الصفحة الرئيسية

هلْ كانَ هناك حِراكٌ مدنيٌّ حرّ في دولةِ ما قبلِ الـ"ثورة"؟

اعتدنا في سورية، قبلَ الحربِ، أنْ نتّهمَ الدولةُ -على رأسِها النظامُ القائم- بأنّه يقمعُ المجتمعَ ويمنعُ أيّ حراكٍ فيه حتّى لو كان الحِراكُ غير سياسيّ، وبالآتي هو نظامٌ يمنعُ أ شيخ شعبان منصور وهو يساهم ببناء المشفىالمبادراتِ الفرديّة والجماعيّة ذات النفعِ الوطنيّ والعائدِ الاقتصاديّ والاجتماعيّ... إلخ. وفي هذا الاتّهامِ كثيرٌ من المبالغةِ كي لا نقولَ إنّه ينطوي على كمٍّ هائل من الظلم.

وكانَ بعضُ المتقوّلين يضربونَ مثلاً ببضعةِ شبّان من داريا، تمّ سجنهم لأنّهم بادروا لتنظيفِ بلدتِهم وزراعةِ "الورود" فيها ذات يوم من عام 2005، بحسبِ إسعافات الذاكرة، لكنّ أحداً من بقايا ما عُرف بالمجتمعِ المدنيّ وناشطيه، أخبرنا أنّه كانَ لأولئك الناشطين في داريا، وهم من حملةِ الفكرِ التكفيريّ، ارتباطاتٍ عابرةً للقارّات، وكانوا على علاقةٍ وثيقةٍ بتنظيمِ الأخوان المسلمين المحظور في سورية، وعلى تواصلٍ مستمرّ بقادةِ ذلك التنظيمِ من قبيلِ علي صدر البيانوني، -سنتذاك- ورياض الشقفة، وفاروق طيفور، وكان الوسيطُ بينهم وبين الإخوان طبيبَ الأسنانِ الذي لمْ يُمارِس مهنةَ الطبِّ إطلاقاً "رضوان زيادة" المعروف بميولِه الإخوانيّة، فضلاً عن أنّه ابن داريا، علماً أنّه وُلِدَ وعاشَ فترة تكوينه الأُولى في المملكةِ السعوديّة.

ولئن كان من الصّائبُ القول إنّ كثيراً من الاتّهاماتِ التي ساقتها المُعارضاتُ السوريّةُ عن النظامِ لا أساسَ لها من الصحّةِ إلّا أنَّ هذا لا ينفي أنَّ له -النظام- سلبيّاتِه وأخطاءَه، وليس هذا مدار بحثنا.


بالعودةِ إلى أنشطةٍ ومبادراتٍ عرفَها المجتمعُ المدنيّ السّوريّ

لمْ يسبق أنْ عرقلت الدولةُ السّوريّةُ أيّة مبادرةٍ في الشّأنِ الثقافيّ، ولا سيّما أنَّه لم يكن القائمين عليها لهم ارتباطاتٌ مُؤكّدةٌ مع مَنْ يتّفق السّوريّونَ شعباً وحكومةً على عداوتِه، وسنجدُ مصداق قولنا في الأنشطةِ التي شَهِدَها "المنتدى الاجتماعيّ" ومقرّه خلف مشفى الطلياني وسط دمشق، برئاسةِ الراحلِ مأمون الطبّاع، طوال العقدِ المُنصرِم، وهو منتدى تناولَ خلالَ أنشطتِهِ مسائلَ غايةً في الحساسيّة، وكانت أقرب إلى الندواتِ الفكريّة والثقافيّة التي سمّتها المُكاشفة الصّراحة، ولمْ يخبُ نشاط ذلك المنتدى إلّا بموتِ مؤسّسيه.

ومن ملامحِ ذلكَ المجتمع المدنيّ، وجودُ جائزةٍ في اتّحادِ الكتّاب العرب باسمِ "الدكتور نبيل طعمة"، ولا تنحصرُ المشاركةُ بها على الكتّابِ السّوريّين، بل تشمل جميعَ الكتّاب والشّعراء العرب، كانت قيمةُ جائزةِ الفائزِ الأوّل 400 ألف ليرةٍ سوريّة نحو 8000 دولار بسعرِ ذلكَ الزمن، والثاني 300 ألفِ ليرةٍ، والثالث 200 ألف ليرةٍ، وهي أكبرُ جائزةٍ كانت تُمنَحُ على مستوى سورية، ولاحقاً أقرّت وزارةُ الثقافةِ السّوريّة جوائزَ فاقتها من حيث القيمةِ الماليّة، ويُقدّمها رجلُ الأعمالِ نبيل طعمة، علماً أنّهُ لم يكن يتدخّل بآليّةِ منحِ الجائزةِ لهذا المبدعِ أو ذاك. وقل الأمر ذاته في جائزةِ "المزرعة" في محافظةِ السويداء، التي كانَ يُقدّمها أحد أثرياءِ أبناء تلك المحافظة.. إضافةً إلى عدّة جوائزَ أُخرى من هذا القبيل، وهي جوائزُ كانت بعيدةً بنسبةٍ كبيرةٍ عن التسييس، وكانت تَحظى باهتمامٍ ومُتابعةٍ شبه جماهيريّة.

