الصفحة الرئيسية
tot1.jpg

غيلان الدمشقي وعرفانيته.. حرية الإرادة الانسانية وماشكلته من خطر على الاستبداد السياسي والديني والعرقي

كتب الدكتور اليان مسعدأ أليان مسعد

ضمن سلسلة التاريخ المعاكس وسوريون اسلموا باكرا وقتلوا لافتراقهم عن الجماعة على معنى الحرية
في هذا المقال نذكر احد ضحايا من اصحاب الفكر الحر من الذين كفروا ورموا بالزندقة، وبالتالي حكم عليهم بالإعدام وعذبوا وتخلصوا منهم جسديا، لكن فكرهم وفلسفتهم وابداعهم ظل منارا للأجيال تغترف من معينه ما تشاء.
غيلان الدمشقي, هو أبو مروان ابن مروان (مارون) غيلان الدمشقي. والده كان من موالي عثمان بن عفان, وهو أسير من أصل مصري قبطي، ولذلك يُلقب أحيانا بغيلان القبطي. و الثابت لدينا ان غيلان من مواليد دمشق, لذا لقب بالدمشقي, كان يقيم في زقاق فقير بحي في منطقة مستنقعية مليئة بالقصب بقرب أحد أبواب دمشق خارج سورها اسمه باب الفراديس, ويقع مباشرة خلف جامع القصب, وسمي بعدها جامع السادات الذي لا يزال للان يسمى مسجد القصب, وبهذا المسجد البدائي بالعصر الاموي بخلافة معاوية نقلت رؤوس السادات ومنهم حجر بن عدي الذين قتلوا بعدرا ودفنوا بها, ولذا سمي بمسجد السادات وكانوا اربعة عشر رجلا. وحتى الان ازور هذا المسجد الذي يقع خلف عيادتي, واشعر دوما ان المترددين عليه ذوي توجه صوفي وعرفاني عميق. وكانت المنطقة في حينها محاطة ببشر وبمناخ ارامي مسيحي تقي عنيد وعتيد وفقير ومضطهد, وذوي ميول غنوصية عرفانية وسرانية راسخة التقاليد, ولكن هذا التجمع المسيحي الفقير كان منفتحا على العرب اليمانية من المسيحيين الذين اسلم بعضهم. وقد اشتهر غيلان بين جيرانه ومعاصريه، بصلاحه وتقواه وورعه قبل وبعد اسلامه.

مقتل غيلان الدمشقي

اختلف المؤرخون التراثيون في مقتل (غيلان الدمشقي)، فصاحب كتاب (المنية والأمل) - (ابن المرتضى) كتب عنه رواية بطولية يقول فيها: (دعا عمرُ بن عبد العزيز غيلانَ وقال: أعنّي على ما أنا فيه، فقال غيلان: ولـّني أبيع الخزائن وأرد المظالم، فولاّه، فكان يبيعها وينادي عليها ويقول: تعالوا إلى متاع الخونة، تعالوا إلى متاع الظـَلـَمة. وكان فيما نادى عليه جوارب خـز، فبلغ ثمنها ثلاثين ألف درهم، وقد أئتكل بعضها، فقال غيلان: من يعذرني ممن يزعم أن هؤلاء كانوا أئمة هدى وهذا يأتكل والناس يموتون من الجوع؟ فمر به هشام بن عبد الملك وكان وليا للعهد قال: أرى هذا يعيبني ويعيب آبائي. والله إن ظفرتُ به لأقطّعن يديه ورجليه. فلما ولي هشام, خرج غيلان وصاحبه صالح إلى أرمينية، فأرسل هشام في طلبهما. فجيء بهما فحبسهما أياماً، ثم أخرجهما وقطع بنفسه أيديهما وأرجلهما، وقال لغيلان: كيف ترى ما صنع بك ربُّك؟ فالتفت غيلان، قائلا: لعن الله من فعل بي هذا. واستسقى صاحبُه، فقال بعضُ من حضر: لا نسقيكم حتى تشربوا من الزقوم (سم جهنم). فقال غيلان لصالح: يزعم هؤلاء أنهم لا يسقوننا حتى نشرب من الزقوم. ولعمري لئن كانوا صادقين, فإن الذي نحن فيه يسيرُ في جنَب ما نصير إليه بعد ساعة من عذاب الله. ولئن كانوا كذبوا فان الذي نحن فيه يسير في جنب ما نصير إليه بعد ساعةٍ من رَوْح الله. فاصبر يا صالح. ثم مات صالح، وصلى عليه غيلان، ثم أقبل على الناس وقال: قاتلهم الله، كم من حق أماتوه، وكم من باطل قد أحيوه، وكم من ذليل أعزوّه، وكم من عزيزأذلوه. فقيل لهشام: قطعتَ يدي غيلان ورجليه وأطلقت لسانه، إنه قد ابكّى الناس، ونبههم على ما كانوا عنه غافلين. فأرسل إليه من قطع لسانه، فمات، وفي جميع الأحوال قتل بطريقة بشعة.

