الصفحة الرئيسية
tot1.jpg

خاص "فينكس".. بعض معارك "ممدوح عدوان" الثقافية

عرفت الساحة الأدبية العربية معارك ثافية وسجالات فكرية طوال القرن الماضي, مثل ذلك السجال الذي اثاره كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين, مطلع القرن الماضي, والسجال الراقي الذي دار بين الامام محمد عبده وفرح أنطون, وجرى مثيله بين أمين الريحاني معاصرين له, ولن ننسى الاشارة إلى كتاب "الاسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق, و"في الشعر الجاهلي" لطه حسين, وذلك كله في النصف الأول من القرن الماضي.. أما في النصف الثاني, تكفي الاشارة, لكتاب "نقد الفكر الديني" لصادق جلال العظم, و"الكتاب والقرآن" لمحمد شحرور..

ذات يوم من ربيع 1977, كتب الحاضر/الغائب ممدوح عدوان مقالاً عن "الشيخ إمام" وتلاه بمقال بمناسبة وفاة العندليب الأسمر "عبد الحليم حافظ".. نعم, كان ممدوح كاتباً يجيد إثارة الزوابع بغية تحريك الراكد ومحاربة التقليدي والنمطي؛ وكان يُتقن قيادة معاركه بحرفية منقطعة النظير..أ ممدوح عدوان

لكن لم يكن يدر في ذهن الشاعر المشاكس أنّ مقاليه سيثيران زوابع في الصحافة الثقافية هاتيك الأيام..

من الكتّاب الذين شاركوا في تلك المعركة الثقافية: الشاعر بندر عبد الحميد, والناقد بو علي ياسين, والروائي نبيل سليمان.. الخ.

ثمة مقال, كتبه الروائي الفلسطيني الراحل غالب هلسا, نشره في إحدى الدوريات الفلسطينية, في تلك الفترة, وعلى علاقة مباشرة بالمعركة (الثقافية) الجارية, لكن مع الأسف, لم نتمكن من الحصول عليه بعد..

ينشر "فينكس", أدناه, المعركة الثقافية, بحسب تسلسلها التاريخي ومكان نشرها.

 

**معارك ثقافية لممدوح عدوان**

 

بقلم ممدوح عدوان

"جيش الشعب"- العدد 1285- تاريخ 29/3/1977

منذ زمن طويل وأنا أفكر في الكتابة عن ظاهرة الشيخ إمام.

لقد أصبح معروفا أن الشيخ إمام رجلا يغني على عوده أشعاراً لزميله أحمد فؤاد نجم, وان هذه الأغاني سياسية بالدرجة الأولى, أو بالأحرى سياسية فقط, وهي, أيضاً سياسية من منطلق يساري.

ويتمتع الشيخ إمام بصوت جميل, كما أن أشعار أحمد فؤاد نجم المكتوبة باللهجة العامية المصرية تمتاز ببساطتها وبمحاولتها التصدي لمسؤولية كبيرة هي تمكين ابن الشعب الأمي البسيط من استيعاب الأحداث السياسية الكبيرة التي تجري من حوله.

ولقد تداول الشباب هذه الأغنيات على أشرطة مسجلة بحيث انه يشكل الآن الظاهرة السياسية التحتية الأولى في الوطن العربي. ومع ربط هذه الأغنيات بأحداث محددة يجد الشباب متعة أكبر وإثارة أشد عند الاستماع إليها.

ويكفي تصور الشيخ إمام (الرجل الضرير) مع احمد فؤاد نجم في تجمع طلابي أو عمالي وهو يغني أغنياته السياسية وآلاف الطلبة يرددونها معه معرضاً نفسه في كثير من الأحيان لمخاطر متعددة منها الاعتقال أو الضرب.

وانتشار تسجيلات الشيخ إمام في الوطن العربي وبين صفوف الشباب هو الذي يجعل من الضروري دراسة هذه الظاهرة بكثير من الجدية والهدوء.

إن مختصا موسيقياً هو المعني بالإجابة على الرأي المتطرف الذي يجعل من الشيخ إمام وريثاً لسيد درويش (دون ذلك الاستعلاء التافه الذي مارسه محمد عبد الوهاب طبعاً) ومع إن هذا الرأي لم يدرس جيدا بعد, إلا أنني معني بدراسة الظاهرة من جانبها الآخر.

إن كثيراً من الشباب المتحمسين يجيرون حماسهم بالاستماع إلى الشيخ إمام حتى أنهم يعتبرون أنفسهم أنهم يقومون بعمل نضالي لمجرد أنهم يستمعون لأغنيات الشيخ إمام أو أن امتلاك تسجيلات له يعد في نظرهم هوية يسارية, هذا إلى جانب المحاولات العديدة لخلق ظواهر مشابهة أو موازية للشيخ إمام وذلك بكتابة أشعار شعبية سياسية وتلحينها وغنائها أو الاكتفاء بحفظ أغنيات الشيخ إمام وترديدها.

إنني اعتقد أن هذه الظاهرة تحتوي من السلبيات أكثر مما تحتوي من الايجابيات, وان تجيير الشباب لحماسهم السياسي من خلال الاحتكاك بأغنيات الشيخ إمام هو اخطر مافي الموضوع.

فأغنيات الشيخ إمام التي يكتبها احمد فؤاد نجم تتصف بالسطحية والمباشرة والاستعجال. كما أن معظمها يعتمد الأسلوب الخطابي أو أسلوب الردح. وبالتالي فإن هذه الأغنيات تساهم في تسطيح نظرة الجيل الشاب للفن بدلا من تعميقها, وتساهم في تكريس ذلك الفن التعليقي المناسباتي.

إن لهذا الكلام استثناءات بالطبع, إذ لايمكن بأي شكل مقارنة "نيكسون روح, نيكسون جاء" و "بقرة حاحا" بأغنيات ممتازة ومميزة من نوع "غيفارا مات" أو "واه ياعبد الودود" أو مطلع "أنا رحت القلعة وشفت ياسين" أو مطلع "رجعوا التلامذة".

ولعل في أغنياته الأخرى من الجرأة أكثر مما فيها من الفن, وخاصة تلك الأغنيات التي يعلق فيها على شخصيات محددة بأسمائها, ولعل ضعفها الفني هذا هو السبب في ضعف فاعليتها السياسية, الأمر الذي يمكن البرجوازية من احتواء هذه الظاهرة وتجييرها لصالحها, إن البرجوازية تستطيع الآن, وهي تفعل ذلك بالتأكيد, اقتناء أشرطة الشيخ إمام وسماعها على أنها جزء من الطرائف الشعبية تماماً مثل تعليق أطباق القش في صالوناتها.

إن الاستسلام للاستجابة الشعبية هو الذي يقود الثنائي إمام – نجم لهذه السطحية, والاستسلام للاستجابة الشعبية هو خضوع للذوق الفني المتردي وتكريس للجهل وانصياع الفن لشروط مضادة له. وهذا أمر مختلف جداً عن مسألة الالتزام بقضايا الجماهير أو نوعية هذه الجماهير أو النضال معها على الرغم من تقارب الموقفين وتشابههما الظاهري.

ولابد من التأكيد على مسائل من هذا النوع للتمييز. ويستطيع القارئ بنفسه تذكر مسائل عديدة مشابهة, ويمكن ببساطة مقارنة أغنية "الحالة تعبانة ياليلى" مثلا –وهي أغنية ممتازة فناً وكلاماً- بأغنية مسطحة حول الموضوع ذاته مثل "ماعندي مال أعطيك".

هل من الممكن القول بالنتيجة: إن ظاهرة الشيخ إمام, في معظم جوانبها, هي ظاهرة الرد المباشر والمؤقت على الحدث السياسي؟ إن صح ذلك فإن من الضروري التخفيف من المغالاة في تقدير هذه الظاهرة.

ولاشك إن الحماس السياسي هو المسؤول عن هذه المغالاة, إن الحاجة الشعبية للرد على الأحداث السياسية تجعل المسيسين يغالون في تقدير هذه الظاهرة لأنهم مشغولون بالكلمات ومعانيها المباشرة والمؤقتة أكثر مما هم مشغولون بالتعميق الفعلي لوعي الجماهير, إنهم يبررون ذلك باسم الجماهير وأمنيتها وواقعها المتخلف, إلا أنهم بتكريس هذه الظواهر دون تمحيصها ودون إخضاعها لنظرة نقدية ودون دراسة للجوانب المتعددة لفاعليتها يسيئون لهذه الجماهير على المدى البعيد.

ومن المؤسف, فعلا أن قبول ظواهر من هذا النوع دون إخضاعها للنقد الجاد هو المسؤول عن أمرين خطيرين: الأول هو سيادة النظرة السطحية للفن الملتزم والتي تطالبه بالمباشرة وبالآنية أي تخريب علاقة الجماهير بالثقافة, والثاني هو إعطاء المبرر لأعداء الجماهير, ثقافياً, بتكريس مسائل الشكلية والفن للفن وغيرهما. إنهم يعطون المبرر لفنان من هؤلاء أن يقول: أنا أفضّل أن أقدّم مالا تفهمه الجماهير على أن أقدّم أشياء سطحية من هذا النوع.

وهؤلاء يلعبون لعبة, إذ يعتبرون أن الخيار هو فقط بين هذه السطحية وتلك الخزعبلات التي يقدمونها باسم الفن.

***

عبد الحليم حافظ.. صرعة أم ظاهرة؟!

"الثورة" تاريخ 1/4/1977, ص12

بقلم ممدوح عدوان

 

مات عبد الحليم حافظ..

وموته مناسبة لقول كلمة فيه.

أعتقد أن الظلم الكبير الذي لحق بعبد الحليم حافظ كمطرب هو ذلك الظلم الناجم عن الصورة المشوهة التي قدمها عنه محبوه من المراهقين والسخفاء.

لقد... حجبت صورته الحقيقية كفنان, وقدمت بدلا منها صورة مشوهة لـ -عندليب أسمر- مطرب مراهقين- ... وضع في منافسات سخيفة كانت موجودة بين أذهان المراهقين وأرخص الصحفيين أكثر مما كانت موجودة بين عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش.

وما يعنيني في عبد الحليم حافظ, إضافة إلى ضرورة توضيح هذه النقطة, هو أنني كنت أحبه وأشاجر دفاعاً عنه: أشاجر أولئك الذين, باسم حبه يصرون على تقديم الصورة السخيفة عنه.

كنت دائماً أجد صوت عبد الحليم حافظ مريحاً وكنت أسمي غناءه – ومعظم غنائه قرار- غناء القيلولة, إنه غناء الاسترخاء, غناء دون عناء ودون انتقال.

ولكن هناك جانبين في عبد الحليم حافظ أكسباه أهمية:

أولاً: إن عبد الحليم حافظ لم ير يوماً إن الصوت هو كل مايطلب من المطرب, فكان يعرف تماماً إن الاستمرار في الفن علم ودراسة متنوعة.. دراسة للصوت وللموسيقى وللآلات, إضافة إلى الدراسات الأخرى. لقد بدأ عبد الحليم حافظ موسيقياً عازفا على الأبوا وانتهى إلى مايشبه المايسترو.

