علي سليمان يونس: في ذكرى اغتصاب فلسطين.. تذكير بإعدام كوهين

في يوم احتفال (إسرائيل) باغتصابها لفلسطين, من الضروري تذكيرها بإعدام كوهينكامل أمين ثابت....
الياهو بن شاؤول كوهين تولد الإسكندرية (26 كانون أول عام 1924 م)، ‏ نشأ وترعرع في الإسكندرية وانضم في شبابه عام 1944 م إلى منظمة الشباب اليهودي الصهيوني في الإسكندرية وكان متحمسا للسياسة الصهيونية ضد البلاد العربية،‏ وبعد نكبة 1948 اخذ يدعو مع غيره من أعضاء المنظمة لهجرة اليهود المصريين إلى فلسطين وبالفعل في عام 1949‏ م هاجر أبواه وثلاثة من أشقائه إلى إسرائيل بينما تخلف هو في الإسكندرية.‏

وقبل ان يهاجر إلى (إسرائيل) عمل على مساعدة اليهود في الهجرة إلى إسرائيل،‏ ولست في صدد سيرته في مصر.. على كل خرج من مصر‏ إلى (إسرائيل) عام 1955‏ م حيث التحق هناك بالوحدة رقم ‏131‏ بجهاز أمان (المخابرات العسكرية لجيش العدوان الإسرائيلي‏) ثم أعيد إلى مصر‏, واعتقله المصريون مع بدء العدوان الثلاثي على مصر في تشرين أول ‏1956.‏ وبعد الإفراج عنه هاجر إلي إسرائيل عام 1957‏م، حيث استقر به المقام محاسبا في بعض الشركات‏,‏ وانقطعت صلته مع "أمان" لفترة من الوقت‏,‏ ولكنها استؤنفت عندما طرد من عمله‏ وعمل لفترة كمترجم في وزارة الدفاع الإسرائيلية, ولما ضاق به الحال استقال, وتزوج من يهودية من أصل مغربي عام 1959م.

وقد رأت المخابرات (الإسرائيلية) في إيلي كوهين مشروع جاسوس جيد فتم إعداده في البداية لكي يعمل في مصر‏,‏ ولكن الخطة ما لبثت أن عدلت‏، وكان الرأي أن أنسب مجال لنشاطه التجسسي هو دمشق‏.‏ وبدأ الإعداد الدقيق لكي يقوم بدوره الجديد‏,‏ ولم تكن هناك صعوبة في تدريبه على التكلم باللهجة السورية‏,‏ لأنه كان يجيد العربية بحكم نشأته في الإسكندرية‏.‏

رتبت له المخابرات الإسرائيلية قصة ملفقة يبدو بها مسلماً يحمل اسم (كامل أمين ثابت) هاجر وعائلته من سورية إلى الإسكندرية ثم سافر عمه إلى الأرجنتين عام 1946 م حيث لحق به كامل وعائلته عام 1947م وفي عام 1952م توفى والده في الأرجنتين بالسكتة القلبية كما توفيت والدته بعد ستة اشهر وبقى كامل وحده هناك يعمل في تجارة الأقمشة. وتم تدريبه على كيفية استخدام أجهزة الأرسال والاستقبال اللاسلكي والكتابة بالحبر السري, كما راح يدرس في الوقت نفسه كل أخبار سوريا ويحفظ أسماء رجالها السياسيين والبارزين في عالم الاقتصاد والتجارة. مع تعليمه أصول الآيات القرآنية وتعاليم الدين الإسلامي.

وفي‏ 3‏ شباط ‏1961‏ م غادر إيلي كوهين إسرائيل إلي زيوريخ‏,‏ ومنها حجز تذكرة سفر إلي العاصمة التشيلية سانتياجو باسم كامل أمين ثابت‏، وفي الأرجنتين استقبله عميل إسرائيلي يدعى (أبراهام) حيث نصحه بتعلم اللغة الإسبانية حتى لا يفتضح أمره وبالفعل تعلم كوهين اللغة الإسبانية وكان أبراهام يمده بالمال ويطلعه على كل ما يجب ان يعرفه لكي ينجح في مهمته.

وبمساعدة بعض العملاء تم تعيين كوهين في شركة للنقل وظل كوهين لمدة تقترب من العام يبني وجوده في العاصمة الأرجنتينية كرجل أعمال سوري ناجح‏ فكون لنفسه هوية لا يرقى إليها الشك,‏ واكتسب وضعا متميزا لدي الجالية العربية في الأرجنتين‏,‏ باعتباره قوميا سوريا شديد الحماس لوطنه وأصبح شخصية معروفة في كل ندوات العرب واحتفالاتهم‏‏.

صدرت إليه الأوامر بارتياد النادي العربي في (بوينس أيرس) للتعرف على بعض السوريين، وممن تعرف عليهم (ع ا خ) رئيس تحرير جريدة "العالم العربي" التي تصدر باللغة العربية، وقادته هذه المعرفة إلى التعرف على بعض رجال الأعمال السوريين وحضور الكثير من الحفلات التي تقيمها الجالية العربية والبعثات الدبلوماسية وبناء على توجيهات مدربه، أخبر كوهين (ع ا خ) في شهر أيار عن نيته القيام بجولة في بعض الدول العربية للترويج للشركة السياحية التي يعمل فيها، وزوده (ع ا خ) برسائل إلى أصدقائه ومن بينها رسالة إلى ابنه (ك) في دمشق يوصيه فيها الاهتمام ب"كامل أمين ثابت".

