أُبي حسن: سوريا.. جراح وآلام حرب طالت أكثر مما ينبغي

سبق أن طالب الكثير من المثقفين السوريين, خلال الحرب على سوريا, بإحداث وزارة للشهداء في البلد المنكوب بالحرب؛ وكان أول من طالب (ومراراً) بإحداث تلك الوزارة هو الدكتور والأكاديمي اسماعيل شعبان (أستاذ جامعي سابق في الاقتصاد), وكذلك فعل الأديب نبيل صالح قبل أن يصبح نائباً في مجلس الشعب, وبعد أن صار عضواً في المجلس.
أ سوريا المدمرة
يوجد في سوريا, مكتب شؤون الشهداء, و كان يفي بالغرض, إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن عدد الضحايا في الجيش والقوات المسلحة لم يكن خارج المعقول في الحروب التقليدية لبلد صغير بمساحته وعدد سكانه حتى في أسوأ هزيمة عرفها العرب, فمثلاً تشير بعض التقارير أن عدد ضحايا الجيوش العربية مجتمعة (مصر, سوريا, الأردن, فصائل فلسطينية) في حرب الأيام الستة في حزيران 1967 كانت تتراوح بين 15000 و20000 ضحية ومفقود (عشرة الاف جندي مصري قضوا نحبهم في مجزرة دون مواجهات ميدانية, ومنهم 600 جندي سوري كحد أدنى, ارتقوا وهم يقاتلون, بحسب "تاريخ سورية المعاصر" لكمال ديب), وأرقام أقل من هذا في عدد الأسرى.

فيما تذكر دراسة لمركز "دراسات وأبحاث الشرق الأدنى في لندن" أن عدد الضحايا من العسكريين في الجيش السوري خلال حرب تشرين الأول عام 1973هي ثلاثة آلاف وخمسمئة عسكري، وهي التقديرات القصوى التي تعتمد على مصادر غربية, إضافة إلى مصادر للعدو. في حين كانت التقديرات القصوى لعدد الجرحى العسكريين في حرب اكتوبر نحو 9000 عسكري جريح (مع التأكيد أن المصادر هنا غربية, ما يعني أنّها قد تفتقر إلى الدقة, وقد تكون دون ذلك بكثير)؛ أما عدد الضحايا والجرحى في صفوف المدنيين السوريين فكانت دون الألف.

ومن نافل القول إن سوريا فقدت عدداً من ضباطها وجنودها (دون ذكر أرقام) في لبنان, وفي صراع الدولة مع جماعة الاخوان المسلمين, لكن من المستبعد ان يكون عدد الخسائر البشرية للجيش في تينك الحربين قد تجاوز مثيلهم في حربي حزيرن 67 واكتوبر 73..

مما سبق ذكره, نستطيع القول إن الوضع السابق لم يكن يحتاج لاحداث وزارة تعنى بذوي الشهداء, إذ وجود مكتب يتبع لوزارة الدفاع السورية, لمتابعة شؤونهم كان يفي بالغرض. وهنا, لا بدّ من التذكير إنّ المزايا التي كان يحصل لها ذوو الشهداء كانت تتناسب وتضحيات من قضى نحبه دفاعاً عن الوطن, فقد كان أهل الشهيد (عازباً ام متزوجاً) يحصلون على منزل مجاني مقدّم من الدولة, ولهم مدارس خاصة بهم, كما كان يحق لأبناء الشهداء اختيار المقاعد التي يرغبونها للدراسة في الجامعة بمعزل عن مجموع علاماتهم في الشهادة الثانوية.. وثمة جرحى حصلوا على سيارات مجانية من الدولة (مثلاً, فقد السيد ي. م ذراعه في حرب أيلول الأسود 1970, فمنحته الدولة في ذلك الزمن سيارة بيجو كي تساعده في أمور الحياة من خلال تأجيرها) الخ. فعلاً كان لذوي الشهيد السوري امتيازات قد لا يوجد شبيهاً لها في أرقى الدول..



على المقلب الآخر.. فلاش باك

وباعتبار أنّ لا فرق من وجهة نظر إنسانية- بين مدني وعسكري, وبين موال ومعارض, نسمح لأنفسنا بالإسهاب في الحديث عن ضحايا الحرب من الضفة الأخرى.

