الصفحة الرئيسية

مستقبل اقتصادي شبه غائم كلياً..!

قبل هذه الحرب الوخيمة التي يتعرّض لها قطرنا منذ أكثر من خمس سنوات، كان الشباب السوري في حالة من الطموح المنشود والأمل الموعود، فالتعليم متاح للجيل الناشئ في جميع المراحل الدراسية الأولى، وبكلفة رمزية جداً، ومتاح في الكليات والمعاهد لجميع الناجحين في الشهادة الثانوية، وكان السكن الجامعي مؤمَّناً لقسم كبير من الطلاب، وكانت أجور السكن المدني المأجور قليلة، والحال نفسها بالنسبة لتكاليف النقل بين الريف والمدينة وبين المحافظات، وأيضاً كانت تكاليف الكتاب والمستلزمات الدراسية للطالب ونفقاته الشخصية ذات أسعار منخفضة، وأغلب الخريجين كانوا يأملون بتوفر فرصة عمل تساعد في الإعداد لسكن مقبول تتطلبه الحياة الزوجية الهانئة.
واقع الحال الذي يعيشه الشباب في هذه الأيام، والذي سيقبل عليه غداً، أصبح خلاف ما كان عليه في سابقاتها، فنفقات التعليم ازدادت كثيراً عما كانت عليه، بما في ذلك ما قبل المرحلة الجامعية وخاصة صفوف الشهادات ونسبة كبيرة من الطلاب –وخاصة طلاب المرحلة الثانوية- اعتادت على نفقات يومية شخصية لم تزل تنفقها يومياً وأسبوعياً وشهرياً، رغم تضاعف قيمتها عشرات المرات عما كانت عليه من قبل، ومتطلبات التعليم الجامعي ازدادت كثيراً عما كانت عليه، ففرصة توفر السكن الجامعي للطالب أصبحت أقل من قبل، بسبب كثافة الطلبة في بعض الجامعات ومحدودية إمكانية الاستيعاب في السكن الجامعي نظراً للخلل الذي تعرّضت له الحالة التعليمية في بعض المحافظات، وأصبحت تكاليف السكن المأجور عالية جداً، فضلاً عن صعوبة توفره، كما أن أسعار المستلزمات الدراسية من كتب ودفاتر وتصوير أوراق وبقية المستلزمات الدراسية العديدة، تضاعفت عشرات المرات وتتباين بين كلية وأخرى ومعهد وآخر، بالإضافة إلى الازدياد الكبير في نفقات النقل الخارجية وضمن المدينة، ناهيك عن جنون أسعار النفقات الشخصية التي اعتاد عليها الطالب الجامعي –والكثير من طلاب الثانوي- وتحديداً الهاتف الخلوي واللباس وصرعات الحلاقة الأسبوعية والأركيلة لشريحة كبيرة من الطلاب.
اللافت للانتباه أن معظم الطلاب وأسرهم في غفلة من أمرهم، منساقين مع واقع الحال اليومي، غارقين في تأمين متطلبات النفقات المعتادة، رغم الغلاء الكبير في الأسعار، جاهلين أو متجاهلين أو متناسين وقائع الغد القريب الذي -على الأغلب– لن يتيح توفر هذه المتطلبات المعهودة بالشكل المطلوب، لا كمية ولا قيمة، وغالباً لن تتوفر فرصة عمل لكثير من طالبيها من الخريجين –بمن في ذلك مَن لم يكمل دراسته– هذه الفرصة التي لم تعُد متوفرة لدى الجهات العامة في الدولة إلا بالنزر اليسير، قياساً إلى الحجم الذي كانت عليه من قبل، وحتى حال توفرها لم يعُد راتبها يكفي النفقات الشهرية المطلوبة للعامل، إذا لم يكن مكان العمل بالقرب من مسكن العامل -ويندر أن يحصل ذلك– والمؤسف أن الفرص التي يوفرها القطاع الخاص قليلة، ومعظم أجورها ابتزازية، وكثيراً من متطلبات فرص تأمين العمل الشخصي غير متاحة، كل ذلك يحدّ بل يكاد يمنع الشاب من إمكانية تأمين المسكن الذي يحتاج إليه لحياة زوجية قادمة، نظراً لارتفاع مواد البناء بشكل كبير جداً، إذ أصبحت كلفة المسكن أكثر من عشرة أمثال ما كانت عليه، ولم يعد بالإمكان تأمينه عبر جمعية تعاونية سكنية، ولا اعتماداً على القرض العقاري المعهود، حتى إن السكن الشبابي الذي تم التسجيل عليه قبل سنوات، لم ينجز منه إلا القليل في بعض المحافظات، ولم يعُد بمقدور الكثير من غير المستفيدين الالتزام بتسديد الدفعات المطلوبة الآنية أو اللاحقة، عدا عن صعوبة تأمين متطلبات الخطوبة ومفروشات المسكن والإعداد ليوم الزفاف.
لقد كان مستقبل الشباب غائم جزئياً قبل بدء الحرب، وأصبح غائماً كلياً خلال الحرب، ولكن الأجواء القادمة تنذر بمزيد من العواصف الهوجاء، إثر المزيد من الحرب التي يبدو أنها ليست في خواتمها، ما يجعل الحاجة ماسة لتكثيف نشر ثقافة جديدة شبيبية وأسرية ورسمية تضع الجيل أمام المستحقات القادمة، التي تأخذ في الحسبان ضرورة ضغط الكثير من النفقات الشبيبية والأسرية، وأن كثيراً من الشباب سيضطرون للإقامة مع أسرهم في غرفة خاصة عقب الزواج، كما هو الحال قبل عقود خلت من السنين، ونظراً لأهمية السكن حبذا أن تعمل السلطات الرسمية على إنجاز أبنية سكنية –في جميع المحافظات- مؤلفة من شقق صغيرة جداً، يمكن لذوي الدخل المنخفض من الشباب شراؤها أو استئجارها والسكن فيها مؤقتاً.

عبد اللطيف عباس شعبان, عضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية

البعث- العدد / 15630 / تاريخ 2016-8-17

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

April 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 1 2 3 4 5
عدد الزيارات
2832837