عدنان بدر حلو: رواية ال (سي آي إيه) لعملية اغتيال السادات!

"أسلحة السي آي إيه السرية... تعذيب، تسلط وأسلحة كيميائية" عنوان كتاب للمؤلف البريطاني غوردن توماس الذي يعتبر من كبار الاختصاصيين فيأ عدنان بدر حلو الكتابة التحقيقية عن المخابرات الأمريكية والإسرائيلية (أكثر من أربعين كتابا). يتناول موضوعين رئيسين متداخلين مع بعضهما:
الأول: هو النشاطات السرية للمخابرات الأمريكية في مجال بحوث وصناعة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وغسل الأدمغة، بكل ما تخلله ذلك من جرائم تقشعر لها الأبدان وفي صلبها جلب الأسرى والسجناء من فيتنام لإجراء التجارب عليهم ثم قتلهم.
والثاني: هو الأدوار التي لعبها (في هذه البحوث وفي غيرها) وليم بكلي الذي يعتبر واحدا من كبار رجال المخابرات المركزية، وكان آخرها رئاسته لمحطتها في بيروت حيث تم اختطافه بتاريخ 16 آذار 1984 على أيدي عناصر يقول الكاتب إنهم تابعون ل "حزب الله". وقد توفي لاحقا دون أن تتمكن الأجهزة الأمريكية حتى من الحصول على جثته.
من بين هذه الأدوار يتوقف صاحب الكتاب أمام دور ملفت بشكل خاص، هو إشرافه على تدريب الحرس الشخصي للرئيس المصري أنور السادات ووجوده على مقربة منه في المقصورة الرئاسية على منصة الاستعراض عند اغتياله.
أما كيف جرى ذلك فيرويه الكاتب نقلا عن بكلي نفسه:
"مهمته هذه المرة كانت الإشراف على تدريب الحرس الشخصي للرئيس المصري أنور السادات. وكان قد التقاه في زيارة سابقة لمصر برفقة رئيسه وليم كيسي وافق خلالها الرئيس المصري بكل امتنان على عرض رئيس المخابرات المركزية أن يتم تدريب حرسه الشخصي من قبل السي آي إيه.
وفي السادس من تشرين الأول /أكتوبر 1981 كان بكلي جالسا في عمق المقصورة الرئاسية من المنصة المشرفة على العرض، وتحته على الجانب الأيمن كان يجلس الرئيس أنور السادات مرتديا بزة القائد الأعلى للقوات المصريةنتيجة بحث الصور عن اغتيال السادات.
كان بكلي يعلم أن الرئيس السادات يواجه مزيدا من المشاكل في تحمله للعزلة التي فرضها عليه جيرانه العرب. فالرئيس السوري حافظ الأسد كان قد أعلن صراحة عن عزمه، إذا ما تمكن، على خنق السادات بيديه لأنه تعهد بألا يسمح لمصر أن تشهر السلاح مرة أخرى في وجه إسرائيل. ومن جهته قام الملك حسين، وهو الذي كان لسنوات طويلة المخبر الأشد حماسة للسي آي إيه في الشرق الأوسط، بإبلاغ واشنطن أنه لن يدعم السادات أبدا في حال تعرضه لهجوم.
وكان بكلي أيضا متأكدا من أن أحدا غيره في المقصورة لا يعلم أن ملك المغرب الحسن الثاني كان أيضا مخبرا هاما لدى الوكالة، وقد جرى تجنيده فيها منذ مطلع شبابه. وعند تتويجه عام 1961، أوكل للمخابرات المركزية مهمة تدريب جهاز حمايته. ورتب مقابل ذلك أن يصبح المغرب موقع التنصت الرئيس لل"سي آي إيه" وال "إن إس إيه" في شمال أفريقيا. وقد وضعت الأخيرة في جبال الأطلس أجهزة التنصت الأمريكية الأكثر تطورا ووجهتها نحو ليبيا. كما تم توجيه أحدث معدات التجسس نحو جبل طارق لتلتقط جزءا كبيرا من المعلومات البريطانية، وتجاوزت ذلك إلى عمق المحيط الأطلسي للتنصت على اتصالات القطع البحرية السوفييتية.
كان السادات يقول إن حياته أو موته يتوقفان على مشيئة الله. لكنّ بكلي نبه الحرس إلى وجوب ألا يتركوا لهذه التوكلية الإيمانية أن تؤثر على مهمتهم.