وبالنظر إلى ما شهدته سوريا من صراع داخلي كصراع الدولة مع الاخوان المسلمين في مطلع ثمانينات القرن الماضي, والحرب الدائرة حالياً بتمويل عدة دول لآلاف المرتزقة ولبعض المتطرفين الإسلاميين السوريين, سنجد, ودون مبالغة, أن الدول (العربية والغربية) التي كانت تدعم (بالعتاد والمال والسلاح) الاخوان المسلمين (في الماضي, مثلاً) وتستثمرهم إبّان حربهم مع النظام السوري في القرن المنصرم, لم تقم بالتعويض لذوي ضحايا الحرب منهم بشيء ولم يعنها أمر من تضرر ممن كانوا يشكلون بيئة حاضنة للإخوان في الداخل السوري, اللهم سوى ما كانت ترسله لهم من دعم مالي وعسكري خلال صراعهم فقط مع النظام بما يخدم أجنداتها؛ ومن بعد أن انتهى الصراع, لم تسأل تلك الدول الداعمة لهم عن ضحاياهم و لا عن خسائرهم ولم يهمها مداواة جروحهم (بمعنى, من مات منهم, فقد مات بكيسه).. الخ, فقط احتفظت بقادة الاخوان في بلدانها مهتمة بهم وموفرة لهم أسباب العيش الكريم لغايات لا تخفى على الباحثين والمراقبين.

في حين أن الدولة السورية, بعيد انتهاء صراعها مع تنظيم الاخوان, هي من بادرت و سعت إلى لململة الجراح قدر الامكان, وفي هذا الصدد أفادنا مسؤول أمني سوري كبير وسابق (كان مسؤولاً عن متابعة مضاعفات ومخلّفات تلك المرحلة ومعالجتها) بأن الدولة السورية هي من استوعبت الكثير من المواطنين السوريين الذين تضرروا بفعل ذلك الصراع من الذين كانوا عملياً موالين للاخوان المسلمين, فعدا أنهم كانوا يشكلون بيئة حاضنة للإخوان, فقد قدموا لهم خدمات لوجستية كمنازل وآليات وما شابه (وهي أمور يعاقب عليها القانون السوري بالإعدام), تلك المنازل والآليات, كان من الطبيعي أن تصادرها الدولة خلال الصراع, لكن من بعد الانتهاء منه سرعان ما أعادتها إلى اصحابها الذين أعلنوا عن خطأهم في انحيازهم لعنف الاخوان غير المبرر. كما أعادت الاعتبار إلى شخصيات مدنية (منها كفاءات علمية وثقافية) كثيرة كانت تقف مع التنظيم الاخواني أو تتعاطف معه, من خلال السماح لها بالعودة إلى مجالات عملها السابقة في دوائر ومؤسسات الدولة دون أية مساءلة أو عرقلة لها من قبل الأجهزة المختصة.

ومن المفيد أن نذكر هنا, ادعاء الاخوان المسلمين, ومن يواليهم, أنّ النظام السوري دمّر مدينة حماه (1982), وارتكب مجزرة فيها, فالاخوان يزعمون ان ضحاياها 40 ألفاً, فيما تؤكّد وثيقة صادرة عن استخبارات الجيش الأمريكي حملت عنوان "سوريا: الأخوان المسلمون يكثفون الضغط"، ونشرتها مجلة "فورن بوليسي" من بعد أن أفرجت عنها إدارة الأرشيف الوطني الأمريكي، وتقول الوثيقة إن المعلومات الرائجة في الإعلام عما حصل في سوريا آنذاك (حماه 1982)، وبشكل خاص ما سمي "مجازر"، عبارة عن كذبة كبيرة وبروباجندا إعلامية صنعها الأخوان المسلمون ومن كان يقف وراءهم, وتقدر الوثيقة عدد الضحايا في مدينة حماه بألفي قتيل فقط, منهم 300- 400 من نخبة مقاتلي الأخوان المسلمين. طبعاً ليس مجال حديثنا هنا اتهام النظام ولا ادانة (أو تبرئة) الاخوان لجعلهم المدنيين دروعاً بشرية, بيد أن الحقيقة المؤكدة أن الذي داوى جروح حماه بعيد الحرب هو النظام ذاته, إذ هو من أعاد بناءها بحيث أصبحت أجمل حاضرة سورية من حيث التنظيم... فلم تبنها السعودية ولا الولايات المتحدة أوفرنسا.. إلخ.