عاد كوهين في شهر كانون الأول 1961 إلى تل أبيب، وتم تدريبه على الاستقبال بواسطة مسجلة, أما الإرسال فبواسطة جهاز إرسال، وتم تدريبه، أيضاً، على الأجهزة التي سوف يدخلها معه إلى سورية. غادر كوهين مجدداً تل أبيب إلى أوربا، وفي مطلع الشهر الأول من عام 1962 تم في مدينة (جنوة) تعريفه على عميل حلف الناتو وعميل ال C.I.A السوري (م ش ا)، وهنا سلَم المسؤول عن ترتيب لقاء التعارف ل (م ش ا) سيارة من نوع أوبل خبئت فيها أجهزة التجسس التي اصطحبها معه كوهين، وفي أوائل كانون الثاني 1962م أبحر العميلان < حيث تم التعارف على أن كامل أمين ثابت عميل في حلف الناتو > مع السيارة على متن الباخرة (اسبريا) من (جنوة) ووصلا ميناء بيروت في 8/1/1962 م.
اتصل (م ش ا) صباح اليوم الثاني من وصولهما إلى بيروت مع صديقه الموظف في الأمن العام (ن ا و)، وطلب منه ضرورة الحضور إلى مركز الحدود في جديدة يابوس لمساعدته بإدخال سيارته، وتم الاتفاق بينهما على أن يكون بانتظاره صباح يوم 10/1/962 م, وبهذه الطريقة تم دخول كوهين مع أجهزته إلى سورية.
وتعرف في دمشق على منزل (ك خ) وسلمه الرسالة الموجهة إليه من والده، كما تعرف من خلال تردده لزيارته على جاره (م ز ا).

كانت من مهام كوهين في دمشق التعرف على مكان إقامة "ألويس برونر" مساعد أيخمان، الذي التجأ إلى سورية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ورسم الخطط لخطفه، ولكن برونر هاجر إلى مصر بعد فترة قصيرة من وصول كوهين إلى دمشقأ الويس برونر.

تردد كوهين في دمشق على الأماكن التي يتواجد فيها الأجانب علّه يتعرف على ألويس برونر، ولما فشل كوهين خلال الأشهر الستة الأولى من التعرف على مساعد أيخمان, استدعته الاستخبارات الإسرائيلية إلى "إسرائيل"، وبعد أن أطلع رؤسائه على ما يقوم به وعلى أسماء الأشخاص الذين تعرف عليهم مثل (ج س) المغترب العائد من الأرجنتين والمذيع في البرنامج الإذاعي الموجه إلى المغتربين في أمريكا اللاتينية باللغة اللاتينية، و(ع ا) طالب الطب الهارب من الأرجنتين بعد الانقلاب على حكم الجنرال بيرون، و(م ز ا) الموظف في وزارة الشؤون البلدية والقروية وغيرهم، طلبوا اليه العودة مجدداً إلى دمشق,  وتمتين علاقته مع كل من (ك ا) و(ج س) و (م ز ا) و(ه ق) الموظف في المصرف المركزي وصاحب المنزل الذي استأجره كوهين في أول شارع أبي رمانة، وحددت له مهام أساسية بإبلاغ المركز عن: (1) أية تحركات عسكرية يسمع بها أو يطلع عليها مهما بدت بالنسبة إليه عادية وغير ذات قيمة؛ (2) الأخبار الاقتصادية والسياسية، والتركيز عليها ؛ (3) أهم الشائعات المتعلقة بالوضع السياسي والعسكري والاقتصادي.
اعتمد كوهين على هؤلاء الأشخاص الثلاثة بشكل رئيس للحصول منهم على المعلومات المطلوبة، كما أن (ج س) استضافه في برنامج إذاعي وكان يزوده بالمعلومات السياسية، و( ه ق) كان يستقبله في المصرف المركزي ويجاوبه على أسئلته المالية والاقتصادية.
‏ وبعد أقل من شهرين من استقراره في دمشق‏، تلقت أجهزة الاستقبال في (أمان) أولى رسائله التجسسية التي لم تنقطع على مدى ما يقرب من ثلاث سنوات‏، بمعدل رسالتين على الأقل كل أسبوع‏.‏. ترددت عدة روايات عن كشفه, منها ان رأفت الهجان يعرفه واخبر عنه, ومنها ان المخابرات المصرية كشفته من خلال صورة له.. وتوضيحا للحقيقة فيما يلي البيان الرسمي الصادر حول اعتقال المذكور:
(التقطت إحدى راشدات شعبة المخابرات العسكرية تردداً لإرسالٍ لاسلكي، ولم يكن هذا التردد ولا توقيت إرساله مسجلاً لدى فرع الرقابة اللاسلكية في شعبة المخابرات، وتزامن هذا الحدث مع تشويش على أجهزة الإرسال والاستقبال في السفارة الهندية، وتقدمت السفارة باحتجاج على ذلك إلى وزارة الخارجية، ونظراً للصداقة الحميمة بين سورية والهند استدعى رئيس مجلس الرئاسة, رئيس شعبة المخابرات العسكرية, ولفت نظره إلى احتجاج السفير الهندي، وفي هذا اللقاء أطلع رئيس الشعبة, رئيس مجلس الرئاسة على متابعة شعبة المخابرات لمعرفة مصدر ترددٍ لإرسالٍ مجهول. وتابع فرع الرقابة البحث بواسطة الراشدات ووضع احتمالاً بأن الإرسال ربما يكون من مقر المعهد العربي - الفرنسي في شارع أبي رمانة "والمقر غير بعيد عن منزل كوهين"، واقتحمت عناصر من الفرع المركز بلا جدوى، وأدى هذا الاقتحام إلى احتجاج فرنسي جاء في الوقت الذي بدأت تتحسن فيه العلاقات السورية - الفرنسية في عهد الرئيس ديغول، ووضع هذا الاحتجاج السلطة وشعبة المخابرات في حرج كبير.
استأجرت شعبة المخابرات شقة في هذا البناء ووضعت فيه دورية أمنية وحددت مهمة رئيسها بنزع الواصل الفاصل "البيشون" لثوان معدودة من ساعات الكهرباء لشقق البناء، شقة بعد شقة وكل يوم شقة، أثناء البث، ولما توقف البث أثناء نزع بيشون ساعة إحدى الشقق، تم تحديد الشقة، وتمت معرفة شاغلها المغترب "كامل أمين ثابت"!.
في اليوم التالي وفي الوقت المحدد للبث داهمت دورية من المخابرات العسكرية الشقة، بخلع بابها بدفعة قوية، ووقف "كوهين" خلف طاولة المكتب مذعوراً من المفاجأة، ولم يجد المداهمون على الطاولة جهاز الإرسال، ولما سُئِل عنه أنكر وجود أي جهاز عنده، وأثناء البحث في الشقة عن الأجهزة تم العثور في ستارة النافذة على جهاز إرسالٍ احتياطي، وهنا سقط في يد الجاسوس الذي كشف عن مخبأ الجهاز الأساسي الذي كان يرسل منه لحظة المداهمة. كان سطح طاولة المكتب محفوراً بمساحة درج الطاولة وبما يتسع لجهاز الإرسال ويغطي هذه المساحة "كارتابل" مصنف جلدي لحفظ الأوراق.

