الصفحة الرئيسية
tot1.jpg

مفهوم الوحدة وتعدّدها من منظورٍ أقلَّوي..

الشيخ شادي عبده مرعي- طرابلس الشامأ شادي مرعي

  • نحو استثمار دور الأقليات لا استعدائِها
  • هل وحدة الأديان هي الحلُّ؟
  • العلويون وطريقتهم الصوفية

في حين يجنح كل العالم المتطور إلى الاتحادِ، وتتجه كل القوى الاقتصادية والرأسمالية العالمية صوب التكتلات والأحلافِ، تفشل كل محاولةٍ (عربيةٍ أو إسلامية) ولو صغيرة نحو أي نوعٍ من شراكةٍ حقيقةٍ..

في حين نجدُ أنَّ محوراً للمقاومةِ قد تشكلَّ بدءاً من لبنان وصولاً إلى روسيا والصين ودول(BRICS) قائماً على محاربةِ محورٍ مُعادٍ له..

هذان المحوران لم تجمعهما عقيدة دينية، بل قضيةٍ يلعب الدين دوراً كبيراً فيها، وليس الدور كله.. والسؤال الذي سنحاول الإجابة عنه في هذه العُجالةِ: هل تلاشت فكرة الوحدة العربية، ناهيك عن الإسلامية؟ وما البديلُ؟.  

في قاموس أحلام شعوبنا العربية والإسلامية مفردةُ (الوحدة)، وفي واقع حقلنا المجتمعي كلمتان تترددان دوماً (أكثرية وأقلية).. وبين الحلم والواقع راحتْ تتبختر هذه الكلماتُ الثلاثُ متعجرفةً على جارياتٍ لها (طائفة، تنوع، حرية..)، ولكنّها للأسف راحتْ تجرُّ أذيالَ خَيْبَتِها، بعد كل تلك الانتصارات اللغوية، والفتاوي البهلوانية، في كتب السير والتاريخ.. ولم تستطع كل هذه الملايين البشرية أن توائم بين هذه المصطلحات القليلة المتصارعة: لا نفسياً ولا منطقياً، بل ما زالت أسيرة خلافاتها ونزاعاتها الأبدية.. بالرغم من كل ما تدعيه وتدعو إليه من مفرداتٍ مسالمةٍ راقيةٍ: حوار، تلاقي، تعاون، تسامح..

وعجزت أكابر علمائها، وأساطين فلاسفتها، عن الوصول إلى معادلة سلامٍ بين هاتين المجموعتين من المصطلحات: بين (الوحدة والأكثرية والأقلية)، وبين (الطائفة والتنوع والحرية...).

وما زال حديثنا هنا عن الصراع الفكري، أما إذا ذهبنا إلى تجليات هذا الصراع على أرض الواقع فلا نجده إلا حروباً ودماراً وذبحاً وتشريداً وتكفيراً، وأشياء لا يمكن بسوادها أن تجد أسود منها..

وهي، عندما عجزت عن الوصول إلى هذا السلامِ المفترض، راحت تسعِّر نار الأحقاد والعداوات بين هذه المصطلحاتِ، حتى انقلبت حياتنا بها إلى ثاراتٍ لا تهدأ.

وبداية نكتفي بتحديد مفهوم ثلاثة مصطلحات في هذا البحث وهي: الأكثرية، والأقلية، والوحدة.

مفهوم الأكثرية

أكثريَّة: مصدر صناعيّ مِنْ (أكثرُ): أغلبيَّة؛ عكسه أقليَّة(1). والأَكْثَرِيَّةُ: الأَغلبيّةُ(2). وهي: طائفة من الناس تجمعهم رابطة اللغة أو الدين أو المبدأ ويعيشون مع طائفة أخرى أقل شأنا وأقل عدداً" الأكثرية القومية، الأكثرية الطائفية، الأكثرية النيابية(3). إذاً هناك ثلاثة أنواع للأكثرية: قومية، وطائفية، ونيابية.. يقابلها بالمنطق ثلاثةُ أقلياتٍ للنوعِ نفسه.

فالقومية: مصدرٌ صناعيٌ بإضافة ياء النسبة وتاء التأنيث إلى القوم، والقوم في المصدرِ: قَامَ ثم غلبَ على الرجال دون النساء، لأنهم قوّامون على النساء، وقوم كل رجل: شيعته وعشيرته(4).

واصطلاحاً: مبدأ سياسي اجتماعي يُفضِّل معه صاحبه كلّ ما يتعلق بأمته على سواه مما يتعلق بغيرها، أو هو: عقيدة تصور وعياً جديداً يمجّد فيه الإنسان جماعة محدودة من الناس يضمها إطار جغرافي ثابت، ويجمعها تراث مشترك وتنتمي إلى أصول عرقية واحدة(5).

فالقومية إذا مذهب سياسي يبني مواقفه وعمله السياسي على المصلحة القومية. والقوميات الأكثرية في عالمنا الإسلامي هي: العرب والفرس والترك.. يُقابلها أقليات قومية: الأمازيغ، الأكراد، الأرمن، واليهود الذين يطرحون دينهم كقومية.