لقد كان متقناً لمسألة التوزيع الموسيقي وكان مثقفاً من الناحية الفنية ثقافة تجعله يتجاوز أقرانه وسابقيه ولاحقيه ممن لم يكونوا ولن يكونوا أكثر من صرعات مؤقتة. وحتى من ناحية –الكلام- يجب أن نعرف بأنه في مراحله الأولى من الغناء غنى قصيدة لصلاح عبد الصبور, وفي مراحله الأخيرة غنى لنزار قباني مما ساعد على إتمام القصيدة في ميدان الغناء, وكانت هذه المسألة مدار جدل بين الكلاسيكيين –في الشعر- وبين أوائل المجددين حول بعد الشعر الحديث عن الموسيقى وعن قابليته للغناء, إلا أن البادرة تسجل لعبد الحليم حافظ بأن أغانيه التي تقوم على قصائد في الشعر الحديث هي من أشهر الأغاني التي يتداولها -الشباب- ولاشك أن ثقافة عبد الحليم حافظ وقدرته على تجاوز المقولات الكلاسيكية في الغناء هما اللتان جعلتاه يبحث أو يقبل أن يغني قصائد من الشعر الحديث –شكلاً على الأقل- .. كما إن ثقافته الرصينة هي التي منعته من التطاول أو التورط في اختصاصات غيره –فلم يلحن مثلا على الرغم من ثقافته الموسيقية التي تتجاوز ثقافة بعض الملحنين- والمسألة الثانية: الهامة في ظاهرة عبد الحليم حافظ هي العلاقة القائمة بين أغنيته وبين جمهوره, وهذه العلاقة ناجمة بالدرجة الأولى عن طبيعة صوت عبد الحليم حافظ وطبيعة حنجرته.

إن الغناء الذي نعرفه يحول الجمهور إلى جمهور متلق ومستمع. فالطبقات الصوتية الصعبة التي نسمعها عند غالبية المطربين والمطربات تجعل المستمع يكتفي بالاستماع لأنه يعجز عن المشاركة. أما غناء عبد الحليم حافظ فيجعلك , إذا رضيت بالاستماع, مشاركاً ايجابياً.

ولعل السر في سرعة الانتشار التي اتصفت بها أغنياته بين المستمعين وخاصة جمهور الشباب, هو أن هؤلاء الشباب كانوا يستطيعون, بسهولة, أن يغنوا أغنياته حين يكونون وحدهم أو وهم بين زملائهم –وهنا لا أتطرق إلى مسألة الألحان وتنوعها وإيقاعيتها وسهولتها- ولعل كثرة مقلدي عبد الحليم حافظ بين هواة الغناء وبين المطربين الجدد –أمثال ماهر العطار ومحرم فؤاد وهاني شاكر- دليل على سيطرة حنجرته على مستمعيه ودفعهم إلى محاولة تجريب الغناء.

غير أن صوت عبد الحليم حافظ ظل متميزاً وظل في وسع المرء أن يحس بأن أي صوت يسمعه هو صوت مقلد لعبد الحليم حافظ أم لا. وهذا يعني أن صوت عبد الحليم حافظ ينطبق عليه تعبير "السهل الممتنع". الأمر الذي يعيدنا إلى مسألة هامة في الفن, إن الفن المتميز يكون بارعاً إلى درجة تجعله يبدو سهلاً.. إلى درجة تجعلك تقول: إنني أستطيع أن أفعل مثله.. أو إلى درجة تدفعك إلى محاولة صنع مثله, ولكنك تفشل.

لقد قيل إن عبد الوهاب هو الذي اخترع عبد الحليم حافظ لكي يطرحه نداً لفريد الأطرش أو بديلاً عنه, وبعد اشتهار عبد الحليم حافظ حاول فريد الأطرش وغيره طرح بدائل عن عبد الحليم أو إغراق السوق بأشباهه, غير أن عبد الحليم ظل منتمياً ولم يستطع أحد أن يقترب من أصالته, الأمر الذي يؤكد أن الفنان الأصيل لايصنعه ولا يطفئه إلا ثقافته وموهبته.

وفي قصة حياته, التي نشرتها إحدى المجلات مؤخراً, قال عبد الحليم حافظ: إنه كان يعني ذلك ويتقصّده. أي أنه لم يكن مهتماً بأن يغني لكي يستمع اليه الناس فقط, بل كان معنياً بأن يغني فيغني معه الناس ويلغي الاحتكار في الغناء الذي كان للمطرب الواقف بعيداً عن الناس.

وأخيراً:

استطيع أن أدعي إن غناء عبد الحليم حافظ بالمقارنة مع الغناء الذي واكبه والذي سبقه: خاصة الغناء الكلاسيكي للموال والأغنية الطقطوقة, هو الغناء الحديث. وقد تعرض هذا الغناء لكل ماتعرض له أي وجه حديث من وجوه الفن: تعرض للإعراض العام.. إعراض من يستهجن هذا اللون لا لأنه استمع اليه ودرسه ثم لم يعجبه بل أعرض عنه واستهجنه لمجرد انه مخالف للألوان التي يعرفها.

وكثيراً ماتسمع أناساً يتحدثون كيف أنهم كانوا يغيرون محطة المذياع بمجرد أن يعلن المذيع عن أغنية لعبد الحليم حافظ وإنهم لم يكونوا يمنحون أنفسهم فرصة الاستماع إليه, وإنهم ذات مرة دخلوا البيت أو استيقظوا وسمعوا صوتاً رخيماً هادئاً ومريحاً ثم فوجئوا بأنه صوت عبد الحليم حافظ.

ولولا صرعة الأغنيات الطويلة التي اجتاحت المطربين العرب, والرغبة في ملء الفراغ الذي تركته وراءها أم كلثوم الأمر الذي جعل عبد الحليم حافظ يعيد توزيع بعض أغنياته القديمة توزيعاً جديداً أساء إليها وأفقدها خاصيتها.. لولا ذلك لكان عبد الحليم حافظ بين المطربين العرب تميزاً لاتكرار له. إنه الصوت الذي لايشبهه إلا صوت المطرب العراقي حسين نعمة, والمطرب الذي لايوازيه في ثقافته العامة إلا محمد رشدي, ولا يوازيه في ثقافته الموسيقية حتى معظم الملحنين.

***

حديث الصباح

مراثي الفن البائس

بندر عبد الحميد

البعث 6/4/1977

الرثاء هو أردأ أنواع الكتابة إذا تجاوز الحقائق, ولا أتذكر من المراثي الجميلة فعلاً إلا مرثية ابن بقية في الشعر العربي (علو في الحياة والممات), ومرثية ابن الرومي لولده الأوسط, وهناك مرثية هامة كتبها شلي عام 1821 عن كيتس الشاعر الذي توفي شاباً, وأعطاه في هذه المرثية اسم: أدونيس.

حينما نكون مع الحياة فعلاً, فإن أية كارثة موت لاتثير فينا الفزع والحزن والانهيار, ولهذا يصبح الموت دعوة إلى تجديد الحياة, وليس دعوة إلى البكاء.

كتب الكثيرون عن موت عبد الحليم حافظ, وبشكل عاطفي, حتى خشينا أن نقرأ قصيدة رثاء قديمة أو حديثة عن موت العندليب.

المهم إن بعض الكتاب المعروفين أكدوا بشكل ما أن عبد الحليم فنان مثقف غنى للمرحلة التي عاشها (*).أ بندر عبد الحميد

ولا أدري كيف يعتبرون الذي يقرأ النوطة الموسيقية أو يعرف جداول الضرب أو يجيد لعبة الشطرنج مثقفاً, إلا إذا اخترعنا اصطلاحاً جديداً هو "الثقافة المتخلفة" أو البائسة.

وإذا كان هناك مثقفون من أنصار عبد الحليم حافظ أو فريد الأطرش فتلك مصيبة, تطرح معادلة صعبة. وإذا كان الأميون هم فعلاً الذين يتعاطفون مع ناظم الغزالي وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب وصباح وعبد الحليم وهاني شاكر فالأمر طبيعي. الفنان الأمي يثير مشاعر الناس الأميين, الفنان المثقف يثير مشاعر كل الناس. والعاطفة في ظل الأمية عاطفة متخلفة دائما في الفن والحب والحياة اليومية, عاطفة متواطئة, تحب التصفيق.

الفن الجميل ليس صراعاً بين صوت ذهبي وصوت فضي. هناك حدود فاصلة بالأسود والأبيض بين الفن والممارسة الفنية المتخلفة.

ونحن لانحتاج كثيراً إلى عدد كبير من الأصوات الجميلة المتخلفة بقدر مانحتاج إلى الذي يطرح الوعي. سيد درويش أهم من محمد عبد الوهاب, مع أن أعمال عبد الوهاب استمرت نصف قرن, بينما لمع سيد درويش ومات شاباً عام 1924. ثمة خط فاصل بين الأسود والأبيض.

وإذا كانت ظروف المتخلف تقتل كثيراً من المواهب الجميلة في الفن والثقافة, فإنها أيضاً تعطي, وتسمح لكثير من المواهب المتخلفة بالصمود وتغطية الساحة بالأصوات والصور والإعلانات.

وهنا يمكن أن نعترف بأن مجموعة كبيرة من الأصوات الجميلة انتهت دون أن تقدم فناً جميلاً, هناك أغنيات جميلة في شكلها ولكنها متخلفة تضيف بؤساً إلى بؤس الحياة. والمطرب المتخلف لايستطيع أن يعطي أكثر مما يأخذ, ومن المؤكد أن الذين يعملون في تأليف الأغاني العربية المتداولة منذ أربعين عاماً حتى الآن هم من المتخلفين, وهذا ينطبق على الملحنين, ولهذا فإن أي صوت جيد لايمكن أن يعطي أغنية أو فناً جيداً, مالم يخرج من هذه الدائرة, وهذا يعني أن 99 بالمئة من الأغاني التي نسمعها متخلفة. أما الموت الذي يثير عاطفة الرثاء, فإنه ليس عظيماً إلا إذا كان محرضاً فعلياً لولادة مرثية إنسانية كمرثية ابن بقية أو مرثية شيلي لجون كيتس.

والذين يقدمون شيئاً هاماً في حياتهم هم العظماء في موتهم, لأن الموت دعوة إلى تجديد الحياة, وليس دعوة إلى البكاء والانهيار العصبي.

ثمة خيط فاصل بين الأبيض والأسود لن يتغير أبداً.

(*) المقصود هو ممدوح عدوان

***

تنويه

بقلم ممدوح عدوان

الثورة 10/4/1977

لم يكن الزميل بندر عبد الحميد في حاجة إلى هذه العصبية كلها في التعليق على التعليقات التي كتبت عن عبد الحليم حافظ.

يبدو أن هناك بعض الملاحظات التي لابد من ترديدها وإعادتها.

1-  نحن نقوم في الجريدة بعمل صحفي, وتعبير عمل صحفي مختلف جداً عن تعبير عمل أدبي. إلا أن الصورة الخاطئة القائمة في صحفنا تطرح تعميمات خاطئة. إن معظم العاملين في صحافتنا هم من الأدباء, وهم, لهذا لم يميزوا بدقة, بعد بين معنى عملهم كصحفيين –والصحافة فن قائم بذاته- وبين عملهم كأدباء. إن الصحفي في الجريدة قد يكتب عن الأزياء وعن الأفيون وعن الكتب, لكنه في ذلك كله يجب أن يظل صحفياً ويجب أن لايقع في أشكال خلط الأدب بالصحافة والصحافة بالأدب. ولمعلومات الأخ بندر يجب على الصحفي في صفحة ثقافة عامة أن تكون لديه القدرة والشجاعة والمعلومات للكتابة عن عبد الحليم حافظ أو نجوى فؤاد مثلما يجب أن تتوفر لديه القدرة والشجاعة والمعلومات للكتابة عن إليوت وعن تيار اللاوعي والرمز في الشعر.