والمهم الثابت من خلال جميع الروايات أنه قتل بسبب أفكاره الحرة المعارضة للأيديولوجية السائدة، أيديولوجيا السلطة. كما أن جميع الروايات تتفق بأنه (غيلان الدمشقي) كان يقول بمعرفة الله وحرية الانسان, و بأن الله ليس هو خالق أفعال المعصية، بل الإنسان هو صانعها، وهو المسؤول عنها وهذا جوهر الحرية الانسانية. فهو من رواد التنوير في العصر الأموي, كما اشار بعض الباحثين المعاصرين أن الخوارج وضعوا مفهوم الإيمان كقيمة محورية أساسية في الدين، وبذلك خلقوا أزمة عقائدية لعلي ومعاوية، ولم يكن الأمر بالنسبة لهم يستند على رؤى ومفاهيم لاهوتية بقدر ما كان مرتبطا بالواقع السياسي في زمنهم. فهل الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر) كاف أم أن أنه لا بد ويقترن بالعمل بكتاب الله؟ وكانت الإجابة على هذا السؤال تحدد الموقف السياسي من السلطة، بل وتضع صاحب الإجابة في مواجهة واضحة مع أو ضد، وظهرت فرقة ثالثة تدعو إلى الإرجاء. وربما نظر بعض الباحثين إلى الإرجاء باعتباره تخاذلا وموقفا سلبيا، لكن البعض الآخر وجد فيه فرصة لطرح جميع الآراء، بعيدا عن تهديد السلطة الأموية.

اني ارى فيه رائداً من رواد التنوير القدماء في العصر الأموي: وغيلان الدمشقي كان يقف موقفاً معارضاً للأمويين والخوارج معاً، ملتمساً فهما للإيمان يحرره من أيديولوجيا الجبر وأيديولوجيا التكفير في وقت واحد. وعبر قائلا: "إن الإيمان ليس خصلة واحدة, بل هو اجتماع الخصال المكونة له، وهي المعرفة بالله معرفة صادرة عن تفكير وتدبر و اقتناع, والخضوع له والإقرار بالكتاب والسنة والخضوع لهما". وهكذا, فهذا التعريف لا يشترط العمل كمقوم ضروري من مقومات الإيمان، كما يفعل الخوارج الدمويون، لكنه من جهة أخرى يؤكد على القناعة الداخلية الحرة أي أنه كان يحكم على أمور الدنيا من خلال الحكم على أمور الآخرة، أي ممارسة السياسة من خلال الدين.