فالقومية العربية كمذهب تتألف من مدارس متعددة، فمنها الناصري ومنها البعثي ومنها القومي الإسلامي ومنها القومي اليساري، بالإضافة لعدد ضخم من القوميين المستقلين الذين يتبنون مزيجاً من أفكار هذه المدارس. وقد طورت لائحة القومي العربي مثلاً منهجاً قومياً يقوم على الاستفادة من أفضل ما أسهمت به المدرسة الناصرية والبعثية والقومية اليسارية والقومية الإسلامية…

والأمازيغ وهم أكبر أقلية قومية في الدول العربية، وأقدم السكان المعروفين في دول شمال أفريقيا، كان الرومان يطلقون عليهم اسم "البربر"، ويقول نشطاءٌ أمازيغ إنهم يعانون من "اضطهاد يتعلق بالهوية وحقوق التعليم باستخدام لغتهم والحفاظ على تراثهم من الاندثار، فضلا عن ضعف المشاركة السياسية في مراكز صنع القرار". وقامت بعض الدول بتعديلات دستورية في السنوات الأخيرة ضمنتها حقوق هذه الأقلية.

والطوارق هم من أشهر قبائلهم، ومن بين مشاهيرهم: طارق بن زياد، عباس بن فرناس، ابن بطوطة، زين الدين زيدان وغيرهم كثير.

يليهم الأكراد الذين يسكنون المناطق الجبلية الممتدة بين شمال العراق وشمال شرقي سورية وجنوب تركيا وشمال غرب إيران وفي دول أخرى مختلفة. ويمثل الكرد أغلبية في هذه المناطق، أو فيما يحب الأكراد تسميته "كردستان الكبرى". ويبلغ عددهم العراق وسورية قرابة ستة ملايين ويبلغ عددهم في دول تواجدهم مجتمعة حوالي 30 مليون.

يتحدث الأكراد بلهجات مختلفة، مثل "الكوراني" و"السوراني" وغيرهما. وقد عانى الأكراد من "اضطهاد" ومنع لاستخدامهم لغتهم وتدريسها وغيرها، ويشتكون من كون الأكراد القومية الوحيدة في المنطقة التي لم تحصل على حق إقامة دولة بعد الحرب العالمية الأولى.

من بين مشاهير الأكراد: صلاح الدين الأيوبي، ابن تيمية، ابن خلكان، حسني الزعيم،.. وغيرهم.. المشكلة إذن هنا بين الأكثرية والأقلية. إذ لم تسمح الأكثرية يوماً ما للأقلية أن تلعب دوراً مستقلاً بمعزلٍ عنها، كالكردية مثلاً مما اِضطرها إلى الانخراط في الجو السياسي للقومية العربية التي اعتبرت نفسها غاية آمال الشعوب التي تعيش تحت نفوذها.. والتركية لا تسمح أيضاً للكرد أو العرب بالدور ذاته، بالرغم من العقيدة الواحدة التي من المفترض أن تكون العامل الأكبر للتوحد بديلاً من العصبية القومية التي لم تزد الشعوب المتعايشة ضمنها إلاَّ أحقاداً وعداواتٍ. وهنا نطرح هذه الإشكالية:     بين حماية الأقليات وجنوحها إلى الفيدراليات: مسألة مساواة أمْ ماذا؟ 

في الظاهر ومن المتبادر اعتماداً على المظلومية التاريخية يُظَنُّ أنها مسألة حقوق مسلوبة وقضية تقرير مصيرٍ مدعومة بنظريات حقوق الإنسان وحماية الأقليات..

هذا صحيح ومطلوبٌ تحقيقه شرط أن لا يخرج عن منطقه التعايشي والتكاملي مع محيطه ليصبح استعداءً انتقامياً لا يرى عدواً أمامه إلاَّ جاره وصديقه ودولته التي انتسب اليها قروناً..

فبين تحصيل الحقوق المشروعية لهذه الأقليات القومية، وبين استغلالها بإثارة نقمتها بنكئ جراحاتها ضد الأكثرية، راحت تسير صوب استقلالها الفيدرالي وفق أجندةٍ رسمتها لها قوى استكبارية عالمية استغلت مظلوميتها للمقامرة بها في حروب الهمجية على شعوب المنطقة..

فلا الأكثرية امتلكت يوماً منطق الشراكة واحترام حقوق مواطنيها، ولا الأقلية اليوم تتمتع بالحكمة والحنكة السياسية كي لا تكون مطية لتدمير جيرانها ونفسها مُغلبةً المستقبل على مظلومية الماضي، والظاهر أنها فقدت الصبر واستشعرت بقرب الفرصة فراحت تتهيأ لاقتناصها..   

والأكثرية الطائفية: موضع الإشكال..

في واقعنا العربي والإسلامي أكثريتان كبيرتان: سنية وشيعية، وما بينهما تعيش أقليات إسلامية ومسيحية ويهودية..

