كتب الدكتور بهجت سليمان: في ديمومة الدّولة.. الحرب كواقع انفعاليّ.. و الدّولة كظاهرة مستمرّة و أبديّة

[الحلقة الثامنة والعشرون «28» من «سلسلة الفكر الإستراتيجي»]أ بهجت سليمان في مكتبه

(الدولة)

{في ديمومة الدّولة.. الحرب كواقع انفعاليّ، و الدّولة كظاهرة مستمرّة و أبديّة}


* د. بهجت سليمان

في الظّروف المعروفة التي نمرّ فيها، ربّما كان من الأجدى أن نبدأ هذا الحديث بقولنا "الدّولة في الحرب"؛ غير أنه من الخطأ الفلسفيّ قبل الخطأ "المنطقيّ" أن نلحق موضوعاً أزليّاً، أو يكاد، بهذه الجسامة، كالدّولة، فنجعله جزئيّة تابعة أو معطوفة على أعمال واقعيّة مؤقّتة أو عابرة و ذلك مهما امتدّت في الزّمان و المكان، كأعمال الحرب المسلّحة؛ إذ ليست كذلك هي منطقيّة "الحمل" أو "الإضافة" أو "التّضمين" في الإدراك و التّفكير السّليم.

و بغضّ النّظر عن نظريّات تكوّن الدّولة كمؤسّسة اجتماعيّة و سياسيّة، في التّاريخ، فإنّ ما هو أكيدٌ في وصف الدّولة و تحليلها، أنّها تلك الفئة أو الطّبقة السّياسيّة المنفصلة انفصالاً نسبيّاً عن الشّعب الذي قد يشكّل مجتمعاً، أو قد يكون عبارة عن جماعات تشترك فيما بينها بشكل من أشكال العلاقات، التي بموجبها يجري تبادل الحاجات و المغزى و القيمة بمختلف أنواعها و آثار أخرى من نتائج الاتّصال.

و في العلاقات الاجتماعيّة أو الجماعيّة و الفرديّة تظهر هناك معالم السّياسة الرّمزيّة التي تمدّ الدّولة في البنى الفوقيّة بأسباب السّياسات المباشرة و غير المباشرة، في المؤسّسات المتعدّدة التي تؤلّف الدّولة كنظام سياسيّ عموميّ إلى هذه الدّرجة أو تلك.

ليس من المستحبّ التّوسّع في وصف الدّولة أو تعريفها، لأنّ ذلك يؤدّي مباشرة إلى شرح مفهوم الدّولة أكثر ممّا يعرّفها أو يصفها وصفاً اقتصاديّاً هو من طبيعة ضرورات اقتصادات الدّولة في المبادلات ذات الضّرورة و الحاجة ، بين البنية التّحتيّة للدّولة و بنيتها الفوقيّة في مؤسّسات السّيادة السّياسيّة المسمّاة بالسّلطة.

تعتبر الدّولة مبدأ مستوراً أو باطنيّاً، و عاطلاً، ما لم ينظر إليها في تجلّيّاتها في النّظام العام. و إنّه موضوع خلافيّ و أثيرٌ بالفعلِ ذلك الذي يدرس "الدّولة" من حيث النّشأة و التّطوّر و الاستقرار و الوظيفة و الدّور الاجتماعيّ، في مختلف ظروف الحرب و السّلم.

إنّه كيفما كانت الدّولة فهي تَمَثُّلٌ ما للمجتمع. و يبدو أنّ المجتمع، أيضاً، ما هو إلّا تكييفٌ تدريجيّ للدّولة على اعتبار أنّ الدّولة هيئة مُلهِمة، بل و مُعدية، بقيمها السّياسيّة التي تنفذ إلى أعماق المرونة الاجتماعيّة في استراتيجيّاتها الانتهازيّة الخبيثة، الماكرة.

يتطلّب منّا الاعتبار بالعالم و التّاريخ أن لا نتجاوز الوقائع التي تنشأ في معرض الظّاهرة المسلّحة، كونها ليست مستقلّة عن تاريخ البنية في حالات الاستقرار السّياسيّ للدّولة و المجتمع.

فإهمال "الواقع" الاجتماعيّ في السّلم لا يضاهيه إلّا المضامين المشابهة للسّلوك الذي يتجاهل مفاعيل الحرب في ظروفها و نتائجها الاجتماعيّة و السّياسيّة، بخاصّة، و التي تُضاف، أو يجب أن تضافَ، إلى النّظريّة العمّة "للدّولة" هذه النّظريّة التي يُساهم في تشكيلها مختلف الظّروف و الأمم و الشّعوب و المجتمعات و النّظم السّياسيّة التي تشرح ظاهرة الدّولة كظاهرة مستمرّة و متغيّرة و متبدّلة.