وآراء غيلان الدمشقي وكلامه و مذهبه العقائدي، هو حدس و بداهة نظرية مستقاة من روح الديانة المسيحية والاسلامية، ومن طبيعة الثقافة السورية السائدة في عصره. ومع أن غيلان كان مشهودا له بصلاح الحال والتقوى، إلا ان ذلك لم يشفع له عند الحكام المسلمين والمؤرخين الإسلاميين. فقد وصفه ابن بطة العكبري، بأنه: كان جهمياً. ولم يتورع الإمامان، الآجري وابن عساكر، عن ترديد عبارة الإمام (مكحول) القائلة بحسم: (تَرَكَ غيلان هذه الأمة، في لُجج مثل لُجج البحار). بل أنه يذهب إلى أن كتاب ذلك الزمان وأئمة التدوين والمؤرخين والرواة وضعوا أحاديث عن الرسول يدين فيها بشكل مسبق مذهب غيلان، بل هناك من مشايخ السلفيين من وضع حديثا نبويا يذكر غيلان بالاسم ويقرنه بالشيطان, و يقرن حديثه بالأسانيد, حيث يذكر ابن عساكرما يلي: (عن أبي الفضل بن محمد بن حرب، عن يعقوب الأنطاكي، عن الوليد بن مسلم، عن مروان بن سالم الجزري، عن الأحوص بن حكيم، عن خالد بن معدان، عن عبادة ابن الصامت، قال: قال رسول الله: يكون في أمتي رجل يقال له غيلان، هو أضر على أمتي من إبليس)!. فتأملوا هذا الكاذب, ومع الاشارة ان اكثر من ذكر سابقا مشهور بتلفيق الاحاديث, وهذا الحديث يرد في واحد من اهم أمهات كتب التراث، ولمؤرخ لا تناقش رواياته وحاشى للرسول أن يصدر منه مثل هذا القول، فلو افترضنا جدلا ضرر (غيلان), فكيف هو أضر على الأمة من إبليس، وإبليس هو محرك الشر في تاريخ البشرية، والموسوس لمليارات المليارات من البشر وفي جميع الأديان، بينما هذا الرجل التقي صار أكثر ضررا منه على الإسلام؟! ألأنه وقف في وجه طغاة استثمروا واستعبدوا؟! كيف لنا أن نثق بهذا التراث ونتحقق منه؟ ألم ويكشف لنا الباحث الإسلامي العراقي مرتضى العسكري في كتاب له عن وجود مائة وخمسون صحابي مختلق, أي لا وجود لهم, وإنما هم من خلق الرواة, كي يدعموا ويسندوا أحاديثهم الموضوعة حسب رغبة السلاطين والحكام، ليمنحوها شيئا من المصداقية؟!