وبدلاً من استثمار دور الأقليات التي كانتْ رائدةً في فكرة القومية والدعوات الوحدوية ومقارعة الاستعمار والرجعيات، راح ينظر إليها من منظور الكم والعدد بعيداً عن الكفاءة والابداع، بعد تخوينها واتهامها بالعمالة للخارج وفقدان السيطرة على مصطلحات قديمة لا ينته مفعولها أبداً، بل تخبو لظروفٍ ثمُّ تُستدعى من دهاليز النصوص وظلمات الصحف لُتحاكم أراءها وتدين معتقداتها فارضةً عليها تصورها المبدئي الاعتقادي وحتى الإنساني.. حتى وصلنا إلى هذه الحالة المقيتة من تشرذم الصفوف وتفتيت القوة التي يجب أن تستثمر في بناء الأنسان لا في تحطيمه.

ناهيك عن تكفيرها وتعظيم تجريمها، ودفعها تارة للانتفاض ضدها أو للاستقواء بالخارج المتربص بنا جميعاً تارةً أخرى. 

الأكثرية النيابية

وهي مصطلح شائع في الحياة السياسية الديمقراطية، وتُطلق الأغلبية على التشكيلات السياسية التي تمتلك أغلب مقاعد البرلمان، بعد حصول حزب أو تحالف سياسي على الكم الأكبر من الأصوات في انتخاب المجالس التمثيلية (البرلمانات).

حكم الأغلبية

إن "طغيان الأغلبية" من أكثر الانتقادات التي توجّه إلى الديمقراطية، لأن القول بأنّ حكومة تعكس وجهة نظر الأغلبية بإمكانها اتخاذ إجراءات لقمع أقلية معينة. وهذا يقوض الفكرة القائلة بأن الديمقراطية تخويل للناخبين ككل.

حكم الأغلبية وحقوق الأقلية

في حين يجب أن يكون هذان المبدآن متلازمان في عملية البناء الديمقراطي، إلا أنه يبدوان وكأنهما متناقضان، فليس من حق أية أغلبية، حتى في ظل الحكم الديمقراطي، أن تحتكر النقاش السياسي حول قضية ما، أو تسلب الحقوق والحرّيات الأساسية التي تتمتع بها الأقلية بسبب خسارتها الانتخابات.

لذلك، فإن الأقلّيات بحاجة دوماً إلى ما يضمن أن الأغلبية الحاكمة ستحمي حقوقها وتحافظ على مصالحها المشروعة وهويتها الذاتية.

إلاَّ أن المشكلة تتأتّى دوماً من غياب مفهوم الديمقراطية والاحتيال عليه، والضحك على عقول الناس، بتكتلات لقوى مستبدة تحصد النتائج الخيالية في انتخابات بإشرافها هي..

هذه الحالة الاستبدادية التي يُلبسونها لُبوس الأكثرية أوصلت الكثير من مجتمعاتنا إلى أن تكون ضحية الاستغلال بشعارات مزيفة كربيع عربي ما حمل إلينا إلا سيولاً جارفةً.. 

مما أوصلنا إلى مفترقٍ خطيرٍ يُجبرنا على التسليم بين خيارين لا ثالث لهما: إما التسليم بالديموقراطية (حكم الأغلبية)، أو التسليم بالأوتوقراطية (حكم الأقلية).

والأول مزيفٌ، والثاني خطيرٌ، ولا سبيلَ لدينا إلاَّ باختراعِ أُسلوبٍ للتوفيق بين حكم الأغلبية وحقوق الأقلية يدير الصراع بينهما بتنافسٍ مشروعٍ، وينظم اختلافاتهما في وجهات النظر للتوصل إلى حلول وسطى للمشاكل الناشئة، ويعقد الاتفاقات التي تبني هذين الركنين الأساسيين للديمقراطية: حكم الأغلبية وحقوق الأقلية.

مفهوم الأقلية

"الأقلية" لغة: ضد "الأكثرية"، و"القِلَّة" تقابل "الكثرة"، وهما يدلان على معنى عددي ليس إلا، وفي القرآن الكريم: ﴿حَتَّى إذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ [الجن: 24].

وقد ظهر هذا المصطلح كتعبير سياسي يعبّر عن مُكوِّنٍ (أصغر) يختلف عن مُكوِّنٍ (أكبر) سياسياً أو دينياً أو عرقياً.

فتارةً تكون الأقلية قائدةً لمجتمعٍ أكثريٍ تعيشُ فيه، وأحياناً العكس.

وهذا التمايز في التوصيف العددي يحمل دلالات بوجود تباين بالضرورة بين هذين المكونين المجتمع، وهي حقيقة اجتماعية وظاهرة صحية ما دامت العلاقة بينهما علاقة تكامل وتلاحم وارتباط، لكنها تتحول إلى أقصى صور التنافر والصراع.

وفي عام 1950م ناقشت اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات التابعة للأمم المتحدة، خلال عدة اجتماعات عقدتها، العناصر الأساسية المحددة لمعنى اصطلاح "الأقلية" فقالت: (إن الجماعات التي تعرف عادة بأنها أقلية قد تنتمي إلى أصل عرقي، قد يكون لها تقاليد دينية أو لغوية أو خصائص معينة تختلف عن خصائص بقية السكان. ومثل هذه الجماعات ينبغي حمايتها بإجراءات خاصة على المستويين القومي والدولي حتى يتمكنوا من المحافظة على هذه التقاليد والخصائص ودعمها).

