الصفحة الرئيسية

د. بهجت سليمان: ما هو المعنى الحقيقي للمقولة ”الكيسنجريّة”؟

● أرسل لي أحد الأصدقاء الغالين، ما يلي:أ بهجت سليمان في مكتبه

- ألم تكن حرب ١٩٨٢م حرباً بدون مصر؟
- ألم يُحارب الجيش العربيّ السّوريّ لوحده؟
- أليست الحرب الحاليّة هي بمكان ما.. حربا ضدّ إسرائيل؟
- لماذا نكرّر ”الكيسينجريّة” دون تفكير و تدبير؟

● ثم طلب مني تبيان حقيقة هذه المقولة.

[في تفسير ”المقولة” و في تأويل ”التّعبير”]

[من (كيسينجر) إلى (“إسرائيل”)، مروراً بهذا الخراب و ذلك التّدمير]

● د. بهجت سليمان

1 يُقالُ إنّ الرّاحل الكبير (محمد حسنين هيكل) كانَ أوّلَ من كرّسَ مقولة (هنرّي كيسينجر) الشّهيرة: ”لا حرب بدون مصر، و لا سلام بدون سورية”، و أذاعها على ثقافة ”الإعلام”، هذه ”المقولة” التي صارت شهرتها ، فيما بعد، توازي شهرة قائلها، لارتباطها بمفصليّة زمنيّة تاريخيّة عربيّة، و هي خروج (مصر) من معادلة الصّراع العربيّ - الإقليميّ مع العدوّ ”الإسرائيليّ”، بتوقيعها معاهدة االصّلح المنفرد مع (“إسرائيل”) عام (١٩٧٨م)، التي كبّلت (مصر) و حذفَتها من ثوابت و متغيّرات عوامل الصّراع التّاريخيّ العربيّ - الإسرائيليّ.

2 في الفكر العسكريّ التّقليديّ ينضاف إلى موانع الجغرافيا الآمنة في الحرب (أو من الحرب)، مثل الموانع الطّبيعيّة و العوامل الجغرافيّة و الأرض المفتوحة؛ ما تقضيه أيضاً موانع ”الإرادة” القتاليّة، هذه الإرادة المتأسّسة على الخيارات الوطنيّة العقائديّة الكبرى كالإيمان بالحقّ و العدالة و الثوابت الثّقافيّة، والعقيدة القتاليّة المبنيّة على هذا الإيمان، و هو الذي يجعل جميع ذلك يتبوتق في الإيمان بالقدرة على المواجهة و تحقيق النّصر و استعادة الحقوق في حرب شاملة و مبادِرة و قادرة و عادلة.

3 شكّل هذا الواقع الجيو- سياسيّ الذي مثّله خروج (مصر) من معادلات الصّراع فراغاً في الاصطفافات العسكريّة الكلاسيكيّة التي كانت تشكّل (مصر) فيها وزناً ثقاليّاً أساسيّاً و جوهريّاً، إن لم نقل حاسماً، في مفهوم الحرب التّقليديّة التي تحتاجها ظروف الصّراع العربيّ - الإسرائيليّ، نظراً للحجم الاستراتيجيّ البشريّ و السّياسيّ لمصر العربيّة في إطار البعد ”القوميّ” للصّراع الإقليميّ، و لما تُشكّله (مصر) من عمقٍ و فضاءٍ عسكريين جوهريين و لوجستيين مُضافَين و مكمّلين لقوّة و إرادة (سورية) في هذا الصّراع الذي كُتب له حتّى الآن أن يكون صراعاً أزليّاً وفقَ ما تُتيحُه مختلف المعطيات و الوقائع و الحقائق الظّاهرة.

4 لقد أمِنت (“إسرائيل”) حدوداً طبيعيّة شاسعة و مفتوحة مع (مصر) في صَحراءٍ مديدة هي العامل الطّبيعيّ الأخطر في استراتيجيّات الدّفاع، يليه المانع الطّبيعيّ الثّاني في الأهمّيّة و أعني المانع المائيّ في ”القناة”، و هما أخطر الموانع الطّبيعيّة في عوامل الجغرافيا الحربيّة، إذا ما قورنا بالموانع الطّبيعيّة الأخرى من مثل الطّبيعة الجغرافيّة الجبليّة أو الموانع المختلطة بين الموانع الطّبيعيّة و الصّناعيّة، التي تعترض مخاطر و حاجات و أهمّيّات دفاعات الحروب.

