوم؛ ذلك لأنّه، و على رغم التّصدير العالميّ للمصالح الاقتصاديّة و السّياسيّة كمبادئ موجِّهة للسّياسة، يمكننا ببساطة أن نجد تعبيرات أخرى تمثّل هذه الأهداف و لا تخرج عن كونها حمّى الفرديّة و سعار التّفوّق؛

مع العلم أنّ تفوّق الإنسان يجب أن يكون، أوّل ما يكون، على نفسه و ليس على الآخرين. لم تتقدّم الإنسانيّة إلى "الأفضل" عبر روّادها الكبار إلّا عندما تفوّق هؤلاء الرّواد على أنفسهم، أوّلاً، ثمّ على مادّة الموضوع الذي يشتغلون عليه. لم يبنِ أحد من هؤلاء الرّواد أيّ صرح، لأيّة فكرة أو تجربة أو إبداع أو اكتشاف..، إلّا على اختراع "المعادل" العبقريّ للجواب المكنون في أسئلة العالم و التّاريخ.

و في تنافس الإمبرياليّة في الرّأسماليّات المكوِّنة، بواسطة الدّول، يطغى على "العالم" الضّعيف التّضحية و الموت الذي يجعل من المسرح العالميّ ملعباً غضّاً لأظلافِ الوحوش. هذا هو، اليومَ، أقصى ما توصّل إليه "التّقسيم السّياسيّ العالميّ للعمل" في أحدث صوره و أشكاله القاتلة.

إنّ الشّكل المعاصر للتّقسيم السّياسيّ العالميّ للعمل، يتجلّى في مفهوم مختلف و مغاير تماماً لمفهوم العمل الذي كان متعارفاً عليه قبل عصر العولمة؛

فالتّجاوز الهائل للعمل نفسه و تقسيمه، إلى الأفكار و تقسيم الأفكار و توزيعها و إعادة إنتاجها في الأمم المستهلكة لها و إعادة توزيعها من جديد، هو الذي يُميّز التّقسيم السّياسيّ المعاصر للعمل، بعد أن أعادت مرحلة "ما بعد بعد الحداثة" تكرير مفاهيم الحداثة نفسها على "الحرّيّة" و "السّيادة" و "الدّيموقراطيّة" و "العدالة" و "المساواة" و "العقل"، في إنتاج و إخراج جديدين يطغيان على الأفراد قبل أن يطغيا على "الأفكار" القوميّة للأمم و المجتمعات، بحيث يُعاد إنتاج المفاهيم القوميّة و الوطنيّة نفسها بناءً على معطيات المضامين و المفاعيل الجديدة..
على نحو "معاصر" محطّم الدّالات و الدّلالات الذّاتيّة في "موضوعيّات" سائبة بمزيد من أوهام الحريّة و الاستقلال الفرديين الّلذين يضمنان هذا الشّرخ المعاصر للفرد الكوسموبوليتيّ المستلّب، الذي نسيَ عهده مع صفاته الخاصّة نسياناً حضاريّاً مشوّهاً في أنفاق العالميّة و عتمة العولمة، بعد أن وضعت الأفكار العولميّة الفرد العالميّ في صراع مع ذاته أوّلاً، بحيث يتحوّل الإنسان في المجتمعات الحالمة إلى عدوّ لنفسه و عدوّ لأسرته و عدوّ لجماعته و عدوّ لمجتمعه و عدوّ لوطنه.. في استحالته إلى كائنٍ لا أدْرِيّ و عدميّ و متوحّش فاقدٍ لمكانيّته و شرطه و داخلٍ في عنق الزّجاجة التي تحوّل فيها واقعه إلى تهويمات و انحلال و إجرام موظّف.

إنّ أهمّ ما يُميّز اليومَ "نظام العالم" هو انسحاق "الثّوابت" و إلغاز المتغيّرات... و في هذا الإطار تنضجُ الصّورة في عيون الفكر و دماغ العقل العالميّ..
و يبقى من السّابق لأوانه أن يتوقّع المرء نهاية عمليّة لهذا "النّظام"، على رغم أنّ الكثيرَ من المؤشّرات المختلفة تؤكّد أن العالم يسير نحو التهام الذّات عن طريق التهامه للمكوّنات التي تصنع هذه الذّات!