ومن هذه التعريفات المتقاربة في تحديدها، والمتشابهة في صياغاتها، نستنتج أربعة أبعاد يُبنى عليها مفهوم الأقلية وهي:

1- البعد العددي: يجب ان تكون مجموعة أقلّ عددٍ عن بقية السكان الذين يمثلون الاغلبية.

2- البعد الثقافي(الهُويِة): تميز الأقلية في الهُوية الاثنية او القومية وفي الثقافة او اللغة او الدين.

3- البعد الاجتماعي: لابد ان تكون الاقلية في وضع غير مهيمن يبرر توفير الحماية لها، بعد اختلال ميزان القوى وما ينتج عنه من حرمان وإقصاء...

4- البعد السياسي: ـحرص الأقلية على بقاء خصوصيتها.

وأخيراً، نورد بعضاً من نص إعلان حقوق الاشخاص المنتمين الى أقليات قومية أو أثنية أو أقليات دينية ولغوية والذي أعتمد بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 47/135 المؤرخ في 1992/12/18، مع الإشارة إلى أن هذا الاعلان هو الوحيد الذي تناول الحقوق الخاصة للأقليات في وثيقة منفصلة والذي أمن التوازن بين حقوق الاشخاص المنتمين الى أقليات دينية ولغوية في الحفاظ على هويتهم وتنميتها وحماية الدول لوجودهم وهويتهم القومية والاثنية وهويتهم الثقافية والدينية واللغوية.

ـ الحق في التمتع بثقافتهم الخاصة واعلان وممارسة دينهم الخاص واستخدام لغتهم الخاصة سراً وعلانية.

ـ الحق في المشاركة في القرارات التي تمسهم على الصعيدين الوطني والاقليمي.

ـ الحق في اقامة اتصالات سلمية ومواصلتها مع سائر أفراد جماعتهم ومع أشخاص ينتمون الى أقليات أخرى داخل حدود بلدانهم وعبر الحدود على السواء.

وعلى الدول أن تحمي وتعزز حقوق الاقليات واتخاذ التدابير لتهيئة الظروف المواتية لتمكينهم من التعبير عن خصائصهم وتطوير ثقافتهم ولغتهم وتقاليدهم وعاداتهم.

نظام حماية الأقليات:

أُنشأ في ظل عصبة الامم وتمت الاستعاضة عنه في عام 1947 بصكي ميثاق الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان على أساس حماية الحقوق والحريات الفردية للإنسان وعلى أساس مبدأي عدم التمييز والمساواة وكان الرأي ان لا تكون هناك حاجة الى اتخاذ وضع أحكام خاصة بحقوق الاقليات، الا أنه سرعان ما تجلت الحاجة الى اتخاذ تدابير أخرى لزيادة حماية الاشخاص المنتمين الى أقليات من التمييز.

مفهوم الوحدة

تطور مفهوم الوحدة في مجتمعاتنا من عربية إلى إسلامية، ولم يرق بعد إلى عالميةٍ (كوحدة الأديانِ مثلاً) على الرغم من انطلاق هذه الأخيرة من أفكارِ علماءِ متصوفةِ هذا المجتمع بعينه دون سواه...

وقد تحمست الأقليات الغزيرة في مجتمعاتنا إلى الوحدة العربية وجعلت أقصى مناها وحدة الأديانِ، بينما أحجمت قليلاً عن الوحدة الإسلامية التي كانت وما زالت شعاراً تتنافس عليه الأكثريتان الشهيرتان: السنية والشيعية.

فمن السهل علينا أن نرفع شعاراً ما ونطبل له تهليلاً وتمجيداً، خصوصاً إذا كان مثل هكذا شعار يدعو إلى وحدة العرب أو المسلمين، والأسهل منه أن تمارس الأكثريات المسلمة (العددية) ترفاً فكرياً ساعة تشاء، فتدعو إلى الوحدة أحياناً، مع أضدادها، بعد فتاوٍ شاخت في مصادرها تكفيراً...

ومن اليسير أيضاً أن تجيد هذه الأكثريات لعب دور الأم الحنون والأخ الكبير التي تعض على جراحها التاريخية، وتتجاوز أحزانها المثقلة بالثارات والأحقاد التي هي قبل غيرها من تسببت بها..

وقد شهدنا وشاهدنا دعوات كثيرة ومؤتمرات عديدة ونوادي وجمعيات ومراكز أبحاثٍ ودراساتٍ مدعومةٍ من دولٍ بعينها: نظَّرت وَنظَّمت لهذه الوحدة الإسلامية وتكلفت عليها المبالغ الباهظة، ناهيك عن المشقة في التحضير والإعداد والمتابعة في الإعلان والإعلام..