من الطّبيعيّ أن تختلف أولويّات ممارسة الحكم في "الدّولة" أثناء الحروب. غير أنّ هذا لا يعني، أبداً، اجتراح نظرة جديدة مستقلّة سياسيّاً عن سياقها الاجتماعيّ، على اعتبار أنّ محلّ "الدّولة" الاجتماعيّ لم يتبدّل و لو أنّه قد أصابه جملة من الطّوارئ الحادّة التي ترغب، اجتماعيّاً و أخلاقيّاً، أن تؤبّد لتصنع لها قانوناً جديداً و مذاهب و أخلاق و معتقدات و ديانات، في إطار أيديولوجيّة تنظيميّة نابعة من الظّروف الموضوعيّة "الخطأ" (أو الشّاذّة)، التي تعاصر الدّولة و المجتمع في الحرب.

يتميّز نمط حروب "العولمة"، كما نعيش مثاله في (سورية)، بأنّ من أهدافه الأساسيّة العمل على إفشال الدّولة أو إضعاف هيبتها و حضورها في الحدّ العمليّ الواقعيّ الأدنى ناهيك عن الحدّ النّظريّ الذي يتكفّل به الإعلام المُعَولَم.

و إذا كان مصطلح "دولة الحدّ الأدنى" قد انتشر اعتباراً من انطلاق الحرب الاقتصاديّة التي تشنّها قوى المال الإمبرياليّة على "العالم"، فإنّ الحروب العسكرية المباشرة التي تقودها القوى السّياسيّة العولميّة لصناعة النّظام العالميّ الجديد، إنّما تهدف، بوضوح أكبر، إلى إلغاء مفهوم "الدّولة"، نفسه، في الضواحي العالميّة لمركز "النّظام".

يدخل في هذه "المنهجيّة" السّياسيّة للنّظام العالميّ المعاصر، جميع الأعمال و الأسباب و وسائل التّدخّل و التّأثير و التّخريب و التّدمير التي تعمل على إعادة صياغة المجتمعات المستهدفة على نحو تكون فيه في مواجهة عدائيّة مباشرة مع مؤسّسات الدّول التي كانت تهيمن على تلك المجتمعات في إطار الدّولة التّقليديّة.

إنّ إنتاج المعادلات الاجتماعيّة السّياسيّة الجديدة، في إطار الحروب العولميّة، يتمحور حول تفتيت العلاقات البنيويّة التي سادت النّظم السّياسيّة بعد الحرب العالميّة الثّانية، في ظلّ الدّساتير الوطنيّة و القوانين الوضعيّة و القوانين الدُّوليّة الأخرى التي كانت، إلى حين، تعبّر عن أحلام الشّعوب المهمّشة.

في إطار ضرورات توسيع السّوق الاقتصاديّة و الماليّة للمراكز السّياسيّة العالميّة، في عصر العولمة، تُشَنّ الحروب و يجري العمل على تغيير الثّقافات بالتّدخّل المباشر في صناعة الرّأي العام المحلّيّ، في المجتمعات التّجريبيّة الجديدة.. و يتوجّه الفعل السّياسيّ المنظّم إلى إحداث خلخلة عميقة في قواعد البنى التّاريخيّة للشّعوب، و يشمل ذلك تصوير قواعد القيمة في أطر جديدة بما في ذلك قواعد السّلوك و الأخلاق، التي تقودها السّياسات المباشرة التي تهدف إلى تغيير الجوهر التّقليديّ، لفهم و إدراك قوانين المجتمعات و السّياسات الاجتماعيّة، التي لا تنفصل عن الأخلاق و نظريّات الأخلاق، و التّأسيس لأدوات جديدة كوسائل في التّمثّل و الإدراك.

يدخل، في هذا التّشويه الشّامل في الحروب، التّلاعب المباشر بالبنى النّفسيّة في المجتمعات التي تُجرى عليها الاختبارات التّاريخيّة المنظّمة، كما يجري الدّخول "البرمجيّ" إلى أشكال "الوَحدة" التّقليديّة للمنشأة التّاريخيّة الاجتماعيّة، في مختلف المؤسّسات بدءاً من الأسرة و نهاية بالمؤسّسة السّياسيّة في النّظام السّياسيّ، مع ما يُضاف في السّياق من ترويج للمآثر الأخلاقيّة النّفعيّة و الأنانيّة التي ذكرها (فوكو) في سياق بحثه في "السّلطة" و "المعرفة"، عندما عرّف "الأخلاق" الصُّنعيّة بأنّها "فنّ عيش الّلحظة"..!؟

في هذا المشهد من الطّبيعيّ، إذاً، أن تصبح "الأجزاء" هي التي تقود "الكلّ"..

المفهوم "المعاصر" على "الدّولة" (كدولة ضعيفة، أو دولة الحدّ الأدنى) هو الذي يقود "الدّولة" و ليس العكس..