والثابت عن المؤرخين والباحثين المعاصرين, أن اختلاق الأحاديث النبوية لدعم السلطة بدأ بعد وفاة الرسول مباشرة, وازداد بالعصر الاموي ليصل إلى قمة الكمال بصنعة التلفيق والتوثيق بالعصر العباسي لدعم حكمهم واضطهادهم للسكان الاصليين والفقراء, وهذا ما يشير إليه محمد عابد الجابري في كتابه (نقد العقل العربي -3- العقل السياسي العربي - محدداته وتجلياته) حينما يكتب: "إن أيديولوجيا الجبر، هذه، التي كرسوها تبريراً لسلطتهم هي وحدها التي تفسر كثيراً من الأحاديث المزورة التي قيل إنهم روها عن النبي. المهم هو أن يتخذ الخلفاء هذه الأحاديث مبرراً لشرعية حكمهم واستبدادهم, باعتباره أنها أُخبرت عنهم وبالتالي فهو قضاء وقدر من الله نوه اليه الرسول. واليكم كيف كانت المصادر الاقرب لوفاة غيلان المشقي تتذكره وتحترمه وتجله لا بل تقدسه ثم كيف بعدها بدأت عملية التشحيب, وبنفس ما تم لورقة بن نوفل مثلا, فهذا الأشعري يستذكر غيلان الدمشقي اذ يُعد كتاب (مقالات الإسلاميين)- تحقيق وشرح د. نواف الجراح لمؤسس المذهب الأشعري (أبي الحسن الأشعري) من أمهات المصادر العربية الإسلامية لمعرفة الحركة الفكرية في العصرين الأموي والعباسي، فقد ولد أبي الحسن الأشعري عام 260 هجرية وتوفي في العام 320 هجرية وهو قريب زمنيا من غيلان, ففي كتابه يرد ذكر غيلان الدمشقي خمس مرات وفي جميعها يستشهد برأيه و يؤكده وقد جاء في التعليق والتعريف به من قبل المحقق في موضعين مختلفين، ففي المرة الأولي يتم تعريفه بالشكل التالي: (غيلان هو غيلان بن مروان ويقال ابن أبو مروان (مارون) مولى عثمان بن عفان (انظر: الطبري) استنابه عمر بن عبد العزيز وعده ابن المرتضى من رجال الطبقة الرابعة من المعتزلة (انظر طبقات المعتزلة), وفي موضع آخر من الكتاب يعرفه المحقق: غيلان أخذ مذهب القدر عن معبد الجهني, استنابه عمر بن عبد العزيز في خلافته ثم قتله هشام (انظر: ابن المرتضى: طبقات). بينما الاشعري نفسه يعده من المرجئة، ويصنفه في الفرقة السابعة حيث يكتب: (الفرقة السابعة من المرجئة "الغيلانية" أصحاب " غيلان" يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله الثانية والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء به الرسل, وبما جاء به من عند الله سبحانه وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار فلذلك لم يجعلها من الإيمان). وفي موضع آخر: (وذكر "زرقان" عن "غيلان" أن الإيمان هو الإقرار باللسان وهو التصديق وان المعرفة بالله فعلُ الله وليست من الإيمان في قليل ولا كثير واعتلّ بأن الإيمان في اللغة هو التصديق). وهذا تصنيف يبعده تماما عن (القدريين) ويضعه بخانة العارفين بالله (الغنوصيون). ولعل هذا التصنيف الذي اعتمده (الأشعري) اعتمده (محمد عمارة) في كتابه (تيارات الفكر الإسلامي) حينما يتحدث عن (المرجئة) فيكتب: (لقد جاء هذا الاسم، الذي عرفت به أحزاب وفرق وجماعات إسلامية عدة، جاء اشتقاقا ونسبة إلى مصطلح: "الإرجاء". وهذا المصطلح قد عني، في الفكر الإسلامي: الفصل بين "الإيمان"، باعتباره نشاطاً وممارسة ظاهرية قد تترجم عما بالقلب من إيمان. والشائع في كتب المقالات الإسلامية أن تيار الإرجاء في الفكر والتاريخ الإسلامي قد توزعته فرق عدة. منها الغيلانية: أتباع أبي مروان غيلان بن مروان الدمشقي). وبالرغم من أنه يقسم الإرجاء إلى قسمين كبيرين - الإرجاء الأموي، والإرجاء التقدمي الثوري، ويعرف الإرجاء الأموي بأنه بدأ ببني أمية واستمر بالعصر العباسي وأركان دولتهم وأنصارها واستهدف إبعاد شبح "التكفير" والإدانة الدينية عنهم الذين اغتصبوا السلطة وقلبوا نظام الحكم من (الشورى) إلى (الوراثة)، أما الإرجاء الثوري الذي كان فلسفة الانتفاض والتمرد والثورة على حكمهم لاسيما بين أبناء الشعوب واغلبها من المسيحيين وبعض الصابئة والمانويين من سكان سوريا والعراق و التي دخلت الإسلام حديثا و الذين كانت جل مطالبهم حسب فهمهم للاسلام أن تعود (الشورى) فلسفة لنظام الحكم والا كما قال الخريت (انا لما كنا عليه لافضل), والخريت شيخ ورئيس قبيلة ناجية وهم من نصارى العرب وأسلموا وحاربوا مع علي بصفين وبعد المقتلة تلك بصفين عادوا للمسيحية وهاجروا هربا الى اسياف فارس (الشاطئ الشرقي للخليج العربي ) ولاحقهم علي وقتلهم عن بكرة ابيهم بذريعة الردة, وهي تعد بعد حادثة قتل خالد بن الوليد غيلة للنصارى عرب ضواحي الحيرة, و تعتبر الحادثة الدموية المروعة الثانية التي ستلقي بظلالها على العلاقة المسيحية الاسلامية وهؤلاء مع الاراميون من الذين قبلوا الاسلام مبكرا كانوا يأملون بدولة عادلة مختلفة عن الروم والفرس وان يُعزل الولاة، وقادة الشرطة، النهابين للخيرات والمغتصبين للنساء وسارقي الاطفال ليبيعوهم كرقيق, وكانوا ياملون أن يشترك الناس من السكان الاصليين في اختيار الولاة الذين يحكمون الأقاليم, وكل ما اقوله طمسه المؤرخون العرب والمسلمون, وأعادوا انتاج تاريخ لا تشعر اثناء قراءته بوجود ثمانية مليون من البشر بالعراق والشام وستة مليون بمصر, ولابد من ذكر بين هؤلاء قادة الانتفاضات ضد الأمويين مثل الجهم بن صفوان، الذي يُعد من الآباء البارزين لعلم الكلام، وكذلك المختار الثقفي الذي قاد كلدان جنوب العراق ويسميهم العرب بالموالي وبالاعاجم في ثورة من اهم الثورات المتلطية شكلا بعباءة ال البيت, لكنها كانت اجتماعية طبقية بالمطلق وكادت تطيح بالامويين, وكذلك حمدان قرمط مؤسس الحركة القرمطية الاسماعيلية الذي كاد يطيح بالعباسيين.