أنا, في الجريدة, صحفي وأريد أن أتقن عملي هذا ولا أخجل منه.

2-عبد الحليم حافظ, بالنسبة لعالم الغناء العربي, نجم هام. وهو قطعاً أحد ملامح الغناء العربي المعاصر, وإذا شئت أن تحكم على الغناء العربي كله بالتخلف, الحق أن يكون هذا رأيك, ولكن حين يكون رأيك كذلك فإنه من الخطأ صحفياً أن تتجاهل حدثاً متعلقاً بنجم كهذا, مهما كان رأيك فيه. و إلا هل تريدنا أن نصمت غداً على حدث هام متعلق بعبد اللطيف فتحي ونكتفي بالكتابة عن هارولد بنتر وبريخت أو نجيب سرور وسميحة أيوب؟

3-ما كتبناه يمثل رأينا فعلاً (و أرجو أن يكون لنا الحق في ذلك) وهو ليس من باب الرثاء بل من باب التغطية الصحفية التي قلنا فيها معلوماتنا ورأينا.

4-حين يكون من الواجب محاكمتنا كأدباء فليكن من خلال نتاجنا الأدبي, وليكن لدينا جميعاً القدرة على التمييز بين الصحافة والأدب, بين النقد والمراجعة الصحفية, بين التغطية الإعلامية وبين التقويم.. وأيضاً بين الابتعاد عن الواقع والتعالي عليه وبين الاحتكاك بتفاصيله كلها.

ألا ندعي جميعاً بأننا مهتمون بواقعنا؟ كيف نغيب عن المؤثرات الفاعلة فيه؟

***

 

وجهة نظر

أغنية اسمها البلهارسيا

بقلم ممدوح عدوان

جيش الشعب – العدد رقم 1287 – تاريخ 12/4/1977

البلهارسيا مرض شعبي, نستطيع أن نعتبره مظهراً أو فلكلورياً. إنه ينجم عن تلوث المياه أو الغذاء, وعن سوء الظروف المعيشية. وبالتالي فهو مثل الحكايات الشعبية والأغنيات الشعبية ملازم للفقراء.

في بلدان عديدة أمكن القضاء على البلهارسيا وفي بلدان أخرى يفكرون بالقضاء على السرطان, ولكن في بلدان عديدة أخرى ماتزال هناك أمراض كانت موجودة قبل الميلاد وكأن الحضارة وإنجازات العلم لم تصل إلى تلك البلدان نظراً لانشغالها بالقضايا المصيرية.

لن نتحدث هنا في السياسة, لكنني سأظل في موضوعي. وأحب أن أنوه إلى أن لدينا في سورية (في الجزيرة مثلا وبشكل خاص) عدداً من هذه الأمراض العريقة مثلما يوجد في الريف المصري أو السوداني, وهذا يعني أننا نستطيع أن نضم الأمراض العريقة إلى قائمة الظروف المشتركة بين الأقطار العربية. إننا, والحمد لله, نتكلم لغة واحدة وتجمعنا أهداف واحدة ولنا تاريخ مشترك ووقعنا تحت استعمار مشترك منعنا من ضم الجهود المشتركة للخلاص من الآفات الاجتماعية والسياسية والصحية المشتركة. ولذا فنحن نمرض أمراضاً مشتركة.

وما يدفعني للحديث الآن عن البلهارسيا هو موت عبد الحليم حافظ وسأترك شرح أعراضه وسبل علاجه للصفحة الطبية أو لمن يفهم في المسألة أكثر مني وسأتحدث عن البلهارسيا من زاوية فنية واجتماعية.

البلهارسيا مرض الفقراء, وانه لمن المثير أن يصل عبد الحليم حافظ إلى ماوصل اليه من الشهرة والمجد والغنى على المستويين العربي والعالمي وأن يموت على الرغم من ذلك كله بالبلهارسيا.

لكأن البلهارسيا هوية, إضافة إلى كونه مرضاً فولكلورياً كما أسلفنا, إنه يتحول إلى علامة فارقة, ويؤكد لعبد الحليم حافظ, وهو يتألق بين ملايين المعجبين به وهو تحت أشد الأضواء سطوعاً وهو يتقاضى عشرات آلاف الجنيهات للمشاركة في حفل أو لتمثيل فيلم لتسجيل اسطوانة...

البلهارسيا يؤكد لعبد الحليم حافظ ومن خلال وخزات في أحشائه أن عليه أن لاينسى أبداً انه خارج من القاع الاجتماعي, من آلام الفقراء الذين لازمتهم هويتهم البلهارسية منذ فجر التاريخ.

البلهارسيا, يشبه هنا, أي شخص يعرفك في الحارة, وكان يلاعبك الدحل ويطاردك بالحجارة حتى البيت ويضبطك وأنت تسرق من حديقة منزله تفاحة. ثم تمر الأيام وإذا بك تتألف وتسطع وتصبح شهيراً وهاماً, ولكن هذا الرجل يحتفظ بماضيك في عينه, وكلما نظر إليك رأيت في عينيه التفاحة المسروقة والدحل الملعوب والحجارة المطاردة.

ولم يكن عبد الحليم حافظ في حاجة إلى هذه المطاردة كلها, فهو لم ينس أبداً كونه قادماً من أعماق القاع الاجتماعي.. وحين كان يريد أن يعلن عن انتمائه لهؤلاء الناس لم يكن في حاجة إلى التلوي ألماً تحت وطأة البلهارسيا العريق المزمن المتغلغل في الأمعاء والشرايين.

دعنا, إذن, نتنهد وندّعي الحكمة مثل الشيوخ ونقول: هذه هي الحياة.. الحياة لاتكتفي بأن تحتوي على إثارات من نوع: واحد يموت جوعاً وآخر يموت تخمة. بل الحياة العجيبة تجعل غنياً يملك الملايين ولا يستطيع أن يأكل لمرض ما. أو يملك الملايين ويموت جوعاً رغم ذلك.

وهذا ليس لتخدير الفارق القاتل بين الفقراء والأغنياء, ولالطمأنة الفقراء بأن لدى الأغنياء مشاكلهم وآلامهم بل من أجل التأكيد على مسألة قسرية. إنك مهما ركضت وابتعدت لاتستطيع أن تهرب من انتمائك لان انتماءك يكمن فيك وبالتالي فأنت تحمله معك حين تركض هارباً منه.

نستطيع بالمنطق ذاته قراءة قصيدة الشاعر اليوناني المعاصر, كافافي: "المدينة" التي تقول انك لاتستطيع أن تهرب من المدينة التي تحس أنك محطم فيها, لأن المدينة فيك ولأنك ستلتقي بالوجوه ذاتها والناس أنفسهم في كل عطفة شارع في أي مدينة أخرى من العالم.

أينما كنت ستذهب في لحظة ما للنوم.. وقد تخرج مقسوراً من حفل باهر وأنت تتلوى ألماً, إن البلهارسيا –هنا ليس مرضاً- إنه ذاكرة, ذاكرة تستيقظ في الأمعاء والأعصاب بدلاً من الرؤوس, ذاكرة تجدد لك انتماءك إلى الناس الذين كنت تعرفهم والذين تحاول الهروب منهم.

عبد الحليم حافظ ألمع اسم في الفن العربي, عالج أمراضه في أهم المشافي في العالم, وكانت تحيط به قلوب الملايين من المهتمين والمعجبين.. لكنه مات كما يموت أي فلاح فقير معدوم مرمي في قريته النائية.. مات بالبلهارسيا.

والآلاف التي خرجت في جنازته كانت ترى في التابوت الذي يحمل جثته شيئاً أهم من الغناء والموسيقى والمجد والشهرة والشباب.. كانت ترى مايراه اثنان وحيدان يسيران وراء جنازة ذلك الفلاح الفقير في أقصى الريف.. كانت ترى البلهارسيا هوية للجميع.. وكأن البلهارسيا يصرخ بين الجميع: "خيل إليكم أنكم قد هربتم مني.. إنكم قد تقدمتم لأن لديكم اسطوانات وتلفزيونات ومذياعات وسيارات وملابس وأضواء ولكنني معكم ولم تهربوا مني.. ولكنني معكم ولم تتقدموا.. أنتم لم تصلوا بعد إلى العقل الالكتروني, ماتزالون عند البلهارسيا".

عبد الحليم حافظ الفنان ذو الصوت المريح غنى عن الحب وأراحنا وغنى عن المعارك وأراحنا وغنى عن الوحدة وأراحنا, لكنه لم يغن عن الفقر والبلهارسيا, لأنه لم يكن قادراً على أن يريحنا, ولأن ماستحتويه أغنيات الفقر والبلهارسيا كان متناقضاً في قسوته مع الراحة والليونة والعذوبة الموجودة في صوته, لم يرتكب حماقة فيروز التي غنت عن سفر برلك الضاري بصوتها الناعم.. وعن الأرياف الفقيرة وكأنها تغني عن الزهور في الحديقة.

وكأن موت عبد الحليم حافظ بالبلهارسيا هو الأغنية التي تكتمل بها مجموعته. هو الأغنية التي كانت تنقصه والتي يسمعها الناس الآن أكثر من أغنياته كلها.

***    

                                                              

ممدوح عدوان بين الشيخ إمام وعبد الحليم حافظ

بقلم: وفيق خنسة وبوعلي ياسين

الملحق الثقافي لجريدة "الثورة" العدد 10 السنة 2 تاريخ 28/4/1977

كتب ممدوح عدوان في مجلة "جيش الشعب" عدد1285, تاريخ 29/3/1977, ص 26-27, مقالة بعنوان "الشيخ إمام" تصدى فيها لظاهرة الأغنية السياسية عند الثنائي إمام – نجم, واعتبر أنها "تحتوي من السلبيات أكثر مما تحتوي من الايجابيات". وبعد يومين في جريدة "الثورة" تاريخ 1/4/1977, ص12 كتب زاوية بعنوان "عبد الحليم حافظ: صرعة أم ظاهرة؟", وذلك في مجال التعريف والرثاء بالفنان الراحل. ورد بندر عبد الحميد في زاوية حديث الصباح لجريدة البعث, تاريخ 6/4/1977, ص8, تحت "مراثي الفن البائس", حيث سخر من بعض الكتاب الذين تفجعوا بموت أحد رموز الفن البائس الهابط بحجة أنهم فنانون "مثقفون". وفي جريدة "الثورة", تاريخ 10/4/1977, ص7 نوه ممدوح عدوان مدافعاً عن "رثائه" لعبد الحليم حافظ لافتاً انتباه بندر عبد الحميد والأدباء الآخرين إلى التفريق بين العمل الصحفي والعمل الأدبي, وأخيراً كرس ممدوح صفحتين في "جيش الشعب" عدد 1287, تاريخ 12/4/1977, ص26ح27, تحت عنوان "أغنية اسمها البلهارسيا", للتأكيد على انتماء عبد الحليم للفقراء عن طريق مرضه المزمن بالبلهارسيا –ذلك المرض الشعبي, الفلكلوري-, وأشار إلى أن رقة صوت عبد الحليم حافظ تتناقض مع قسوة أغنيات الفقر والبلهارسيا. لذلك لم يرتكب حماقة فيروز, عندما غنت عن الأرياف الفقيرة والسفربرلك.

إن مايثير الانتباه فعلا هو تزامن الكتابة السلبية عن ظاهرة الأغنيات السياسية عند الشيخ إمام- أحمد فؤاد نجم, والتبرير المتحمس لفن ومواقف عبد الحليم حافظ. لذلك لابأس بنظرة تحليلية للاتهامات المرفوعة ضد الأغنية السياسية المذكورة ومحاولة التعرف على مدى انسجام هذه الآراء مع ماهو مطلوب من الأديب التقدمي والأغنية السياسية اليسارية.