ورغم كل هذه الجهود الضخمة، باءت كل محاولاتِ الوحدة بالفشل، بل وعلى العكس فقد زادت الشرخ في صفوف الأمة، حتى وصلنا إلى ما نشهده اليوم من ذبح وتشريد وكله ويا للأسف باسم الدين وصولاً إلى الوحدة الإسلامية الحلم.. فأين تكمن المشكلة يا ترى؟. سنحاول أن نشرح هذه المشكلة، ولكن من وجهة نظر مسلمٍ أقلوي(علوي) ناضل كثيراً من أجل الوحدة العربية، وعمل من أجل الوحدة الإسلامية، ولا يرى نجاته إلا بوحدةٍ عالمية تتخذُ من وحدة الأديان الأخلاقية مبدأً تنطلقُ منهُ، ونركزُّ على الوحدة الأخلاقية لاستحالة اتحاد العقائد بعد تعدد المذاهب واختلافاتها الواضحة والكثيرة.   

الوحدة العربية

هذه الوحدة لطالما نادت بها الأقليات متصدرة الجميع رُبما في نضالها من أجل تحقيقها عبر تأسيسها وانخراطها في أحزابٍ قومية نادت بوحدة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، موجهة بوصلتها صوب فلسطين، ونحن هنا بغنىً عن الحديث عنها والإشارة إليها، كونها أشهر من نارٍ على علمٍ.

ولكننا نمر عليها سريعاً..

كان أول كتاب يحمل اسم "الأمة العربية" صراحة، لأحـد المسيحيين العـرب اللاجئين إلى باريس عام 1905، بعنوان "إحياء الأمة العربية"، وفيه دعا مؤلفه نجيب عازوري، إلى انفصال العرب عن الدولة العثمانية، وتكوين مملكة عربية خاصة بهم، لأنهم أمة واحدة لها كل مقومات الأمة.

وقبله برز الأبوان المؤسسان للنهضة الأدبية في الشام: ناصيف اليازجي (1800-1871) وبطرس البستاني (1819-1883). اللذان أطلقا الدعوات للعرب للاتحاد في خدمة لغتهم بعيدا عن الاختلاف العقائدي، وقد أثمرت تلك الدعوات تأسيس عدد من الجمعيات، كان أهمها الجمعية العلمية السورية (1857). وقد ظهرت النزعة القومية بقوة في تلك الجمعية، تجلت في إحدى قصائد إبراهيم اليازجي (1847-1906) التي ألقاها في إحدى الاجتماعات السرية بالجمعية والتي مطلعها:

تنبهوا واستفيقوا أيها العرب ... فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب

وفي عام 1918، احتلت فرنسا ساحل سوريا وبدأت في التحرك إلى داخل الأراضي. فقامت أول ثورة ضد الفرنسيين في سوريا بقيادة الشيخ العلوي المجاهد صالح العلي(1883- 1950) الذي نسجل له هنا هذه المخمسة:

بني وطني وإخواني سلاما     علامَ أرى تفرقكم علاما؟

دعوا هذا التخاذل والخصاما    وسيروا للعلا نفراً كراما

عسى ماضي الزمان بمستعيدِ

وقوله (قدسه الله) في أخرى:

بني الغرب لا أبغي من الحرب      ثروة ولا أترجى نيل جاه ومنصبِ

كفاكم خداعاً وافتراءً وخسةً      وكيداً وعدواناً لأبناء يعربِ

 تودون باسم الدين تفريق أُمةٍ         تسامى بنوها فوق لون ومذهبِ

 ولكنني أسعى لعزة موطنٍ أبيٍ      إلـى كـل الـنـفوس محببِ

وما شرع عيسى غير شرع محمد   وما الوطن الغالي سوى الأم والأبِ

وفي عام 1925 انطلقت الثورة السورية الكبرى بقيادة ثوار جبل العرب في جنوب سورية، وانضم تحت لوائهم عدد من المجاهدين من مختلف مناطق سورية ولبنان والأردن تحت قيادة سلطان باشا الأطرش قائد الثورة العام، وقد جاءت هذه الثورة كرد فعل على السياسات الدكتاتورية العسكرية التي اتبعتها السلطات الفرنسية والمتمثلة في تمزيق سورية إلى عدة دويلات وإلغاء الحريات وملاحقة الوطنيين وإثارة النزعات الطائفية ومحاربة الثقافة والطابع العربي للبلاد ومحاولة إحلالها بالثقافة الفرنسية، بالإضافة إلى رفض سلطات الانتداب عقد اتفاق مع القوى الوطنية السورية لوضع برنامج زمني لاستقلال سورية.

جاءت هذه الثورة امتداداً للثورات السورية التي بدأت منذ أن وطئت قوات الاستعمار الفرنسي الساحل السوري في أوائل عام 1920، واستمرت حتى أواخر حزيران عام 1927، كما مهدت هذه الثورة لخروج الفرنسيين نهائياً من سورية في عام 1946.