ونعود لمحمد عمارة الذي لم يذكر غيلان الدمشقي الا ليشوهه, نظرا لطائفيته وفقره بالامانة العلمية وانحيازه لاسوأ أنواع الفاشية الدينية، و هو لم ينسبه لأي من قسمي الإرجاء، رغم انه اعتمد على الأشعري في توصيف أحدى الفرق باسمه. لكن الملفت للانتباه عند (د. محمد عمارة) أنه يذكر ايضا( غيلان الدمشقي) عند حديثه عن (المعتزلة) ليلحقه بالتشيع وال البيت, وليعرض به وبهم بطرف خفي وخبيث, وهو الذي كان وزيرا وواليا بعهد عمر بن عبد العزيز فيكتب: (كان اثنان من الموالي قد نشآ بالمدينة، وتعلما في بيت من بيوت آل البيت - بيت محمد ابن علي بن أبي طالب (المعروف بابن الحنفية) - (21-81 هج- 642-700م) وزاملا وتتلمذا على اثنين من بنيه وهذان هما: أبو مروان غيلان بن مروان(مارون) الدمشقي (الذي استشهد بعد سنة 106 هج) والذي تعلم على الحسن بن محمد بن الحنفية (100هج - 718 م) ثم ذهب إلى الشام فقاد تيار العدل والتوحيد هناك. وأبو حذيفة واصل بن عطاء الغزال (80-131 هج- 699-748 م) الذي تعلم على أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية (99 هج- 717 م) ثم ذهب في سنة 101 هج إلى البصرة، حيث كان الحسن البصري يقود تيار العدل والتوحيد فيها، وهنا نرى د. محمد عمارة ينسبه مرة لتيار (المرجئة) ومرة بين آباء (الاعتزال). ليضيع كل وضوح حوله, لكنه في موضع آخر من كتابه يكتب: "صحيح أن فكر المعتزلة قد ولد في بيت عربي، هو بيت محمد بن الحنفية". ثم ليفصح عن حقده على السكان الاصليين المسيحيين الذين اسلموا مبكرا, ونعته لهم بتلك الكلمة الحقيرة (الموالي) قائلا (لكن الموالي كانوا من أبرز فرسان هذه الفرقة وأكثر أعلامها وعلمائها عطاء ونشاطا): والغريب أن (أبا الفتح الشهرستاني) صاحب كتاب (المِلل والنِحل ) يذكره في كتابه ناسبا إياه الى ثلاث فرق، الأولى: (الواصلية): (الواصلية أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال، كان تلميذ الحسن البصري. واعتزالهم يدور على أربع قواعد. القاعدة الأولى: القول بنفي الصفات عن الباري تعالى والا وقعنا بالتجسيم. القاعدة الثانية: القول بالقدر وإنما سلك في ذلك مسلك معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، وقرر واصل بن عطاء هذه القاعدة أكثر ما كان يقرر قاعدة الصفات. والثانية: (الثوبانية) وهم حسب تعريفه أصحاب (أبي ثوبان المرجيء)، الذين زعموا أن الأيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى وبرسله عليهم السلام، وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله، وما جاز في العقل تركه فليس من الإيمان، وأخر العمل كله مكن الإيمان. ومن القائلين بمقالته أبو مروان غيلان بن مارون (مروان)الدمشقي، ثم يذكره للمرة الثالثة عند الحديث عن فرقة (الصالحية) حيث يكتب: (أصحاب صالح بن عمرو الصالحي الذي قتل مع غيلان، ومحمد بن شبيب وأبو شمر، وغيلان، كلهم جمعوا بين القدر والإرجاء، ونحن وإن شرطنا أن نورد مذاهب المرجئة الخالصة، إلا انه بدا لنا في هؤلاء، لإنفرادهم عن المرجئة بأشياء. وأما غيلان بن مارون من القدرية المرجئة، فقد زعم أن الإيمان هو المعرفة الثابتة بالله والمحبة والخضوع له والإقرار بما جاء به الرسول وبما جاء من عند الله والمعرفة الأولى فطرية ضرورية، فالمعرفة على أصله نوعان، فطرية، وهو علمه بأن للعالم صانعاً، ولنفسه خالقاً، وهذه المعرفة لا تسمى إيماناً، إنما الإيمان هو المعرفة الثابتة المكتسبة. بينما يعرّفه المحقق في الهامش معتمداً على كتب تراثية بأنه: (غيلان، ذكره في التبصير أنه غيلان بن مسلم، وفي تهذيب التهذيب أنه غيلان بن أبي غيلان مروان المقتول في القدر ضال مسكين وهو غيلان بن مسلم كان من بلغاء الكتاب ومن أصحاب الحرث الكذاب وممن آمن بنبوته فلما قتل الحرث قام غيلان مقامه وقد أخذ عن معبد الجهني البصري بدعة القدر وقد ناظره الأوزاعي وأفتى بقتله. (لسان الميزان، وتهذيب التهذيب).


