الصفحة الرئيسية

كتب الدكتور بهجت سليمان: التّماسُك الإجتماعي.. و "أتْمَتَةُ الفساد"

{الحلقة الرابعة والثلاثون “34“ من “سلسلة الفكر الإستراتيجي"}أ بهجت سليمان في دمشق

(التّماسُك الإجتماعي.. و "أتْمَتَةُ الفساد")


[بعد أُفولِ "الّليبيرتاريّة".. سورية بين "اختراع العجلة".. و "الّلِحاقِ بالذّات"]

* د. بهجت سليمان


إذا فرضنا أنّنا نعيشُ في عالم عاقلٍ جُنُونَهُ..، و هذا واقع كما يبدو، ففي الحدّ الأدنى علينا أن نصدّق أنّ غايةَ السّياسة هي تنظيم الاجتماع و دفعه إلى أفضل ما يعود بالخَير على السّياسة و الاجتماع في وقت واحد.

و إذا قلنا إنّ ثمّة ما هو متناقضٌ في مصالح السّياسات العامّة تبعاً لتناقض غايات كلّ من الاجتماع و السّياسة، و بخاصّة عندما لا تُدرك المجتمعاتُ مصالحَها الكاملة في تعقّد و تعقيد العالم المعاصر و تحدّياته..
فإنّ على السّياسة وحدها يقع عبء تحليل ذلك و توصيفه عمليّاً و التّصرّف بموجبه، من دون أن تكون مضطرّةً إلى الشّرح و التّسويغ و التّبرير لعناصر و حاجات التّدبير.
غير أنّنا في كلّ الأحوال نواجه أمراً واحداً لا يمكن تجاهله و هو الكيفيّة التي تؤهّل بها السّياساتُ المجتمعاتِ لتشكّلَ هذه المجتمعاتُ الأوساطَ الضّروريّة، كأوساطٍ وحيدة، لممارسة السّياسات؛
إذ ليست السّياسة غير كائن تنظيميّ لمادّة تاريخيّة و موضوع متفاقم، يتمثّل في كائن حيّ هو "المجتمع".

و يترتّب على السّياسة، هنا، لكي تحفظ ذاتها و تحافظ على أدواتها و أهدافها، هي نفسها، أن تعمل على الحفاظ على موضوعها، حيّاً و حيويّاً، الذي هو المجتمع، و أن تحميه من نفسه، عن طريق الدّفاع عنه بشتّى الممكنات؛

و لهذا غالباً ما ينطوي غرض السّياسة في "الدّفاع عن المجتمع"، عندما يكون إدراك واقع أنّ "الغرض" هو جزء من الأهداف التي تمثُل في أفق الحدث العامّ، على أمر سابق "نظريّ" و يقع على الدّولة وحدها فهمه و إدراكه بالوسائل لتطبيقه و تنفيذه بنجاح.

يقتضي "الدّفاع عن المجتمع" دفاعاً مستميتاً عن "الذّات" السّياسيّة للدّولة، و هذا ما تقوم به، فعلاً، الدّولة الحديثة، عندما تكون في مرآة ذاتها تسير وفق مصالحها التّاريخيّة..

إلّا أن "الدّولة" تترَاخى عمليّاً، في أوقاتٍ محدّدة، عن إضافة مهمّة الدّفاع عن المجتمع إلى عمليّة الدّفاع عن "الذّات" السّياسيّة؛ و عندها، فقط، تتضخّم الدّولة (أو تتغوّل..) في تقزّم المجتمع و انحرافه إلى عامل سلبيّ خالص في تمثيله لقاعدة الدّولة، فتَحْيا "الدّولة" في فراغ اجتماعيّ، يُستثمرُ انتهازيّاً و عكسيّاً مع أهدافها، فيها و من قبل أدواتها أو بعض هذه الأدوات، استثماراً سياسيّا مقاوماً لغايات السّياسة العامّة، مقاومة تثني فيها المجتمع ثنياً تواطئيّاً ضدّ الدّولة في رموزها السّياديّة العليا..
و قد استطاعت قوى السّياسة الضّمنيّة في الدّولة أن تحوّلها إلى رموز عدائيّة للمجتمع، في قواه الأكثر سلبيّة و انغلاقاً، لتنشأ في هذا المجتمع المركّب معارضات ظرفيّة و غير تاريخيّة، تحرف القوى الاجتماعيّة الجنينيّة الطّامحة إلى التّقدّم و تجرّها في طريقها كسيلٍ يستضعف الولادات الجديدة السّليمة، فيسحقها جاعلاً منها أدوات راديكاليّة كسدٍّ إضافيّ في وجه الدّولة و مشاريعها النّهضويّة المفترضة، تحت ذريعة المظلوميّة المزيّفة التي تنطلي على الأكثريّة، فتفقد الدّولة، بذلك، محرّكاتها الحيويّة التي تحتاجها في الدّفع الثّقافيّ و السّياسيّ نحو الاندماج.

فالدّفاع عن الدّولة السّياسيّة, هو قبل أن يكون دفاعاً ذاتيّاً بالدّستور و القانون و الضّابطة و الأمن الجماعيّ، إنّما لا يكون بدون أولويّات الدّفاع عن "المجتمع"؛
فيما يكون الدّفاع عن "المجتمع"، أوّلاً، و قبل أيّ شيء، بما نسمّيه النّقد الاجتماعيّ بأهدافه السّياسيّة، لتشخيص شرور المجتمع الموازية للخلاءات السّياسيّة المتراكمة، و التي جعلت من الحدود الثّقافيّة للجماعات إشكالاتٍ اجتماعيّة، عبّرتْ عنها في قوى سياسيّة دخلت في مفاصل الدّولة، بحكم التّبادل الاجتماعيّ- السّياسيّ، و هذا أوّلاً؛
و بحكم الاستراتيجيّات السّياسيّة للجماعات "الثّقافيّة" ذات الرّوابط الضّعيفة أو المعدومة مع "المشروع" العموميّ، و هذا ثانياً و على الأقلّ..

لا مانع، دوماً، في النّقد الفكريّ للظّواهر التّاريخيّة (كالدّولة و المجتمع)، من تكرار بعض المفاهيم و الأفكار، إذ لطالما كانت تلك الظّواهر لا تستجيب إلى الوضوح أو الاستيضاح السّياسيّ، و تالياً تنفر، باستمرار، من التّعرية الثّقافيّة و العزل الاجتماعيّ..، مُصرّةً على تكرار نفسها و ممعنة في طموحها إلى الخلود الاجتماعيّ، بناء على ثقتها بالتّاريخ الذي أيّدها، دائماً، فظنّت أنّ هذا الوضع الشّاذّ قد أكسبها، نهائيّاً، شرعيّة إغراق الواقع بآثارها التي تحيا بها و تفرضها على الحاضر، في ما هي عينها على الحاضر و المستقبل، بثقة التّناقضات التي جعلت منها ظواهر صعبة التّفكيك.

هكذا نكون نحن، هنا، أمام الحاجة إلى "فلسفة الضّرورة" وفي كلّ من المجتمع و السّياسة على حدّ سواء.