طلب قائد الدورية من الجاسوس إرسال رسالة كتبها له، تستوجب الإجابة عليها، ولكن المسؤول عن استقبال الرسائل في تل أبيب لم يجب، وأدركت الاستخبارات (الإسرائيلية) نتيجة التوقف المفاجئ للإرسال, ومن معطيات الرسالة التي طلب إليه إرسالها أن الجاسوس قد ألمت به مصيبة).
بالتحقيق معه بدأ كوهين شيئا فشيئا يعترف عن هويته، وسردَ سيرة حياته ومنها تجنيده من المخابرات (الإسرائيلية) لزرعه جاسوساً في سورية. بعد انتهاء التحقيق مع كل من عرفهم كوهين وعددهم لا يتجاوز الأربعين شخصاً بينهم عشرة نساء، بدأت محاكمتهم أمام المحكمة العسكرية الاستثنائية وصدرت الأحكام ببراءة/ 33 / متهماً والنسوة من بينهم، وثلاثة أشهر لكل من (ق) و (و)، وستة أشهر ل (إ ا)، وخمس سنوات لكل من (ج س) و(م ز ا)، وعشرة سنوات ل(م ش ا)، والإعدام لإيلي كوهين.

حاولت الكثير من الشخصيات الأوربية التوسط لتخفيف حكم الإعدام عن الجاسوس، ولكن دون جدوى، وفي ساحة المرجة نفذ حكم الإعدام فيه شنقا, صباح يوم 18 أيار 1965م.

مواد ذات صلة:

مروان حبش: هيكل وكوهين... والافتراء على الحقيقة

http://www.fenks.co/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D9%86/26178-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%B3-%D9%81%D9%8A-%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%A8-%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B0%D9%83%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D8%A5%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D9%83%D9%88%D9%87%D9%8A%D9%86.html

كتب الدكتور بهجت سليمان: كم كان الجاسوس الإسرائيلي "كوهين" جباناً!

http://www.fenks.co/%D8%B1%D8%A7%D9%8A-%D9%88%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%82/%D8%B1%D8%A3%D9%8A-%D9%88%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%82-%D9%81%D9%8A%D9%86%D9%83%D8%B3-%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%83/17006-%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D8%A8%D9%87%D8%AC%D8%AA-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%83%D9%85-%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D8%B3%D9%88%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%83%D9%88%D9%87%D9%8A%D9%86-%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D9%86%D8%A7%D9%8B.html

June 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
6727950

Please publish modules in offcanvas position.