الصفحة الرئيسية

الكتاب.. الذاكرة و الوجع

يحيى زيدو

’’يا يحيى خذ الكتاب بقوة’’أ يحيى زيدو
عندما كنتُ صغيراً.. اعتقدت أن النداء موجّه لي و ليس لأحدٍ آخر، أو هكذا فهمت.
حملت (كتابي) بيميني، خبّأته تحت إبطي مرّاتٍ كثيرة، وضعته تحت سترتي عند هطول المطر..
و حملته في حقيبتي معظم الأوقات حتى انتهيت به محفوظاً في قلبي.
كنت خائفاً من (كتابي) و خائفاً عليه، و ربما عملتُ على الحفاظ عليه أكثر مما قرأتُ فيه
كعازف قيثارةٍ خبّأ قيثارته أكثر مما عزف عليها، خشية أن تنكسر أو تضيع.
عبرتُ دروباً ضيقةً، قطعتُ مسافاتٍ، و لم يكُ في عقلي سوى (كتابي)، كيف أحفظه و أحافظ عليه؟!
على أطراف المدن، و أرصفة الشوارع، و ما تبقّى لي من ظل الحائط و أنا أسير باحثاً عن نفسي، كان (كتابي) خريطتي، أفرد صفحاته على جدران قلبي كمخططٍ حربيٍ، أستطلع جهات العدو و الصديق، و أحدّد الوجهة التي عليّ أن أخطو خطوتي الأولى نحوها.
’’انتبه إلى الخطوة الأولى’’ كانت نصيحة أبي التي لم تفارقني حتى اليوم، دوّنتها على الصفحة الأولى في (كتابي) لتكون بوصلتي إلى الغد. الخطوة الأولى الصحيحة قد تليها خطوة صحيحة أو خاطئة، أما الخطوة الأولى الخاطئة فهي ستكون متبوعةٌ دائماً بخطوة أكثر خطأ و قد تصل إلى حدود الخطيئة فتكون سبب التهلكة.
لم يكن (كتابي) سوى حكايات الطبيعة لقريةٍ بدت نائيةً و معزولةً عن العالم، كتاب يحمل أسرار شجرة التوت، ورائحة الزيزفون الواقف كحارس على سياج الحواكير، و بضع صفصافاتٍ تحنو بظلها على سواقٍ صغيرة شحيحة بمائها.. و كثير من النرجس و البنفسج و شقائق النعمان.. و من الزوفى و الزعتر البري و البطم و الغار و السنديان في الجبال المحيطة. صورٌ مذهّبةٌ من بيادر القمح، وشرنقة القزّ ناصعة البياض بعد اكتمال دورة الحياة فيها، و بقايا أحاديث الكبار و أوهامهم عن الحق، و الخير، و الفضيلة، و الرزيلة، و النميمة.. عن حميمية ذكريات الشتاء و حكاياته بانتظار موعد الحصاد لضمان مؤونة الشتاء... من الغذاء و الحكايات التي ستتكرر دائماً.
كم أرهقني (كتابي) الذي حاولتُ أن أفهم العالم من خلاله، فقد بدا لي أن هذا (الكتاب) هو روح الكون لكن يبدو أنني لم أقرأه كما يجب لذا لم أتمكن من ترجمة العالم إلى لغته. فشلتُ في دخول عوالم لم يحتويها (الكتاب-كتابي). و انتبهتُ متأخّراً أن لكل إنسانٍ كتابه الخاص و عوالمه، و أنّه حتى لو اشترك كثيرون في (كتابٍ) واحدٍ فإن كلّاً منهم يقرأه بلغته و مشاعره الخاصّة ليصبح (الكتاب) الواحد كتباً لا كتاباً. كتبٌ بعدد الأفهام التي تقرأها.. بعدد العيون التي تنظر إليها، بعدد القلوب التي حفظتها و حافظت عليها،بعدد الأرواح التي آمنت و ارتقت، أو انحدرت بها، إلى عوالم أخرى.
اكتشفت أن بعض صفحات (كتابي) ممزقة،لا حياة فيها، بل كان الموت و الغياب عنوانها الرئيس؛ فأصبح الاحتفاظ بها كالاحتفاظ بطائرٍ محنّطٍ في إحدى زوايا البيت، يوحي بالموت أكثر مما يوحي بالحياة و التجدّد.
كيف لي أن أخرج من (كتابٍ) سكن فيّ و سكنت فيه و إليه وأنا الذي لم أقرأ سواه؟
و كيف يحضر الغياب بكل هذه القسوة في لجّة الحاضر المضطرب؟
و كيف لمرآة الروح أن تبقى نقيّةً بعد كل الانكسارات التي أصابتها؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

August 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 31 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2
عدد الزيارات
1466752