دخلت الدّولة الوطنيّة السّوريّة بالسّياسة، عتبةَ القرن الواحد و العشرين بانفتاح ارتجاليّ على قوى المجتمع السّياسيّة، المتناقضة و المتصارعة في الخفاء، غير مُخطّط و غير مدروس، فجعلت من الحدود السّياسيّة "الضّروريّة" بين الحاكمين و المحكومين مسألة اجتماعيّة "فائضة" على "الثّقافة" السّياسيّة للجماعات و الأفكار غير "المُوَطَّنَة"، بحيث كان سريعاً و سهلاً تحوّل الفائضُ الظّرفيّ، في التّوسّع الثّقافيّ- السّياسيّ، إلى "ضرورة" مزيّفة عملت على تأصيلها في الواقع، بسرعة و دهاء، تلك القوى المجتمعيّة غير الاجتماعيّة، و التي نهلَتْ من خرافات "الحداثة" كلّ أدواتها الإجراميّة ضدّ "المجتمع"..
فكان الضّحيّة الأولى هو "المجتمع" الذي كان على "الدّولة" أن تحميه من نفسه و من القوى الانفصاليّة عنه، بحكم ثقافتها و مصالحها الدّاخليّة و الخارجيّة..

و هذا ليس من الأخطاء الحسابيّة في التّقدير و إنّما من الأخطاء الهندسيّة في الفنّ السّياسيّ، أكثر من كونها أخطاءً في علوم السّياسة.

يُشبه قانونُ الفائض الثّقافيّ- السّياسيّ، القانونَ الاقتصاديّ "الماركسيّ" المعروف بِ"صناعة المستهلك"، و القائل إنّه بمجرّد إغراق السّوق بِ"عَرْضِ" السّلعة الكماليّة أو غير الضّروريّة، سيَنتج شعورٌ "مباشر" بالحاجة إلى "الطّلب"، يتضخّم بسرعة في السّايكولوجيا الاقتصاديّة الاستهلاكيّة عند السّاكنين، بإيحاءٍ جامح نحو تحوّل هذه "السّلع" إلى حاجاتٍ عامّة حقيقيّة و مُلحّة في الّلحظة، و مباشرة، بآليّة تراكمٍ نفسيّ سريعة المردود في إحداث الشّعور بضغطها كحاجة، ما يدفع "الجميع"، و حتّى من غير القادرين، إلى دخولهم في قائمة المستهلكين القسريين لتلك "السّلع"، التي ما كانت لتخطرَ، أصلاً، في خاطر المستهلكين الجدد..
إنّه ضربٌ من إنتاج المستهلكين!

و على أساس هذا "القانون"، أو على أساس تطبيقه السّياسيّ، بالاعتماد على التّداخل ما بين السّياسة و الاقتصاد، بتلازم واقعيّ و دلاليّ، نشأت الأزمة الاجتماعيّة السّوريّة المبكّرة و تحولت بمثل هذه السّرعة التي كانتها، إلى قضيّة استقطابيّة مستعصية سياسيّة و شاملة.

إنّ مشكلة بناء الدّولة المترافق مع حلّ مشكلات التّنميّة في البلدان المتخلّفة عن الرّكب الإمبرياليّ العالميّ، من حيث إيجاد الحلول لطائفة من المشكلات كمشكلة العمالة و الإنتاج و إنتاج وسائل الإنتاج و الاقتصادات المتعثّرة و مشكلة السّكن العقاريّ و رفع معدّلات النّمو في النّاتج القوميّ و تحسين الأوضاع المعاشيّة للمواطنين..، إلخ..

كلّ عناصر هذه المشكلات تتداخل، لتتفاقم عجزاً بعد عجز في ظلّ التّأجيل المتبادل لمجموعة من الحلول بتداخلها و تكافلها السّببيّ.

و إذ ينطبق هذا الواقع على (سورية)، كان من المفروض الدّخول في ركب التّنمية و النّموّ العقلانيّ و لو على حساب "الحرّيّات السّياسيّة" المزعومة، لا سيّما و أنّ أيّ إصلاح سياسيّ سيبدو - و سيكون و كان - قفزة في المجهول من دون الإصلاح الاقتصاديّ، أوّلاً، هذا المرهون بتمتين دولة المؤسّسات و القانون.

إنّ أعداء المجتمع يبدأون من أضعف نقاط "النّظام" العامّ، ليدخلوا، أخيراً، في أعلى الهرم السّياسيّ للمؤسّسات غير المعزّزة بالقادة الإداريين المشهود لهم بالقدرات و الأخلاق المسلكيّة و الوطنيّة السّياسيّة، أو غير المعزّزة بقانون وضعيّ واقعيّ و عمليّ قابل للتّطبيق من دون دخوله في زواريب التّعليمات التّنفيذيّة و القرارات و الأنظمة و الّلجان.. التي ليس لها حدود.

و على سبيل المثال، فإنّه حتّى منظّرو "الّلبيراليّة" الاقتصاديّة- السّياسيّة المعاصرون، قد عادوا عن "تفاؤلهم"(!) الورديّ بإمكانيّات "اقتصاد السّوق" على حلّ المشكلات المعاصرة التي تعاني منها الدّول، بما فيها الدّول المتقدّمة، أيضاً، فكان نبيّ هذا التّنظير الاقتصاديّ السّياسيّ المعاصر، نفسه، الاقتصاديّ الأميركيّ المعروف (مِلتون فريدمان)(1912- 2006م) أن اعترف بِ"خطأه"(!) قبل وفاته، إذ أكّد أنّه لا سبيل إلى أيّ إصلاح اقتصاديّ حقيقيّ، إلّا بواسطة "دولة المؤسّسات و حكم القانون".

عندما يدخل المجتمع و الدّولة في "اقتصاد السّوق الاجتماعيّ" (و هي تسمية تجميليّة لاقتصاد السّوق الحرّ..) على أساس بنية اجتماعيّة غير متماسكة، و متخلّفة، و أهليّة، و قبليّة، و أنانيّة، و تكفيريّة، و إقصائيّة، فإنّ التّأثير السّلبيّ سيُكرَّسُ بوصفه جائحة أخلاقيّة التهاميّة، كالوباء الذي سَيُشَغِّلُ في طريقه كلّ آليّات الخراب و التّخريب في المجتمع و في الدّولة، لاكتمال الصّورة في الغاية السّاحقة، فيما سينتهز أعداء المجتمع و الدّولة جميع الفرص في سياق التّطبيق الجائر للأهداف القاتلة، كما سيكونون أوّل الخارجين على الوطن و من الوطن في وقت واحد، و هذا ما شهدناه و نشهده، حتّى هذه الّلحظة، في سيرة الحرب.

هنالك، إذاً، شرطان مزدوجان أساسيّان، في أنٍ معاً، للبحث على "انسجام المجتمع"..، و كذلك لتأمين أفضل الأجواء الاجتماعيّة من أجل أيّ تصوّر سياسيّ خلّاق للدّولة يهدف إلى تدعيم القرار السّياسيّ ببنية اجتماعيّة متماسكة و داعمة، ناهيك عن التّفاصيل التي تطرأ في سياق هذه الشّرطيّة الّلازمة.

"فلسفة الفائض"..

- الشّرط الأوّل:

و هو إعادة النّظر ببناء المؤسّسة الإداريّة القانونيّة و الاقتصاديّة، بناءً يتفوّق على الكابح المجتمعيّ و الأهليّ و يثنيه و يتجاوزه بالسّيطرة المؤسّسيّة على الجماعات الاجتماعيّة، أصحاب المصالح الذّاتيّة المتعدّدة و المختلفة و أحياناً المتناقضة أو المتشابهة في الأغراض و الأدوات و الأهداف المستقلّة عن المشروع العامّ.