وللتدليل على صحة قولنا, إن الدولة (برغم ما يعتريها من أخطاء وسلبيات) هي من كان يداوي, وكانت هي الطرف الأرحم في حرب الثمانينات, نذكّر بكيفية تعاملها, إبّان رئاسة الراحل حافظ الأسد, مع الضباط السوريين الذين تم الكشف عن محاولتهم الانقلابية مطلع 1982, ومن أبرز أولئك الضباط كان العميد صلاح حلاوة، قائد الفوج مدفعية ميدان (65) في ريف دمشق، والعميد تيسير لطفي، والعميد نذير السقا. وقد حُكم عليهم بالإعدام من قبل محكمة ميدانية صادق (وزير الدفاع السوري الأسبق) مصطفى طلاس على أحكامها، لكن الرئيس حافظ الأسد رفض التصديق عليها "بالنظر لكونهم أبلوا بلاء حسنا في حرب تشرين 1973، ولا يعدم ضباطاً كانوا من أبطال حرب تشرين"، وفق ما كتب الأسد الأب على حاشية قرار الحكم، وكان مع هؤلاء عدد من الطيارين أبرزهم رفيق الحمامي، محمود كيكي، بشار العشي. وهؤلاء أيضا لم تنفذ بحقهم أحكام الأعدام. و جميعهم كان من الأخوان المسلمين و"بعث العراق". بل اكتفت الدولة باعتقالهم.

وما يقال, في كيفية التعامل الرحيم للدولة (نقول الرحيم قياساً بعنف وإجرام الكثيرين من خصومها) مع الكثيرين من الموالين لتنظيم الإخوان لا بل والمنخرطين فيه, يقال أيضاً في كيفية تعاملها مع تنظيمات أخرى كالتنظيم الحيوي الذي أسسه آواخر ستينات القرن الماضي وقاده وما يزال (الضابط سنتذاك) الدكتور رائق النقري, وألقي القبض على أعضاء التنظيم في سبعينات القرن الماضي, وقل الأمر ذاته مع تنظيمات راديكالية أخرى كرابطة العمل الشيوعي, والحزب الشيوعي- المكتب السياسي (جماعة رياض الترك) في ثمانينات القرن الماضي.. الخ. وسبق أن سألنا قيادياً في "حزب الشعب الديمقراطي" المعارض (الحزب الشيوعي- المكتب السياسي, سابقاً): ترى لو انتصرتم على الرئيس حافظ الأسد, هل كنتم ستضعونه في السجن هو و أعضاء قيادته؟ فسرعان ما أجاب ذلك القيادي بنعم!

في بعض حاضر مأساة خصوم الدولة من "الثوار" والمرتزقة

شكوى وخيبة سمعتها مراراً, من بعض من كان منخرطاً في القتال ضد الدولة, من حملة الجنسية السورية, مفادها: "لو كانت السعودية وقطر تحباننا فعلاً لماذا يمنعانا من السفر إلى بلدانهم والحصول على الإقامة والعيش الكريم هناك دون أية معوقات؟ لماذا فقط يريدوننا أن نموت؟ ولأجل ماذا وعمن سنموت؟ نقدر موقفهم بدعمنا بالمال السلاح, لكن ماذا عن أطفالنا ومستقبل أولادنا بعد أن نموت ويصبحوا يتامى؟ هل ستعيلهم السعودية وقطر؟". هذه الشكوى لم يكن سماعها حكراً علينا, بل انتشرت في فترة سابقة عبر بعض صفحات "الجهاديين".

أضف إلى ذلك, أن تعدد الميليشيات المسلحة لدى المعارضات, وتعدد ولاءاتها بحسب داعميها, جعل بعضها يتصارع مع البعض حتى التصفية (كما حدث بين مسلحي جبهة النصرة وداعش, قبل سنوات في أكثر من مكان في سوريا) وكما يحصل الان بين ميليشيا "أحرار الشام" وميليشيا "الزنكي" في إدلب التي ذهب في معاركهما عشرات القتلى, ولا أحد, طبعاً, سيسأل عن مصير عائلات الضحايا وعمن سيعيلها.