يقول ممدوح عدوان إن أغاني الشيخ إمام هي "سياسية فقط ومن منطلق يساري", لكن المتابع لأعمال الثنائي يرى دون جهد كبير, إنها تعبّر عن الحاجات الاجتماعية والنفسية للإنسان العربي البسيط بهمومه العامة واليومية. فلقد قدما أعمالاً عن الحب (بلدي وحبيبتي, هلا بالحب, حنتوب, عدى الهوى شال الهوى, عشق الصبايا...) وغنيا عن الغربة (ياحبايبنا, ياغربة, ممنوع من السفر..), وميزا بين وظيفة الكلام الهابط والكلام الملتزم (كلام من أجل الكلام)... كما غنيا للوطن وضد الاستغلال والاضطهاد الاجتماعي. وبالتالي فإن فنهما كأي فن غني ينطوي على تنوع, وإن كان يربط بين حاجات الفرد وحاجات المجتمع, وهذا بالضبط هو المطلوب.

يقول ممدوح عدوان إن "كثيراً من الشباب يجيرون حماسهم بالاستماع إلى الشيخ إمام, حتى أنهم يعتبرون أنفسهم يقومون بعمل نضالي لمجرد أنهم يستمعون لأغنيات الشيخ إمام أو أن امتلاك تسجيلات له يعد في نظرهم هوية يسارية", هذا, في حين أنه قبل أسطر يقول: "ويكفي تصور الشيخ إمام (الرجل الضرير) مع أحمد فؤاد نجم في تجمع طلابي أو عمالي وهو يغني أغنياته السياسية وآلاف الطلبة يرددونها معه معرضاً نفسه في كثير من الأحيان لمخاطر متعددة منها الاعتقال أو الضرب". ونحن نتساءل, كيف يمكن لفن أن يتقدم مظاهرات سياسية تقدمية ويعرض صاحبه للاعتقال والضرب, وفي نفس الوقت له مفعول تنفيس يخرب حماس الشباب ويمتصه. إن المواقف الرسمية من هذا الفن, محاولة احتوائه وتدجينه أولاً ومن ثم منعه لعدم رضوخه, لهي دليل على مايراه ذوو الأمر والنهي في هذا الفن –شعراً وغناءً- من تأثير ايجابي فعّال على الجماهير. وغني عن القول إن أغاني عبد الحليم حافظ لاتتعرض لهذا الموقف المعادي من القوى المسيطرة سياسياً وإعلامياً.

مرة ثالثة يرى ممدوح عدوان, "إن مختصاًً موسيقياً هو المعني بالإجابة على الرأي المتطرف الذي يجعل من الشيخ إمام وريثاً للسيد درويش". ونحن بدورنا نرى ذلك, ولاندعيه. إلا أننا نستغرب كيف استطاع الكاتب أن يكتشف عبقرية عبد الحليم حافظ الموسيقية وثقافته الموسوعية في مجال الفن, إلى درجة أنه يشاجر دفاعاً عنه, فيقول: "لقد بدأ عبد الحليم حافظ موسيقياً عازفاً على الأبوا وانتهى إلى مايشبه المايسترو. لقد كان متقناً لمسألة التوزيع الموسيقي. وكان مثقفاً من الناحية الفنية ثقافة تجعله يتجاوز أقرانه وسابقيه ولاحقيه ممن لم يكونوا ولن يكونوا أكثر من صرعات مؤقتة"!.

والنقطة الرابعة هي إن ممدوح عدوان يرى أن أغاني إمام- نجم (تتصف بالسطحية والمباشرة والاستعجال), ويقرر "أن معظمها يعتمد الأسلوب الخطابي أو أسلوب الردح. وبالتالي فإن هذه الأغنيات تساهم في تسطيح نظرة الجيل الشاب إلى الفن". كما يستشهد على هذه الـ "معظمها" بأغنيتي "نيكسون روح نيكسون جاء" و"وبقرة حاحا". ونحن هنا نعتذر, إذ نقف وقفة تحليلية لأغنية "بقرة حاحا", كمثال وحيد رغبة بالاختصار. فهل هي "سطحية ومباشرة ومستعجلة"؟ وهل تخرب نظرة الجيل الشاب إلى الفن؟.

إن ممدوح عدوان يعرف ولاشك, إن البقرة هي رمز تاريخي لارتباط الإنسان بالأرض, خاصة الفلاح الفقير. فممدوح نفسه قدم بطل قصته "الأبتر" الجميلة ضمن إطار هذا الفن. فالفلاح الشيخ البسيط رفض بيع بقرته الغالية للإسرائيليين المغتصبين دلالة على أن بيع البقرة يعني انفصام العلاقة المصيرية بالأرض. وفي أغنية "بقرة حاحا" ترمز البقرة إلى مصر بخيراتها, وكلنا يعرف الأغاني الفلكلورية المنتشرة في الوطن العربي عن البقرة. ففي بعض أنحاء سورية يغني الأطفال:

"اليوم العيد ومنعيد

بندبح بقرة السيد

والسيد مالو بقرا

بندبح مرتو هالشقرا"

وهذا المطلع يشير إلى أن "السيد" لا ارتباط له بالبقرة, مع أنها ملازمة لفرحة العيد عند بسطاء الناس. هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى فلحن الأغنية منتشر لدى أطفال سورية على شكل مشابه لما يلي:

"ياست حنيفة يويو

طعميني قطيفة يويو

قطيفة عيد يويو"

وعن هذا اللحن كانت أغنية دريد لحام المشهورة: "يا أولاد محارب", فالأغنية مصاغة بحس فني واضح وأصيل وبفهم عميق لنفسية الجماهير الغفيرة ولدور الأغنية واللحن في توصيل الفكر, مع الاستفادة الواضحة من أساطير وحالات معروفة لدى الفلاحين خاصة. فرافعة الأغنية هي أن البقرة مصر قد نهب المستغل الأجنبي والمحلي حليبها وحرم أبناءها من خيراتها.

ومن المفيد إيراد مقطعين صغيرين من الأغنية:

"والبقرة حلوب حاحا

تحلب قنطار حاحا

لكن مسلوب حاحا

من أهل الدار حاحا"

"وفي يوم معلوم حاحا

عملوها الروم حاحا

زقوا الدرباس حاحا

هربوا الحراس حاحا

وخلوا الخواجات حاحا

شفطوا اللبنات حاحا"

والنقطة الخامسة هي تركيز ممدوح على أن جرأة الأغاني ربما كانت سبباً في ضعفها الفني, الأمر "الذي يمكن البرجوازية من احتواء هذه الظاهرة وتجييرها لصالحها". رأينا أن الأغاني ليست ضعيفة البنية الفنية. أما بالنسبة للبرجوازية فهي –كما نعلم- لاتهتم بالفن الضعيف ولاتقتنيه, ماعدا في حالة واحدة هي عندما تكون البرجوازية ناشئة. وبالتالي لو صح زعم ممدوح عدوان لما اقتنت البرجوازية أشرطة الشيخ إمام, كما تعلق أطباق القش في صالوناتها! فمن المعروف أن برشت وبيكاسو وبازوليني وايزنشتين... وغيرهم من الكتاب والفنانين اليساريين. كل أولئك يلاقون قبولاً وإعجاباً نادرين من قبل البرجوازية الغربية, كما أن لوحات لؤي كيالي الإنسانية هي الأكثر مبيعاً للبرجوازية, والكاريكتر التقدمي لعلي فرزت يلاقي استحساناً حتى من قبل القراء البرجوازيين... إذن مرة ثانية, ليس الضعف الفني سبباً لاقتناء البرجوازية لأشرطة الشيخ إمام, وإنما على العكس تماماً لتميزها الفني. ومن المفروغ منه أن البرجوازية تحاول احتواء أية ظاهرة تقدمية. إن معيار إعجاب البرجوازية بالفن هو مدى إمتاعه الجمالي فقط بغض النظر عن محتواه الطبقي, بمعنى تبنيها لنظرية الفن للفن. (أما الناحية التجارية فلا نود التعرض لها هنا). وأعداء الجماهير ليسوا بحاجة لأي مبرر من أجل "تكريس مسائل الشكلية والفن للفن وغيرهما", فهذا ينبع من مصالحهم الطبقية.

ومن الغريب فعلاً أن يصل ممدوح عدوان إلى آراء من هذا النوع بصدد أغاني الشيخ إمام, في الوقت الذي يرى في أغاني عبد الحليم حافظ الراحة والإبداع والتميز, ولا يرى فيها تخريباً لذوق الجماهير. نقول هذا لمجرد المقارنة, ونعترف أن لعبد الحليم حافظ أغاني وطنية جيدة (عن السد العالي مثلاً). أما ممدوح فيصل في مديحه لعبد الحليم حافظ إلى تفضيل الطبقات الصوتية غير الصعبة, حيث يقول: "فالطبقات الصوتية التي نسمعها عند غالبية المطربين والمطربات تجعل المستمع يكتفي بالاستماع لأنه يعجز عن المشاركة, أما غناء عبد الحليم حافظ فيجعلك, إذا رضيت بالاستماع, مشاركاً ايجابياً". إذاً, لأنني لا استطيع أن أشارك مغنية الأوبرا, فعبد الحليم أفضل منها!.

إن رأي ممدوح حول أغاني الشيخ إمام جعلنا نعتقد انه لن يقبل بفنان أقل من جون التون والسيد درويش وفكتور جارا, وإذ به فجأة يرى عبد الحليم حافظ فرادة لاتكرار لها بين المطربين العرب ولا يساويها سوى حسين نعمة ومحمد رشدي!.

النقطة السادسة فيما يتعلق بظاهرة الشيخ إمام هي "استسلامها للاستجابة الشعبية", هذا الاستسلام "الذي يقود الثنائي إمام – نجم لهذه السطحية. والاستسلام للاستجابة الشعبية هو خضوع للذوق الفني المتردي وتكريس للجهل وانصياع الفن لشروط مضادة له". هنا علينا أن نميز بين نوعين من الاستجابة الشعبية, أولاً: الاستجابة لحاجات الجماهير المادية والنفسية, ثانياً: الاستجابة للذوق الشعبي. إن الحاجات المادية والنفسية هي التي تعرفها الجماهير الشعبية بدقة وتطالب بها, ولابد من تلبيتها بشكل أو بآخر بدءاً من رغيف الخبز وانتهاء بالأغنية العاطفية. أما الشكل الفني فلا تحدده الجماهير, ولا تطالب الفنان بأسلوب بعينه, وإنما تطالبه أن يعبر عن هذه الحاجات. وعلى هذا الأساس تتلقى بنفس الاهتمام والحفظ والترديد الموال الشعبي وأغاني الشيخ إمام وأشعار المتنبي وعنترة وتمثيليات محمود جبر, لأنها جميعاً تعبر بشكل ما عن هذه الحاجات, رغم تباين الأساليب والمستويات الفنية. ذوق الجماهير, إذاً, لايدعو أي فنان للهبوط بالفن ولا الارتفاع به. حتى "الفن البائس" يلقى صدى لدى الجماهير, بالضبط لأنها بائسة. وبإمكان الفن أن يعبّر عن البؤس ويرتفع به نضالياً, كما بإمكانه أن يعبّر عنه ويغرق فيه. وبين الارتفاع بالبؤس نضالياً والإغراق فيه يكمن الفرق الجوهري بين الالتزام وعدم الالتزام بالجماهير.