حتّى (فوكوياما) من منظّري "الّليبيرتاريّة" (بعد أن عاد عن نهاياته بالتّاريخ!)، يُعرّف "بناء الدّولة" على أنّه "تقوية المؤسّسات القائمة و بناء مؤسّسات جديدة فاعلة و قادرة على البقاء و الاكتفاء الذّاتيّ".

[فرانسيس فوكوياما. بناء الدّولة- النّظام العالميّ و مشكلة الحكم و الإدارة في القرن الواحد و العشرين].

و هذا هو نقيض التّحجيم و إطلاق المبادرات التّجريبيّة التي سيكون لها أصحابها المستأثرين الوحيدين باستغنام و سرقة نتائجها، ناهيك عن تخريب "الأصول".

في حقيقة الأمر، نحن ما زلنا في مرحلة "الدّولة" ما قبل السّياديّة، من جهة أن "الدّولة" لا تزال تقوم، لأسباب منها الموضوعيّ و منها الذّاتيّ، باستنساخ أعراف "المجتمع الأهليّ" و أدواته و أفراده و آليّاته، بدلاُ من أن تبتكر لها نموذجها المستقلّ عن المجتمع من حيث الأعراف و الأدوات، لتكون قادرة على استنساخ الأفضل فيها، كلّما تطوّرت الوقائع و الأحداث و كان بإمكانها الاستفادة من هذه الظّروف و المعطيات الجديدة.

باختصار هنالك منطق للمؤسّسة، من حيث التّأسيس و الممارسة و المعتقد الإداريّ و الاقتصاديّ، نحن ما نزال غريبين عليه و غريبين عنه.

يتطوّر الفسَاد وفق آليّات معقّدة و صعبة الضّبط..

و ما لم تتوجّه الجهود إلى مواجهته سريعاً و دون أيّ تباطؤ أو تسويف، لن يكون من الممكن للدّولة، في أيّ مستقبل، آخر، أن تستطيع اجتراح الحلول التي تحدّ منه و تمنع تفاقمه في أجياله "المحسّنة"، في توالي نجاحاتها و اختزان الفنون و المهارات التي يُطوّرها الفساد، يوماً عن يوم و باطّراد شامل و مخيف و عجيب؛ فتفقد الدّولة آخرَ أهدافها المتمثّلة في نتائج هذه الحرب (و هنا الحديث على سورية) بِ"انسجام المجتمع".

و الفساد الإداريّ هو أوّل ما يجب أن تتوجّه إليه حربُ المواجهة مع أعداء المجتمع في المؤسّسة العامّة و في قطاع السّوق الخاصّ و سوق الخدمات و الاستثمار.

إنّ التّحدّي الذي تصمت عليه الدّولة في مؤسّساتها و المؤسّسات الخاصّة و الرّديفة الأخرى في الإطار العامّ، أصبح من الجدّيّة الاجتماعيّة و الإداريّة و السّياسيّة بحيث أصبح البديل لجميع أهداف المؤسّسة العامّة للدّولة، فأصبح ما كان استثناءً هو القاعدة في ظروف المجتمع، و أصبح المجتمع، بالعموم، و بما هو علاقات و بنية منسجمة، هو الضّحيّة الحقيقيّة واسعة النّطاق من حيث مَن يدفع الأثمان الإنسانيّة المكلفة و الباهظة، أو من حيث ما يُضيف هذا الظّرف من تخريب مطّرد لعناصر الاجتماع في التّكوين و العلامات الدّالة و العلاقات و البنية التّركيبيّة للأهداف الاجتماعيّة، مقرونةً بالأهداف السّياسيّة للدّولة بالذّات.

ثمّة من دول العالم من قام بخطوات إصلاحيّة سريعة من دون ضجيج (الصّين، روسيا، فرنسا، و حتّى إنكلترا ما بعد تاتشر) و قد كان الأَوْلَى ببلدان العالم غير المصنّفة في الدّول المتقدّمة أن تقوم بهذا الإجراء المتعلّق بتضبيط الدّولة.

يقول (فوكوياما):

"يُسلّم مجتمع العاملين في حقل سياسات التطوير اليوم بالكثير ممّا قدمناه عن أهمّيّة قوّة الدّولة (...) و لطالما كان الانشغال بقوّة الدّولة قضيّة محوريّة في اقتصادات التّطوير و التّنمية، إذ اندرجت تحت عناوين و مسمّيات مختلفة، بما فيها "إدارة الحكم" و "قدرة الدّولة" و "النّوعيّة المؤسّساتيّة" (...).

"المفارقة أنّ مجتمع سياسات التّنمية و التّطوير وجد نفسه في وضع لا يُحسد عليه، فقد بدأت فترة ما بعد الحرب الباردة بالهيمنة الفكريّة المطلقة للاقتصاديين الذين دفعوا بشدّة باتّجاهات الإصلاحات الّليبيراليّة و "الدّولة الصّغيرة".

"و لكن بعد عشر سنوات توصّل الكثير منهم إلى قناعة بأن بعض أهم المتحوّلات التي تؤثّر على التّطوير الاقتصاديّ لم تكن اقتصاديّة على الإطلاق، بل كانت متعلّقة بطبيعة المؤسّسات و بالقضايا السّياسيّة".

"كان ثمّة بُعْدٌ مفقود للدّولة لا بدّ من تقصّيه - و أعني بذلك بناء الدّولة - و هو جانب من جوانب التّطوير جرى تجاهله في غمرة التّركيز الشّديد و أحادي البعد على مدى الدّولة".

"لذلك وجد الكثير من الاقتصاديين أنفسهم ينفضون الغبار عن كتب الإدارة العامّة التي يزيد عمرها عن خمسين سنة، أو يُعيدون اختراع العجلة بتطوير استراتيجيّات محاربة الفساد".

[فوكوياما. المصدر. ص(68- 69)].

هذا مُنَظِّرٌ تقليديّ للّيبيراليّة الغربيّة الإمبرياليّة الأميركيّة، يتراجع "فكريّاً" عن تلك "الّليبيرتاريّة" (الّليبيراليّة السّياسيّة ما بعد الحداثيّة، المؤيّدة لمبادئ الحريّة الشّاملة..!؟) التي واصلها هو بعد (مِلتون فريدمان) [المذكور أعلاه]؛ و يعترف بالخطأ العالميّ الذي انتهى عصره؛

فيما نحن، اقتصاديّونا، يكتشفون هذا المبدأ (الّلبيراليّ) الذي انقرض، ليُطبّقوه على مؤسّسات الدّولة في سورية، إلى أن كان ما كان!

لا بديل عن "قوّة الدّولة"، لا بديل عن "مبدأ الدّولة"، و لا بديل عن "بناء الدّولة" على أساس المؤسّسة الإداريّة التّقليديّة (و إذا أردتَ، فالبيروقراطيّة!)، أوّلاً و حصراً، كأساس أوّلي لتشييد صروحها السّياسيّة و الاقتصاديّة الحداثيّة الأخريات.

