الصفحة الرئيسية
tot1.jpg

د. مضر بركات: الأسعار.. بعيداً عن الأوهام والتنظير..

منطقياً، لا بد أن نقدر مساعي وزارة التجارة الداخلية لتحديد وضبط وربما خفض الأسعار.. لكن بنظرة موضوعية، نجزم أن مصير القرارات الصادرة في هذا الشأن هو الفشل، ببساطة، لأنها قرارات إدارية وليست حلول عملية..، بل ربما يجبأ مضر بركات القول أنه من حيث تدري الوزارة أو لا تدري فإن هذه القرارات تتحول إلى مجرد أبواب لارتزاق غالبية مراقبي الأسعار، في ظل غياب ما يضمن التزام هؤلاء المراقبين بالقانون سوى (ضمائرهم) التي أثبت الواقع أنها خيار غير موضوعي وغير ضامن..

فمثلاً.. بالنظر إلى الظروف العامة نجد أن انخفاض الإنتاج المحلي إلى حدودٍ دنيا أدى بشكل طبيعي إلى الاعتماد على الاستيراد كمصدر رئيسي لمعظم السلع التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية، الأمر الذي يعني استنزاف حيازة الدولة من القطع الأجنبي ما لم تجد الدولة بديلاً للاستيراد..، وبدلاً من العمل على إعادة عجلة الإنتاج بكل الوسائل المتاحة، لجأت الحكومة إلى (ترشيد الاستهلاك) كحل لمنع الاستنزاف، وتركت الأبواب مشرّعة أمام التجار لرفع الأسعار تحت مختلف المبررات.. الأمر الذي نتج عنه انخفاض العرض تجاه الطلب من خلال احتكار المواد والسلع، فارتفعت الأسعار بالشكل الجنوني الذي جرى، وتفاقمت الأزمة تحت نظر الحكومة والمواطن كما لو أن الأمر قدر لا يمكن تجنّبه..

بالنظر إلى الوقائع، يمكن الجزم أن استعصاء مشكلة الأسعار يكمن في منهجية الحكومة في معالجة الأسباب، وبينما بعض هذه الأسباب يعود إلى الظروف القاهرة التي تعصف بسوريا..، فإن بعضها نجم عن قرارات متخبطة وسوء تدبير في معالجة مخرجات ظروف الحرب..، وبعضها الآخر يرجع إلى عراقيل فرضتها القوانين الناظمة التي (لم تفلح) الحكومة في تطويعها بالرغم من العديد من المراسيم والقرارات التي صدرت بهدف فتح الباب أمام المعالجات الاستثنائية في هذه الظروف الاستثنائية، كما هو حال لجنة (المرسوم 126) التي كان الهدف منها تجاوز روتين التعاقد مع القطاع الخاص لتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطن، والتي تم تعطيل قرارتها عبر تشكيل ما يسمى (اللجنة المصغرة) التي لم يعرف عن قراراتها سوى أنها كانت سبباً رئيسياً في إخراج أعمال لجنة المرسوم عن مسارها، مما ساهم بشكل رئيسي في مفاقمة مشكلة الأسعار عبر استئثار اللجنة المصغرة بالقرار تحت عناوين ومسوغات تبين أنها لم تكن في صالح معالجة الأزمة، والأمثلة عديدة، كعقود الطحين والقمح التي تم تخصيصها بشركات بعينها، تبين أنها عقود تقتضي التحقيق بشأنها نظراً لارتفاع الأسعار وسوء إن لم نقل عدم صلاحية المواد المستوردة..

هنا يحق القول أننا حتى لو أحسنّا الظن بالحكومة فإنه من غير الموضوعي تبرئتها حيث تجاهلت (عن جهل أو عن عمد) مجمل الحلول الممكنة التي كان يمكن اللجوء إليها..، وإن نظرنا إلى الأمر من باب ما درجت عليه الأمور في بيئة الفساد، فإنه يصح اتهام بعض النافذين في قرار الحكومة بأنهم استثمروا مع بعض التجار في هذه المسألة لتحقيق منافع شخصية، وفي معظم الحالات لا يحتاج المراقب إلى الكثير من الجهد لينحو فكره في هذا الاتجاه في ظل المؤشرات التي يتداولها الناس في أحاديثهم اليومية..

من ناحية أخرى.. في التبريرات العديدة للمعنيين بالقرار الاقتصادي وهذا الواقع، نجدهم يتكئون على عدم إمكانية فتح الاعتمادات للمستوردين في ظل الحصار الدولي (المصرفي) على سوريا، من أجل تبرير عجزهم عن موازنة العرض تجاه الطلب..، وهذا التبرير، ببساطة، غير موضوعي بالنظر إلى الإمكانات المتاحة مثلاً من خلال الأصدقاء الإيرانيين والروس عبر توليفات تجارية-مصرفية لا تحتاج إلى عبقرية في توظيفها لحل مشكلة الاعتمادات المصرفية، بتوظيف اتفاقات المقايضة والتقاصّ والشراكات التجارية تحت عباءة القطاع الخاص وغير ذلك.. ومهما حسُنت النوايا، ليس هناك ما يشفع للمخطئين أو يبرر للمعنيين تغاضيهم عن توظيف قراراتهم في مفاقمة الأزمة ودفع أحوال المواطن إلى مزيد من التأزم والإحباط..

باختصار، وبعيداً عن الأوهام والتنظير، النوايا الحسنة لن تضبط الأسعار.. التحكم بالأسعار يقوم على تحقيق الوفرة التي توازن بين العرض والطلب.. وعليه فإن أي محاولات لخفض الأسعار خارج هذه المعادلة هي محاولات عبثية مصيرها الفشل..، والحل يعتمد على التشخيص السليم لواقع المرض، وعلينا أن نقرّ أن التخطيط والتنفيذ يتطلبان كفاءة ومؤهلات، وإلا فإن النتائج لا يمكن أن تكون على مستوى الطموح.. لأنه من المعروف أن " الحاصود وقت الجد، بيحصد بقرن العنزة "...

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2075019