ثمة مفارقة, عاشها السوريون خلال الحرب وما زالوا يعيشون بعض فصولها حتى الآن, فالمعروف أن الحرب تسببت في هجرة عشرات آلاف العائلات من محافظات حلب وإدلب ودير الزور والرقة, وأغلب هذه العائلات استقرت في الساحل السوري نظراً لما يتمتع به من آمان, وعندما تسأل ربة أسرة إحدى هذه العائلات أو حتى طفلة, عن الزوج أو الأب, سرعان ما يجبنك وبثقة: "إنه في الجهاد" أي يحارب الدولة, وبعضهن يتكلمن عن الجيش السوري بكلمات غير لائقة, في وقت يسكنّ فيه في بقعة تقع تحت سيطرة الدولة التي تقدم ما بوسعها من خدمات لتلك العائلات النازحة! لا بل حتى الوسط الاجتماعي في الساحل -بشكل عام- وهو موال بمعظمه للدولة, يقدم كل عون ممكن لأولئك المهجّرين قبل أن يرجع معظمهم إلى حلب ودير الزور بعد عودتهما لسيطرة الدولة.

ويذكر لنا, بعض العائدين إلى حضن الوطن, ممن حملوا السلاح, حتى الأمس القريب, في وجه الدولة ومواليها, كيف أن الدولة السورية تسعى إلى المصالحات وتسوية أوضاع المسلحين الراغبين بالعودة إلى حياتهم الطبيعية وتأمين وظائف لبعضهم, على نقيض الجرائم التي يرتكبها بعض قادة الميليشيات المسلحة التي لا تراعي قوانين ولا أعراف حتى مع بعضها البعض, ولا تعترف بشيء من قيم وأخلاق الحرب ولا تراعي حرمة عدم إذلال الأسرى, ويذكّرنا أولئك, بالمشهد الذي عرضته ميليشيا جيش الاسلام منذ نحو العامين لأسرى لديها (مدنيين وعسكريين) وكيفية عرضها لهم في أقفاص حديدية في مدينة دوما, في مشهد كان ينطوي على الكثير من المهانة والإذلال للنفس البشرية.



عودة إلى الجانب الآخر

بالعودة إلى ضحايا الجيش, لاشك أنّ ظروف الحرب الراهنة في (و على) سوريا, وتعدد الدول الداخلة والمشاركة (مداورة أو مباشرة) فيها كتعدد أهداف وغايات تلك الدول منها, أفرز واقعاً معقداً ومتشابكاً انعكس سلباً على واقع أسر ضحايا الجيش, إذ ظهرت قوى عسكرية رديفة (غير نظامية) تقاتل الى جانب القوات العسكرية السورية النظامية مثل "الدفاع الوطني" و"الزوبعة" و"صقور الصحراء".. فضلاً أن الحرب طالت بحيث تكاد تفوق زمنياً مجموع الحربين العالميتين.. الخ, ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق, قياساً بالحروب السابقة التي شهدتها سوريا, في عدد الضحايا والمخطوفين والمعوقين من عسكريين وقوى رديفة ومدنيين (هناك من يتحدث عن أكثر من مائة ألف شهيد عسكري خلال هذه الحرب). إلى درجة بات معها مكتب شؤون الشهداء (الذي له فروع في جميع المحافظات السورية) عاجزاً عن تلبية مطالب هذا الكم الكبير من ذوي الضحايا والجرحى, خاصّة أن نسبة كبيرة منهم ليست من ملاك وزارة الدفاع التي يتبع لها المكتب المذكور, فيما التعويضات الي يدفعها الدفاع الوطني لذوي ضحاياه, عدا أنّها تتأخر أكثر من شهر في بعض المرات, فإن قيمتها لا تكفي لاستئجار غرفتين في الأحياء العشوائية. ربما من هنا انطلقت بعض الاصوات الوطنية المطالبة بوزارة للشهداء, لكن فيما يبدو أن الإمكان السوري لا يسمح بإنشاء هذه الوزارة راهناً, ناهيك أن الأولوية بالنسبة للدولة هي لما بات يعرف بالمصالحات الوطنية التي أتت بنتائج ايجابية مهمة في معظم الأماكن التي تمت فيها, وهذا ما يفسّر اهتمام الدولة بوجود وزارة لهذا الغرض, تحمل اسم وزارة "المصالحة الوطنية".