في مجتمع مثل مجتمعنا، و في مجتمعنا، على الحصر، نحن مطالبون بإنشاء قاعدة أوّليّة و لو كانت بالنّسبة إلى الدّول المتطوّرة عبئاً على مؤسّساتها، الأمر الذي لا ينطبق على درجة تطور مؤسّساتنا و قاعدتها الاجتماعيّة الأهليّة المفكّكة..
و إنّني أعني بهذه القاعدة "البيروقراطيّة"، حصراً، تلك الطّبقة السّياسيّة التي لا تُخرّب الاقتصاد و المجتمع و السّياسة، تلك الطّبقة التي تُفيد الدّولة و "تستفيد"..!

هذا هو النّظام الإداريّ الواقعيّ الوحيد و الممكن، أوّليّاً، في مجتمع تمايز تمايزاً انقساميّاً؛

إذ لا بُدّ من طبقة إداريّة سياسيّة "مُلْتَمَسَةٍ"(!) تستطيع أن تقطع مع الأعراف الاجتماعيّة التي تسلّلت كلّها إلى المؤسّسة العامّة في (سورية)، و لذلك كان لا بدّ من طرحنا هذا كعلاج مبدئيّ لهذا الواقع، و ضروري.

من يُهلّلُ للأتمة الإداريّة المباشرة، في (سورية)، هو كلّ غير مجرّب في الإدارة العامّة، أو الشّأن الإداريّ الرّئاسيّ في القرار، أو من ليس له خبرة إداريّة - سياسيّة تسمح له برؤية المشهد العام، أو، أيضاً، من هو على عكس كلّ ذلك، و لكنّه عاجز عن أن يُدرك مكامن الخلل أو أنّه، و هذا هو الأرجح، يُريد تأبيد الفسَاد لمصلحة له أو لجماعة في الدّولة و المجتمع..، إلخ.

من المُحال أن يقوم نظامٌ لِ"الأتمتة" الإداريّة أو الاقتصاديّة، و لا حتّى الخدميّة، على أساس "قواعد بيانات" لا يُمكن أن تعكس الحقيقة الواقعيّة في المؤسّسة، سواء لعدم كفاية البيانات و المعطيات و مؤشّرات الأداء و الإنتاج، أو بسبب تلك الكيديّة التي يتعامل بها العاملون في المؤسّسات، و قد شعروا بخطورة التّطوير الذي سيحدّ من مصالحهم و مكاسبهم، حالَ كان..
فإذا بهم يؤسّسون، و قد فعلوا، لقواعد بيانات مزوَّرة عن الوقائع في المؤسّسات، لاستدامة الحاجة إلى البيانات "الورقيّة" و ما يتضمّنه هذا من فرص لا تُحصى، للفساد، ما أدّى إلى معطيات هزيلة وغير صحيحة لصانع القرار الإداري، الذي ليس من مصلحته، هو الآخر، أن يستفيد من معطيات حقيقيّة في قواعد البيانات، لأنّ مصلحته في الفساد ترتبط بمصلحة العاملين معه في "المؤسّسة"، تلك المؤسّسة الشّكليّة تحت أيّ منظور للقياس.

- الشّرط الثّاني:

و هو تكامل مسارات "الإصلاح" تكاملاً شرطيّاً و نسبيّاً، كي لا نقع من جديد في فخّ الارتجاليّة الأفقيّة التي شكّلتْ مناخاً ذهبيّاً، للمنقّبين في أعماق جذور التّخريب نهّازي الظّروف و المناسبات و مصّاصي الدّماء.

يجب أن ننطلق - و هذا ما أكدّته التّجربة، على كلّ حال- من واقع أنّ للمجتمع أعداءً يتربصّون بالفرص سريعة الصّنع و غير الواضحة و غير النّاضجة، جيّداً، في أذهان أصحابها من السّاسة و المخطّطين، بحيث يجب أن يُقامَ الدّليلُ الأكيد، علميّاً و عقلانيّاً و أدواتيّاً، على نجاح أهداف الإصلاح المزمع الإعلان عنه أو المباشرة فيه بالتّنفيذ..
إذ كثيراً ما يستطيع أعداء المجتمع أن يُقاطعوا و يقطعوا الطّريق على استمرار الإصلاح، داخلين إلى برنامج هذا الإصلاح من نقاط ضعفه التي اختزنها عن قصد أو عن غير قصد.

هذه الأمور أصبحت أكثر من أمرٍ واقع، عايشه كلّ مراقب للأحداث أو كلّ من حاول الحدّ من الاستغلال الجديد للثّغرات و فشل نتيجة التّفوّق العدديّ أو التّفوّق "السّياسي" لأصحاب مشاريع الانفصال و الفساد و الإفساد و التّخريب في المؤسّسات.

و في تكامل المسارات التّنمويّة يُصبح من الخطير، و هذا مفهومٌ بالتّأكيد، أن يرتبط الاقتصاد السّوريّ بعجلة رؤوس الأموال الإمبرياليّة ارتباطاً عضوياً، سواءٌ بالقروض التّنمويّة المشروطة أو بديون صندوق النّقد الدّوليّ أو بالانفتاح غير الحذر على الاستثمارات الأجنبيّة و بخاصّة بعد الحرب، حيث الحاجة الصّاعقة إلى رؤوس الأموال و الخبرات و الآلات التّقنيّة المتطوّرة قد تُبرّر الانغماس في هذا الخيار.

غير أنّ هذه الخيارات ممكنةُ مع الاتّجاه الحذر و السّياديّ للتّعامل معها، لا سيّما أنّنا نعيش في عالم من النّظام العولميّ الذي أنهى عمليّة الاستقطاب العالميّة للقوّة و الضّعف.

ففي شروط عالميّة: "من مركزيّة الاستلاب الاقتصادويّ الذي يُميّز الرّأسماليّة (...) و مركزيّة الاستقطاب النّاجم عن عولمة الرّأسماليّة في التّعميق المستمرّ للفوارق بين مراكز النّظام الرّأسماليّ و أطرافه (...) و في ظلّ مركزيّة "التّحديد المنخفض" في التّاريخ [و هو المبدأ الذي ينفي أحد جوانب "التّاريخانيّة" المتمثّل بالحتميّة التّاريخيّة] و قدرة الرّأسماليّة على التّكيّفات المختلفة؛ فإنّه في ظلّ هذه الأطروحات الثّلاث يتبيّن أنّ "قضيّة التّنمية" تحتلّ موقعاً مركزياً في المجتمع المعاصر، و أنّها لم تجد حلّاً بعد، و لا يمكن لهذا الحلّ أن ينتج في إطار الرّأسماليّة؛ و هكذا فإنّ مفهوم التّنمية ذاته هو مفهوم نقديّ".

[د. سمير أمين. الاقتصاد السّياسيّ للتّنمية في القرن العشرين و القرن الواحد و العشرين].

فعندما لا تكون "التّنمية"، كما نكرّر مراراً، نحن، هنا، وصفة دوائيّة لعَرَضٍ مَرَضيّ عابر، فإنّ المسؤوليّة السّياسيّة في "اقتصاد الموارد" تصبح أكثر إلحاحاً، و هو البديل الاستراتيجيّ لموانع التّنميّة في النّظام الإمبرياليّ العولميّ، و هذا ما لا يتحقّق إلّا بوجود الدّولة السّياديّة القويّة.