هكذا تتعاظم وظيفة الأمم الهامشيّة و تبدو ضرباً من المحال، عندما تحاول أن تعملَ على الالتحاق بالأقوياء.

فهل تستطيع أُمَمُ الهامش اليوم أن تقدّم أجوبتها العمليّة و النّظريّة على أحجيات هذا العالم؟

لا يبدو أنّ الجوابَ قيد الممكن إلّا في إطار فلسفة للسّياسة تملأ فيها الفكرة ما هو منتقصٌ منها، واقعيّاً، في هذا المعمعان؛ و بالحصر عن طريق التّنظير المفضي إلى لغة "الواقعيّة السّياسيّة" و ليس في لغة "السّياسة الواقعيّة".. (!؟) في عالم سياسيّ متآكل القيم، في توظيف هذه القيم توظيفاً. يبتعد أكثر فأكثر عن غاية يمكن حدسها حدساً، عند من لا يقوَون على التّفكير.

***

كتب الأستاذ فهد ملحم التعقيب التالي على الحلقة "35" من سلسلة الفكر الاستراتيجي:

كما هو معلوم فإن المذهب التجاري أسس الركيزة او المنطلق للرأسمالية الاستغلالية.

فالنظام الرأسمالي يقوم على استغلال الدول لبعضها الآخر وتقسيم العمل الدولي على أسس غير عادلة (على عكس الاشتراكية التي نأت عن السياسة الظالمة الإستغلالية؛ ودعت إلى المساواة والمنفعة المتبادلة في العلاقات بين الدول، سواء أكانت هذه العلاقات تجارية أم سياسية؛ ومن هنا كان التناغم بين الدول الاشتراكية والدول النامية.).

- لكن بانهيار الاتحاد السوفيتي؛ اضمحلت التجربة الاشتراكية؛ وكنا قد دخلنا في ثورة الاتصال الخامسة ؛ وبدأ يظهر على الصعيد العالمي تقسيم جديد للعمل الدولي.

1 - سوق عالمي تتربع على عرشه الأسس الرأسمالية.

2 - هيمنة القطب الواحد.

3 - ظهر لدينا ما يسمى (المركز - وشبه الضواحي - والضواحي) كأطراف تتعامل مع السوق العالمي.

وحريٌ بنا الإشارة إلى أن دول المركز يقودها ثالوث اقتصادي وهو الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوربي (ويبدو أنّ الصين في طريقها للتربُّع على العرش الاقتصادي، لكن الولايات المتحدة لا تسمح لها؛ وهذا بحث آخر لسنا بصدده الآن..).

وبالنسبة لشبه الضواحي (فالاقتصاديون أشاروا هنا إلى جنوب أوربا، وجنوب افريقيا، وجنوب شرق آسيا "النمور"..

أما الضواحي، فهي الدول المتخلفة ثقافياً، وعبارة عن سوق لتصريف المنتجات الصناعية.

لا أريد أن أحوّل التعليق لمادة درسية مملّة .. فهذه المعلومات موجودة في كتب الاقتصاد وفي متناول الجميع ...

ولكن أريد أن أشير إلى نقطة أساسية بموضوع تقسيم العمل الدولي ؛ بأن هذه النقطة ما زالت تحتكرها الدول الكبرى ؛ وزادت دكتاتورية هذا الإحتكار بعد الحرب العالمية الثانية ، عندما سيطرت الولايات المتحدة على الثالوث الاقتصادي ( البنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي ، والتجارة العالمية ) ...

كالعادة لا يمكننا بتعليق بسيط ، الإحاطة بموضوع استراتيجي كهذا الموضوع ، الذي ألّفَ عليه الاقتصاديون مجلدات .
ولكن نحن بصفحة المفكر الدكتور بهجت سليمان ، نتشرف دائماً بالتعليق بما يليق وبوجهة نظر متواضعة .

- السلام عليكم سيدي السفير صاحب الفكر المنير .

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4354636