و المؤسّسة الاجتماعيّة الأخلاقيّة هي التي تقود نظام الشّرف السّياسيّ؛

و الفرد الهامشيّ هو من يقود الأسرة؛

و الخلوات السّرّيّة المنظّمة هي التي تقود المجتمع في تنظيم المقدّس و الدّينيّ و الدّنيويّ؛

و أخلاق العامّة و قواعد السّوق هي التي تقود الأشكال المنظّمة (أو التي كانت كذلك، و مُمَأسسة) للاقتصاد و المال.

و العرفيّ الاجتماعيّ هو الذي يقود "القرار الإداريّ"؛

و "الشّخصيّ" هو الذي يقود "الخاصّ"، و كلاهما من يقود "العامّ" أو "العموميّ".

في ظلّ هذه الظّروف يبتعد المشهد في تعقيداته إلى ما هو أخطر بكثير.

تنشأ "جماعات الضّغط" الاجتماعيّ- السّياسيّ الجديدة التي استحدثت نعمتها بسرعة خياليّة، و تتظاهر في طموحها المباشر إلى المشاركة و التّدخّل في صناعة القرار السّياسيّ و بخاصّة منه ذي الأثر الاجتماعيّ المباشر، بعد أن أمّنت له جميع مستلزماته من القدرة و الملاءة الماليّة و الحظوة و إعداد الأشخاص في الإدارات العامّة و الذين التحقوا في منظومتها، حيث أمّنتْ انفصالهم و قطعت ارتباطاتهم المصلحيّة و النّفعيّة الخاصّة عن مؤسّسة الدّولة.

و الأخطر في الأمر، في هذا الواقع، يتجاوز، في الحقيقة، جميع توقّعات الدّولة و مؤسّساتها "الاستشعاريّة"، بحيث أنّه حتّى "الباعة الجوالّون" يكتسبون و يتمكّنون من مهارات التّدخّل السّريع في سياسات و اقتصادات الدّولة و المجتمع، بآليّات "اقتصاديّة" و "ماليّة" عجيبة تبدأ بالاحتكار و الإتجار الأسود بالسّلع المنكمشة، و لا تنتهي بالتّدخّل في سوق سعر صرف القطع الأجنبيّ!

ينشأ في هذه الظّروف آليّات "ازدهار" استئثاريّة يجري تبادلها و "توزيعها" خارج التّحكّم الاقتصاديّ للدّولة، بما في ذلك فَواتُ المطارح الضّريبيّة التي تعتبر أساسيّة و أكثر جوهريّة في ظلّ انكماش اقتصاد الإنتاج في الحرب.

تتفاقم، بالتّالي، العزلة الاجتماعيّة للقاعدة الشّعبيّة الدّاعمة للقرار الاقتصاديّ و السّياسيّ للدّولة، مع واقع الظّروف الاجتماعيّة العامّة التي يُتوقّع ازدهارها "عندما تكون هناك حوافز واضحة للإنتاج و لجني المكاسب من التّعاون الاجتماعيّ من خلال التّخصّص و التّبادل التّجاريّ" السّليم.

[راجع: منصور أولسون. السّلطة و الرّخاء. ترجمة د. ماجدة بركة. مراجعة و تقديم د. محمود عبد الفضيل. المنظّمة العربيّة للتّرجمة. بيروت- لبنان. الطّبعة الأولى- 2003م. ص(49)- منطق السّلطة].

بالنّسبة إلى جميع أنواع "السّلطة"، و ليس فقط تلك التي يبحثها هذا الكاتب، فإنّه يمارس السّلطة "بشر"، هم بطبيعة الحال في غاية التّعقيد.
فكما أرى الأمور، فإنّه من النّادر ألّا تكون الدّوافع التي تحرّك البشر دوافع غير مختلطة. و ليس هناك من شكّ في أنّ ما يحرّك الطّبيعة البشريّة ليس المصلحة الذّاتيّة فحسب، بل هناك عنصر خير يتداخل و يتصارع مع عنصر شرّ، و تتوقف النّتائج التّاريخيّة على حوافز أولي السّلطة و مصالحهم الذّاتيّة، لكنّها تتوقّف أيضاً على أخلاقيّاتهم و أمزجتهم".

[المصدر. ص(51)].

و لكنّ ما يُحدّد تلك الآليّات في الحرب هو مزيجٌ أكثر تعقيداً ممّا يقترحه (أولسوند)، بحيث تخرج الجماعات و الأفراد التي تشكّل النّسيج الاجتماعيّ من كلّ إطار للدّرس و الملاحظة، فيصبح ما كان استئناءً في وقت السّلم، هو القاعدة في وقت الحرب، من حيث الدّوافع و الحوافز و استراتيجيّات المنفعة التي تتبدّل تبدّلاً مقلوباً و خارج كلّ نمط اعتباريّ.