5و كان طبيعيّاً أن يكون نتيجة ذلك تفرّغ (“إسرائيل”)، بما هي قوّة عابرة للإقليم و ”الحدود السّياسيّة” و ممثّلةً لجميع قوى الاستعمار العالميّ، و بكلّ قوّتها العسكريّة الذّاتيّة و العالميّة، في مواجهة (سورية) التي دخلت في استحالة كاملة دون خوض حرب بمفردها ناجحة أو حتّى مُحتملة النّجاح، ضدّ (“إسرائيل”) في غياب (مصر).

6 عندما أطلق (كيسينجر) مقولته الشّهيرة، تلك، لم يستوعب مرماها الكثيرون ممّن استخدموها و يستخدمونها حتّى هذه الّلحظة، في رأينا، الذي ذهب به (كيسنجر) إلى تصوير واقع الرّعب التّاريخيّ ”الإسرائيليّ” التّقليديّ و ربّما الافتراضيّ أو الرّمزيّ، الذي يُشير إلى مخاطر الحرب الوجوديّة الّتي تشكّل، وحدها، الخطر الحقيقيّ الدّاهم الّذي يتهدّد، تاريخيّاً، (“إسرائيل”) بوصفها استيطاناً و اعتداءً وجوديّين بما هي مشروعها الصّريح، و بالتّالي بوصف أخطر المخاطر التي تُحيق بِها ”منطقيّاً”، مع أنّ هذا، كما تُشير الوقائع التّاريخيّة الأخيرة و المعاصرة، ليسَ بالضّرورة أن يكون من معطيات عربيّة واقعيّة مدحورة و مَسحورةٍ و تافهة.

7 نحن علينا أن نتأنّى من جديد في فهمنا لمرمى مقولة أحكم يهود العالم المعاصرين (كيسينجر). فإذ ”لا حربَ بدون مصر”، فهذا يعني أنّه ليس ثمّة أيّ خطر وجوديّ عربيّ تالٍ - بعد ”كامب ديفيد” - على (“إسرائيل”)..
و إذ ”لا سلام بدون سورية”، فهذا معناه أنْ لا ”أمان” و لا ”أمن” ”إسرائيليين في ظروف العداء و المواجهة الأبديّة مع (سورية)..
و فقط، و على الحصر، هكذا علينا أن نتبنّى أبعاد مقولة (كيسينجر)، في ظروف ”واقعيّة” جدّاً من ”الأعمال الحربيّة” و ”الاشتباكات المُسلّحة” التي جرت و تجري و ستجري دائماً، بحكم طبيعة الأشياء، في ظروف الهلع ”الإسرائيليّ” المزمن، و في ظروف ”العقيدة القتاليّة” العربيّة السّوريّة..
فلا يغرب عن بال أحدنا، بالتّأكيد، ”الحروب” و ”الاشتباكات” و ”الأعمال الحربيّة” العربيّة السّوريّة - ”الإسرائيليّة”..
منذ ”حرب الّليطاني” (١٩٧٨م)..
و ”عمليّة أوبرا” التي قصفت فيها (“إسرائيل”) ”مفاعل تمّوز” النّوويّ العراقيّ (١٩٨١م)..
و ”حرب اجتياح بيروت” و المواجهة السّوريّة لهذا الاجتياح (١٩٨٢م)..
و عمليّة ”السّاق الخشبيّة” التي قصفت فيها (“إسرائيل”) القوّات الفلسطينيّة في (حمّام الشّطّ) في (تونس) (١٩٨٥م).

