الصفحة الرئيسية

بشّار يوسف: موقفي منها...

أيّام قليلة تفصلنا عن انتهاﺀ العام السّابع لحرب الضّباع و الكلاب البرّيّة على بلدي سوريا, و يمرّ شريطٌ من الذّكريات المؤلمة عشعشت في وجداننا و أرواحنا و أنفسنا لتزيد من تشوّهنا الموجود أصلاً في مجتمع تربّى على الطّائفيّة المكبوتة و الغير ظاهرة للعلن بسبب الواقع الأمني الّذي كانت تفرضه أجهزة الدّولة علينا لأنّها (القيادة الأمنيّة) هي الوحيدة الّتي كانت تعلم كمّيّة الغلّ و الحقد الدّفين الّدي تكنّه كلّ طائفة على الأخرى و لو لم يكن ذلك ظاهراً للعلن.

أعلم أنّه كان من غير المسموح التّحدّث بالطّائفيّة في بلد ابتُليَ بها على مدى قرون, لكنّ ذلك المنع كان حلّاً مؤقّتاً لاستقرار الأمن و الأمان, و كلّ عاقل كان يدرك أنّ الإنفجار الكبير قادم لا محالة بمجرّد أن تتوافر له الظّروف الموضوعيّة و الدّعم اللّوجستي و الإعلامي و العسكري و هذا ما كان.

أذكر في بداية الأزمة, و عندما كنت لا زلت أعمل في متجري الصّغير الموجود في حارة شعبيّة تتجمّع فيها جميع الطّوائف و المِلل, أنّ طفلاً صغيراً حافياً أعرفه جيّداً و أعرف عائلته, قد أتاني في منتصف اللّيل ليشتري, و عندما سألته ماذا يحمل من نقود, استرسل بالحديث لوحده (ببراﺀة) عن قيام والدته برمي قطعة النّقود المعدنيّة من فئة ال 25 ليرة سوريّة في القمامة لأنّها تحمل صورة (حافظ), فما كان منه إلّا أن بحث عنها و أخذها بعيداً عن نظر والدته و أتاني ليشتري فيها (كانت تحكي ال25), هذا الموقف جعلني أجمع هذه القطعة النّقديّة من كلّ من كان يأتي إليّ ليشتري بها و أحتفظ بها دون تفريط (كانت حصيلة خمس سنوات 65000ليرة من فئة ال 25 تحمل صورة القائد الخالد) لمّا أزل أحتفظ بها حتّى الآن.

متجري سُرِق في نفس اليوم الّذي فجّرت فيه خليّة الأزمة و السّبب طائفي بحت, فبرغم كوني مدنيّاً و برغم كون صاحب المتجر الّذي يواجهني ضابطاً عاملاً في الجيش و القوّات المسلّحة, لم يقتربوا منه لأنّه من الطّائفة السّنّيّة الكريمة.

عندما بدأت تتساقط مناطق و قرى ريف دمشق بيد الكلاب البرّيّة, وجدّتُّ نفسي محاصراً في عملي, عملي الّذي يفرض عليّ الذّهاب إلى معظم قرى ريف دمشق لصيانة المقاسم الكوريّة samsung كوني كنت ثاني اثنين يعملون كمشرفَيْن لتلك المقاسم, فهويّتي الشّخصيّة تحمل اسم القرداحة, و إذا وقعت أسيراً بيد الكلاب البرّيّة سيعتقدون جازمين أنّي أتناول فطوري الصّباحي مع السّيّد الرّئيس و نحتسي المتّة بعد الظّهر سويّاً و يستبقيني للعشاﺀ على مائدته للتّباحث بأمور الدّولة و العباد, المفارقة أنّ زميلي المهندس الخلوق كان من مدينة دوماو كان يستطيع الذّهاب إلى أيّ مكان دون أن يعترضه أحد (دوما تحميه).

في هذه السّنوات العجاف, استُشهد الكثير من رفاقي و أقاربي و خُطف الكثير و أُصيب أخوَيَّ في المعارك و نَجَيا بقدرة قادر, عليّ أُصيب بطلقتين في مداهمات المليحة و بقيَ مع المسلَّحين في شقّة واحدة مختبئاً لثلاثة أيّام دون نوم أو طعام أو شراب و محمّد أُصيب خمس مرّات كانت أصعبها في طيبة الإمام المعقل القديم للإخوان المسلمين و أنقذته العائلة الموالية الوحيدة للدّولة في القرية بعد أن كاد دمه يتصفّى من النّزف لعدّة ساعات.