تثير مجمل الأفكار السّابقة مسألة شهيرة في الفعل الاجتماعيّ و السّياسيّ الذي تقوم به الدّولة.

و يظهر الأثر الخاصّ لهذه المسألة بوضوح أكبر و أهمّ في زمن الحرب. إنّني أعني بهذه المسألة مسألة "السّيادة".

ارتبطت فكرة السّيادة في الفكر السّياسيّ و فلسفة السّياسة، على السّواء، ببعدها الاجتماعيّ أكثر ممّا تعلّقت ببدَهيّة من بَدَهيّات أثر السّلطة في الدّولة في بعدها السّياسيّ. و لقد تجلّت الفكرة في شكلين على الأقلّ:

ـ أوّلهما، هو ما يتعلّق بسؤال ما هو منشأ السّيادة السّياسيّة؟ و هل هو المجتمع الذي يمنح أو يفوّض السّيادة للدّولة كطبقة سياسيّة محتكرة للعنف المشروع (حسب ماكس فيبر)..

ـ و ثانيهما، هو ما يتعلّق بمدى ممارسة السّيادة و حقول ممارستها الاجتماعيّة و السّياسيّة. و واضح بالنّسبة إلى هذا الأمر أنّ المجتمع هو حقل السّيادة السّياسيّة للدّولة، و هو الأمر الذي يعنينا، هنا، في هذا المقام.

و إذا كان الأمر على ما تقدّم، فإنّ الحرب اختبار قاسٍ لمسألة سيادة الدّولة السّياسيّة في الحقل الاجتماعيّ، في ظلّ ظروف الفوضى النّاجمة عن الحرب.

يقول (ماكس فيبر):

"فالسّيادة تمثّل حالة خاصّة من السّلطة (...)؛ فكما هو الحال بالنّسبة لأشكال أخرى من السّلطة، ليست الغاية الوحيدة و المعتادة خصوصاً لأصحاب السّيادة متابعة مصالح اقتصاديّة بحتة: أي التّحصّل بوجه خاص على تزويدٍ وافٍ بالأموال. و إنّما التّصرّف في الأموال، أي في السّلطة الاقتصاديّة، هو إحدى النّتائج المرسومة للسّيادة في أغلب الأوقات.. و كذلك إحدى وسائلها الأساسيّة (...) و ذلك بصورة تجعل طريقة استعمال الوسائل الاقتصاديّة من أجل الحفاظ على السّيادة هي المؤثّرة في تحديد بنية السّيادة".

[ماكس فيبر. الاقتصاد و المجتمع- السّيادة. ترجمة محمد التّركي. مراجعة فضل الله العميري. المنظّمة العربيّة للتّرجمة- مركز دراسات الوحدة العربيّة. بيروت- لبنان. الطّبعة الأولى – 2015م. ص(183- 184)].

واضح من نصّ (ماكس فيبر) أنّه يُعنى، كعالم اجتماع مُتفرّد و مُبرّز، بالنّسق الثّاني للمعنى الذي حدّدناه أعلاه في كيفيّات انصراف مفهوم السّيادة السّياسيّة إلى الواقع الاجتماعيّ. و هذا هو، بالضّبط، في رأينا، المجال و الحقل البارزان الّلذان تظهر فيهما السّيادة بوصفها أثراً مباشراً للسّلطة السّياسيّة للدّولة، و ليس العكس.

أعني أنّ السّيادة ليست هي التي تمنح الدّولة سلطتها، إذ السّلطة سابقة على كلّ ما عداها، كمانحة لجميع مقوّمات الدّولة، بما فيها الدّولة بالذّات.

و لكن إذا كان لكلّ من السّلطة و السّيادة هذه الأهميّة الحاسمة في ممارسات الدّولة و في مسوّغاتها، فإنّ الأمر يتّخذ له أبعاداً استثنائيّة في زمن الحرب، على اعتبار أنّ الحرب أوّل ما تهدّد، إنّما تهدّد السّيادة بوصفها بديلاً اقتصاديّاً (مُخَفّفاً) للسّلطة في ممارسات الدّولة في المجتمع، في زمن الحرب كاستثناء.

إنّ المراهنة على إفشال الدّولة القويّة، في زمن الحرب، من قبل أعداء الدّولة و المجتمع، الدّولة التي تتمكن من تجاوز مخاطر زوالها (و سورية فعلت ذلك)، إنّما ينصبّ بمخاتلةٍ بديلة تجعل مقاومة الدّولة و انتصاراتها العسكريّة مهدّدةً بالتّفريغ من محتواها الذي يجب أن يبقى شاهداً على هيبة الدّولة، التي فقدت الكثير من أدوات ضبطها و سلطتها، في فوضى المجتمع الذي يميل إلى استثمار ضعف الدّولة في الفوضى، مَيلاً تلقائياً و منظّماُ في وقت واحد.