إزاء هذا الواقع المرير -فيما يخصّ أسر ضحايا الجيش والقوى الرديفة- اجترح الضمير الشعبي الوطني السوري المبادرات التي من شأنّها مساعدة عوائل الضحايا العسكريين والقوات الرديفة ما أمكن, ولعل من أوائل هذه المبادرات تلك التي أطلقها أحد النشطاء السوريين صيف 2012 تحت اسم "ساعد" التي سرعان ما استجاب لها بعض المغتربين السوريين, خاصّة المقيمين في دول الخليج العربي, الذين أفادنا بعضهم أنّه تعهّد بإعالة أسرتي شهيدين من خلال تقديم دعم مالي شهري لهما قيمته مائتي دولار (اقل من100 ألف ليرة سورية) لكل أسرة, مدى الحياة؛ وهناك عدد من المغتربين السوريين (في الولايات المتحدة الامريكية) يرسل مساعدات شبه منتظمة لعوائل شهداء لم يعد لها معيل حقيقي إلّا أصحاب الضمائر الحية.

وفي هذا الجانب, تنبغي الاشارة إلى المساعدات التي أرسلها, ولأكثر من مرة, أبناء الجالية السورية في الارجنتين, لعوائل ضحايا الجيش وجرحاه, وبرغم رمزية هذه المساعدة, غير ان أهميتها تأتي عدا بعدها الانساني, أن مرسليها هم من الجيل الثالث ومافوق, المولود في الارجنتين, بمعنى أنّ هذه اللفتة من المغتربين في الأرجنتين (والأصح القول: الأرجنتينيون من أصول سورية) كشفت عن مدى ارتباط اولئك الذين هم من أصول سورية بوطنهم الأم وإحساسهم العميق بمعاناة أبناء وطن أجدادهم, مع أنّ غالبيتهم لم تره ولم تعد لها أية روابط مجتمعية به. ولم نسمع أنّ أولئك المغتربين قد خصّوا ضحايا الطرف الآخر في الصراع بأية مساعدات لعدم ايمانهم بوجود ثورة في سوريا.

واللافت, أنّ هذه المبادرات تتمّ دون العودة إلى دوائر الدولة بما قد يتخللها من روتين وبيروقراطية, بل من خلال أهل البرّ والاحسان في المجتمعين الأهلي والمدني ودون أي معوقات من قبل أي طرف كان.

لكن أهم مبادرة عرفتها سوريا على الاطلاق (دون التبخيس من شأن ما سبق ذكره, ومما لا يتسع المقام لذكره) هي التي يقوم بها الاعلامي السوري هيثم يحيى محمد, إذ بدأ نشاطه من خلال مناسبات تشييع الشهداء ومجالس التعازي بهم, وفي هذا الصدد أفاد "آسيا نيوز": "منذ نحو السنتين أضفت لهذا النشاط المستمر نشاطاً نوعياً آخر فرضته زيادة عدد الشهداء, ووصول شكاوى لنا عن وجود معاناة كبيرة عند الكثير من أسرهم بعد رحيلهم, وقد تمثّل هذا النشاط بزيارة بعض الأسر التي تعيش أوضاعاً صعبة وحرجة, ومن ثم تسليط الضوء عليها عبر صفحتي على الفيسبوك التي يتابعها ويتفاعل معي من خلالها الكثيرون داخل وخارج الوطن(السوريون المغتربون).. وكانت البداية من حي الرادار (أحد الأحياء الشعبية في طرطوس)حيث زرنا أربعة أطفال أيتام لا أب ولا أم لهم بعد أن طالهم الإرهاب في عدرا العمالية عند اقتحامها (عام 2013), وتبين لنا أن الأطفال يعيشون مع جدتهم في غرفة مقتطعة من مدجنة قديمة وسقفها اترنيت ونايلون وتفتقر لكافة الشروط الصحية والإنسانية, وبعد أن عرضنا حالتهم وردتنا اتصالات عديدة يبدي أصحابها الرغبة في دعم ورعاية هؤلاء الأيتام".

ويتابع يحيى محمد القول: " وفعلاً قام الكثيرون بزيارتهم وتقديم مساعدات لهم (عينية ومادية), وكان من بين المساعدات قيام إحدى فاعلات الخير(صونيا رزوق) بإستئجار شقة سكنية مناسبة لهم منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم, وقيام أحد الأصدقاء السوريين العاملين في لبنان بكفالة الأطفال بشكل دائم بمبلغ مائة ألف ليرة سورية شهرياً إضافة لبعض التقديمات العينية كلما دعت الحاجة".