كان رد ممدوح عدوان على نقد بندر عبد الحميد, بأن طالب بتفريق قسري بين العمل الصحفي والعمل الأدبي, وعلى الأدباء العاملين في الصحافة –بناء عليه- أن يميزوا بدقة بين معنى عملهم كصحفيين وبين عملهم كأدباء. ونحن مع ممدوح عدوان بأن الصحافة فن قائم بذاته وتختلف بالتالي عن الأدب, لكننا لانستطيع أن نتصور كيف يمكن لمواقف المثقف وآرائه أن تتأثر حسب الصفة التي يقدم بها على موضوع ما, كصحفي أم كأديب؟ فهل لو كتب ممدوح عدوان عن عبد الحليم حافظ كأديب, كان سوف يقلل من حماسه لهذا المطرب, ولو كتب كصحفي عن الشيخ إمام كان سيكيل له المدائح؟! إن الإنسان لايتجزّأ, بينما تتعدد أدواته, وللمثقف أن يختار الأداة التي يرغب بها أو يجيد استعمالها. ومن بعد لايحق له بحجة الأداة أن يبرر موقفاً أو رأياً ينتقد عليه.

وبالفعل هذا مافعله فيما بعد ممدوح عدوان, فدافع عن عبد الحليم حافظ من الناحية الطبقية. فعبد الحليم حافظ مات بالبلهارسيا, و"البلهارسيا مرض شعبي", مرض "ملازم للفقراء", وقد لازم عبد الحليم كأنه "هوية إضافة إلى كونه مرضاً فولكلورياً". كان علامة فارقة تؤكد له انتماءه الطبقي رغماً عن تألقه وشهرته وآلاف الجنيهات التي كان يتقاضاها للمشاركة في فعل أو لتمثيل فيلم أو لتسجيل اسطوانة.. ويعمم ممدوح هذا الرأي بقوله: "انك مهما ركضت وابتعدت لاتستطيع أن تهرب من انتماءك لان انتماءك يكمن فيك وبالتالي فأنت تحمله معك حين تركض هارباً منه". لاشك إن البلهارسيا يصيب الفقراء غالباً, وكذلك الملاريا والتيفوئيد والسل والديفتيريا والزحار والجدري والجرب...الخ. ولكن أليس معنا ممدوح عدوان, بأن قرية أو بلدة ليس فيها تمديدات مياه نقية يمكن أن يصاب غنيها وفقيرها بالبلهارسيا, وان أمثال هذه القرى والبلدان موجودة في كل بلدان العالم المتخلف؟

ومع ذلك, فهذا ليس المهم, إن ممدوح عدوان يرى في المنبت الطبقي وسماً لايزال عن الإنسان مهما تقلبت به الظروف. يقال: إن فورد الكبير كان فقيراً معدماً, وان هتلر كان طراشاً ومن ثم رقيباً في الجيش, بينما انجلز وماو وغيفارا وبرشت وجين فوندا من الطبقة العليا في مجتمعاتهم. فكيف يمكن تفسير الاختلاف بين منابت هؤلاء الطبقية وممارساتهم السياسية والاقتصادية فيما بعد؟!

وأخيراً, كنا ننتظر من ممدوح عدوان أن يدافع عن الأغنية السياسية, خاصة وأنها تتعرض لمختلف أنواع الاضطهاد والملاحقة, وكنا ننتظر منه أن يدافع عن حريتها في الوصول إلى الجميع كما يصل غيرها من الأغاني والكتابات شعراً ونقداً وقصة وتعليقاً. صحيح أن الإنسان لايمكن أن يرضي الجميع, كما يقول ممدوح عدوان, ولكن عليه أن يحقق حداً أدنى من الانسجام مع مايعلنه من انتماء إلى الصف التقدمي.

***

  

رأي وموقف

عبد الحليم والشيخ إمام

بقلم ممدوح عدوان

جيش الشعب –العدد- 1291 – تاريخ 10/5/1977

من أول مواصفات الضحالة الفكرية وأول أسلحتها القسر, ويعبر هذا القسر الضحل عن نفسه بوسائل متعددة منها إجبار الآخرين على اعتناق الرأي أو الادعاء باعتناق الرأي. انه يقبل بالخوف الجبان الصامت أو التزلف لمنافق لكي لايواجه الرأي الآخر. ومن وجوهه أيضاً تجنب الآراء المعارضة: أي تجنب الاحتكاك معها والتداول بها ومماحكتها ومناقشتها, إنه يكتفي بتصنيف تلك الآراء المعارضة في مجموعات كالأقفاص ثم ينهال عليها بالتهم. أي أنه يطرح العداء (على طريقة المقاطعة عن الكلام) لكي ينجو من الاحتكاك بالآراء الأخرى.. وربما قسر تلك الآراء على أن تدخل في تلك الأقفاص التي تناسبها لكي يسهل عليه شتمها.

وهو في هذه الحالة قسر جبان قائم على التصنيف الهروبي كمن يواجه تحدياً ويهرب من مواجهته مستتراً بأن الطرف الآخر سفيه أو رذيل أو سخيف.

وهذا الكلام ليس سياسياً فقط, إنه فكري وثقافي وأدبي وفني واجتماعي أيضاً.

ولابد أن تؤدي المراقبة لهذه الظاهرة, التي أسميها "القسر الضحل" إلى اكتشاف تناقضات طريفة, فهو يطالب بالحرية ويمنع الرأي الآخر في وقت واحد, وهو يبيح لنفسه ممارسة الحرية ويعتبرها فائضاً بالنسبة للآخرين, وهو يربي أبناءه وبناته على "الفضيلة" وعلى الثقة بالنفس وعلى أن "البنت الشريفة تمر في طابور عسكر", لكنه مع ذلك لايسمح لابنته بأن تفتح الباب, لكي تسأل البائع المتجول عما يحمله.

وفي الحياة الثقافية تتجلى الظاهرة بالوضوح ذاته. كل من يخالف رأيه لارأي له, وكل من لايبتسم موافقاً هو إما مغرض أو معاد أو مشبوه أو أي تهمة أخرى تخرج في قبضته من سلة التهم التي يضعها إلى جانبه.

هذا الكلام كله تقديم من أجل العودة إلى مسألة "الشيخ إمام". لقد أبديت رأياً في ظاهرة الشيخ إمام –في عدد سابق من "جيش الشعب", وقلت ماملخصه إن ظاهرة الشيخ إمام- نجم هي الظاهرة السياسية الفنية الأولى في الوطن العربي. وهي ظاهرة تحتية – بمعنى إنها لاتستخدم المنابر الرسمية المعروفة- وقلت إني لست مختصاً بالموسيقى لكي أحكم على ألحان الشيخ إمام. لكن الكلام الذي يغنيه (وهو من تأليف احمد فؤاد نجم) يكون في معظم الأحيان سطحياً وآنياً, الأمر الذي سيؤدي بالشباب المتحمس لنجم- إمام نتيجة الحماس السياسي, إلى أن تتسطح نظرته للفن. وإنه لايمكن بأية حال مقارنة "نيكسون روح نيكسون جاء" بأغنية عظيمة من نوع "غيفارا مات" أو "واه ياعبد الودود".

أعترف إن التوقيت لقول هذا الكلام قد لايكون مناسباً, وهو رأي أحد الأصدقاء الذين عاتبوني على المقال.

أما الآخرون الذين يحمل كل منهم في أعماقه ديكتاتوراً وهو يتظاهر بالديمقراطية الثورية وبالإيمان بالرأي الحر, أما هؤلاء فقد لجأوا إلى أسلوب "القسر الضحل" بأوجهه المتعددة.

أنا معاد للثورة العربية, وغير مؤمن بالجماهير, وغير مهتم بتثوير الفن.. إذا لم أكن جاسوساً أعمل لصالح المخابرات الأمريكية أو الإسرائيلية على أحسن التقديرات.

يبدو أن الإنسان الجاد, وأنا أدعي الجدية في المسائل الثقافية, مضطر دائماً إلى خوض معركتين في وقت واحد: معركة ضد من يريدون إبعاد الفن عن السياسة وعن مشاكل الجماهير, ومعركة ضد الأدعياء الذين يحاولون تسطيح الفن (وتسطيح الجمهور المتلقي بالتالي) بحجة الحماس للجماهير والفكر السياسي.

وكما إن أقصى اليسار يلتقي مع أقصى اليمين, كذلك فإن هذين الرأيين يخدم كل منهما الآخر ويبرره. أعداء السياسة في الفن يبررون عداءهم بأنهم ليسوا مستعدين لتقديم فن مبتذل لا إبداع فيه وليس فيه مايبرره إلا أفكاره, وبالتالي يمكن الاستعاضة عنه بالمقالات السياسية وهذا الكلام نصفه صحيح. وأعداء الفن باسم السياسة يقولون نحن معجبون بهذا الفن على الرغم من يوميته وسطحيته ولن نقبل هلوسات الذاتيين ودعاة الفن للفن.. وهذا الكلام أيضاً نصفه صحيح.

لكن المغالطة الموجودة في الرأيين والتي تؤدي إلى أن يخدم أحدهما الآخر هي الاعتبار بأن الخيار لابد واقع بين فن مجرد من السياسة ومتعال على الجماهير وفن يومي وسطحي ومبتذل يمالئ واقع الجماهير المتخلف بدل أن يسعى لعلاجه. المغالطة, هذه, كالمغالطة التي يوضع فيها فلاح أيام الانتخابات البرلمانية: إذا لم يعجبك أن تنتخب هذا الإقطاعي فانتخب الإقطاعي الثاني..

والتصدي لهذه المغالطة هو جوهر المعركة المزدوجة التي يمكن أن يخوضها الفكر الجاد والفن الجاد. ومحاولة تقديم فن يتجلى فيه الطموح الذي لايعرفه الرأيان السابقان هو الصراط الذي يحاول أن يسير عليه الفن الحقيقي المؤمن بقدرة الإنسان على العطاء والعمل والإبداع والى جانبه هوتان مضطرمتان بنيران العداء.

وان من واجب كل مثقف –وهو واجب ثوري لمن يحتاجون هذه الصفة لكي يستطيعوا القراءة مثلاً- أن يخدم الجدية والإبداع بأن يشير إليهما أينما رآهما.. وان يشير للسطحية والابتذال أيضاً أينما رآهما.

وبالتالي فإنه من الممكن القول, مثلاً, إن ظاهرة فيروز والرحبانيين ظاهرة جدية وصحية في حياتنا الفنية, على الرغم من بعض الملاحظات التي يمكن أن تكون عليهما والتي يمكن أن نشير إليها في مقالات قادمة. وان غناء فيروز عن الحب لايتعارض مع الثورة وان كان لايخدمها بشكل مباشر. ويمكن القول إن ظاهرة إمام- نجم محاولة (غير ناضجة تماماً) لتقديم فن شعبي يطرح اهتمامات وهموم الإنسان اليومية, وإن عبد الحليم حافظ مطرب ذو صوت جميل وشخص مثقف وإنه قد ساهم مع الملحنين الذين عمل معهم في إخراج الأغنية العربية, نسبياً, من تخلفها (وان كان لم ينقذها نهائياً من الهوة التي تتردى فيها)..