منذ مئة عام، و في تشرين الأوّل (1917م)، كان (ماكس فيبر) يُشرّح أمام "الجمعيّة السّوسيولوجيّة" في (فيينّا) مفهوم و إشكاليّات "سوسيولوجيا الدّولة". كانت المناسبة هي الحرب العالميّة الأولى. و نحن لا نجد فرصة للتّعرّف على مضمون ذلك التّشريح، مثلما نجدها، اليومَ، و في مناسبة "الحرب" أيضاً.

جاء في "تقرير النّشر" الخاصّ بمحاضرة (فيبر) أنّ "المحاضرة" "تعرِضُ مدخلاً مقتضباً و عامّاً في سوسيولوجيا السّيادة و الدّولة".
و قد "فصّل (فيبر) [في المحاضرة] الطّرق السّوسيولوجيّة الخاصّة للبحث في هذا المجال عن الطّرق القانونيّة (...) و التي أضاف فيها للمرّة الأولى الفكرة حول "المشروعيّة"، هذه الفكرة التي ربطها (فيبر) بإرادة المحكومين الضّمنيّة (...) بناء على الاقتصاد و المجتمع، و المرتبطة بالانتخاب الفعليّ للحاكم".

[المصدر. ص(760- 761)].

يُثير (ماكس فيبر) قضيّة جوهريّة في صلب "محاضرته"، تتعلّق بأنّ "الدّستور" (كلّ دستور) ليس عبثاً أن يُترك فيه "ثغرات قانونيّة" سوسيولوجيّة؛ و إنّما في هذه الحالة، فإنّ الذي يسدّ هذا "النّقص المتعمّد"، إنّما هو "المصلحة السّياسيّة" بما هي مصلحة "السّيادة" في الدّولة.

[المصدر. راجع ص (769- 770)].

و لا حاجة لأنّ نذكّر بشخص مثل (ماكس فيبر) كرائد علم في علم الاجتماع السّياسيّ الحديث و المعاصر.

تُطرح، إذاً، مسألة على غايةٍ من الأهمّيّة.

إنّ سيادة الدّولة، في الحرب و السّلم، هي الرّابطة الاجتماعيّة- السّياسيّة التي بموجبها يكون صدور القوانين و الحكم بها و تنفيذ الأحكام، أمرٌ يُعدّ تحصيل حاصل بناءً على "رابطة" السّيادة، نفسها، التي تربط بين الحاكم (أو الحُكم) و المحكومين، و ذلك بالبُعْدَيْن الّلذين فصلناهما، نحن، أعلاه، في بداية هذه "النّبذة" على "السّيادة".

***

- أدناه تعقيب الأديبة والشاعرة هيلانة عطا الله على بحث "الدولة" في سلسلة الفكر الإستراتيجي:أ هيلانة عطا الله

أصبتَ يا سعادة السفير أتقدم إليك بالشكر والتقدير على مقالاتك التي تزيد من معارفنا، وتوسع آفاقنا، وتحفّزنا على المشاركة..

وفي هذه الحلقة يمكنني القول: إن الدول عبر تاريخها قد تواجهها الهزات وأخطر هذي الهزات الحروب، ولكن الدولة المتينة بأضلاع مثلَّثِها: السيادي والسياسي والاجتماعي..

وبتكامل هذه الأضلاع التي يسند بعضها بعضاً، يمكنها أن تبني نهضتها من جديد، والأمثلة كثيرة في تاريخ الإنسانية..

فالصين تعرضت إلى الانهيار على يد بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى ـ ولا ننسى قصة تحويلها إلى مزارع للأفيون ـ وأعادت بناء نفسها على مراحل مدروسة حتى غدت اليوم الدولة الثانية في العالم، وربما سنراها تحتلّ المرتبة الأولى حسب المعطيات الراهنة..

وألمانيا عادت دولة قوية بعد انهيارها في الحرب العالمية الثانية..

وكذلك اليابان بعد تحررها من قوات الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية..

وكذلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي عانت من ويلات الحروب أيام النظام الملكي، وتعرض شعبها إلى المجاعة التي أودت بحياة أكثر من مليون ونصف، ورزحت بعدها تحت نير الاستعمار البريطاني، حتى قامت الثورة الإسلامية عام 1979، وتلمست ايران طريق نهضتها بخطى ثابتة رغم العقوبات الاقتصادية المجحفة..
وهاهي اليوم تشكل رعباً لدى أعداء المقاومة من الأمريكيين المتصهينين..
ولابد من الإشارة إلى أن النظام السياسي الإسلامي في إيران، جعل من الدين رافعةً لنهضة البلاد، وأستطيع القول إنه نظام متفرّد من حيث تمكنه من المواءمة والتشبيك العقلاني بين الدين والسياسة، لا كما هو الحال في الأنظمة المشابهة في هذا المنطلق والتي دمرها الدين ـ السعودية أنموذجاً ـ.