و التّطوّر كما نفهمه نحن مع (سمير أمين) "لا يعني "الّلحاق"؛ و إنّما هو مفهوم نقديّ للرّأسماليّة، و يفترض بالتّالي مشروعاً اجتماعيّاً مختلفاً يتحدّد بهدف مزدوج:

تحرير الإنسانيّة من الاستلاب الاقتصادويّ..
و إزالة إرث الاستقطاب على صعيد عالميّ".

[سمير أمين. المصدر. ص(12- 13)].

و إذا كان مفكّرٌ اقتصاديٌّ عالميٌّ بارز مثل (سمير أمين) له إسهاماته في تطوير النّظريّة الاقتصاديّة الماركسيّة، ينطلق من مجمل "النّظام" إلى آليّات الحلّ الإنسانيّ الشّامل، متأثّراً بالنّزعة الماركسيّة الأمميّة..
فإن بديلنا على مستوى الحلول الاجتماعيّة الخاصّة بنا، في هذا الإطار، يُصبح التّأكيد على القوّة السّياسيّة للدّولة، من أجل كلّ ما تقدّمنا به أعلاه، و بخاصّة أيضاً من أجل ما طرحناه، نحن، كبديل وطنيّ ضروريّ، في صيغة فلسفة إداريّة و سياسيّة لِ"اقتصاد الموارد" الموجودة، الممكن، حيث لا يتمّ ذلك، كما صار واضحاً، إلّا بقرار سياسيّ يدفع نحو تخفيف الفوارق الاجتماعيّة، تحقيقاً لقدر أعلى و أكبر من "الانسجام الاجتماعيّ".

لا يطمح الاقتصاد السّياسيّ للتّنمية (للتّخلّف!) إلى وصفات دونكيشوتيّة، كما تُعرضُ علينا من جهابذة الاقتصاد و السّياسة و الإدارة و الفلسفة في (سورية)، و إنّما تكون وفق آليّات واقعيّة و ممكنة تتّصل مباشرة بالإدارة و السّياسة و هذا ما هو ممكنٌ بكلّ تأكيد، بقرار.

إنّ توازي الحلول و المسارات لا يكون عادة بالتّطابق و التّفاضل، و إنّما يكون بالتّكامل الدّقيق لما هو ممكنٌ مع ما هو، عالميّاً و دوليّاً، مستحيل!

و في إطار الشّرطين السّابقين، يكون من المهمّ أن نوضّح التّالي، في النّتائج التي تترتّب عليهما في اتّجاه محصّلة مختلفة من حيث التّكوين.

صحيح أنّ الطّريق الاقتصاديّ الذي تسلكه المجتمعات و الدّول النّامية ، يتوقّف على حجم الاقتصاد القوميّ و نسبة التّوظّف الاقتصاديّ في قطاعات العمل المختلفة، و على معدّل البطالة كنسبةٍ للعمالة الموظّفة على حجم قوّة العمل..
غير أنّ الطّريق يتحدّد، أوّلاً، بالنّهج السّياسيّ الذي تختاره الدّولة كنهج ممكن و متاح..!

و بكلّ المعايير، فنحن في (سورية)، اليوم، على أبواب توظّف اقتصاديّ عالٍ، إذا أخذنا بالاعتبار الإمكانيّات الافتراضيّة لرؤوس الأموال التي ستدخل في الاقتصادات الصّناعيّة و الإنتاجيّة و العقاريّة، في مرحلة إعادة الإعمار؛ و بالتّالي نحن، أيضاً، أمام توظيف شبه طبيعيّ و شبه كامل لقوّة العمل؛ ما يضعنا أمام فرصة تاريخيّة بالمنظور الاقتصاديّ، و لكن ليس بالمنظور السّياسيّ.

إنّ الظّروف الاستثماريّة السّياسيّة و طبيعة و هويّة رؤوس الأموال المتوقّع تشغيلها في التّوظيف الاقتصاديّ، ستحدّد جانباً كبيراً من مستقبل القرار السّياسيّ في (سورية) و درجة استقلاله عن اقتصاد السّوق، و بالتّالي ستحدّد طبيعة علاقتنا بالعالم و درجة الاندماج في النّظام الدّوليّ العالميّ.

يقول المنطق إنّه ليس لنا أن نتجاهل درجة قوّة "النّظام العالميّ" و درجة فروضه الموضوعيّة على سائر الدّول و الشّعوب و المجتمعات، إذ من العقلانيّ أن ندخلَ هذا "النّظام" بصفتنا دولة ذات سيادة..

و هذا ناهيك عن استحالة توفّر الخيارات النّموذجيّة اقتصاديّاً و اجتماعيّاً، من حيث التّرابط الحضاريّ مع أهداف العالم التي أصبحت فيها دول العالم، بالضّرورة ، في درجة ما من درجات التّرابط و التّواشج، تكبر هذه الدّرجة أو تصغر بحسب القضيّة المطروحة عالميّاً أمام الجميع، كواجب دوليّ و ثقافيّ و حضاريّ، كما أمام الحصّة الموضوعيّة لكلّ دولة من دول العالم من الأهداف العالميّة المشتركة.. (مثلاً، الحرب على الإرهاب)..

و نحن ما نزال، على كلّ حال، في حرب هي، من بابٍ مَا، نتيجةٌ للتّقسيم العالميّ الموضوعيّ للعمل (و بدرجة أقلّ، الذّاتيّ) و للواجبات و للأدوار المتعلّقة بالثّقافة و الخصوصيّة و الجغرافيا.. و الاستراتيجيّات الدّوليّة، إلخ.

و نحن في الوقت الذي نستطيع فيها، كدولة بسيادة، أن نتقاسمَ مع العالم، ليس فقط "الواجبات" الدّوليّة، و إنّما أيضاً الحقوق و المنافع العالميّة ، محقّقين هذا التّوازن السّياديّ الجوهريّ؛
فإنّنا، فقط، هكذا، نكون على قدر مسؤوليّاتنا السّياسيّة و واجباتنا التّاريخيّة التي تعتبر مكمّلة للانسجام الاجتماعيّ و السّياسيّ، إذ ما من "انسجام" اجتماعيّ إلّا في ظلّ سياسة الدّولة السّياديّة، التي هي حصيلة قوّة الدّولة و فعاليّتها و ديناميّاتها السّياسيّة في المنطقة الإقليميّة و في "النّظام الدّوليّ"، في وقت واحد.

ربّما يخطر للبعضِ أنّنا في موقف واقعيّ معاصر ضعيف اقتصاديّاً و سياسيّاً، أمام الخيارات الحضاريّة المقبلة، و التي سيأذن بها الظّرف مع نهايات هذه الحرب.

غير أنّ الأوراق السّياسيّة الإقليميّة التي لنا فيها موقع هامّ، هي أوراق ليست ضعيفة أو فارغة من المضمون، و هذا يعرفه الجميع، كما تعرفه الدّولة قبل الجميع.

و على العكس، ربّما نخرج من هذه الحرب، و سوف نخرج، أقوى سياسيّاً باندماج أهدافنا مع مجموعة إقليميّة قويّة و حصانات وجوديّة، بشراكات دوليّة فعليّة و مهمّة و معتبرة و لا يمكن لأحد في العالم تجاهلها.

و هذا و ذاك هو أدوات قوّة لنا هي أكثر من أوراق ثبوتيّة سياسيّة، يمكننا البناء عليها في خياراتنا الاقتصاديّة و السّياسيّة المقبلة.