وفجأة قام رتل المشاة الذي كان يسير خلف آخر دبابة بتغيير اتجاهه. فنهض بكلي واقفا على الفور متحسسا سلاحه الشخصي المعلق في حمالة كتفه وهو يصرخ “أطلقوا النار.. أطلقوا النار"! لكن صوته ضاع في ضجيج إطلاق النار الكثيف بينما كان يحاول أن يشق طريقه. لكن الحراس ظلوا جامدين وهم يحدقون بمطلقي النيران الذين وصلوا إلى مقربة منهمنتيجة بحث الصور عن اغتيال السادات.
"أطلقوا النار". غير أن أوامر بكلي بقيت بدون استجابةّ وقد اقتحم المهاجمون المنصة.
"اختاروا أهدافكم.. اختاروا أهدافكم".. صاح بكلي مجددا. فيما كان المهاجمون يسددون على الحشد المذهول وعلى الرئيس، وبكلي محاصر وغير قادر على الرد.
سقط السادات فوق مقعده. وعندها فقط تمكن الحرس من تشكيل طوق أمان واشتبكوا وجها لوجه مع المهاجمين. كما بادر عدد من الجنود المشاركين في العرض إلى تقديم المساعدة فوقع المهاجمون بين نارين، لكن بكلي أدرك أن الأوان قد فات. كانت نظرة منه كافية لإدراك أن الرئيس قد انتهى! كانت الدماء تتدفق من فمه وأنفه وأذنيه وصدره.
وبما أنه لم يعد بإمكانه القيام بأي شيء، توجه بكلي نحو حرم السفارة الأمريكية! حيث كان هناك خط مفتوح مع وزارة الخارجية وكان أحد الدبلوماسيين يصرخ في الهاتف: "إنه ما يزال على قيد الحياة. المصريون يقولون إنه ما يزال حيا".
راح بكلي يتحرك في المكتب جيئة وذهابا وهو يهز راسه ويتمتم قائلا: "مات مات". فأشار له الدبلوماسي أن يغادر المكتب.
هز بكلي كتفيه وانتقل إلى مكتب المخابرات المركزية في الجانب الخلفي من بناء السفارة. كان رئيس المحطة على الخط يتحدث إلى جون ستاين، المساعد الجديد لرئيس العمليات في لانغلي (المقر المركزي للسي آي إيه بالقرب من واشنطن) وكان يقول له: "آخر الأخبار تقول إنه حي". صرخ بكلي: "لقد مات".
فأعاد رئيس المحطة الكلام قائلا: "يقول بكلي إنه قد مات". وهنا طلب بكلي السماعة وراح يشرح لستاين بهدوء شديد كل ما شاهده.. كان يدرك أن الأخير يسجل كتابة ما كان يسمعه منه. هذا هو نموذج ستاين الذي يحتفظ بهدوئه وبرودة أعصابه ولا يطرح غير الأسئلة الضرورية مهما كانت درجة خطورة الحالة.
وعندما انتهى بكلي من كلامه طلب منه ستاين أن يمتطي أول طائرة متوجهة إلى واشنطن!" (ص 418...422). النسخة الفرنسية من الكتاب الصادر عام 2006.
هذه الرواية المخابراتية الأمريكية تطرح الكثير من الأسئلة:
1- لماذا لم يسبق لأحد من المصريين، المسؤولين وغير المسؤولين، الذين تعاملوا مع اغتيال السادات التطرق إلى معلومة أن المخابرات المركزية الأمريكية كانت مشرفة مباشرة على تدريب الحرس الشخصي للرئيس المصري؟
2- ما هي المسؤولية التي تتحملها المخابرات الأمريكية تجاه فشل هذه الحماية؟
3- لماذا طلب من بكلي أن يغادر القاهرة على الفور وهو المسؤول المباشر عن فريق الحماية؟
4- أما كان عليه البقاء لمتابعة التحقيق، أو على الأقل لتقديم شهادته وهو الشاهد المباشر ومن موقع شديد القرب لموقع الرئيس المغدور؟
5- ترى هل كان بكلي بالفعل مشرفا على حماية السادات؟ أم كان مشرفا على اغتياله؟

August 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 31 1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
عدد الزيارات
7612983

Please publish modules in offcanvas position.