الصفحة الرئيسية

عدنان بدر حلو: من "عناقيد الغضب" إلى فصل المسارين! "عاصفة صحراء" هادئة تتجمع حول سورية

يعيد فينكس نشر سلسلة مقالات منتقاة, من كتاب "تدمير سورية- المشروع المؤجّل من تسعينيات القرن الماضي" للكاتب والصحفي عدنان بدر حلو.. والغاية من إعادة نشر تلك المقالات هو قراءتها المبكرة لما يحدث في سوريا منذ نحو ست سنوات حتى اللحظة.

تنويه: كان الكاتب يوقّع سنتذاك, باسم: عدنان بدر, وهو الاسم الذي اقترحه عليه الشهيد غسان كنفاني.

 

نصّ المقال:

 

خلال الأشهر القليلة الماضية كتبنا أكثر من مقال في "القدس العربي" حول التطورات المحتملة على مسار التسوية السوري-الإسرائيلي، وكنا نحذر فيها كلها من حصول نوع من "عاصفة صحراء" جديدة ضد سورية، باعتبار أن تعامل الطرفين الأمريكي والإسرائيلي مع هذا المسار يوحي بوجود قناعة لديهما بأن الأمور السورية ما تزال "غير ناضجة" وفقا للمواصفات التي يسعيان لتوفرها في الشريك المفاوض قبل إنجاز التسوية معه.

وكنا نستند في توقعاتنا هذه إلى أن ما يعرضه الجانب الإسرائيلي على الجانب السوري في مفاوضاتهما المستمرة منذ الانعقاد الأول لمؤتمر مدريد حتى الآن، ما يزال بعيدا جدا عن الحد الأدنى الممكن قبوله أو حتى التعامل معه بجدية من قبل سورية.. واقتطفنا ذات مرة تعليقا لأحد كبار المعلقين الإسرائيليين يصف فيه العروض الإسرائيلية لسورية بأنها "شروط استسلام مهينة وليست عروض سلام".

يضاف إلى ذلك أن استمرار الولايات المتحدة في إدراج سورية على قائمة الدول الراعية للإرهاب وتجارة المخدرات يتعارض بصورة جذرية مع ما يبديه المسؤولون الأمريكيون من حرص على الدور الهام للشريك السوري في مفاوضات التسوية.. ومع تعاقب زيارات وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر لدمشق حوالي العشرين مرة، إضافة إلى لقاءات الرئيس كلينتون واتصالاته مع الرئيس الأسد.

وقلنا مرة إن كون سورية ما تزال سليمة إلى حد ما وقادرة على التردد، وكون القوات المسلحة السورية ما تزال تشكل قوة جدية (لم تتعرض بعد "لعاصفة الصحراء" التي تعرضت لها القوات المسلحة العراقية، ولا لعملية التقزيم الساداتية التي تعرضت لها القوات المسلحة المصرية) فإن احتمال الإقدام على عمل عسكري إسرائيلي تجاه سورية أو إحدى الساحات المؤثرة والمتأثرة في الوضع السوري كالساحة العراقية أو اللبنانية (واحتمال فصل المسارين بالنسبة للأخيرة) يبقى مرجحا قبل الانتخابات الإسرائيلية.

نستعيد الآن كل هذه الإشارات والتوقعات السابقة، ونحن نتابع نتائج عملية "عناقيد الغضب" العدوانية التي قامت بها إسرائيل ضد لبنان خلال شهر نيسان الماضي.. لأنه يتضح يوما بعد يوم أن نتائج العملية المذكورة تصب، ومن جهات عديدة في طاحونة "عاصفة صحراء" (هادئة أو ناعمة الملمس) تهب على سورية بهدف مضاعفة الضغط على صنع القرار هناك، أو حتى للوصول إلى التفجير العسكري المباشر على الجبهة الإسرائيلية- السورية، سواء في سورية نفسها أو في أماكن تواجد القوات السورية فوق الأراضي اللبنانية.. وهو الأمر الذي كان يخشى أن يحصل في مرحلة ما من مراحل عدوان "عناقيد الغضب" وكان واضحا أن القيادة السورية عملت على تجنبه من خلال تجنب إشراك الوحدات السورية العاملة في لبنان في التصدي للعدوان الإسرائيلي الذي جرى توقيته بعد أيام فقط من الإعلان عن اتفاق التعاون العسكري بين كل من إسرائيل وتركيا، وهو تعاون موجه بالدرجة الأولى ضد سورية.

ماذا في نتائج عناقيد الغضب؟

أولا: لقد نجحت الدبلوماسية الدولية- رغم معارضة القيادة السورية- في تحويل اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله" في الجنوب اللبناني إلى "اتفاق للتفاهم" بين الدولتين العبرية واللبنانية، تحت رعاية وإشراف مجموعة دولية تضم الولايات المتحدة وفرنسا بالإضافة لسورية وإسرائيل والدولة اللبنانية.

ثانيا: إن هذا "الاتفاق" الذي حصل على مباركة إيران (لأسباب كثيرة تتعلق بالدور الأوروبي في كسر طوق العزل الأمريكي عن طهران، والدور "السياسي" اللاحق لإيران في لبنان بالذات من خلال الدور السياسي، البديل عن الدور العسكري، الذي سيعطى لحزب الله) قد أدى عمليا إلى إغلاق ملف الصدام العسكري في جنوب لبنان، متحولا بالفعل وبالإشراف الدولي، إلى نوع من "فصل القوات" في تلك الجبهة.. الأمر الذي يجرد المفاوض السوري من ورقة ساخنة كانت تشكل دعما هاما لموقفه التفاوضي سواء في مدريد أو واشنطن أو غيرهما من أماكن الاجتماعات التفاوضية السورية- الإسرائيلية.

