يحيى زيدو: في غيرة المرأة (المثقفة) - موضوع للنقاش

أتذكر أنه في تسعينيات القرن الماضي، كانت إحدى الزميلات الجميلات تقدم أحد المحاضرين بطريقة محببة لفتت الحاضرين، و بعد انتهاء المحاضرة تقدمت منا إحدى المدرسات أ يحيى زيدو(تحمل درجة دكتوراه) و قالت و هي تمط شفتيها: ”هي البنت حواجبها مرسومين مو طبيعيين.. مو كتير يطير عقلكون فيها..!“. و كأن عقل الست الدكتورة لم يعقل من المحاضرة سوى حاجبي زميلتنا الجميلة.
يا لغيرة النساء..
قليلات هن النساء اللواتي صادفتهن و كن على تصالح مع بنات جنسهن. هنا أتحدث عن النساء اللواتي دخلن عالم الثقافة من موقع المنتج لنصوص شعرية أو نثرية أو روائية أو قصصية أو مسرحية، أو نساء عرفن النجاح و الريادة في مهن تتطلب مهارة و ذكاء كالمهن الطبية، و الهندسية، و الإدارية. أما النساء اللواتي لم يقدر لهن الحصول على نصيب وافر من المعرفة أو الثقافة يسمح لهن بوعي ذواتهن فلسن مقصودات هنا، لأن المجتمع الذي قام بتنميط أدوار المرأة حصر مجال منافسة أولاء النساء في أمرين: هما الرجل و المال، و ما يرتبط بهذه المنافسة من مظاهر و أنماط سلوك لها علاقة بأعراف و تقاليد المجتمع، و بالوعي المنبثق عن ذلك.
لكن المرأة التي يقال عنها ”مثقفة“، و التي يجب أن تكون مثالاً، لم تتصرف تجاه بنات جنسها إلا كما تتصرف النساء الجاهلات في الغالب، باستثناء قلة قليلة من المثقفات المتصالحات مع أنفسهن.
فالنساء اللواتي يعملن في المهن العالية (العلوم الطبية، الهندسات، إدارة الأعمال) غالباً ما يتهمن زميلاتهن في المهنة بأنهن أقل مهارة منهن، و لا يقلن الأمر نفسه عن الزملاء الرجال.
الأمر نفسه ينسحب على كثير من النساء في حقل الثقافة، فعندما تكتب إحداهن في حقل ثقافي أو عندما تبدع في مجال من مجالات الفن فإنها تعتبر نفسها أيقونة هذا المجال، و الويل كل الويل لأية أنثى تقرر المغامرة و تدخل هذا المكان، فسكاكين بنات جنسها بالانتطار، و هنا لا يتم الاكتفاء بتتفيه ما تكتب أو التقليل مما تبدع، بل قد يمتد الأمر إلى حياتها الخاصة، و قد تصل إلى حد الاتهام بأخلاقها.
و من يشحذن سكاكيهن أو مخالبهن لتمزيق أنثى مثلهن تراهن وديعات لطيفات مبتسمات و مرحبات بالزملاء الذكور، ربما لأنهن لا يشعرن بالغيرة منه أو المنافسة معه، بل قد يجدن فيه شريكاً و ربما سنداً لهن في مواجهة المرأة القادمة إلى ممالكهن المتخيلة.
إن قدوم امرأة جديدة قد يشعل غيرة كثيرات من النساء اللواتي سبقنها إلى هذا الحقل الثقافي و الإبداعي أو ذاك، و قد تتحول الغيرة إلى حقد يتعاظم مع كل نجاح لها. ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏و هنا تلجأ أولاء النسوة إلى سيرة الأفعى، فيبدأن التلصص عن طريق التواصل من باب الفضول، و المراقبة المباشرة أو غير المباشرة عن طريق عيون أخرى، من أجل استثمار كل تغير أو تطور في جلسات نميمة مع أصدقاء، مشتركين أو مهتمين، بهدف التقليل من قيمة الإبداع الوافد، و الإساءة إلى المرأة صاحبة الإبداع نفسها، و يبلغ الأمر في بعض الأحيان حدود التنمر و الأذى بكل الأشكال الممكنة، و في المقدمة الاتهامات الأخلاقية في مجتمع لا يغفر مثل هذه التهم.
نزعة عدم الرغبة بالتشابه ربما كانت خاصية انسانية، لكنها عند المرأة تكتسب خصوصية تصل حدود الكيدية الرخيصة، فترى المرأة التي تغار تسعى دائماً للظهور بمظهر المختلف في السلوك، و القول، و اللباس، و الأشياء التي تقتنيها، و الأماكن التي ترتادها، و هي تستبطن في عقلها الباطن محاولة قتل صورة المرأة التي تغار منها، و التي لم تستطع أن تبلغ مستواها في الشكل أو المضمون، أو التي تخشى من إمكانية أن تتجاوزها في المستقبل.
فهي تغار من صورة امرأة مع ابنها و ترى فيها نوعاً من الكيدية من المرأة الأخرى لأنها لم تحظَ بزوج أو ولد، و قد يدفع هذا الأمر بكثيرات للزواج بأي عابر من أجل إنجاب ولد قبل أن تنتهي صلاحية رحمهن، و بالتالي أنوثتهن كما يفهمن الأنوثة ، و ربما تبالغ إحداهن في مظاهر البذخ لإفهام امرأة أخرى أنها تحوز ما لا تخوزه غيرها.
عدم توقف بعض النساء عن محاولات تشويه بنات جنسها، و الإساءة إليهن يعكس انعدام الثقة بالذات أكثر من كونه يعكس طبيعة أنثوية تقوم على الرغبة بالتفرد و عدم التشابه. و ربما لهذا السبب تعيد المرأة المثقفة إنتاج السلوكيات ذاتها التي تنتجها المرأة الجاهلة.
و إذا كنا نستطيع أن نتفهم ما تقوم به المرأة الجاهلة فإننا لا نستطيع أن نقبل ما تقوم به امرأة يجب أن تكون
نموذجاً و مثالاً.
إن نجاح امرأة يجب أن يكون نجاحاً لكل النساء، و الأولى بتشجيع هذا الأمر هن النساء قبل الرجال.
فلا أحد يسرق الضوء من أحد إذا كان الضوء منبثقاً من داخله، أما الذين يعتمدون على الإبهار بما هو خارج عن الذات فهم أعداء الضوء دائماً.

* اللوحة للفنان السوري جميل بيرم.
............
** أرجو أن لا يفهم المنشور كأنه تعميم على المرأة بشكل عام، أو على المرأة المثقفة بشكل خاص. أنا أتحدث عن حالات فاقعة، و ربما يعرفها كثيرات من النساء اللواتي أفخر بصداقتهن و بإبداعهن و انسانيتهن.

July 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
7119457

Please publish modules in offcanvas position.