اما د. عبد الرحمن بدوي, وهو اسلامي علماني معتدل وعلمي, فيقول مفندا ما سبق في كتابه (مذاهب الإسلاميين): (فلو رجعنا إلى صاحبنا واصل بن عطاء, لم نجد في المصادر الباقية لدينا ما يدل على مدى تحقيقه لهذه المسألة, وما أدلى به من براهين لإثبات حرية الإرادة. إنما تورد بعض المصادر أنه تلقى مذهب القدر، أعني حرية الإرادة، عن غيلان الدمشقي. فمن هو غيلان الدمشقي هذا؟ اختلف فيه أصحاب كتب الكلام على طرفي نقيض: فالمعتزلة منهم مدحوه كثيرا، بينما ذمه أهل السنة ذماً بالغاً. والواقع أن أهم مؤرخ تراثي يتعاطف مع (غيلان الدمشقي) هو (أحمد بن يحيى بن المرتضى المتوفى سنة 840 هج /1437 م), ففي كتابه (المنية والأمل في شرح كتاب المِلل والنِحل) أو كما نشره (سوسنة ديفلد فلزر في عام 1961 بعنوان (كتاب طبقات المعتزلة) حيث نجد معلومات لا بأس فيها عن غيلان حيث يكتب: (وكان واحد دهره في العلم والزهد والدعاء إلى الله وتوحيده وعدله. وقتله هشام بن عبد الملك، وقتل معه صاحبه صالحاً. وسبب قتله أن غيلان لما كتب إلى عمر بن العزيز كتاباً قال فيه: ("أبصرت ياعمر وما كدتَ، ونظرت وما كدتَ. اعلم ياعمر أنك أدركت من الإسلام خـَلـَقـاً بالياً، ورسماً عافياً. فيا ميت بين الأموات! لا ترى أثراً فتتبع، ولا تسمع صوتاً فتنتفع. طُفىء أمرُ السنّة، وظهرت البدعة. أُخيف العالمُ فلا يتكلم، ولا يُعطى الجاهل فيسأل. وربما نجت الأمة بالإمام، وربما هلكت بالإمام، فانظر أي الإمامين أنت فأنه تعالى يقول: "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا" (الأنبياء: 73) فهذا إمام هدى ومن اتبعه شريكان، وأما الآخر فقال تعالى: "وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويومَ القيامة لا يُنصرَون" (القصص: 41) ولن تجد داعياً يقول: تعالوا إلى النار - إذاً لا يتبعه أحد - ولكن الدعاة إلى النار هم الدعاة إلى معاصي الله. فهل وجدت ياعمر حكيماً يعيب ما يصنع، أو يصنع ما يعيب، أو يعذب على ما قضى، أو يقضي ما يعذب عليه؟ أم هل وجدت رشيداً يدعو إلى الهدى ثم يُضِل ُّ عنه؟ أم هل وجدت رحيماً يُكلّف العباد فوق الطاقة أو يعذبهم على الطاعة؟ أم هل وجدت عدلاً يحمل الناس على الظلم والتظالم؟ وهل وجدت صادقاً يحمل الناس على الكذب والتكاذب بينهم؟ كفى ببيان هذا بياناً، والعمى عنه عمىً - في كلام كثير). فالمرتضى في كتابه "المنية والأمل في شرح كتاب المِلل والنِحل" يقول عنه - وهو يضعه على رأس الطبقة الرابعة من طبقات المعتزلة. أخذ المذهب عن الحسن بن محمد بن الحنفية.