إنّ اختيار النّسق الاقتصاديّ العالميّ بالنّسبة إلى مستقبلنا في (سورية)، موقوف ، في جميع الأحوال، على قرارٍ سياسيّ سياديّ منتظر و هام و مؤثّر على المستقبل الاجتماعيّ و السّياسيّ..
إلّا أنّه يخضع بكلّ تأكيد إلى دراسات مستفيضة، في مقارنة يجب أن تأخذ باعتبارها جميع ظروف القوّة الذّاتيّة كما جميع الظروفالموضوعيّة، التي تعترض ذاتيّاتنا في اتّخاذ قرارات هي مصيريّة، كما سوف يؤكّدها الواقع القريب المقبل و التّاريخ..

و لكنّ الأهمّ في هذا الاختيار، و الأكثر أهمّيّة، إنّما هو ضرورة تمييز القرار السّياسيّ السّياديّ لمسألة هامّة و أساسيّة، نكرّرها، مرّة أخرى، و هي أنّ "التّطوّر" لا يُقاس بالّلِحاق بالآخرين من الدّول المتقدّمة، و ليس من المفروض أن يكون النّموذج المعاصر لأيّ دولة في العالم هو نموذجنا المطلوب، بحيث يُهيّأ لنا أنّ علينا تكرار تجربة الآخرين للوصول إلى ما وصلوا هم إليه؛

بل علينا أن نكون قادرين على اختيار نموذجنا الاقتصاديّ ذي الطّابع الممكن و الاختزاليّ، كما النّموذج السّياسيّ، وفق ما هو متوفّر في الممكنات و القوى الواقعيّة و التي يجب أن لا نقيسها أو نقوّمها بمعدّلات ظروف الحرب، و لكن بآفاق الظّروف القادمة و المتوفّرة في ما بعد نهاية هذه الحرب.

و إذا كان من صميم مفهوم "التّطوّر"، هو نقد هذا "المفهوم"، فتبدو أمامنا جملة من الألغاز الصّعبة، حقّاً، و لكن يمكن تذليلها في القراءة النّقديّة الموسوعيّة لمستقبل (سورية) و للوسائل التي سيوفّرها هذا المستقبل.

ليست خيارات السّياسة و الاقتصاد أمامنا، بخاصّة، تكراراً لأيّ نموذج معروف؛
كما أنّها ليست اختياراً انتقائيّاً لفرصة واحدة من الفرص..
بل على العكس، ربّما يكون الاختيار الاستراتيجيّ الذي نحن أمامه، اليومَ، فرصة وحيدة للانسجام الاجتماعيّ و للاندماج العالميّ، في وقت واحد، و هي فرصة تاريخيّة دوليّة و سياسيّة و داخليّة لقطع حقيقيّ مع ماضٍ خاصّ و غاشم، لا يزال يُحاول أن يكون راهناً إلى الأبد.

نعيش عالماً يمكن أن نصفه اقتصاديّاً و سياسيّاً، بعالم المقايضات الكلّيّة و الصّريحة. و هذا الوصف لا يطمح إلى أن يكون وصفاً أخلاقيّاً، بالإيجاب أو السّلب. و لكنّ القدرة الّلازمة لجعله عالماً "مألوفاً"، لا نعيش في غربته تجنّباً للأثمان التي يمكن أن تترتّب على ذلك، إنّما هي القدرة ذاتها، التي ستجعل من تماسك المجتمع تماسكاً حقيقيّاً في "الانسجام" المطلوب، و في ظروف ترعى هذه الطّموحات و تجعلها قابلة للتّحقّق، في واقع دوليّ هو أكثر من معقّد و أقلّ من مبهم أو غامض، إلى تلك الدّرجة التي يستحيل معها فهمه على ما هو عليه بحقّ.

و إذا أردنا أن نختمَ بملخّص لكلّ ما سبق لقلنا إنّ واقع نظام العالمِ وَحدةٌ على "طريقته"..، فيما كذلك يجب أن تكون الدّولة السّياديّة (جميع الدّول) وَحدةً على "طريقتها"، أيضاً، و لو في إطار هذا "العالَم"..؛

و أمّا المجتمعات فهي ليست كذلك، وَحدةً، ما لم تكن جزءاً، مُلحَقاً و تابعاً ، من الدّولة..!

ليس المطلوب منّا اليوم في (سورية) إعادة اكتشاف المكتشَف أو إعادة "اختراع العجلَة"..
و ربّما يكون من الواجب علينا أن نستعمل "العجلة" العالميّة من أجل الانتقال من الهامشيّة المُعاصرة إلى موقعنا التّاريخيّ في حضارة هذا العالم..

و هذا هو، بالضّبط، ما يتطلّبُ منّا، ببساطة، تحسين "النّسل الاجتماعيّ" بواسطة "هندسة وراثيّة" تربويّة و اجتماعيّة و سياسيّة متقدّمة، و اصطفاء لغة المخاطبة التي نفهمها، نحن، و يفهمها معنا عالمٌ يُحيط بنا من كلّ ناحية و صوب.

***

كتبت الأديبة هيلانة عطا الله, التعقيب التالي:

بعد التحية لسعادة السفير الدكتور بهجت سليمان والتقدير الكبير لأبحاثه القيمة، أضيف جملةً من الأفكار:أ هيلانة عطا الله

الدول النامية هي الدول التي ينخفض فيها مستوى التنمية البشرية ومستوى التنمية المستدامة، وأول من أطلق هذا المصطلح الرئيس الأمريكي هاري ترومان عام 1949، ولا يخفى علينا أن الغاية من إطلاق هذا المصطلح ليست نزيهة، رغم أن الأمم المتحدة كانت قد تبنته، وأن الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد أبدت استعدادها لمدّ يد العون للدول النامية، بدعوى تأمين حقوق الشعوب في الحياة الكريمة..

إلا أن هذه الدعوى كانت وما تزال تنطوي على السعي لاستعمار تلك الدول، عن طريق استنزاف مواردها وثرواتها الطبيعية، لتصنيعها في الغرب وإعادتها إلى الدول النامية التي تتحول إلى سوق للسلع الغربية، والأسوأ من ذلك أنه لا مجال للدول النامية في اختيار هذه السلع حسب معايير مجتمعاتها مما يجعل من هذه السلع أداة في تصنيع المستهلك ، وتغريبه عت مجتمعه.

تنجح عملية التنمية البشرية من خلال التالي:

1 ـ تحقيق نمو مستمر قي تجديد الموارد اليشرية والموارد الطبيعية في آنٍ معاً، بدلاً من استنزافها، أو هجرتها.

2 ـ تلبية حاجات المجتمع ضمن سلّم للأولويات وتحقيق العدالة بين أفراده.

3 ـ إقامة التوازن القطاعات الاقتصادية "الزراعة والصناعة والتجارة والاستثمار"، لأن من الخطورة بمكان "وضع البيض في سلة واحدة"..
فإذا صبت الدولة جهودها في قطاع واحد كمصدر لدخلها القومي، فماذا ستفعل في حال تعرضه إلى هزةٍ ما؟ ولذا ففي التنويع غنى وخيارات وضمان للاستقرار.