حتّى أنَّ النشاطَ المجتمعيّ في معناه الثقافيّ امتدَّ حتّى شَمِلَ المهرجانات الثقافيّة، كمهرجانِ "السنديان" في قريةِ الملاجة بالدريكيش، وهو مهرجانٌ كان يموّله بالكامل، رجالُ أعمالٍ وتجّار من طرطوس، كحسين الخضر وأحمد الفحل وغيرهم، ويمكنُ أنْ نذكرَ في السّياقِ الثقافيّ "أسبوعُ المدى الثقافيّ" الذي عرفته دمشق أيضاً مطلعَ القرن الماضي، وكان يُقيمهُ صاحبُ دارِ المدى للنشر، العراقي فخري كريم، ونذكرُ في هذا المجال جائزة "أدونيا" الخاصّة بالدراما، وكانت تُقدّمُ للممثّلينَ والمُخرجين، كانت تُنظّمها شركةُ "المجموعةِ المتّحدة" التي يرأسُها رجلُ الأعمالِ السوريّ مجد سليمان.

أمّا في الجانبِ الاجتماعيّ والخدميّ، فكثيراً ما بادرَ بعض رجالِ الأعمال، من محبّي فعل الخير، لبناءِ المستشفيات، كمستشفى الدريكيش الذي تمّ بناؤه من قِبَلِ أحدِ رجالِ الأعمالِ السوريّينَ مطلع هذا القرن، ناهيك عن أنَّ بعضهم كان يمنحُ مساعداتٍ كثيرةٍ ذاتَ نفعٍ عامّ مثل خيمٍ للعزاء (الشوادر)، أو تقديم مشاريعَ إنتاجيّة للعائلاتِ الفقيرة، من قبيل منحِ هذه العائلات الريفيّة بقرة أو أكثر، أو مشغل الخياطة...إلخ، درءاً لهذه العائلاتِ شرّ السؤال.


لمحةٌ عن محاولاتِ المُعارضةِ في الشّأنِ الثقافيّ خارجاً

إذا ما أخذنا جانب المُعارَضةِ بعد الحرب بعينِ الاعتبار، سنلحظُ أنّها أسّست رابطةً للصحفيّينَ، وأُخرى للكُتّاب، الأخيرةُ تأسّست في القاهرة عام 2012 وتسلّمت رئاستها أوّل الأمرِ الكاتبةُ روزا ياسين حسن، وعندما كانت في سورية اختصّت بالكتابةِ في البورنو إلى درجةٍ سمّاها بعضهم "وزيرة السكس"، وكانَ نائبها المفكّر الراحل صادق جلال العظم، ويرأسها حالياً الكاتب نوري الجراح الذي لم يسمع به أحد في الداخلِ السوريّ، ولا يُعرف شيءٌ عن نِتاجه، والأثرُ الوحيدُ الباقي لهذه الرَّبطةِ هو موقعها على الأنترنت، ولاحقاً أنشؤوا "اتّحاد الكتّاب الأحرار السوريّين".. هل يسمعُ به أحد؟! وهما عبارةٌ عن "دكاكين" يستثمرها تجّار الحربِ، بحسب توصيفِ الكاتبِ المُعارِض نجم الدين سمان، وهو مقيمٌ في إسطنبول، وفق حوارٍ أجرتهُ معه "كلّنا شركاء" في 9 نيسان عام 2017.

وحال "رابطة الصحفيّين السّوريّين" التي أُشهرت أيضاً في 2012، لم يكن مآلها أفضل من مآلِ شقيقتِها الخاصّة بالكتّاب، علماً أنّه كانَ من أبرزِ مُؤسسيها الإعلاميّ السوريّ توفيق الحلاق، والرسام العالميّ علي فرزت، والكاتب فايز سارة، ولا أحد يدري ما الذي تحقّقَ أو تبقّى من إعرابِ "توفيق الحلاق" عند إشهار الرّابطة، إذ صرّح يومها: "عن ثقتهِ بأنَّ هذه الرابطة ستكونُ مستقبل النقابةِ التي ستدافعُ عن حرّيةِ الإعلامِ وعن الصحفيّينَ، وأنّها سترعى مصالحهم"، وأضافَ أنَّ ما يمكنهم فعله حاليّاً -بوصفهم إعلاميّين- أثناءَ الثورةِ هو فضحُ النظامِ بالوثيقةِ المكتوبةِ والصوت والصورة، ودعم شباب الثورة إلى جانبِ محاولةِ استنهاضِ الصّامتينَ وتبديد مخاوف الأقلّياتِ وإقناعِهم بالحجّة.

إذاً، ثمّةَ استحالةٌ في الحديثِ عن أيّ منجزٍ ثقافيّ لها سوى البروبوغندا في لحظةِ إشهارِها فقط.

