تتمة مذكرات غزوة عائشة أم المؤمنين 2013/8/4 بريف اللاذقية

طلال سليم

الجزء الثالث عشر

حملوا جثامينهم ومضوا إلى اللاذقية وردموا الحفرة كما كانت.
وانتهينا من فتح جميع المقابر الجماعية بقرية (الحنبوشية) (وصليب بلوطة), واتجهنا نحو قرية (بلوطة) كانت القرية مهجورة وكئيبة بضع رجال منها يمشون مع الدفاع المدني ومدير مخفر صلنفة
اتجهنا إلى الجهة الغربية حيث بيت (غدير ديب) الذي قتل مع زوجته (حسنة مريم) وخطفوا أطفاله. وعلى درج أحد الأبنية, وجدت عجوزاً مرمية على درج بناء, مقتولة بدم بارد, إنها (أم محمد بدور) أم غدير ديب. عدنا إلى وسط القرية باتجاه بيت (كريم سليم), وجدناه مذبوحاً وسط أرض بيته ومغطى ببطانية مع إمرأة من القرية نفسها كانت أيضاً مذبوحة, ورأينا جثثاً لرجال عجزة مقتولين في فُرشهم منهم العجوز (ابراهيم علي) وأخوه (كامل علي).. و جثث لنساء عجزة (سكينة ديب). لم أعد أتذكر كل الأسماء, فالقرية منكوبة ومنهوبة, سرقوا منها جميع ماتحتويه من آلات وعدد زراعية.

في كل مكان تشم رائحة الموت والجثث المتحللة, فيما الكتابات البغيضة تعلو الجدران (جئنا لإبادتكم), أنهت الجهات المختصة تفقد القرية وتتبع الروائح للكشف عن باقي الجثث. بقيت في القرية حتى الغروب أتفقد كل شيء, هنا على زاوية السطح كان يقف أبي يدرج لفافة التبغ ويشرب الشاي, هنا كانت زوجتي تسقي شتلات الفاصولياء, هنا كان يلعب ابني "وجد", هنا كانت تعزف "لجين" على الكمان, هنا كانت "حنين" تمسك يدي لنمشي مشواراًأمام البيت, هنا كان يسرج أخي حماره ويمضي لقطف التبغ في الصباح الباكر (كاسر) مع أمي, وهنا قتلوه ومثّلوا بجثته, كان بعين واحدة إذ فقد عينه منذ عشرين عاماً, كان نحيلاً كغصن يابس, طيباً نقياً كنبي, يجوب البراري يقطف الزعتر يبيع البيض لآل "دورين" و"سلمى" يقطف السمّاق والبطم ,لايتوقف عن العمل في الأرض لحظة واحدة, وبسبب وضعه الصحي البائس أعفي من الجيش ولم يحمل في يوم من الأيام أي سلاح, أفرغوا كل حقدهم بجسده الهش المريض..
أما أخي ناظم سليم, ذاك الفلاح الذي كان يعتاش على بقرتيه الهولنديتين ويربي النحل فقد سرقوا مزرعة أبقاره وبيكاب kia .وخطفوا زوجته الممرضة, ولم نر له أثر ضمن المقبرة الجماعية
وجاثم, أخي الرجل الفقير الذي هرب فجر المجزرة مع عمه وبعد أن وصل لمنطقة آمنة قرر العودة لبيته لأنه نسي هويته ويجب أن يحملها معه وهو أيضاً عاجز بنسبة كبيرة. عند وصوله للقرية أفرغوا كل رصاص الكون بجسده..
أ,تنقل في كل زاوية هناك ذكريات أُحرقت بيوت دُمّرت
هنا بيت ابن عمي (سمير سليم) المربي الفاضل وزوجته (بسيمة التزة) آنسة المدرسة التي لم يذكر يوماً إسمها إلا بجلالة
مربية طاهرة غنية عن التعريف
وجميع أبنائها متميزون, فابنها الوحيد (حيدر سليم) كان يدرس الهندسة الميكانيكية بجامعة تشرين, وكان الثالث على كل زملائه في الكلية, كان متميزاً خلوقاً, كان نصيبه مع أبيه وأخته طالبة الشرعية (رزان سليم) القتل... فيما أُمّهم مغيّبة لانعرف عنها شيئاً..
هنا ابن عمي الآخر (عذاب سليم), مزارع أيضاً, يسكن هو وزوجته و ابنه ذو العام الواحد, قتلوه مع أمه وزوجته, وخطفوا ابنه الوحيد..
كيفما تجول عيني تلال من الدماء تصرخ أين الجيش؟
في المساء جاء رجال الدفاع الوطني, وانتشروا ضمن البيوت المهجورة, وكانت كلماتهم أكبر من أفعالهم: سنبيدهم سنمحوهم س س س....
أغلبهم مرتزقة, عاطلون عن العمل, فارون من الجيش النظامي, وأغلبهم سجلاته غير نظيفة, يرتشون, يتاجرون, يعفّشون, يسرقون, ويتحدثون عن الوطن والأخلاق وحكم الإمام علي ووصاياه..
جلست مع بعضهم, مما يسمي نفسه قائد مجموعة, وأوصيته ببيوتنا, فكلها أبوابها مخلّعة, وكل شقاء العمر فيها, ونحن أهلنا إما قتيل أو مهجّر أو مخطوف.. والجميع أقسم أنه سيحميها, والجميع, وكي لا أكذب 99،99%, تحوّل إلى لص, وأمام ناظريك, وحين تشاجرت معهم ووصل الأمر للعراك بالأيادي, صاروا يصرخون: (تركتم بناتكم ونساءكم مع المسلحين وتمنعوننا من أكل طاب تين؟؟).. طاب التين؟ هو جرة غاز, أسلاك كهرباء مسحوبة من جدرانها, براد وكل ماتصل إليه يدهم..
وصل إلي قائدهم النقيب أو المقدم (أحمد حمودة), على ما أذكر وإن كان غير هذا الأسم أرجو التصويب
وأمرني قائلاً: غادر المكان, لأنك ستقتل بأي لحظة, ولست مسؤولاً عن موتك
قلت: نحن بين نارين, المسلحون يقتلون, وعناصرك يسرقون كل شيء
قال: قلت لك إترك القرية, نحن نحميها, و أكرر موتك ثمنه رصاصة, رصاصة فقط, ولا أحد يسأل لماذا مت, المسلحون مازالوا ضمن الجبال والجميع سيقول من قتلك مسلح..
تركت القرية في المساء, ونزلت نحو اللاذقية, وبركان القهر يتسع يتسع ويقول: آه ياوطن

2019/9/1
#طلال

يتبع

September 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 1 2 3 4 5
عدد الزيارات
8150359

Please publish modules in offcanvas position.