ولا ننسى الاتحاد السوفياتي الذي قدم الملايين من الشهداء في الحرب العالمية الثانية، وفي الحرب الأهلية الداخلية، وبنى نفسه ليتحول إلى قطب في مواجهة القطب الأمريكي، ثم انهار في تسعينيات القرن الماضي على إثر الحرب الباردة..
وعادت جمهورية روسيا الاتحادية لتبني نهضتها من جديد وهاهي تعود قطباً فاعلاً في النظام العالمي الذي سيشهد تحولاً كبيراً عما قريب، ولا أبالغ إن قلت بعد انتصار سورية والإجهاز النهائي على فورات الربيع العربي.

ولا أجافي الموضوع إن ذكرتُ الهند ودول شرق آسيا.. إلخ والقائمة تطول..

وإنه لمن نافلة القول، أن ننتبه إلى أن شعوب هذه الدول تشكل أمماً حيّة لا تندثر، ومن أحد أسباب ذلك أنها فصلت الدين عن السياسة ـ بالتأكيد ليس هذا السبب الأوحد ولكني أذكره لحاجتنا كعرب وكسوريين إلى الاقتداء به ـ باستثناء الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تشكل أنوذجاً متفرّداً ـ..

ومن أجل المقاربة بين ما ذكرته وبين ما شاهدته من تجربة هذه الأمم، إليكم ما أثار إعجابي بالشعب الصيني:
شاركتُ مع وفد من حزب البعث العربي الاشتراكي بزيارة إلى الصين الشعبية، والتقيت هناك أحد الدبلوماسيين، وكان قد أقام في سورية لسنوات عديدة أثناء تكليفه كأحد أعضاء طاقم السفارة الصينية في دمشق، وكنا نتبادل الأحاديث خارج أوقات البرنامج المحدد لنا، وقد فهمتُ منه أن والده كونفشستي ووالدته بوذية، وعندما سألته كيف يصلي ، أجابني أنه يميل إلى ديانة والدته ولكنه يصلي للصين!

كما عرفت من آخرين أنهم يعتبرون الشخص بحاجة إلى إعادة تأهيل لأحد السببين التاليين: إذا كان قادراً على العمل ولم يعمل، وإذا انطلق في تعامله مع الآخرين من منطلق الدين، علما أن في الصين 56 قومية "هم يسمون الدين قومية".

وبالعودة إلى مقالكَ يا سيدي، وطالما ورد ذكر المفكر "ماكس فايبر" أقول: بالرغم من أنه كان بروتستانياً ومناهضاً للشيوعية، إلا أنه لم يغفل أمراً في غاية الأهمية في علاقة الدولة بالشعب، ألا وهو "العقلنة"، وأشار إلى أن الدين ليس عاملاً أساسياً في السياسة الاجتماعية للدولة.

مع فائق الاحترام.

***

كما عقب الأستاذ فهد ملحم:

(هل المجتمع يصنع الدولة. أم الدولة تصنع المجتمع؟)

هذا السؤال يذكرنا بنظريات العقد الاجتماعي؛ فالبعض منهم أعطى السيادة للحاكم مقابل الأمن، والبعض اعطاه جزءا؛ أما روسو فتطرق لمفهوم الإرادة و التفويض... الخ.

مايهمنا اليوم هل مجتمعنا منذ عام 1963 صنع الدولة وأعطاها السيادة؛ أم أن الدولة كيفت المجتمع وجعلته يتكيف معها تدريجيا؟

كلنا يذكر المادة الثامنة (الحزب القائد للدولة والمحتمع).. وهنا السؤال هل الحزب هو الدولة أم المجتمع أم كلاهما؟ حتى أتت الصيغة بهذا الشكل (السؤال بسيط ومن السهل الممتنع).

ولكن في الحقيقة، والأيام الماضية أثبتت كذلك، أن حزب البعث لم يصدر هذه المادة بهدف الاستبداد بالمجتمع والتفرد به؛ إنما الهدف كان قيادة المحتمع والنهوض به..

ومن هنا رأينا كيف أن المشغلين في الخارج أوعزوا لأدواتهم أن يطالبوا أولا وقبل كل شيء، إلغاء المادة الثامنة (بحجة التعددية والحرية ومكافحة الفساد...)..
لكن هدفهم (بعيد المدى) من وراء ذلك هو دق الإسفين الأول لخلخلة الدولة؛ وبث الفيروسات في جسد (سيادتها)، وتحويلها من دولة الطراز الاول إلى دولة "الحد الأدنى" وبالتالي الإنتقاص من سيادتها وانضمامها إلى باقي الأفلاك التابعة والدائرة حول المركز الامبريالي العالمي..

