يحيى زيدو: صلاح الدين الأيوبي و حالة (السرنمة التاريخية)

لست من المعجبين بالفنان (عباس النوري)، و لست من هواة الدراما التلفزيونية، لكن الحملة التي يتعرض لها جراء ما قاله عن (صلاح الدين الأيوبي) تجعلني متضامناً معه، ليس لأن ما قاله صحيح، و هو صحيح، بل لأن هذه الحملة ليست سوى جزء من الدفاع عن أوهام المقدس الديني و السياسي في التاريخ، من أجل إبقاء الشعب مسربلاً بحالة (السرنمة التاريخية) التي تجعله يسير كالنائم دونأ يحيى زيدو أن يعلم ذلك.
ما قاله (عباس النوري) هو جزء من وقائع كثيرة تحفل بها كتب التاريخ، لا جديد فيها. و لعل المفكر المصري (يوسف زيدان) كان أكثر جرأة، و دقة، و موضوعية في مقاربة شخصية (صلاح الدين الأيوبي) و تاريخه الدموي، و لا يوجد ما يمكن أن أضيفه إلى كلام زيدان.
إن تناول شخصية (صلاح الدين الأيوبي)، و الحملة المضادة لهذا التناول تشير إلى اشكالية (الوعي المقلوب) أو (الوعي الزائف) الذي يقدس الوهم التاريخي لأسباب لا علاقة لها بالتاريخ، بل لأسباب أخرى في مقدمتها اتساع دائرة المقدس الديني و السياسي، و اتهام كل شخص يقترب من حدودها بالكفر أو الخيانة.
دعونا ننسى مؤقتاً موضوع صلاح الدين الذي مضى عليه ما يزيد عن ٩٠٠ عام، و نتوقف عند آخر مئة عام من تاريخ سورية.
في دمشق، على سبيل المثال، يوجد شارع طويل عريض باسم (نسيب البكري)، كما توجد مدرسة باسمه، و تذكره المناهج الدراسية كواحد من رجال الاستقلال.
هل يعلم السوريون أن (نسيب البكري) هو جاسوس للحركة الصهيونية منذ العام 1938 و حتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي؟ كما أنه اجتمع عشرات المرات مع حاييم وايزمان، و موشيه شرتوك، و إلياهو ساسون، و إلياهو أبشنتاين، و قادة المخابرات الصهيونية، و أنه كان يتلقى راتباً شهرياً قدره (٥٠٠) جنيه من الحركة الصهيونية مقابل معلومات دقيقة عن الثوار الفلسطينين، و أنصارهم السوريين، و طرق دخولهم إلى فلسطين، و طرق تهريب السلاح و أنواعه و كمياته وومصادره.
و لم تتوقف علاقة الحركة الصهيونية على (البكري) بل شملت شخصيات أخرى مثل: جميل مردم، فخري البارودي، فايز الخوري، نصوح بابيل، وديع تلحوق، فريد زين الدين، عبد الرحمن الشهبندر، و محمد الأشمر الذي رفض مساندة الثورة الفلسطينية رغم ما كان يملكه من أسلحة مخبأة في قبو منزله الكبير، إضافة إلى رفضه دعوة الحاج (أمين الحسيني) لقيادة ثورة ١٩٣٦ في فلسطين بسبب علاقته بالوكالة اليهودية.
هل يجرؤ السوريون على المطالبة بكتابة التاريخ الحقيقي لأولئك الذين نطلق عليهم (رجال الاستقلال) أمثال (جميل مردم، و سعدالله الجابري، على سبيل المثال لا الحصر) لنعرف دورهم في التواطؤ مع المحتل الفرنسي على التخلي عن لواء اسكندرون الذي نعيش هذه الأيام ذكرى سلخه عن وطنه الأم؟
و هل يمكن أن نطالب بنشر الوثائق التي تبين موقف هؤلاء من محافظة السويداء التي لم يروا فيها سوى أنها (كومة من الحجارة السوداء) لا مانع من إلحاقها بالأردن؟
هل يعلم كثير من السوريين أن العقيد (يوسف العظمة) وزير الحربية في حكومة الملك فيصل هو صهر جمال باشا السفاح؟ و أنه كان يتحدث باللغة التركية لا بالعربية حتى و هو يوصي ساطع الحصري بابنته ليلى التي عاشت و ماتت في الولايات المتحدة الامريكية؟
هل يسأل السوريون كيف لشخصية مثل عبد الرحمن الشهبندر أن يكون طبيباً لجمال باشا، و أن يكون على علاقة وثيقة بقادة الحركة الصهيونية؟
هذه الأسئلة و مئات الأسئلة الأخرى يمكن أن نسألها لو كنا نتمتع بعقل نقدي لا ينظر إلى التاريخ باعتباره مقدساً، بل باعتباره نشاط إنساني يقع في دائرة النسبي القابل للنقد دائماً.
إن الأمم تتقدم بمقدار ما يتعزز و يتعمق لديها دور العقل و الفكر النقدي، لا بمقدار ما يتوسع بيكار المقدس الديني و السياسي ليدخل في إطار المطلق غير القابل للفهم أو للنقد.
إن من أولى خطوات النظر في التاريخ هو ضرورة التفريق بين (الموروث) الذي هو الماضي بكل مافيه، و بين (التراث) الذي هو الجانب الموعى به من الموروث أو التاريخ. هذا التمييز هو أول شروط الدخول في الحداثة و من ثم المعاصرة.
و إذا لم نمتلك القدرة على الإعلاء من شأن العقل، و الفكر النقدي فإننا سنستمر سائرين و نحن متلبسين بحالة من (السرنمة التاريخية) دون هدف أو غاية.
إن ما يحصل في بلادنا اليوم يجب أن يدفعنا إلى مقاربة تاريخنا برؤية نقدية علمية منهجية بعيداً عن أوهام المقدس و الوعي المقلوب.
أما الموقف الأخلاقي الذي يزعم الحكمة و القائل بأنه لا يجوز طرح مثل هذه القضايا الإشكالية حرصاً على عدم إثارة الفتنة، فإنه موقف ينطلق من الذهنية البطريركية (الأبوية) الوصائية التي تحتكر وحدها حق التفكير و اتخاذ القرار وفق قاعدة (لا تفكر.. البابا يفكر عنك).
و إلى أن يتوفر مناخ الفكر النقدي العقلاني.. سيروا في السرنمة إلى الهاوية
فالهاوية تتسع.. و القاع عميق.. و الساقطون سيكونون كثيرون.

* المعلومات عن علاقة نسيب البكري و قادة الكتلة الوطنية بالحركة الصهيونية مأخوذة من دراسة الدكتور محمود محارب (العلاقات بين الوكالة اليهودية و الكتلة الوطنية و المعارضة الشهبندرية)، و هي تعتمد بشكل أساسي على وثائق المخابرات الإسرائيلية التي أورد صوراً عنها في الدراسة المذكورة.

March 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
24 25 26 27 28 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
5653469

Please publish modules in offcanvas position.