أمّا فيما يخصّ الأمور الاجتماعية، فهناكَ جمعيّاتٌ أسّسها معارضونَ يُقيمونَ في الخارج، كجمعيةِ "أورينت" لصاحبها غسان عبود -صاحب تلفزيون أرينت- ربيبُ العدوّ الإسرائيليّ، وهي جمعيّةٌ تنشطُ في بعضِ أماكنِ تواجدِ المسلّحين كمحافظةِ إدلب بوصفها مسقطُ رأس غسان عبود.


نضجُ العملِ الشّعبيّ المدنيّ في الداخلِ السّوريّ


الحربُ ساهمت في نضجِ الصّغارِ قبلَ أوانِهم، فكيفَ الحالُ بمن هُم أكبر سنّاً ومضموناً؟ ذلك النضجُ انعكسَ بدورِهِ على العملِ المدنيّ ومبادراتِ مجتمعه، ولعلَّ أروعَ صورهِ يُجسّدها راهناً شيخٌ في العقدِ التاسعِ من عمره، من منطقة الغاب بريفِ حماه، اسمه الشيخ شعبان منصور.

تتمثّلُ مبادرتهُ في بناءِ مستشفى بسعةِ 240 سريراً و بمساحةِ 12 ألف مترٍ مربّع واعتُبِرَ بناءُ المستشفى بالمعجزةِ نظراً لصعوبةِ مكانِ بنائه -أعلى قمّةٍ في سلحب-، وهذا يحتاجُ إلى تقريرٍ مستقلّ، ومنشآتٍ خدميّةٍ أُخرى تمّ بناؤها جميعها من تبرّعاتِ أهل الخير في سوريةَ والمهجر، كبناءِ إدارةٍ للنقلِ وشعبةٍ للتجنيدِ في بلدة سلحب "هديّة من الشّعبِ إلى الدولةِ لخدمةِ أبناءِ الشعب" بحسبِ تعبيرِ الشيخ شعبان، ومدرسة ابتدائيّة تصدّرت لوحتها عبارة "هديّة الإنسانيّة"، إذْ يرفضُ بالمطلقِ وضع اسمه على أيّة لوحةٍ رخاميّة تُبرزُ دورَهُ أو فضله، فإيمانهُ أنَّ الفضلَ للهِ ولجميعِ المساهمينَ والمتبرّعين.

الشيخُ شعبان منصور المُقيم في السّقلية في سهلِ الغاب بريفِ حماة، لمْ يتخرّج من مدرسةٍ رسميّةٍ نظاميّة؛ بل تعلّمَ في مدرسةِ الحياة، تلقّى علومَ اللّغةِ وأصول الدينِ على يدِ الشيخ عبد الهادي حيدر في منطقة أبو قبيس ذائع الصيت في خمسينيّاتِ وستينيّاتِ القرن الماضي)، والأخيرُ من خرّيجي مدرسةِ العلّامة الأبرز في تاريِخ الطائفةِ الإسلاميّةِ العلويّة سليمان الأحمد، عضو المجمع العلميّ العربيّ ووالد الشّاعر المعروف بدوي الجبل.

يقولُ الشّيخُ شعبان الذي يختلفُ عن غيرِهِ من رجالِ الدين في سائرِ الأديانِ والطّوائفِ والمذاهب، برفضهِ للزكاةِ وتعفّفهِ عنها.. يقولُ لمريديه، بخصوصِ ما يقومُ به من نشاطٍ إنسانيّ: "لا أبتغي غير وجهِ الله وأنْ يعودَ الناسُ للإنسانيّة".

واللّافت في مبادراتِ الشّيخِ أنّها أبعد ما تكونُ عن الطائفيّةِ التي كانت وما تزالُ بُوصلةَ غالبيّة المُعارضينَ وبعض الموالين وعملهم، فالشّيخُ، لا يتوانى في التعبيرِ عن عميقِ الامتنانِ لآهالي محردة المسيحيّة، وبلدة خطّاب السنّيّة، الذين سخّروا آلياتِهم وشبابِهم للعملِ الطّوعيّ في ما يُقدمُ عليه الشّيخ من مبادراتٍ يصيبُ نفعها كافّة أبناء المجتمع الذي يوجدُ 300 شخصٍ من أبنائِه يعملونَ تحتَ إشرافِهِ وبتوجيهاتِه، في الوقتِ الذي لا يعرفُ هو معظم أولئك المتحمّسينَ للعملِ معه حبّاً بالوطنِ، وبعيداً عن أيّة حساسياتٍ دينيّةٍ أو مذهبيّة.

أمّا رسالةُ الشّيخ شعبان من كلّ ما تقدّم، فهي: "أنْ يعودَ الإنسانُ إلى إنسانيّته"، وهي رسالةٌ نخشى أنْ تجريَ دماءٌ كثيرة ولسنينَ طويلةٍ في سورية الجريحة، قبلَ أنْ يعيها غالبيّة السّوريّين، من مختلفِ الأطيافِ السياسيّةِ والدينيّة والثقافيّة.

 

أُبي حسن

آسيا نيوز

أضف تعليق


كود امني
تحديث

June 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
3221780