الوحدة الإسلامية

لم تُستشر الأقليات يوماً (كما أظنُّ) في الدعواتِ التي تطلق لتحقيق هذه الوحدة، بل كانت تُساقُ إليها من باب تكملة العدد، وليس من باب المشاركة الحقيقي. ومن الطبيعي أن تسعى الأقليات أكثر من غيرها إلى المناداة بالوحدة، لأسباب كثيرةٍ، منها:

 1- شعورها بالضعف والاستهداف المستمر: فمطالبتها بالوحدة يجعلها تستمد قوة وحصانة وحمايةً لوجودها من الأكثريات التي لن يكون عندها ثمة مشكلة معها طالما أنها ما زالت تدور في مجال نفوذها: العقائدي والاستراتيجي والاجتماعي.

2- رغبتها في استراحةٍ من التكفير: عبر انخراطها في هذه المنظومة الكبيرة التي ستؤمن لها جوَّاً مسالماً إلى حد ما تنعم فيه براحة مقبولة من التكفير الذي لم يفارقها يوماً.

3- فرصتها للمشاركة في مراكز القرار: التي ستنعم عليها الأكثريات، فلن تعترض على أفرادها في تبوء مراكز قيادية..

4- إعادة ترميم نفسها على كافة الأصعدة: بعد تاريخ طويل من الانطواء والانزواء والهروب والتخفي، فمطالبتها بالوحدة سيجعلها تستعد للظهور ولتصدير طاقاتها المكبوتة، التي قد سيتاح لها المجال الكامل للتعبير عن ذاتها وإظهار مواهبها واستكمال ما كانت تعاني منه من نقصٍ في الموارد والإمكانيات..

هذه بعض الأسباب التي برأينا أهم دوافع الأقليات لتصدر واجهة المطالبين بالوحدة بمختلف الوسائل والطرق.. وقد يأخذ علينا بعضهم: أن في هذه الأسباب تقية ووصولية، على عادة العرب الذين لا يعجبهم العجب... نقول لهم: وماذا أبقيتهم لهذه الأقليات (المسلمة طبعاً) من بدائل؟.

بعدما أخرجتموها من ربقة الإسلامِ، وبعدما خُيَّرتْ بإحدى ثلاثٍ: إسلام (بعد إسلامها) أو دفع جزية، أو الذبح..

وإذا كانتِ القاعدة الفقهية تقول: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وذلك عندما المفاسد أكبر من المصالح، فإن الواجب عندئذٍ دفعها قدر الإمكان..

وأي مفسدة أكبر من الفتنة والتكفير والذبح والقتل بين أمَّةٍ أُرِيَد لها إلهياً أنْ تكونَ: ﴿.. خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ..﴾؟؟

بناء عليه، فإنَّ أُسلوب الإقلياتِ ليس مدعاةً للتهكم عليها، ولا الإنتقاص من قيمة نضالها، فليس بالإمكانِ أفضل ممَّا كان، وتشويه دورها بادعاء بواطن خفيات الأمور أنه مشبوه وتشوبه ظنون، والإصرار على وضعه دوماً في خانة العمالة، هو الذي أدى إلى تأجيج النزاعاتِ الطائفية في عالمينا: العربي والإسلامي..

وما الضير؟ في اعتمادِ تقيةٍ غير مؤذيةٍ؟

كثيرٌ من الأقليات لجأت من باب التقية إلى التماهي مع محيطها في عاداته وثقافاته، ومع الوقت نست أُصولها وعاداتها.

وإنَّ اعتماد مبدأٍ لتبادل رسائل الحب والملاطفة بين الطوائف:

وهو أجمل ما يمتاز به تراث علماء العلويين غناه بقصائد السلام التي أرادوها رسائل ملاطفة مع الجميع دون استثناء..

وقد يتفزلك علينا متفصح أن هذا من باب التقية...

وجوابنا له: يا ليت الجميع يبادلوننا مثل هذه الرسائل تقية أفضل من المفخخات والمتفجرات والفتاوي التكفيرية... وبالتالي فإنَّ إتباع تقية المُلاطفة والمجاملة كرسائلِ حُبِّ بين الطوائف أجمعها كهذه الرسالة المكزونية (للأمير العلوي الشاعر الكبير المكزون السنجاري) إلى إخواننا أهل السنة الكرام:

بأبي عدي وابنه نلتُ المُنــــــــــــى      وغدوتُ من بعد الجهالة موقِنَا

وبنور هُديِهما هُديتُ إلى الهُدى      فعليهما   منــي   التحية والثنا

إني بدينهما دانٍ رغم العــــــــــــــدى       أُمسيتُ من دون الورى متدينا

بعقيـدةٍ بكـريةٍ عُمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرية       مالي إذا غيــري انثنى عنها انثنا

وبســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــنة لله عثمانية         فاز امرؤٌ أمسى بها متسنِّنا

وأنا اليزيدي الذي رفض العدى       قولي، وفي جهالة قالوا الخنا

وبرسالةٍ أُخرى عالمية منتجبية (لأبي الفضل المنتجب العاني):