4 ـ يجب أن تشمل عملية التنمية بالإضافة إلى الاقتصاد، المجال الثقافي والأخلاقي والاجتماعي والسياسي..
فعلى سبيل المثال: الدول التي تقوم ثقافتها الاجتماعية على الولاءات القبلية والعائلية والمذهبية والإثنية، تؤثر سلباً في أدائها الاقتصادي، لأن اختيار القائمين على المؤسسات من وزراء ومديرين، يقوم على أساس انتماءاتهم وتوزيع الحصص فيما بينهم، بغض النظر عن كفاءاتهم وخبراتهم.
ولابد من العمل الحثيث على نشر ثقافة العمل بين المواطنين كشركاء حقيقيين في التنمية لمواجهة ثقافة "مال الدولة حلال"، ومواجهة ظاهرة البطالة المقنعة..

5 ـ لا يجوز بأي حال أن تعتمد الدولة في زيادة مواردها المالية على "تضخيم رأسمالها" على الطريقة الليبرالية، بل لابد لها من الاعتماد على زيادة الإنتاج وتسريع عجلته، بما يكفل الكفاية لأفراد المجتمع الذين هم هدف التنمية وأداتها..
فكم من دول تملك رؤوس أموال طائلة ومجتمعاتها تعاني من عدم العدالة والتعرض إلى الهزات...

6 ـ الاستفادة من تجارب الدول مع التركيز على كلمة "الاستفادة" وليس استيراد التجربة أو استنساخها..
فلكل دولة خصوصيتها، وفي هذا الصدد تطالعنا التجربة الماليزية الجديرة بالاحترام، فبعد أن كانت ماليزيا دولة فقيرة تعتمد على الزراعة البدائية، تحولت بفترة زمنية قياسية إلى دولة تصدر الصناعات والتقانات، رغم تعقيد بنيتها الاجتماعية وتركيبتها الديموغرافية.
ولن ننسى التجربة الصينية العملاقة عندما اختارت الصين سياسة الانفتاح الاقتصادي دون المساس بخصوصيتها، واعتمدت مبدأ "اقتصاد السوق الاجتماعي"، فأصلحت الهياكل الإدارية، وأطلقت عامل الإبداع لدى العاملين في القطاعين الاقتصادي والإداري، وحولت مراكز الأبحاث التكنولوجية إلى مدارس تخرِّجُ القوى الإنتاجية الفاعلة، واستثمرت إبداعات خريجي قطاع التعليم المهني.

7 ـ لابد من الفهم العميق لمبدأ محاربة الفساد، فالقوانين الرقابية هي قوانين وقائية أولاً وقوانين محاسبة ثانياً، وهذا الموضوع يحتاج إلى بحث منفرد.

ولابد من التنويه إلى أن الاستقرار السياسي والجوار الآمن، يلعبان دوراً كبيراً في دفع عمليتي التنمية والتنمية المستدامة..
وهنا ندرك أحد أهم الأسباب لشن هذه الحرب على سورية، لجعلها دولة ضعيفة مستنزفة بجوار "الكيان الصهيوني".
تقبّل تحيتي د. بهجت.

***

كما كتب الشاعر والأديب ياسين الرزوق زيوس, التعقيب الآتي:أ ياسين الزروق

دكتورنا الغالي بعد غيابي لأيام عن التعليقات السلالية الانتقائية المستقاة من الردود على فكرك النوعي أعود لأبوح بما راودني عن نفسي البريئة من كل شيء و هي تقترف كل الذنوب من أجل أن تجعل الوطن مزواجاً بالفكر لا بالغريزة و بالاختصاص الذي يعلو بالحداثة فلا يترنح لا بها و لا بما سواها...

و في التماسك الاجتماعي لا تبقى الدول على مسافة واحدة من ردود الأفعال نظراً لاختلاف طبيعة الأفعال بمجتمعاتها التي تتنوع من السهل إلى البحر إلى الجبل و من المدنية إلى البداوة و من الغابة إلى الصحراء.

نعم إن الليبرالية قد ترنحت بأسماء جمّلتها من خلال المجتمع و هي لا تدري أن مرآته قد تشظت و للأسف الكثير من دول العالم الثالث أخذت ترى التطوير بمرآته المتشظية و هذا ما جعل التقوقع و التخلف و الانحسار مساراً يتراكم من تغيير غير مدروس إلى تغيير هش غير بنيوي إلى تغيير مدمر دون أدنى قاعدة لتمييز الاختصاص عن الثقافة و لتمييز الثقافة عن الاختصاص..
علماً ان الاختصاص لا يحصر بشهادة جامعية و لا يقف عند حدود دكتوراه فخرية بل هو ممارسة و شهادة كونتها الفنون الإدارية التي يغلب عليها المذهب الإبداعي و لا تفيدها الكلاسيكية أو الاقتداء بأسوة حسنة..
ربما كانت في مجتمع خرج من تناقضات صغيرة إلى تناقضات كبرى بما يجعل هذه الأسوة مسار انحسار أكبر و ارتداد أعم نحو البناء الهش دون أن تعمل على قاعدة المجتمعات الحديثة "الشيطان يكمن في التفاصيل".

و الدولة التي تعطي حلولا ترقيعية و تراعي و تهادن الأخطاء المجتمعية دون علاج مدروس و تفصيلي ما زالت تخلق العلة لا التعليل و الداء لا الدواء و كأني بها تسوق مسار المجتمع إلى اختيار أسوته بنفسه لا في كتب فريدمان و لا في نظريات فوكويوما و لا في إسقاط الليبرالية على السباق المحموم إليها من قبل مجتمع سيصلها مؤخرا و بشكل مشوه بعد أن يتم الفهم المتأخر لماهية الدين التحليلي لا المعتنق و لماهية الإلحاد التنويري لا الفج و لصدى العلمانية الإنساني لا الغرائزي.

لا لن يفيدنا العقل الذي يؤتمت الفساد و يديره داخل شبكة عالمية موحدة إذا لم نسبر أغواره و نحدث هزة وطنية ليس بالمعنى الشعوري أو بالتمني بل بزرع هوس الخوف من أخذ الوطن إلى المجهول بما يجعل النهاية الحداثوية المكللة بالعقاب المنزل في الأرض المادية و في السماء الروحية قدر الفاسدين الذين ما زالوا رغم كل تراشقهم بالحداثة يرشقون الناس بنمطية الخطابات و بأكاذيب الوطنية التي يخترق الفساد كل حرف فيها.
و ما زالت تصفق لها قطعان من الجهلة و قطعان من المنافقين الذين يحققون المكاسب مهما كانت الأثمان التي يدفعها الوطن باهظة بذبح المواطن من وريد حياة سفلى إلى وريد حياة سافلة و جعل المواطنة مزاداً حياً لمن تجمدت دماء عروقهم بموت الأفكار و تلاشي الرؤى.

بل و الأنكى من ذلك تسليم أمثال هؤلاء دفة هيئات التخطيط و الإدارة و جعلهم ممسكين بالخطط الصفرية و المرحلية و الاستراتيجية مع العلم المسبق بأن منتجهم التطويري إن بزغ فسيبزغ بأتباعهم الفاسدين كي يغدو هرم الفساد اقوى و أكثر اتساعاً من قاعدته إلى قمته.