يمكن قول ذلك كله ويمكن البحث عن الايجابيات الموجودة عند كل ظاهرة فنية في حياتنا.. دون أن نخاف قسر الضحالة الذي يمكن أن يجري مونتاجاً استفزازياً وسخيفاً لهذا الكلام ويقول: أنت تهاجم الشيخ إمام وتدافع عن عبد الحليم حافظ, وبحيث يبدو وكأننا نريد طرح عبد الحليم حافظ أمام الشباب بديلاً عن الشيخ إمام. إن عبد الحليم حافظ ينقصه المضمون, في أغلب الأحيان بمقدار ماينقص الشيخ إمام- نجم الأسلوب في أغلب الأحيان.

لعلني أريد غناء فيه حماس إمام- نجم, وعذوبة صوت فيروز وعبد الحليم حافظ, وفنية الأخوين رحباني.

لعلني, أيضاً, في حاجة إلى هذا الإيضاح.. وإلا "اختلط الحابل بالنابل".

أليس كذلك؟

 

 

****

وجهة نظر

ممدوح عدوان في المحكمة

بقلم علي صالح عمران

جيش الشعب: العدد 1292- تاريخ 17 أيار 1977

طالعني في مجلتنا الغالية علينا الموضوع (وجهة نظر) حول الشيخ إمام وفي زاوية أضواء –العدد رقم 1285, تاريخ 29-3-1977- قرأته ولاحظت أن الكاتب السيد ممدوح عدوان يكتب في البداية بكل موضوعية عن الشيخ إمام, فيقول (الصوت الجيد – البساطة – تمكين الشعب البسيط من استيعاب الأحداث السياسية), وهو إذ ينتهي من موضوعيته ليغرق في ذاتية أن تكن ذاته فهي ذاتية البرجوازية الصغيرة خاصة منها القسم الذي يشغل المجال الخدماتي ويتعامل بالروتين مع عمله والآخرين, وهذا ليس بغريب, فكلنا ننضوي تحت هذه التسمية الطبقية (البرجوازية الصغيرة), ولكن الأمر يختلف, فالبعض منا حياته جملة وتفصيلاً في المكتب وفي جو المدينة المليء بالتعقيد الاجتماعي المترافق مع المعطيات الحضارية الجديدة سواء منها المنتج والمستورد, كل هذا يجعلنا لانتعامل مع الجماهير إلا بالأشياء الرسمية والكتابات غير المفهومة والفن البعيد عن حس الأغلبية الساحقة من جماهير هذا الشعب.

فابن الريف سواء هنا في قطرنا أو في صعيد مصر, والذي يئس من أبنائه المثقفين حيث أصبحوا يتعاملون معه بهذه الثقافة غير المفهومة لديهم, والبعض منهم انسلخ من واقع الانسحاق الطبقي وأصبح يتطلع إلى القصور ولو من نافذة كوخ, هذا هو واقعنا. مشاكل الريف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تتكدس وابن الريف وخاصة في الريف المصري يبذل الجهد لقراءة اسمه فكيف نريد أن نجيّش هؤلاء الناس لزجهم في معركة الاشتراكية التي تتطلب الوعي الكامل لما يجري حول هذا الإنسان من عمل سياسي يقوم به محترفو السياسة, وطبيعي أن هذا الأمي لايتعلم السياسة إلا من خلال الأمثلة ومن خلال حسه المباشر حيث أن المثل المضروب من الواقع يغني عن "دزينة" برامج على حد أقوال المفكرين الاشتراكيين. وعلى الصعيد الفني فنحن نفهم إن مهمة الفن هي الكشف عن الحقيقة بصياغة فنية, وحتى تكون فنية وكاشفة للحقيقة يجب أن تنسجم مع حس الأغلبية الساحقة ألا وهم الفقراء. هذا هو واقعنا, متخلف ونحن فيه ومنه فلماذا نلوم الجماهير على خلفية حسها ومحاولة تقزيم فنها واتهامها بعدم القدرة على مجاراة الفن مما زاد من بعد الفن عن قدرة هؤلاء البعيدين جدا عن هذا الجديد. إذن فالعلة تكمن فينا والحل يتجلى في أن نكون طليعة حقيقية لثورة الفقراء على الجهل والمرض والفقر و...

ولنرجع إلى الشيخ إمام هذا الفنان الذي أراد أن يكون كناراً في صحراء. خرج من صفوف المسحوقين.. من الصعيد المصري المتخلف, خرج لا "ليزاود" بفنه كما يفعل الكثيرون من محترفي الفن, ولايعرف التجارة بالكلام ولا يهوى نوادي رقصات (التويست). هانحن نجرؤ عليه وعلى فنه ونتهمه بالتسطيح, فإذا كانت هذه هي السطحية الفنية فمرحباً بها عندما تقترب من إحساسات وعواطف الأغلبية الساحقة من جماهير الشعب, وهي الأفضل عندما لم يعد من حل فني وثقافي لتلبية احتياجات الفقراء, وبالتالي الوضوح السياسي الذي على ضوئه يتمكن من المشاركة في هذا المجال والذي هو حق كل الجماهير وليس كما يحلو للبعض تسميته بأنه من عمل (الأكابر).

وليس أدل على أصالة هذا الفن الشعبي وجدواه الكبيرين سوى كثرة من يتحمس للاستماع لها من الشباب وغير الشباب, حيث يجدون فيها الكلمة الأمينة التي تصف حالهم وحال بلدهم بلغة مفهومة وبسيطة, هذا وقد يكون الواقع عند بعض الشباب المتحمس من المثقفين للاستماع إلى صوت هذا الفنان من قبيل الشعور بالذنب المرتكب بحق أهله وذويه ممن تركهم وابتعد عنهم وعن حياتهم بعدما ركعته معطيات الحضارة المستوردة اغلب الأحيان. وقد يكون الاستماع إلى مثل هذا الفن الشعبي حافزاً لهؤلاء الشباب للعودة ثانية إلى قواعدهم المسحوقة ليساهموا في حل المشكلات المستعصية على أبائهم وأخوتهم ممن لم تسمح لهم الظروف القاسية التي مر بها شعبنا العربي من التحصيل العلمي وكسب المعرفة.

أما عن الجرأة –الكلمة المناسباتية- والمباشرة- والاستعجال في أغاني الشيخ إمام, فالجرأة هي المطلوبة ولماذا المناطق المحرمة؟ فالواقع واقعنا والهجمة شرسة والدعاية لم تعد العمل السياسي الأفضل.

وعن الكلمة المناسباتية: فالأحداث السياسية سلسلة والإمساك ببعض حلقاتها لم يعد ذنباً لايغتفر, فالشيخ إمام بفنه ونجم بكلمته البسيطين قد لايستطيعان الربط في هذا المجال كما يتطلب الفن الصحفي, ولكن لهما الحق كل الحق في استعراض مايحدث, فهم الفقراء, من صرخت بهم معدهم واشتد خناق الاحتكارات حول رقابهم فأطلقوا عنان فنهم ومواهبهم ليعبروا عن واقعهم المؤلم وحرمانهم حتى من رغيف الخبز الجيد.

جميل جداً أن نطلب تعميق الوعي, ولكن بداية الألف ميل خطوة والقفزات الكمية أفلست في حل مشكلة التخلف بجوانبه المعروفة وعلينا نحن الشباب المسلح بالوعي أن نخف لوضع أنفسنا في خدمة أهلنا البسطاء لنرفع من ثقافتهم ونجعلهم يلحقون بما أنتجه الفكر والفن العربي والعالمي. فالمسألة في غاية الإلحاح ولاعيب في الإلحاح عندما نبدأ من النقطة التي وصلت إليها الجماهير المحرومة, ولا نكون هنا قد عمقنا الشقة بين الجماهير والثقافة, بل نكون قد بنينا جسراً بينهما حتى نستطيع اللحاق بالجديد من الثقافة والفن.

وعن السخرية في أغاني الشيخ إمام فهي قد تقل أو تكثر. ولكن ما شأننا في هذا؟ فهل المقصود فقراء الناس ممن عرفوا طريقهم وحملوا سلاحهم يبتغون لقمة الباشوات وأتباعهم وأشياعهم من المثقفين العتاق أذيال التشكيلة الإقطاعية المهترئة, فكثير منا لايزال اسمه يحمل تشويهاً من تلك العهود البائدة وان كانت بذورها لاتزال تمارس دورها بحنكة وذكاء, فهذا (حمود وغيره أحمد, وهذا عبود وغيره عبد الله... الخ) هذا مع العلم أن هذا لم يكن سلاحاً رئيسياً في معركة الفقراء, إذن لماذا تلام فينا سخريتنا ونغمض أعيننا عن سخرية الامبريالية لدول العالم أجمع؟.

وأخيراً الرجاء من الفن والفنانين والعاملين فيهم والقائمين عليهم أن يرفعوا العصا عن أعصاب الفقراء, فهم ليسوا أقل حماساً وطموحاً نحو الأفضل, والأفضل أكثر أن يفكروا في انتقاد أنفسهم.

***

هذا الورم..

بقلم ممدوح عدوان

الثورة – 15/6/1977

لابد لي من التشكيك قليلاً بهذا التضخم الثقافي والصحافي في حياتنا.. صفحات وصفحات تتزايد وكلها تمتلئ شعراً وقصصاً ومقالات وردوداً وانتقادات ونقاشات.

ماذا وراء ذلك كله؟

صحيح أن بعض الكتابات تلامس بعض الجوانب الهامة في الحياة المحيطة بنا, إلّا أن الظاهرة في مجملها لاتعدو أن تكون تورماً غير صحي وغير متناسب أو متواز مع جوانب حياتنا الأخرى.

وانك, وأنت تفهم ذلك, وتفهم إلى حد ما جوانب من اللعبة الخطرة التي ينزج فيها الكثيرون من حولك تجد نفسك, رغم ذلك مدفوعاً إلى الانخراط فيها من خلال استفزازات أو تداخلات مقصودة وغير مقصودة.

على الرغم مما يكتب عندنا وعلى كثرته: هل نستطيع القول إن لدينا حركة ثقافية ناشطة؟ وهل نستطيع القول إن صحافتنا قد ثارت على جمودها القديم, بأكثر من الزيادة الكمية, وأصبحت قادرة على جذب اهتمام الناس وملامسة القضايا الأساسية التي تشغلهم؟

وهل نستطيع القول إن لدينا خبرات صحفية كبيرة فرضت بفعاليتها الجديدة هذه الرغوة الهائلة في الحياة الكتابية؟

أجيب على هذه الأسئلة كلها, بلا تردد, بالنفي.

وهذا الكلام ليس دعوة للتوقف لاعن العمل ولاعن المنازلات النقدية والكلامية التي أثارها من يحتاجون إلى الحد الأدنى من الإحساس بالنفس عن طريق خوض المعارك.. وليس كما فهم خطأ من زاوية كتبتها سابقاً عن السياب والبياتي. دعوة للمصالحة وتبويس اللحى أو استهانة بـ "الجمهور" المؤيد واستهتاراً به.

فعلى الرغم من إدراكي لحالة التورم هذه, أجدها فرصة مناسبة لتعرية جزء من هذا الزيف المتراكم على حياتنا الثقافية ومناسبة لفضح المزيفين الذين نصبوا أنفسهم قواداً على الخلق.. وسأغتنم هذه الفرصة ما أمكنني.

فطالما إن المجال الوحيد المتاح هو صراع الديوك هذا, وطالما إن بعض الديوك تجدها فرصة ملائمة لنقرك في عينيك, فلا أقل من تشمير السواعد ونتف ريشها عن آخره وتنفيس تورماتها الدونكيشوتية المرضية.