سورية فوتت الفرص عليهم ولم تتخل عن سيادتها ولا عن مبادئها؛ والوجود الروسي هو حليف رسمي استدعته السيادة السورية، للمساعدة في (حرب السنوات السبع) التي كان هدفها الأول والأخير تعطيل السيادة السورية...

عذرا للإطالة, ولكن مقالاتك المثمرة دكتور بهجت سليمان تحفزنا دائما للكتابة؛ وثمة الكثير من النقاط؛ لكن أحببت أن أدلي برأيي البسيط جدا عن موضوع السيادة.

***

وكان للدكتورة رشا شعبان التعقيب الآتي:أ رشا شعبان

كل الشكر و التقدير لك دكتورنا الغالي لما تمنحه لعقولنا من عصف فكري يطال واقعنا وظروفنا التي نعيش.

نعم صدقت، الحرب واقع انفعاليّ، و الدولة ظاهرة مستمرّة أبدية.

ومن أهم ما يترتّب على ذلك، أنه من شأن السلطة السياسية بعد الحرب، أن لا تستبعد آثار الحرب، و إنما تعمل على تحييد عدم التوازن الظاهر أثناء الحرب، و إعادة تثبيت دائم لعلاقات القوة التي عملت الحرب على زعزعتها و تمييعها، وذلك بنوع من الحرب المعلنة أو غير المعلنة أحياناََ.

نعم لا بدّ من إعادة تثبيت القوة الضرورية في المؤسسات و في التفاوت الاقتصادي وفي جسد النظام السياسي.

إنها عملية استمرار الحرب في السياسة لإعادة توزيع توازن القوى السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، التي عملت الحرب على خلخلتها و التغلغل من خلالها، في حرب داخلية على الدولة بطرائقها الانتهازية و النفعية ، مستثمرة فوضى الحرب.. و انصراف الدولة كاملة للدفاع عن الوطن أمام العدو الخارجي.

وهنا يأتي دور السياسة بوصفها انتقالات في الحرب ذاتها، لتجذير السلم عبر المؤسسات و من خلالها، و إعادة فرض هيبة الدولة وعقلنة المجتمع و تنقيته من البقايا الغرائزية الحيوانية لمخرجات الحرب.

و لا نجانب الصواب في قولنا أن مخرجات الحرب هي ذاتها الداعية إلى إعادة الدراسة و النقد و الفحص، لواقعنا الاجتماعي في السلم و قبل الحرب، و ما يجب أن يكون عليه ما بعد الحرب.
إنه البحث في الأسباب و الدواعي و العلل.

و بإمكاننا القول أن من مخرجات الحرب الإيجابية على سورية، أن هذه الحرب امتلكت القدرة على استكشاف العدو، داخلياََ و خارجياََ.

و الآن نحن مدعوون لمواصلة الحرب على مكوناتها داخلياََ و خارجياََ، وهو التحدي الأرأس للدولة و النظام السياسي.

و من الأهمية بمكان التأكيد، أن من عَمِل على إفشال الدولة أو إضعاف هيبتها، لم يكن عدواََ خارجياََ فحسب، بل كان متغلغلاََ في مفاصلها أحياناََ كثيرة، ينهش في جسدها و يتطفل على مقوماتها، و كان العلّة في استمرارها، تجسيداََ لمصالحه و أنانيته و انتهازيته.

وهذا ما تطرقتم إليه في غلبة الإستثناء على القاعدة خلال و أثناء الحرب.
غلبة الشخصي و الخاص على العام، و غلبة العرف على القانون، و غلبة أخلاقيات السوق على الاقتصاد و المال.
و تحويل و تحوير لبنية الحكومة الراعية و القائدة، و المحافظة على حق المواطن و تأمين احتياجاته، إلى بنية التاجر في المجالات كلها، في علاقته مع المواطن.

في ظلّ هذه الظروف يبدو التحدي الحقيقي أمام الدولة، في إعادة إنتاج جسد الدولة عبر مؤسساته، نحو ما ينبغي أن يكون، و معايير الدولة المنشودة.

إنه التحدي الذي يضعنا أمام مسؤولياتنا في تطهير الدولة و المجتمع، من مجموعات الضغط الاجتماعي المرضية و الخبيثة و الاستثنائية في الحرب، و منعها من الاستطالة لتؤسس لإعادة إنتاج ذاتها بوصفها القاعدة و العام في المرحلة التي تلي الحرب.

إنها معركة السيادة.. و هذا ما أشرنا إليه في مقولة استمراريه الحرب، و التي لابدّ للدولة من الانتصار فيها على من حاولوا اختطافها، عبر الفوضى و العشوائية و قلب المفاهيم الأخلاقية و الاقتصادية و الاجتماعية.