8 في غمار هذا الواقع كان على المشهد الإقليميّ أن يتغيّر تغيّراً جديداً، فكانت الفكرة الاستراتيجيّة التي عرفت بِ”التّوازن الاستراتيجيّ” التي أبدعها (حافظ الأسد)، بديلاً ظرفيّاً لإحداث ”توازنٍ” بالرّعب بين ”العرب”، تُمثّلهم (سورية) وحيدةً علَى التّقريب، غير أنّه كان بديلاً مؤقّتاً، كما أثبتت الأيّام التّالية، عندما أصبحت (سورية) تقف وحيدة في وجه (“إسرائيل”)، و تالياً في وجه (“إسرائيل”) و ”العالم” بمفردها دون ”العرب” جميعاً، و هو ما جعل من نظريّة (حافظ الأسد) في ”التّوازن الاستراتيجيّ” مع العدوان ”الصّهيونيّ” الحالّ و الدّائم، نظريّة مرتبطة بظروف الإقليم و العالم التي تغيّرت على نحو لم تستطع جميع استراتيجيّات السّسياسات العالميّة، مع ألمع مفكّريها، أن تتوقّعه أو أن ترصدَه قبل وقوعه الماحق العالميّ..
و تُشير الظّروف السّياسيّة العالميّة المعاصرة، و الحرب العالميّة الواقعة على (سورية)، اليومَ، إلى ما نقصده، إشارة صريحة و مباشرة و تامّة.

9 في الوقائع المنفردة، فإنّه منذ (كامب ديفيد) و مقولة (كيسينجر) الشّهيرة هذه، عبوراً لما أشرنا إليه أعلاه من وقائع ”اشتباك” و ”حروب” مستمرّة مع العدوّ ”الإسرائيليّ”، مروراً بعام (2000)، بخاصّة، و ”تحرير جنوب لبنان”، و ”حرب تمّوز” (2006)، و نهاية بما نشهده و نعيشه اليومَ من حروب طاحنة بالوكالة و بالأصالة..
فإنّ االصّراع العربيّ - ”الإسرائيليّ” لا يُفسّر مقولة (كيسينجر)، بل و يدحضها، الّلهم عند الفهم التّقليديّ المحدود لها..
و لكنّنا في الإطار الذي أوضحناه على طول سرديّة هذا الحديث، فإنّها تبدو مقولة قويّة التّعبير، متماسكة الصّياغة و التّدبيج، مليئة بالدّلالات التّاريخيّة التي وقّعتْها و وقّعتْ عليها الأحداث و الأيّام..
حتّى أنّنا، و بكثير من الموافقة و التّفهّم و التّأكيد، نكاد نويّد، بل و نويّد، تلك ”المقولة”، عندما يجري الحديث كما قد جرى في ظروف، و على ظروف مقولة (كيسينجر)، بما يخصّ ”الحروب التّقليديّة”، من دون أدنى تبديل أو تعديل !

10 يؤكّد ”الواقع” العربيّ..، و الواقع العربيّ السّوريّ، بخاصّة، أنّ التّفسير ”الأيديولوجيّ” للصّراعات و الحروب هو تفسيرٌ قاصرٌ و غير مأمون، عندما يكون علينا أن نُمارسَ ”السّياسة” وفق تأويلاتها الأكثر واقعيّة و الأقلّ إيهاماً للعقل و للآخرين..
لا سيّما أن العواطف و التّفكير العاطفيّ (و الرّومانسيّ الثّوريّ!)، إنّما يُشكّل في هذه الّلحظة التّاريخيّة العالميّة، تمرداً على الوعي و اغتيالاً للحقيقة و اعتداءً على الحقّ..
و لعلّ الظّروف السّياسيّة المتحرّكة بشدّة، و المتغيّرة على نحو لا يقربه أحياناً حتّى التّوقّع المبنيّ على المعلومات، ناهيك عن أحابيل المُنَجّمين السّياسيين، تشهد على أنّ أقاصي الفعل السّياسيّ اليوم، يتطلّب أن نكون أمامه متواضعي الفهم بارِدي العيون و الأدمغةِ، لعلّ مقاومتنا و ممانعتنا تُنجزُ الثّبات أمام تحدّيات المصير.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
3992127