إن الغبار المنعقد في تلك الحركة البهلوانية وسط الحلبة لاتثير إلا الرغبة في الضحك, ولكن التضخم الدرني الذي ابتلي به بعض من أحسوا أنفسهم "كباراً" تثير فيك رغبة بأن تضعهم أمام أنفسهم وبأحجامهم الحقيقية... وبلا تردد أو تنازل.

و...

- لاكبير إلا الجمل!!!

ونحن على موعد.

***

ليكن حوارنا الفكري موضوعياً

بقلم: بو علي ياسين

البعث- 15/6/1977

النقد هو نوع من الحوار أو الصراع الفكري, وللصراع الفكري ارتباط بالصراعات الاجتماعية والاقتصادية. ومامن تقدم يحصل إلا بصراع, بدءاً من الصراع مع الطبيعة وانتهاء بنقد لوحة فنية. الصراعات الفكرية أنواع, ولها أشكال عديدة. إن استحسان عمل أدبي معين هو بالمحصلة انحياز في الصراع إلى الاتجاه الذي يمثله العمل الأدبي المذكور. حتى المجادلات حول الأشكال الفنية هي مظاهر لصراعات فكرية مرتبطة بالصراعات الاجتماعية الاقتصادية, لكنها صراعات أقل شفافية, وقد لاترى على حقيقتها إلا بصعوبة.أ بو علي ياسين

وتتفاوت الصراعات الفكرية في حدتها, بقدر ماتتفاوت حدة الصراعات الاجتماعية الاقتصادية. قد تكون مجرد تبادل آراء لإغناء الفكرة وتطويرها. وقد تعبر عن خلافات ثانوية ضمن الفكرة نفسها. كما أنها قد تكون مجابهة بين فكرة ونقيضها (صراع تناحري).. وكيفما كانت هذه الصراعات فهي تخدم في النهاية التقدم الفكري, بقدر ماتكون هناك حرية تعبير عن الرأي وبقدر مايكون تصارع الأفكار موضوعياً.

فإذا كبتت حرية الآراء, اختفى أحد طرفي الصراع وهيمن الطرف الآخر, بحيث لانصل إلى محصلة الرأي والرأي المعاكس الهيغيلية (أطروحة, طباق, تركيب) التي تسمح بمتابعة الصراع وبالتالي التقدم. ومع الآسف, يضطر المرء هنا للقول, إن حرية الرأي لاتعني أن يتفزلك المرء بما يريد دون أن يرد عليه أحد, خاصة إذا كان من تقدمية البرجوازية الصغيرة (ضربة إلى اليسار وضربة إلى اليمين). على النقيض من ذلك تماماً, وجود الرأي والرأي المناقض هو الدليل على حرية التعبير.

وإذا كانت الصراعات الفكرية غير موضوعية, فإنها تعيق التقدم الفكري من حيث أنها قد حادت عن مجال الصراع, فبقيت المواقف كما كانت. بل ربما أصبحت أكثر غموضاً وتشابكاً... وهكذا نحتاج إلى جهد أكبر لكي نعاود الصراع من جديد. أكثر من ذلك: المناقشات غير الموضوعية تفتح الأبواب للأحكام المسبقة التي تستهدف شخص المناقش أكثر مما تستهدف فكرته. وإذا كانت الصراعات ثانوية ضمن الاتجاه نفسه (بين التقدميين مثلاً) فإن هذا الوضع يخلق معسكرات أو تكتلات متعادية دون أساس موضوعي يبررها. هنا يصبح الجو الثقافي معكراً وتختلط الحدود بين الاتجاهات وتتعثر عملية التقدم الفكري.

إن الاتحاد بين الشخص ورأيه يخلق حماساً, غير أنه من ناحية أخرى يتضمن استعباد الرأي لصاحبه وتجميده عند هذا الحد من المستوى الفكري, والخطورة تتزايد بقدر مايكون تصارع الآراء حول أمور ثانوية. لذلك فإن العلاقة الصحية بين الشخص والفكرة هي علاقة ارتباط وانفصال, في نفس الوقت: هي جزء منه وهو مع ذلك قادر على فصلها عنه. هذا مانود تسميته بالموضوعية, أي قدرة المثقف على النظر بحيادية إلى آرائه وأفكاره (وكأنها ليست آراءه وأفكاره). ولاشك أن الموقف الموضوعي صعب, إن لم يكن لدى المثقف ميزان أو محك أو دليل يختبر به صحة أو صلاحية آرائه. وما المحك سوى القضية التي تخدمها الأفكار.

فإذا كانت القضية شخصية, انعدمت الموضوعية. أما إذا كانت للكاتب قضية عامة, فعندئذ يمكن أن يكون رد الفعل على النقد بمجابهة فكرة بفكرة وحجة بحجة, وليس بمجابهة شخص بشخص وشتيمة بشتيمة. تصارع الأفكار يولد الأفكار أما تصارع الأشخاص فنتيجته الملاسنات والدسائس, ولا ندري ربما الملاكمات... وقد تستدعي القضية نفسها ملاسنات وملاكمات, لكن هذا يعني أن وقت الحوار الفكري قد انتهى.

لعله بدهي, لاعصمة لأحد. لكن يبدو أن البعض, بالرغم من معرفته هذه, لايحتمل لسبب من الأسباب, توجيه نقد له. فتراه, لكي يقطع الطريق, يشن حرباً شعواء على شخص الناقد, يربي فيه كل من تسول له نفسه ارتكاب هذا الفعل مرة أخرى. وهذه الحرب الكلامية ليست أمراً سهلاً, فهي تحتاج إلى مقدرة لغوية وتصويرات مؤثرة ودسائس ذكية وألاعيب مبتكرة مناسبة لسحق هذا المثقف الدخيل الذي يتطاول على نقد الشخصيات الأدبية في عقر دارها. خسارة, أن تبذل هذه الجهود لغاية كهذه, بينما كانت مفيدة لو بذلت في سبيل الدفاع موضوعياً عن الرأي المنتقد.

يرى بعض المثقفين في الحوارات الفكرية بين الكتاب المتقاربين فكرياً, بالتحديد التقدميين, صراعات مفتعلة, وينصحون بتجنبها وتوجيه الجهود ضد الفكر الرجعي. ولهذا تراهم يقفون متفرجين أمام هذه الحوارات أو الصراعات. برأينا هذا موقف خاطئ من حيث المبدأ, فالهجوم على الفكرة لايلغي الحوار بين التقدميين, بل إن هذا يساعد على ذاك. من ناحية أخرى ليس الفكر التقدمي كائناً مكتمل النمو, بل هو عملية متواصلة على طريق تحديد المعالم ووضع التخوم مع الاتجاهات الفكرية الأخرى. وكم من مثقف تقدمي يحمل أفكاراً رجعية في بعض المجالات! هذا ليس بغريب, عندما يضم المعسكر التقدمي ذلك الخليط الثقافي الذي تسيطر فيه رسمياً البرجوازية الصغيرة وآفاقها الحالية للصعود الطبقي.

أخيراً علينا أن نتفحص الأمر من زاوية نظر أخرى: وسائل الإعلام والثقافة, ومنها الصحف والمجلات, يفترض أنها وسائل عامة للخدمات الثقافية, وليست وسائل خاصة يكتب فيها المحررون مايشاؤون دون مسؤولية تجاه القرّاء. فما ذنب هؤلاء أن نفرض عليهم كتابات لاتعنيهم في شيء؟! فللخصومات الشخصية, الخصومات غير الموضوعية. أمكنة أخرى غير وسائل الإعلام والثقافة. هذا ماتستدعيه أخلاق الكتابة كمهنة, وكل مهنة دون أخلاق غير قادرة على القيام بدورها المطلوب اجتماعياً.

***

اصطياد الفراشات

بقلم: ممدوح عدوان

جريدة "الثورة": 17/6/1977

بعض المتمترسين بالعلمانية, والذين اكتشفوا التفكير العلمي مؤخراً, والذين يحبون أن يسجلوا هذا الاكتشاف لحسابهم الخاص ليحرموا بقية الخلق من فرصة الاحتكاك بهذا التفكير.. هؤلاء يبدو عليهم أنهم من هواة اصطياد الفراشات.

والملفت للنظر في هذه الهواية أن الفراشة بعد أن يتم اصطيادها يغرز في وسطها دبوس ثم يغرز الدبوس والفراشة في الجدار فتبقى في هذا الوضع إلى الأبد لاتتغير ولاتتبدل.

وفي الجانب العلمي يمسكون هذا الإنسان أو ذاك ليثبتوه في موقع كان فيه منذ عشر سنوات مثلاً دون أن يسمحوا له بحق الحركة أو التطور. وكأنهم, هم, قد ولدوا من بطون أمهاتهم مدججين بالنظريات والإيديولوجيات.

والمشكلة أنهم, هم أنفسهم, قد سمحوا لأنفسهم بالانتقال من موقع إلى موقع, ولنسمه بدلاً من الانتقال تطوراً..

نحن نمنحهم هذا الحق, "لأننا لسنا علمانيين" وهم يحرموننا هذا الحق لأنهم مترعون بالعلمانية.. نمنحهم حق الانتقال من الهبية (*) إلى التنظير والأدلجة العلمانيين, والانتقال من الأمية الفنية إلى حق التنظير للفنون السبعة.

نحن نعرف أسلوباً بارعاً في الحوارات الثقافية يلجأ فيه كل محاور إلى جر المحاور الآخر نحو المياه التي لايتقن السباحة فيها لإغراقه. كان يتناقش اثنان في موضوع ثم يلجأ أحدهما إلى جر الموضوع نحو الاقتصاد بينما يجره الثاني نحو علم النفس.

قد يكون هذا مبرر نسبياً, أما تلك المحاولة اللئيمة في تثبيت الطرف الآخر بدبوس إيديولوجي لايحل عنه إلى أبد الآبدين, فهذه جديدة.

حتى النكات السياسية لاتفعل ذلك. بل إن النكتة السياسية قد تقوم أحياناً على احتمالات التحول. ألم تسمعوا بهذه النكتة؟

اثنان يناقشان شخصية سياسية محددة, أبدى الأول إعجابه, فقال له الثاني: "ومن هو هذا الذي تعجب به؟ انه ليس أكثر من برجوازي صغير". فأجاب الآخر بحماس: "وماذا يعني؟ هو صغير الآن لكنه سيكبر في المستقبل".

حاملو الدبابيس لايسمحون لنا أن نكبر أو نصغر... كأننا من إنتاج المعامل في المعلبات الجاهزة. أليس هذا مضحكاً؟

(*) غمز بقناة بو علي ياسين الذي شارك في كومونة طلابية في ألمانية الغربية لمدة ثلاثة أشهر, وذلك في عام 1969. في هذه الكومونة حاول الأعضاء إقامة "أسرة اشتراكية" بديمقراطية دون قسر أو امتيازات.

                                                         ملاحظة من بو علي ياسين

***

الأوادم

بقلم ممدوح عدوان

الثورة: 18/6/1977

يقتحم احدهم الساحة وهو مدجج بالشراسة والغضب والآراء. يلقي أحكامه وكأنه يضارب بالحجارة ويخدش بالأظافر.

ينتشي بشراسته وسفاهته ويستمتع بردود الأفعال التي يثيرها بين أصدقائه وبين أخصامه. ويظل منتشياً بهذا القدر طالما أنه سالم ردود الأفعال القاسية.

حين يأتي من يعاتبه –على شراسته هذه وعلى انعدام موضوعيته- ينظر له بأن من الواجب عدم التهاون والتعايش مع أعداء الفكر أو مزيفيه. وان القسوة ضرورية لوضع كل إنسان في مكانه الصحيح والطبيعي, وان من الضروري توضيح الموقف وإعلانه.