الآفة الكبرى لثورة الكلاب البرّيّة تلك كانت في الطّبقة المثقّفة الّتي كانت تعمل من الخارج و الدّاخل كمعارضة (سلميّة), طبقة تحمل أعلى الشّهادات و مع ذلك كانت غريزتها الطّائفيّة هي من تحرّكها ضدّ الدّولة و لم أنخدع بها يوماً برغم الكمّيّة الهائلة لمساحيق التّجميل الّتي كانت (تمعط) وجهها بها, اليوم بدؤوا يتلمّسون رؤوسهم الحامية و اقتنعوا أنّه لا يمكن أن تختبئ الدّبابات في مداخل الأبنية و أنّ الجيش لا يقتل شعبه بعد أن امتلأت كروشها من العظام و الجلاميق و الدّولارات و الرّيالات و تبحث لها الآن عن دور قياديّ في المرحلة القادمة.

للتّاريخ سأكرّر ما أخبرني به صهري الشّهيد يزن عجيب من أنّ ثورة الكلاب البرّيّة لم تكُ يوماً سلميّةً فزملاؤه في الأمن العسكري استُشهدوا في درعا في أوّل يوم جمعة بعد اندلاع ثورتهم أي في 18آذار 2011, حيث ارتقى 40 شهيداً للامن العسكري في درعا قضى قسمٌ منهم ذبحاً و القسم الآخر طعناً و القسم الثّالث بطلق ناري, يومها كان إعلامنا نائماً في العسل أو متخبّطاً لا يلوي على شيﺀ.

اليوم و بعد أن عادت يد الدّولة و جيشها المقدّس هي العليا, و بعد أن أخذت دول الإرهاب تبيع كلابها البرّيّة في سوق النّخاسة, بدأت تعلو أصوات المدنيّين المتواجدين في معاقل مدن الإرهاب مطالبين بالوحدة الوطنيّة, و علَت أصواتٌ معهم أنّهم لا حول لهم و لا قوّة, قد تكون مطالباتهم بخروج المسلّحين من بين ظهرانيهم صادقة و قد يكونون مغلوبين على أمرهم, لكنّي لا أستطيع أن أصدّقهم و هذا رأيي الشّخصي و لا أفرضه على أحد لأنّني كنت أقول دائماً أنّ القرية أو المدينة الّتي ترفض الإرهاب تدافع عن نفسها بشراسة و الأمثلة أكثر من أن تُحصى (قمحانة كمثال) لكن تلك القرى و المدن وقعت فريسة سهلة لفكر طائفي تغلغل فيها و سمّم جذورها لعشرات السّنين.

القائد الأسد وعد بعد انتهاﺀ الحرب أنّ الدّولة ستسقط حقّها عمّن ارتكب و حمل السّلاح, لكنّه قال أيضاً أنّ الحقّ الشّخصي لا يمتلك هو أن يسقطه, فأولياﺀ الدّم أحقّ بدمائهم.

بقي أن أقول: من منطلق الدّروس المستفادة يجب حشر الوحش الدّيني بكافّة تفاصيله في قمقمه, و سربلته بسلاسل غليظة و إلغاﺀ وزارة الأوقاف ذات الميزانيّة شّبه المستقلّة و رفض الهبات الممنوحة لها من مملكة العهر الإسلاموي, و بناﺀ معاهد لتعليم الموسيقا بجانب كلّ مسجد و كلّ معهد لتحفيظ القرآن الكريم, و عدم السّماح بالصّلاة في دوائر الدّولة الحكوميّة, و حصر المظاهر الدّينيّة في الجوامع و البيوت و فرض رقابة أمنيّة على الدّروس الدّينيّة أينما وجدت, و استحداث مناهج دينيّة جديدة تكرّس فكرة أنّ الآخر ليس كافراً حتّى لو كان يعبد الحجر.

هامش:

وصَّفْتُهم بالضّباع و الكلاب البرّيّة لأنّها الحيوانات المفترسة الوحيدة الّتي تنهش ضحاياها و هي على قيد الحياة, و هم نهشونا أحياﺀً

أضف تعليق


كود امني
تحديث

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
3990182