وروي أن الحسن كان يقول كلما رأى غيلان في الحج يقول: (أترون هذا؟ هو حجة الله على أهل الشام، ولكن الفتى لا محالة مقتول). ويؤكد (د عبد الرحمن بدوي) تعليقا ما سبق بأن فيه تقرير لمذهب حرية الاختيار والحرية، وان الله لا يعمل إلا الأصلح، ولا يعذب على ما قضى ولا يقضي بما يعذب عليه ومعنى هذا ان الله لا يقضي ويامر بالمعاصي، بل الإنسان هو الذي يرتكب المعصية بإرادته واختياره الحر، وإلا فكيف يجوز في الحكمة أن يعذب الله على فعل فعله هو؟ والله حكيم فلا يصنع ما هو مذموم ورحيم فلا يكلف فوق الطاقة وعادل فلا يحمل الناس على ارتكاب الظلم وصادق, فلا يحمل الناس على الكذب), وفي هذا بذور أولية لمذهب المعتزلة في العدل والحرية، وفي حرية الاختيار.

وبصدد (غيلان الدمشقي) لم نجد من يقف إلى جانبه ويعيد الاعتبار له, ويتعاطف معه, بسبب الشعوبية العربية والاسلامية التي غذاها الخلفاء لاستغلال البشر, وخصوصا السكان الاصليين وتسببوا بدمار حضارة بلاد الشام والرافدين ومصر وفارس, بل يثيرون دوما أسئلة مهمة حول غيلان وامثاله وحول حركة (الاعتزال) بعده, ولكن لماذا كانت الوطأة على المعتزلة من جهة المعاصرين لهم واللاحقين بهم، أخف وألطف كثيرا مما لقيه غيلان الدمشقي، مع أن المعتزلة الذين كان لهم مؤيدون كثيرون ومنهم خلفاء كالمأمون والمعتصم والمقتدر، إنما استكملوا كلام غيلان وأكملوا مذهبه؟ هل لأن المعتزلة، مع أنهم توغلوا في الأمر بأكثر مما فعل غيلان، كانوا يحرصون على الكشف عن (إسلامية) الأصول التي قالوا بها، أعني الأصول الخمسة التي ميزت مذهب الاعتزال، بينما كان غيلان يستكمل الطريق العرفاني الغنوصي الارامي السوري وعلى طريق الغنوصيين النصارى الذين علموه الانسانية بالبدء، وان يبدأ من الواقع لا من النص, وبالانسان لا من الظنون؟ ولماذا يُشنع على غيلان الدمشقي وهو وزير ومستشار الخليفة عمر بن عبد العزيز التقي الورع الزاهد والذي توفي عند والدته بدير مار مارون الكبير بمعرة النعمان وقبره هناك يشهد ورغم ذلك بقي اسمه الخليفة الراشدي الخامس, وأما وزيره وصفيه غيلان, فهو كافر زنديق يجب قتله بالايام التي تلت وفاة عمر بن عبد العزيز؟! ويتم التذكير بعنصرية وشعوبية عربية واسلامية مشهورة دوما بأن أستاذه (يعني معبد الجهني) تلقى علوم الدين عن أستاذ نصراني (سوسن) وكان مسيحيا فأسلم ثم عاد فتنصر, او يلحق غيلان بمنهج محمد ابن الحنفية تعريضا وايحاءا انه موالي لال البيت وهو ليس كذلك؟ و بينما يحقر غيلان واصوله يُمتدح بعض رجال المعتزلة اللاحقين زمناً، بصفات نصرانية خالصة على سبيل التعظيم دون حرج، فيقال دون وجل او تحفظ مثلاً لأبي موسى المردار تشريفا له على أنه: (راهب المعتزلة الاعظم)! أم ان الشعوبية العربية والاسلامية للطبقات المسيطرة تحابي حتى من هم ليسوا على سراطها, فهنالك معارضون مدللون من جماعتهم ومعارضون لا بد من احالتهم هباء منثورا, و ينبغي لمن اصوله عربية ومن الطبقات المسيطرة ان نؤرخ له بالتمجيد, فعند ذلك حتى مروقهم عن الشائع بالدين حلال زلال ولا بد من احترامهم وتحملهم, فعشائرهم سيوفها طويلة, وكذلك ألسننهم المنافحة عنهم طويلة وتعرف ان تقتص من المتطاولين, أما السكان الاصليين, ولو اسلموا فهم موالي ادنى من مستوى البشر, و سيبقون يدفعون الجزية مستغلين ومحرومين من التفكير ومنزوعي الكرامة و تطوى حياتهم خارج نطاق رحمة محمد!

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2072492