في النهاية التماسك الاجتماعي و محاصرة الفساد هما هدفان بنيويان و الدولة التي تنشغل بتعبئة عجلاتها بالهواء قبل أن ترى أعطال محركها ستنهار يوماً و سيختلط فيها الحابل بالنابل.
و ما شرعة المقاومة بكل أشكالها حتى مقاومة الفساد في المنطقة إلا صوت تماسك اجتماعي مسموع في القمة ما زال يفتقد إلى مكبرات يخفيها او يعطلها المتنفذون المافيويون كي يتاجروا برؤوس القواعد القطيعية المغلوبة على أمرها و هم يصعدون سلمهم إلى القمة ناسين أو متناسين أن الأوطان التي لا تبني قواعدها ستنهار مهما عانقت قممها الشمس و السلام..

لك المجد دكتورنا الذي يمسك ناصية التماسك بالنور بهجت سليمان.

***

فيما عقبت الدكتورة رشا شعبان بما يلي:أ رشا شعبان

كل الشكر و التقدير دكتورنا الغالي لتلك الموضوعات التي تتحدى عقولنا لإنتاج المزيد من البحث و التدقيق و الفهم و التحليل.

و من الأهمية بمكان البحث في مجموعة المفاهيم التي شكّلت في موضوعنا هذا مفاتيح مصطلحية، لا بدّ لنا من التوقف عندها تحليلاََ في محاولة إيجاد العلاقة بين التماسك الاجتماعي و الفساد و دور الدولة و السلطة و النظام السياسي.

و هذا ما يدعونا إلى البحث في سؤال: أي دلالة تحتملها السلطة في حقل الممارسة السياسية و علاقتها بالاجتماعي؟

لمّا كانت السياسة تفيد في تدبير شؤون كيان اجتماعي ما، اُعتبرت السياسة ذات غاية اجتماعية، أي أن السلطة هي ما تقوم بعين ذلك التدبير، إنها لا تجد أسباب وجودها إلا في الهدف الذي تشكّل من أجله المجتمع.

و ليست السلطة، و كما أسلفتم، مجرّد أداة تقصد إلى تحقيق هدف، و إنما هي كيفية وجود أو إنشاء لوجود اجتماعي كما يرتئيه النظام السياسي..
و هنا لا نتحدث عن المجتمع بوصفه تجمعاََ فيزيائياََ، بل بوصفه شعوراََ عميقاََ بالانتماء و وعي مشترك بقيم الانتماء بين أفراد المجتمع، و هنا يصير المجتمع مشروع ذاته و بذاته و لأجل ذاته، و ما هو سياسي يحدّد مقاصده و يسعى بنفسه إلى تحقيقها، لأجله أيضاََ.

و بناء على هذا، لا يمكن للسلطة أن تكون موصولة بالأمر الصادر عن صاحب السلطة و خضوع المؤتمر - بكسر الميم الثانية - له..
بل إن السلطة هي قوة الفكرة النابعة من الاجتماعي السياسي، في سعيه لتحقيق أهداف و مقاصد المجتمع..
و من هنا تتجسد السلطة بوصفها الحق الذي يعّين ما هو اجتماعي، و ليس بوصفها القوة التي تتجسد في أشخاص و أفراد.

وهنا تستمد الدولة سلطتها من تمتع المواطن بالحرية و بانتمائه لسلطة الدولة و سيادتها، و طبعاََ في إطار مفهوم المواطنة الذي يتعين فيه المواطن وهو مشارك في السلطة العامة..
و هنا يستحيل المواطن سيداََ أيضاََ، لأنه ممن يشارك في السلطة و ينمي فضائلها.

و هذا ما يدعونا للقول أن الفساد ليس فساد الدولة فحسب، بل هو فساد المواطن الذي يشارك الدولة مسؤوليتها.

و لا شك أن الديمقراطية تقوم على اختيار ممثلين للشعب، يمتازون بالميل إلى التعقّل و يمتنعون عن الأهواء المستبدة بعامة الشعب.

فإذا غاب التمثيل الصحيح و الأفضل، كان الشعب هو الحاكمية الطاغية الأكثر وقاحة من أي حاكم، و عندها تصبح حثالة الشعب هي الطاغية..
ف فساد الحكم الديمقراطي لا يرتبط بشخص واحد يحكم دون قانون، بل يصبح متصلاََ بالجميع و بالإرادة التعسفية للجميع.

و عندما تنحرف الأهواء و تنأى عن روح القانون النابعة من العقل، تنحرف الديمقراطية إلى ممارسة الاستبداد الشعبي، الذي يعجز عن الاحتكام للعقل و يفشل في استيعاب النظام العام و تقبّله و تفهمه.

و المشكلة الكبرى في فهمنا لعلاقتنا بالدولة و فهمنا للسلطة و السيادة و المواطنة.
فالسيادة مظهر فكري و أخلاقي بآنِِ معاََ، و هي تكفل الرفاه للجميع، و بالقدر الذي تكون فيه سلطة الدولة فاضلة، يكون الولاء و الانتماء نبيلا بالفعل..
و عندما تتراخى الدولة عملياََ في مهمة الدفاع عن المجتمع، تضعف ذاتها، و هي تتوهم أن انصرافها للدفاع عن ذاتها سوف يفضي إلى إعادة إنتاج السيادة بالمعنى الصحيح و القوي.

و هذا ما أكدتم دكتورنا الغالي، في تغوّل الدولة و تقزّم الاجتماعي و انحرافه إلى عامل مقاوم سلبي في تعيينه للدولة و امتثاله لقوانينها، و هنا يتجلى المرض الفصامي في مفهوم المواطن للدولة و علاقته بها.

نعم نحتاج إلى هذا الدفع نحو الاندماج الثقافي و الاجتماعي و السياسي، و الذي سوف يقودنا لعلاقة صحيّة و سليمة و متقدمة مع الدولة، و ذلك في إطار الدستور و القانون الذي يحدّد الجامع و المانع و المشترك.

و مما لا شك فيه أننا وقعنا في فخ الاستراتيجيات الاقتصادية المستوردة و الوصفات الاقتصادية المنجزة، بعيداََ عن الواقع الاجتماعي الحقيقي و الفعلي..
فكانت النهضة الاقتصادية الوهمية و المزعومة و الفاقدة للحامل الاجتماعي الحقيقي لها، و البعيدة كل البعد عن المقاصد الاجتماعية و طبيعة المجتمع، التي من المفترض أنها القاصدة و الهادفة له، عبر نموذج الاقتصاد الحر أو الاجتماعي، و الذي أفضى إلى تطبيق اجتماعي غير عادل وإلى استقطابات مستعصية.

المشكلة في ذهنية الاستنساخ بعيداََ عن الواقع الفعلي، إعادة تجارب الآخر، في حين أننا لم نحاول أن نتقصى عن صيرورتها و نتائجها في المجتمعات المنتجة لها، ولا في استقراء صيرورتها و سيرورتها في مجتمعنا.

و أعداء المجتمع و الدولة بآن معاََ، استطاعوا التغوّل في الدولة و المجتمع إدارياََ و سياسياََ و تربوياََ، عبر معادلة الفاسد و المُفسد، و هم لم يكتفوا بفسادهم على المستوى الشخصي، بل جعلوا منه ثقافة مجتمعية يستحيل فيها القانون استثناء و الاستثناء قانوناََ.

و اليوم نحن مدعوون في إعادة الإعمار بشرياََ و مادياََ، لبناء دولة المواطنة و القانون و السيادة الفعلية و النهج العلماني في مؤسساتنا جميعاََ.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4053106