الصفحة الرئيسية

عبد اللطيف شعبان: ثلاثية البطالة والتعليم والعمل

يظهر واقع الحال أن البطالة متمركزة في الخريجين من حملة الشهادة الثانوية وما بعد، الذين استمروا في متابعة تحصيلهم العلمي لغاية تأمين عمل وظيفي، فمعظمهم يحصرون همّهم في ذلك عقب تخرجهم، وخاصة حملة الشهادات العليا، إذ يرون أنأ عبد اللطيف شعبان من حقهم على الدولة أن تؤمّن لهم الحصول على فرصة عمل تتناسب مع المؤهل العلمي الذي يحملونه، وقد لا يجهدون أنفسهم في البحث عن عمل خاص بهم، وعند حصوله يعتبرونه مؤقتاً وعرضياً ولا يقتنعون به، كما يعتبرون أنفسهم في حالة بطالة، طالما ليس لهم عمل وظيفي في الإدارات الحكومية العامة، عدا الشريحة المتيقظة التي تفهمّت وجوب ممارستها عملاً إلى جانب دراستها، ومارسته فعلاً في ضوء المتوفر والممكن، ما مكّنها من الاستمرار في عملها المعهود، عقب تخرجها بل كثيراً ما عملت لتجديده وتطويره.
على العكس من ذلك، لا نجد مشكلة البطالة قائمة عند معظم الذين انقطعوا عن الدراسة قبل حصولهم على شهادة، فجميع هؤلاء لا يأملون بالعمل الوظيفي ولا يفكرون به، ما دفعهم لأن يسارعوا في الالتحاق بعمل عقب انقطاعهم عن الدراسة، أكان ذلك مع ذويهم في الأملاك العائدة لهم (زراعية أو تجارية أو صناعية أو مهنية) أو بأجر لدى الغير، وكثيرون اتجهوا لإتقان مهنة، وتمكنوا سريعاً من ذلك، وبعضهم مارس عملاً فترة سنة أو أكثر كمتدرب لدى الغير، من دون أجر أو بأجور رمزية بسيطة ريثما أتقن مهنة، ونسبة غير قليلة من هذه الشريحة تمكنوا من تكوين استقلالية في عملهم خلال سنوات قليلة من دخولهم ميدان العمل، وتجميع رصيد مالي أهّلهم للبدء بالإعداد للحياة الزوجية، في حين لايزال أبناء جيلهم الذين تابعوا الدراسة، رهن الامتحانات المتتابعة، بل كثيراً ما يتبيّن أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي جيد جداً لدى الكثير من شريحة أصحاب المهن الذين لم يتابعوا دراساتهم العالية، قياساً بالكثير من زملائهم الذين حصلوا على شهادات تعليمية عليا.
استمرار سياسة استيعاب جميع الناجحين في الشهادات الثانوية في المعاهد والجامعات الحكومية وانتشار الجامعات الخاصة، أدى إلى تضخم شريحة المتابعين لدراستهم، وبالتالي زيادة شريحة الخريجين بما يزيد كثيراً عن قدرة استيعاب الإدارات العامة لهم، المترافق بضعف القطاع الخاص الرأسمالي عن استيعابهم، وعدم قدرة الكثيرين منهم على إحداث منشآت خاصة أو شركات، ما كرَّس الشكوى من البطالة، ودفع بعضهم للهجرة خارج القطر وخاصة من حملة اختصاصات الطب والهندسات، وأدّى من جهة ثانية إلى ضعف في شريحة المتوجهين إلى الأعمال الزراعية والصناعية والمهنية، ما سبّب ضعف نمو في هذه القطاعات، وتكرس هذا الضعف نتيجة الارتفاع الملحوظ في أجور هذه المهن، ما سبّب عزوف مالكي الحيازات وورشات الصناعة والحرف عن استثمار أيدي عاملة ومهنية لا يدرّ استثمارها ريعية مناسبة، ما كرّس من جديد إضعاف الاتجاه إلى هذه المهن، ووصلت الحال إلى ضعف في أعداد ونوعية عمالها.
من المؤكد أنه من غير الجائز المطالبة بالحدّ من التوجه لمتابعة التعليم العالي، فهذا طموح مشروع للجيل ولذويه، ومن المقتضى تشجيعه، ولكن الجديد المطلوب يتجلّى بضرورة نشر ثقافة ممارسة العمل بالترافق مع التعليم ما أمكن ذلك، وفي كافة المراحل الدراسية (التعليم الأساسي والثانوي والجامعي والعالي)، وإيلاء التعليم المهني في الثانويات والمعاهد الأهمية العالية، وتحويلها لورشات تدريبية إنتاجية معاً، وتوجيه الدارسين للإعداد لتكوين فرص عمل خاصة فردية وتشاركية فيما بينهم، وضرورة تعاون جميع السلطات المعنية لاتخاذ الإجراءات وإصدار التشريعات وتوفير التسهيلات الإدارية والمالية، وإعداد البُنى التحتية التي تشجع الخريجين على التوجه للمهن الزراعية والصناعية والحرفية، والحدّ من النشاط الحر التجاري عبر المزيد من تكثيف حضور المؤسسة السورية للتجارة، وليكن على مدخل وضمن ردهات كل ثانوية ومؤسسة علمية شعاراً معلناً ومثبتاً بشكل دائم.
أيها الطلاب.. إن المؤسّسات التعليمية هي بالدرجة الأولى مكان الإعداد والتمكين العلمي بالتوازي مع التمكين العملي، فمسؤوليتنا أن نعلمكم ومسؤوليتكم أن تعدوا أنفسكم للعمل، فالعلم والعمل متكاملان، نحن نعلمكم لكي تحسنوا تأمين عمل لأنفسكم، ففي الطفولة وريعان الشباب تحتاجون لمن يرعاكم، ولكنكم بعد التخرج ستكونون معنيين برعاية من رعاكم أسرة ووطناً.

عبد اللطيف عباس شعبان / عضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية

البعث ليوم الخميس 4 / 1 / 2018

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4053394