وحول التنسيق مع الجهات الرسمية بخصوص هذا النشاط, يؤكّد الاعلامي هيثم يحيي محمد أنّ "لا تنسيق مسبق مع الجهات الرسمية في نشاطنا هذا, لكن الكثير من الحالات زرناها برفقة أمناء فرق أو شعب حزبية أو رؤساء وحدات إدارية أو مخاتير, وعندما سلطنا الضوء على بعض الحالات كانت هناك مساهمات لها من قبل السيد محافظ طرطوس, ومعالجات من قبل بعض المديريات المعنية كالخدمات الفنية والصحة والكهرباء والسورية للتجارة.. الخ".

والملاحظ في فاعلي الخير المستجيبين لتلك المبادرات سابقة الذكر, أنّهم يبرون بأفضل ما لديهم لذوي ضحايا الجيش وقواه الرديفة دون أي ضجيج أو صخب إعلامي, لا بل أن معظمهم يرفض مجرد ذكر اسمه! وإن كنّا نعرف بعضهم (من خلال ما يتناقله الناس) كـ"العم علي سعد" وهو تاجر من طرطوس يسخّر وبسخاء ثروته لفعل الخير في الجانب الذي نتحدث عنه.

ومن الجدير ذكره أنّ معظم الحالات التي تمّ تسليط الضوء عليها من قبل الإعلاميين عبر صفحاتهم (الفيسبوك), قد تمت معالجتها, فقد سبق لأحد الزملاء أن كتب عن عسكري مصاب بـ19 طلقة بعضها في العمود الفقري, عمره 22 سنة, وهو مشلول, ولم تمض ساعات على كتابة ذلك الزميل حتى اتصلت به إحدى السيدات السوريات المقيمات في العاصمة الأردنية طالبة منه رقم العسكري المصاب كي تقدم له كل دعم مادي ممكن. وفي هذا الصدد, يؤكّد مجدداً هيثم يحيى محمد: "وقد أدى تسليط الضوء المتواصل من قبلنا على الحالات الصعبة من جرحانا الأبطال أو أسر الشهداء الى معالجة وضع معظم تلك الحالات من قبل أهل الخير, فهناك من تم اشادة منزل كامل متكامل لهم (حصل ذلك في قرية دوير المشايخ في الريف الغربي لمحافظة حماه), وهناك من تم صيانة وتأهيل وترميم منزله, وهناك من تم تأثيث منازلهم بالفرش اللازم, وهناك من تم تنظيم عقود عمل مؤقتة أو دائمة لهم, وهناك من تم تخصيصه بمبلغ شهري, وهناك من تمت كفالته بشكل دائم وهناك من تم شراء كراسي كهربائية أو أدوات أخرى لهم.. الخ".



سهير الأتاسي: لست وحدي من سرق أموال الثورة

يبقى ما سبق ذكره, بالرغم من شدة نبله, عبارة عن حلول فردية يشكر عليها كل من ساهم ويساهم بها, وهي تعتبر نقطة مشرقة ومشرّفة من قبل الموالين للدولة السورية وهي لا تغني عن وجود مؤسسة ضخمة ترعى شؤون وشجون أسر الشهداء (وفق تعبير هيثم يحيى محمد), لم نجد شبيهاً لها لدى الأطراف الأخرى الداخلة في الصراع والمشاركة في الحرب, لابل جميعنا يتذكر مقولة المعارضة السورية المعروفة سهير جمال الأتاسي عندما صرخت محتجة في وجه زملائها من معارضات الخارج: "لستُ وحدي من سرق أموال الثورة", وهذه الجملة تغنيننا عن كتابة صفحات, ويعرف المعارضون قبل سواهم الترف حد الجنون الذي يعيش فيه ابن السيدة سهير الأتاسي في بلاد الغرب.

وتبقى الحقيقة.. إنّ الحرب مستمرة والجراح تنزف, ولا أحد يعرف متى ستكون نهاية هذه المأساة..

آسيا نيوز

December 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
25 26 27 28 29 30 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31 1 2 3 4 5
عدد الزيارات
4881597

Please publish modules in offcanvas position.