يستمر التنظير ويستمر التورم والانتفاخ والمنفخة إلى أن يأتي يوم يجابهه شخص ما بالأسلحة ذاتها وبإتقان أفضل, يردح له ويسخر منه ويقسو عليه..

فيبدأ التنفيس.

ويضمحل البالون المنتفخ.

ولكن الأمر لاينتهي هنا. بغتة تظهر –الأوادمية- ويتدخل الأوادم: عيب, ولا يجوز. وفي الوقت نفسه تبدأ جوقة الأوادم بتمزيق ملابسها ونتف شعورها حداداً على الموضوعات المفقودة.

سلسلة طويلة من النصائح بالموضوعية والعلمانية و.. انتم إخوان.. و "لاتشمتوا العدا".

أين كانت هذه الأوادمية والموضوعية حين كان صاحبنا البالون مدججاً بالأظافر والشراسة والردح؟.. وحين كان يشهر ساطوره وينزل تقصيباً بالثقافة؟ وأين كانت حين كان يفتح دكاناً لبيع شهادات حسن السلوك والوطنية والانتماء الطبقي والطبيعة النضالية؟

يحتاج الأمر إلى شيء من الخجل.. والى بعض ...... التي لاتكبر ولا تصغر, بل يظهر الإنسان فيها على حقيقته.

أبسط الحقوق المتبقية حق الدفاع عن النفس بالأسلحة المتوفرة والممكنة أليس كذلك؟.

***

أوراق من ملف

الأغنية السياسية الثورية

بقلم: نبيل سليمان

جيش الشعب: 1- آب -1977

فتحت أوراق وطويت أوراق خلال الحديث الحامي الذي تناول الأغنية السياسية الثورية طوال الأسابيع الفائتة, في مجلة جيش الشعب خاصة, وفي سواها. ولكن الكثير مما يجب أن يقال لم يقل بعد, ونظراً لأهميته وحساسية هذه المسألة في المرحلة الراهنة, فإنني أود أن أضيف إلى ملف الأغنية السياسية الثورية هذه الأوراق.

-1-

منذ أكثر من نصف قرن (حوالي سنة 1923) قام سيد درويش والمهندس إميل عريان بمشروع ريادي وفريد, سعيا فيه إلى تدوين الأغاني المتداولة على الألسن بالنوتة. وكانت هذه الخطوة بداية لاستمداد الأغنية من العطاء الفني الجماهيري العفوي والفلكلوري, بكل مايحمل هذا الاستمداد من معاني تسييس وتثوير الأغنية. وكان سيد درويش قبل ذلك قد قام بخطوة مماثلة في هذا الاتجاه, تمثلت في توجيه الأغنية توجيهاً فنياً وإنسانياً نحو الجماهير الشعبية, بكل مايعنيه هذا التوجيه من تسييس وتثوير للأغنية أيضاً.

-2-

بعد ربع قرن من ذلك, خاض سلامة موسى على صفحات مجلة الأديب اللبنانية معركة حامية ضد تمييع الأغنية, وحرف المعنى الفني والإنساني لجماهيريتها. فقد كتب في آب سنة 1948 يقول "عندنا موسيقيون ومغنون يعزفون ويغنون. وهم رجال ونساء. لا أسمع لواحد منهم إلا وأحس اشمئزازاً ذهنياً يغمر نفسي, كأنه إحساس المهانة أو الصغار أو الخسة, ولست أتعجب مع ذلك من أن هناك من يلتذون هذه الألحان وهذه الأغاني, لأني عندما أتأملهم أجدهم إما حشاشون قد ..... الحشيش أو سكارى, أو هم قد استسلموا للغريزة الجنسية الغشيمة التي تذهب بفنون المتمدنين" (الأديب – ص57).

ثم كتب عبد الله المشنوق متحدثاً بصورة خاصة عن عمر الزعني وأغانيه الشعبية السياسية والانتقادية, ذات النزعة التقدمية القوية. ورد على سلامة موسى في جريدة الأساس المصرية الدكتور محمود احمد الحقي معارضاً, مباهياً بدور مصر الموسيقي, دون أن يناقش ماطرحه الموسى ومشنوق, ومنه تناول أغنية محمد عبد الوهاب (يالوعتي يادهوتي) التي تذكر بأغنية تلميذه عبد الحليم حافظ (نار ياحبيبي نار).

كما رد على سلامة موسى مقال من بغداد بعنوان (إيمان بالموسيقى الشرقية) لأزهر شريف, يتهمه فيها بالجري وراء الغرب, والانخلاع من الجذور الوطنية..

ملاحظة1 –كم هي قريبة هذه المعركة الصحافية من المعركة الأخيرة التي شهدناها هنا.

ملاحظة2 –حكم على عمر الزعني سنة 1950 بالحبس ستة أشهر لأنه ألقى في حفلة عامة أغاني انتقادية سياسية واجتماعية.

-3-

يقول أسامة العارف في مقالة له بعنوان (الفنون والثقافة خلال المعركة) نشرتها مجلة الطريق (الإعداد 1-8 كانون الثاني – آب 1976), يقول إن الأغنية السياسية لم تكن معروفة في لبنان إلى أن كانت ظاهرة احمد فؤاد نجم والشيخ إمام كما إن هذه الأغنية قد كرست على يد ثنائي (حب مصر) وهما الظاهرة المصرية الأخرى: سمير عبد الباقي وعدلي فخري.

ويقول العارف إن من ظواهر الأغنية السياسية الثورية ماقدمه بالفرنسية بول مطر, وخاصة ما أداه من أشعار أدونيس ومحمود درويش, وقد أسس هذا الملحن والممثل والمغني شركة مطر للتسجيلات, وقام بمشروع (أشرطة أغاني الشعب) الذي يعيدنا إلى مشروع سيد درويش والمهندس إميل العريان.

ويعدد العارف من تلك الظواهر أيضاً, مما شهدته السنتان الماضيتان, فرقة كورال طريق الجديدة في بيروت التي يشرف عليها غازي مكداشي وخالد الهبر, وتضم أربعين منشداً عازفاً من الهواة, وقد قدمت أغاني سياسية ثورية لشعراء ولكوادر, مثل محمود درويش وجمال عياش. كما أن خالد الهبر قد غنى من تأليفه وغنى لعز الدين المناصرة. وأخيراً فإن عدداً كبيراً من الأغاني الجماعية قد ظهرت دون أن يعرف من هو مؤلفها, أو ملحنها, وهذا مارأينا نظيراً له في الحوار الذي أجرته مؤخراً جريدة البعث مع الشاعر المصري أمل دنقل, حيث تحدث عن بعض قصائده التي كتبها منذ سنين, وتناقلتها ألسن الطلبة أثناء المظاهرات, وخلال عدة سنوات حتى أنه لم يكد يتعرف عليها فيما بعد, بعد أن أضافت إليها الحناجر المجهولة ما أضافت, ولم يبد أمل دنقل مجد ونرجسية قصيدته, بل اعتز بأن القصيدة قد صارت أغنية سياسية ثورية جماعية, صارت ضمير الجماعة في أحلك اللحظات. تلك إشارات متنوعة, تلقي بعض الأضواء على قدم معركة الأغنية السياسية الثورية وارتباطها بالحركة الجماهيرية, فما دار في صحفنا حول ذلك ليس المرة الأولى, ولن يكون المرة الأخيرة, سوف يظل الحديث ساخناً عن الفن والمعركة مادام ثمة معركة ومادام ثمة فن, ولكن سؤال التاريخ الأهم هو: أين يقف كل امرئ من ذلك؟

-4-

في كتاب حديث حول الواقعية الاشتراكية في الأدب والفن, ظهر في القاهرة, بترجمة محمد مستجير مصطفى, تحديد لسبب الاهتمام التقدمي السياسي والفني بالأغنية. إن هذا الاهتمام ينبع من كون شرارات الإبداع الاشتراكي قد انطلقت في المدينة البرجوازية على هيئة أناشيد وقصائد أولاً, ومن أمثلة ذلك:

* أناشيد هبة سيليزيا التي عدها ماركس علامة على المستوى العالمي من الوعي الطبقي لدى القسم التقدمي من العمال الألمان. كما قال انجلز عن الشاعر هنريك هايني الذي ألّف أنشودة عمال نسيج سيليزيا: لقد انضم هذا الشاعر إلى صفوفنا.

* نشيد الأممية لايوجيين بوتييه وبيير ديجتيير والذي جاء ذروة الأغنيات رجال كومونة باريز.

* نشيد مسيرة 26 تموز للثوريين الكوبيين.

* الاسكتشات الثورية لاونوريه وآخرين.

* أشعار الروسي رادين.

           ويعلل هذا الكتاب بعد ذلك أهمية الأغنية الثورية السياسية, كما يحدد ميزاتها بمايلي:

* الأغنية الثورية تلتقط بسهولة وسرعة آلام المخاض الثوري.

* وهي تحرض بسرعة وفعالية الجماهير الواسعة. وذلك بفعل الشحنة العاطفية العالمية التي تحملها.

* تستهدف الأغنية الثورية الأداء المستقل في مجرى النشاط الثوري.. في المظاهرات وعند المتاريس وو...

-5-

ويتحدث أسامة العارف في مقالته التي ذكرناها قبل قليل, عن جوانب أخرى في الأغنية السياسية الثورية, فيرى إن قيمتها تتحدد بشعبيتها, وبالتالي فإن أداءها بالعامية المحلية شبه حتمي, وهي تهدف إلى إدخال المتعة إلى الجماهير.. أما منتجو هذه الأغنية فهم أصحاب مواقف سياسية لامرتزقة مواقف. والقيمة الفنية للأغنية السياسية, بل ولعموم الفنون التي ترتبط بالمعارك الثورية, قد تكون ضعيفة, نظراً لطابع المباشرة التي يسم أغلبها "وقد تكون بعض هذه الأعمال أشبه بمنشورات, إلا أن قيمتها كبيرة من حيث هي موقف. وهي تشكل خميرة بالغة الأهمية لإمكانات تطور الفن", (المصدر المذكور: ص- 258).

إن الذين يتباكون على المستوى الفني وعلى جماهيرية الفن وعلى الثورة وحماس الشباب والأغنية السياسية.. هؤلاء يجهلون أو يتجاهلون إن الفن الذي أنتجه (سيد درويش منذ أكثر من نصف قرن) وعمر الزعني منذ أكثر من ربع قرن واحمد فؤاد نجم والشيخ إمام وعدلي فخري وسمير عبد الباقي وبول مطر وجمال عياش وخالد الهبر وزياد الرحباني وسواهم من الظواهر التي تستجد في الآونة الأخيرة.. هو كما قال أسامة العارف حقاً:

"العتبة التي لابد منها للوصول إلى فن شعبي جديد منبعث عن ثقافة شعبية جديدة" (ص 259). وهذا الفن هو الفن الواقعي, المعبر عن الواقع المتغير. وباعتبار الواقعية هنا واقعية موقف, لاواقعية أسلوب.

إن الأغنية السياسية الثورية هي شارة على مستقبل الفن الديموقراطي الشعبي, وبمقدار مانشكك فيها, ونزرع في دربها الألغام, بمقدار مانكون بعيدين عن ذلك المستقبل. وبمقدار ما نأخذ بيدها, وننقذها وندافع عنها في الوقت نفسه, بمقدار مانكون قريبين من ذلك المستقبل.

-6-

... ولايزال هذا الملف مفتوحاً, ينتظر الكثير.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2080013