وموسويٍ، مسيحيٍ أنا، وإلى       محمدٍ رحتُ عن قصدٍ ببرهانِ

فسمني وادعني في كل منزلة      بمسلمٍ، ويهوديٍ، ونصراني

وبالدُّربة والمران تُصبح التقية أسلوباً جميلاً لتعايش طوائفٍ متناحرة في محيطٍ متوهجٍ بالأحقادِ، فلنعود أنفسنا عليه، كما اعتادتْ على تكفير الآخرين واستحلال دمائهم، كما قال علامة العلويين الشيخ سُليمان الأحمد(1864ـ 1942) (قدسه الله):

ثم المِرانُ يُخَدِّرُ النُّفُوْسَ قَتُرْتَكَبُ العَظَائِمُ، وَتُجْتَرَحُ أَكْبر الجَرَائِمِ؛ غَيْرَ مُتَأَثِّمَةٍ وَلا مُتَحَرِّجَةٍ، وَلِنِعْمَ مَا قِيْلَ (الطويل: 2):

1ـ إِذَا أُلِفَ الشَّيْءُ اسْتَهَانَ بِهِ الفَتَى           فَلَمْ يَرَهُ بُؤْسَى تُعَدُّ وَلا نُعْمَى

2ـ كَإِنْفَاقِهِ مِنْ عُمْرِهِ وَمَسَاغِهِ           مِنَ الرِّيْقِ عَذْبَاً لا يحِسُّ لَهُ طَعْمَا(6)

هل وحدة الأديان الأخلاقية هي الحلُّ:

من روائع نهج البلاغة لمولانا أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلامُ): (الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)، وبتحليلٍ وتأمل لكلامه (صلواتُ ربي وسلامه عليه) نجد فيه تقسيماً مطلقاً للناس إلى وحدتين جزئيةٍ وشاملةٍ.

فالجزئية الصغيرة: هي الاتحاد في الدين (الوحدة العقائدية).

والشاملةُ الكبيرة: هي الاتحاد في الخَلْقِ (الوحدة العالمية).

ولما كانت جميع الأديان السماوية واحدة في العقيدة، وواحدة في الشريعة، وواحدة في الأخلاق، إلاَّ أنها صارتْ أدياناً متعددةً، كما شرحها شاعرنا الأمير المكزون السنجاري:

إِذا كانَ شَرعُ اللَهِ في الدينِ واحِداً    وَعَن مَسلَكِ التَفريقِ فيهِ نَهى الرُسُل

فَإِنَّ سَبيلَ الرُشــــــــــــــــــدِ لِلناسِ واحِدٌ    وَلا غَيَّ إِلّا في مُتابَعَةِ السُــــــــــــــــــــــــــبُل

حتى وصلنا إلى حديث الفرقة الناجية: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة).

والكلُّ يدعي أنه هو هذه الفرقة الناجية بعينها، وكلُّ الخلقِ سواه في النار..

لذلك جاءتِ الصوفية لتضع حلاً يتجاوز كل الخلافاتِ، بقلبٍ كبيرٍ وعينٍ راقيةٍ، وإن كانَ الأمرُ لا يخلو من شطحاتٍ وهفواتٍ، ولكنه بناءٌ جميلٌ يجب الالتفاتُ إلى مضامينه الفكرية والإنسانية.

طبعاً، هي رأيٌ غير مكتملٍ، ويجب مزامنتهُ بنظريةٍ ماديةٍ تدعمُ ذلك الجانبُ الروحي الذي تغذيه الصوفية بكل الحب اللامحدود للخالق أولاً ثم للمخلوقاتِ كلها..

العلويون وطريقتهم الصوفية:

لهم طريقة كالنقشبندية والرفاعية وغيرهما من الطرق الصوفية بالنسبة إلى أهل السنة، وهذا مصدر التقولات الباطلة عليهم [(الشيخ سُليمان الأحمد (قدس سره)]

الأمير المكزون السنجاري (نموذجا):

حَيَ على تَصوُّفً بَمثلَهَ     فليَطُلِ العُجْبُ لأربابِ القِصَرْ

بالإضافة إلى شارحه الأكبر علامة العلويين، فقد تناول دراسته أشهرُ أربعةِ كُتَّابٍ علويين:

1- أدونيس: نظرية الهُو هُو بين الحلاج والمكْزُون السنجاري(1954).

2- حامد حسن: المكزون السنجاري بين الإمارة والشعر والتصوف والفلسفة (4أجزاء، 1970)

3- أسعد علي (معرفة الله والمكزون السنجاري: رسالة دكتوراة في الفلسفة من الجامعة اليسوعية 1972)

4- أحمد علي حسن: (رعفات قلم، والمكزون السنجاري في حمين)... وآخرون جُدُد .   

للمكزون قدَّسه الله داليتين، يُمكن اعتبارهما قصيدتين شموليتين، أي أنَّه قد ذكر أُمهات الأديان كلها، وهي: الثنوية واليهودية والنصرانية والإسلامية..

وقد حاول فيهما الأمير السنجاري محاكاة كل الخلق أجمع، بطوائفه واعقاداته المختلفة.