ثالثا: إن "فصل القوات" على هذه الجبهة اللبنانية – بعد الخراب والدمار اللذين خلفهما العدوان الصهيوني دون أي تصد عربي له- وما تلاه من تشكيل هيئة دولية للإشراف على إعادة الإعمار تضم فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا، قد خلق مناخا جديدا في لبنان جوهره الانصراف شبه العام عن الشؤون القتالية، والانخراط شبه الكلي في ورشة إعادة الإعمار... وهو مناخ مترافق تماما مع ما خلفه الاستفراد الإسرائيلي بلبنان من "مرارة وطنية" لبنانية، زاد من تأجيجها ما شهدته أيام العدوان من تضامن وطني شامل في الأراضي اللبنانية كلها، بشكل لم يسبق له مثيل في أي فترة سابقة.

إن هذه الروح الوطنية المجيدة والمتجددة في المجتمع اللبناني (موقف البطريرك الماروني الذي اعتبر إسرائيل عدوة لكل اللبنانيين، ومؤتمر فندق "أليكسندر" الذي ضم زعماء المنطقة الشرقية مع قيادات من "حزب الله" وبيروت الغربية ومعظم الفئات اللبنانية.. وافتتاح مركز تلقي التبرعات للجنوب في كنيسة مار الياس أنطلياس.. وغير ذلك).. إن هذه الروح، قد شابها شيء من السلبية والمرارة تجاه التقصير العربي الفاضح في المعركة التي استأثرت بالكثير من الاهتمام والتضامن الدوليين.

رابعا: في أجواء هذه المناخات اللبنانية والدولية، بدأ الحديث يتواتر عن مشروع دولي لتطوير "اتفاق التفاهم" إلى اتفاقية إسرائيلية – لبنانية – دولية، توفر للدولة العبرية الأمن المضمون على الحدود مع لبنان، مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من الشريط الحدودي في الجنوب والبقاع الغربي، على أن يبنى، انطلاقا من ذلك، موقف دولي ضاغط على سورية باتجاه سحب قواتها من لبنان، بعد زوال مبرر وجودها في أعقاب انسحاب القوات الإسرائيلية وبسط سيطرة السلطة اللبنانية المدعومة دوليا.

علما بأن ثمة جهات فاعلة في الدولة اللبنانية ذات نزوع قوي للتعاون مع الرياح المتوقع أن تهب في هذا الاتجاه... ويذكر أن الحكومة اللبنانية كانت قد حركت بعد اتفاق 1993 بعض الوحدات العسكرية باتجاه المنطقة الجنوبية دون تشاور مع دمشق، الأمر الذي أدى في حينه إلى كثير من اللغط حول دوافع تلك الخطوة وأهدافها وأدى إلى تجميدها!

وليس من قبيل المصادفة إطلاقا أن يشير وزير شؤون التسوية في الحكومة الإسرائيلية يوسي بيلين مرتين خلال المفاوضات المتعلقة بعدوان "عناقيد الغضب" إلى استعداد حكومته لتقديم تعهد خطي بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية. وكذلك حديث شمعون بيريس المتكرر في واشنطن وباريس ضمن السياق نفسه.

خامسا: في ظل هذه الأجواء الضاغطة على الموقف التفاوضي السوري تلوّح الصحافة الإسرائيلية باحتمال الصدام العسكري مع سورية، فيما يتحدث وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر عن تردي العلاقات الأمريكية- السورية وعن شكوكه "إزاء قدرة الرئيس السوري حافظ الأسد على تحقيق سلام مع إسرائيل"... وكان المعلق الأمريكي توماس فريدمان قد تحدث قبل أيام في تعليق له على نتائج "اتفاق التفاهم" اللبناني–الإسرائيلي عن احتمال تطور علاقات كلينتون – الأسد باتجاه (مشابه ل) تطور العلاقات الأمريكية- العراقية خلال فترة رئاسة جورج بوش ( وهو تهديد مبطن باحتمالات "عاصفة صحراء" جديدة ضد سورية).

ترى.. ماذا يمكن أن يكون وراء كل هذه المؤشرات غير التصعيد في عملية الضغط والتطويق التي تتعرض لها سورية بهدف "قولبتها" وفقا للمواصفات الإسرائيلية- الأمريكية المسبقة لشريك مطيع في سياق منظورهما الخاص لعملية السلام على الجبهة السورية... وهو مشروع يهدد الكثير من أسس البنية الحالية للنظام السوري العسكرية منها أو السياسية أو الاقتصادية؟   فهل تدرك القيادة السورية خطورة هذه "العاصفة" الداهمة ( ولو بشيء من الهدوء والنعومة)... وتبادر لاتخاذ كل ما يلزم من الاستعداد لمواجهتها... وبالذات على صعيد التعبئة الوطنية والقومية الشاملة... التي تستدعي أول ما تستدعي الانفتاح الداخلي والمصالحة الوطنية وبلورة حالة قومية جديدة مفتاحها أخذ المبادرة الجدية لكسر طوق الحصار عن العراق، عمق سورية الاستراتيجي والطبيعي، وموضوع تعاطف الجماهير العربية من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق؟.

 

من كتاب "تدمير سورية" دار نون4-ط1 نيسان 2014.
نُشرت المقالة, للمرة الأولى في صحيفة "القدس العربي" بتاريخ 8 أيار 1996

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2068793