و السؤال، هل نحن قادرون؟

نعم لاشك أننا نمتلك القدرات و الإمكانات، و نصرنا القادم هو الأكيد على قراصنة القيم و الاقتصاد و القانون.

نعم نحن قادرون على بناء سوريتنا العلمانية و الديمقراطية و المدنية و العروبية.

و إذا كانت الحرب قد استطاعت تحويل البعض إلى وحوش و حيوانات و اغتالت عقولهم و ضمائرهم، ف سوف نؤسس و نبني الدولة التي تحترم صيرورتنا الإنسانية، عقلاََ و فكراََ و أخلاقاََ و جمالاََ.

أعتذر عن الإطالة، و أعترف أن ما تقدمه لنا أيها الحكيم د. بهجت سليمان.. يجعلنا في حيرة الإضافة.

كل المحبة و الاجلال لكم دكتورنا الغالي.

***

فيما عقب الكاتب ياسين الرزوق:أ ياسين زيوس

أنا اتمعّن في سلسلة الدكتور الصديق العزيز بهجت سليمان في مسار بناء الدولة و المجتمع و الروح نفسها.

لم أجد بُدّاً من الولوج بالإسلام للانتفاض على صيغ الإسلام السلطوية الممنهجة بشكل لا واعٍ لا منطقي يخالف مقولة الإسلام صالح لكل زمان و مكان و يسير في مقولة القرآن "و شاورهم في الأمر" "و أمرهم شورى بينهم".

و هنا بعد الفوضى و الهرج و المرج في ظلّ التكتيك الدولي لحروب التدمير الممنهج المأخوذة عكس آية من يحاربون اولي الأمر بحجة الفسق و الطغيان ناسين كل التاريخ الإسلامي المتملك و المتأمر بعدم جواز الخروج على الحاكم و خلق الفوضى و الفتنة بين أبناء المجتمع برمته و المسلم خاصة بآية "يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم".

و لا ندري هنا إذا ما كان "ماكس فيبر" يشعر بنهضة بلاده بعد قمة الانهيارات الحربية و لا ندري كيف كان سيسقط الفوضى المجتمعية و الحياتية على أبحاثه في ظلّ الحرب العالمية الكبرى التي خاضتها من بعده كي يمسك إدارتها سياسياً و اجتماعياً بتوجيه هذه الابحاث إلى حيث تلأم جروح الخسارات النفسية و الروحية و المجتمعية و العقلية و البنيوية و الاقتصادية بأسلوب سياسي قادر على تحويل فوضى الخسارة إلى خسارة منظمة في سبيل حسن إدارة هذه الخسارة حتى الربح.

الذي بدا جلياً في نهضة بلاده بعد النزعة الهتلرية في السيطرة على العالم و مقدراته بلغة عقائد الصراع الذي كان نتيجة حتمية تتلوها الأهرام المتصارعة على مسامع الشعوب الغارقة في مذهبها القطيعي بعيداً عن مفاهيم الانغلاقات الدينية و الانحسارات البنيوية.

و لن تألو جماعات الضغط الاجتماعي و السياسي جهداً في تسريع الانهيارات و تصوير شبح الفوضى مخيفاً كي تقتنص ما تقتنص من الفرص و المكاسب غير المشروعة أخلاقياً و بنيوياً لأنها تقتطع من جسد الدولة و المجتمع ما يجعله شبه عاجزٍ عن إدارة الصراعات.

و النموذج الذي تعيشه الدولة السورية بقيادة الأسد على قساوته بات يشكل أنموذجاً في إدارة الصراعات خارجياً و في محاولة إدارة فوضاها داخلياً بما يجعل المواطن شاعراً و متأهباً كي يمارس دوره في تصغير دوائر الفوضى قدر الإمكان بعيداً عن قاعدة المجتمع العامية "اللي بيتجوز أمي منقلو عمي".

و هذا ما يؤكد أن إدارة المجتمع داخلياً لا بد أن ترافقها يد حديدية و عقل واعٍ لا من مبدأ العصا و الجزرة بل من مبدأ "و دَاوِها بالتي كانت هي الداء".

فهل بعد هذه الحرب من نماذج تشفي الأمة من أدوائها و المجتمع من أمراضه المتفشية؟!...

لك النور دكتورنا العزيز صديق الروح بفلسفة الكلمة كي تسري في النفوس المطمئنة

و أودّ أن أختم تعليقي بقاعدة شعرية في إدارة الدين:

ستحترق الرؤى في مهجتي غرقا
و نار الدين تسري في السما غسقا
فلا شفقٌ يبين على مدى حلمي
و نور الله في الأوهام قد خُنقا

December 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
25 26 27 28 29 30 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31 1 2 3 4 5

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
4864376

Please publish modules in offcanvas position.