وفي هذه المحاكاة نرى المكزون قدسه الله يجاهر ويفاخر بالانتماء إلى كل هذه الطوائف وكل هذه الأديان جميعها، أو بالأحرى هي التي تنتمي إليه وتتفرع عنه، مُحاولاً خلق وحدة عضوية وعقائدية بين شتات هذه الطوائف التي يمكن القول عنها أنَّه توجد خلافات واختلافات كثيرة في تنظيمها وانتمائها وعاداتها فضلاً عن مفاهيمها وعقائدها ونظرتها إلى حقائق الأمور. وليس انتماءه هذا هو انتماء المقلدين والتابعين، بل على العكس من ذلك كله، فهو يعتبر نفسه أنَّه الإمام المُقتدى به في سائر هذه الطوائف جمعاء، وكلها قاطبة تقتدي به، وتستنير بهديه:

وَبـِي اِقْتـَدى في الحُـبِّ، مَـنْ:      ثَنَّىَ، وَمَنْ ثَلَّثَ، أَوْ أَسْلَمَ، أَوْ تَهَوَّدَا

فكيف هذا؟ وهل هناك إمام واحد لكل هذه الفئات والفرق المتنازعة والمتحاربة؟!

بل أكثر من ذلك: هل بمقدور مخلوق أن يوفق بين كل تلك الآراء والإعتقادات المختلفة السائدة عند تلك الفرق؟.

ومن هو ذلك الإمام العظيم عند المكزون الذي وصفه شارحه بانَّه: ((كاملٌّ في نفسه مُكمِّلٌ لغيره...؟

لِمَـغيبِ قـَلْبـِي فِي هـَوَاكم مـَشْهـَدُ     كُلُّ البـَريَّـِة: مُطْـلَقٌ وَمُقَـيـَّدُ

يجيبُ الشارح: وإنَّما يتكلمون في مِثلِ هذا المَقامِ بِلسانِ الحَالِ، سَيْرَاً على القدمِ المُحَمَّدي، وَتَحقُقاً بِالمَقامِ الأحمدي..لأنَّ:

كُلُّ المَحاسِنِ: جُـزءُ حُسْنِ مُحَمِّدٍ       وَإِلَيـهِ مَرْجَعُها، وَعَنْهُ صُدُورُهَا

لقد أصبح هو الإمام الأوحد المقتدى به بإرشاداته، وسيداً لكل تلك الفرق، كونه يتكلم بلسان جمعهم أجمع.

وهذا الإمام الناطق بوجدِ كل تلك الملل، أصبحَ أوحداً لا ينازعه في حبِّ خالقه منازع، لأنَّ وحدة الخالق تقتضي أيضاً الإقرار أنَّ كل الخلق باختلاف أجناسهم وأهواءهم وميولهم هم متوحدون حول قضية واحدة وهي أنَّهم عبيد جملةً وتفصيلاً لتلك الذات الأحدية المقدسة، رضوا ذلك أم رفضوه:

فيـهِ تـَوَحَّـدَتِ القُـلوبُ عَلى الهَـوى     وَتَعَـدَّدَتْ أَهْـوَاؤُهُـم فَتَعَـدَّدُوا

لذا فإنَّ عباراته مليئة بالألغاز الصوفية، والأسرار العرفانية، ولناظمها إشارات وحقائق تخالف المتبادر إلى الأذهان من الوهلة الأولى التي يشيعها ظاهر الأبيات، وإن أُخِذت على ظاهرها، كان الناظم والشارح بعيدين كل البعد عن التقاليد الشرعية، والأعراف الإسلامية.

والدليل قوله:

ولَمْ أَزلْ مُتسِّـعاً مُسبِّـعاً     مُخمِّسـاً مُثلَّثـاً مُـوحِّدا

ولكن إن عرفنا أنَّ: كلَّ ما في هذه القصيدة من ذكر هذه الفرق وعقائدها فله فيه إشارات ودقائق تدل على عباراتٍ وحقائق....وأنَّه: قد ذكر أُمهات الأديان كلها، وهي: الثنوية واليهودية والنصرانية والإسلامية... دليل على أنَّ الطرائق كلها متفرعة عن حقائق، وإنْ كان التأويل والآراء المنحرفة أبعد أهلها عن الخط المستقيم..

لذلك يجيب سائله:

قالَ: أَرى الأَشتاتَ في     دارِكَ، جَمعاً مُختَصَر؟

بعد أن وَحَّدَهُمْ بقلبه، فقال:

وَدَعوَتي جَامِعَةٌ لِلوَرى   يَدعو بِهَا المُؤْمِنُ وَالكَافِرُ

وَسلامٌ على طيبِ الكلامِ.

هوامش:

1- معجم اللغة العربية المعاصر.

2- المعجم الوسيط.

3- المعجم الرائد. 

4- لسان العرب (12/505) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (4/124)

5-  الإسلام والحضارة د. محمد محمد حسين ص 201.

6- الإمام الشَّيْخُ سُليمان الأحمد، عضو المجمع العلمي العربي بدمشق: سيرة حياةٍ مثلى، تاريخ جهاد يحتذى، جمع وتأليف وتعليق ولده الدكتور علي سليمان الأحمد، دار الفرقد، ط2/ 2010، دمشق، ص160.

مجلة "البلاد" الالكترونية

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2070166