الصفحة الرئيسية

خرافة الفتوحات الاسلامية - ج1

يستغرب الكثير من حديثي المتكرر في هذا الموضوع و البعض يسخر من حديثي حول خرافة الفتوحات معتقدا انها مجرد مزحة او شطحة تنطلق من فكرة تحسين صورة الاسلام على حساب الحقيقة ، و البعض يتساءل عن اهمية مثل هذا الحديث خصوصا هذه الفترة التي تشهد فيه المنطقة هذا العدوان الغربي المتوحش و الذي يتطلب منا التركيز عليه و التفكير بكيفية مواجهته و ترك قصص الماضي.

لماذا اتحدث عن خرافة الفتوحات الاسلامية في هذا الوقت ؟

لان المشروع اصبح واضح جدا الا لمن اعمت الكراهية عقله و قلبه، و حالت العقد النفسية حاجزا بينه و بين الحقيقة التي تعيقه عن رؤيتها فحديثي هو جزء من مقاومة هذه الهجمة الغربية الصهيونية على المنطقة و يدخل من باب الاستعداد الاستباقي للهجمة القادمة .

ال سعود في الحقبة السابقة كانوا في مهمة منظمة في اغراق المنطقة اعلاميا بالدين الوهابي و الوعي الماضي و جعل الوعي مشدود للماضي و تفسيراته و الجدل حوله و نشر كل القبح الموجود في التاريخ و جعله عنوان مقدس لكل مسلم و شرعية للمسلم في كل مكان هو متواجد فيه، من اجل خلق حالة عامة من السخط في المجتمعات ضد هذا الوعي و هذه المشروعية القبيحة التي تستفز فئات من المجتمعات في المنطقة .

ال سعود استطاعوا بدهاء المشروع الصهيوني الذي يقومون بادارته و عن طريق اعلامهم الضخم من صناعة مخيلة جمعية في المنطقة و العالم ترى في مملكة ال سعود الممثلة الرسمية و الشرعية للعرب و المسلمين تاريخيا و حاضرا ، فصورة العربي في التاريخ اقترنت بهيئة ال سعود بكل تفاصيلهم و تفكيرهم و قصصهم و منطقهم ، و صورة الاسلام التاريخي و الحقيقي في المخيلة اصبحت هي صورة اسلام الوهابية و ال الشيخ و العريفي . احتكروا العروبة و الاسلام لهم، و هذا المشروع لو ادركته جيدا ، فانك بعدها لن تستغرب لو سمعت فنان سعودي يقول ان الرسول سعودي او سمعت شخص مصري يقول ان السعودية ارسلت عمر بن العاص في الماضي و اليوم ارسلت الحويني .لقد كان مشروع منظم و ليس عفوي، من اجل صناعة مثل هذا المنطق و هذه المخيلة الجديدة و جعل ال سعود هم ملاك تلك المخيلة في وعي الناس .

ال سعود بحلتهم الجديدة ذاهبون الى تقديم اعتذار رسمي لشعوب المنطقة عن الفتوحات الاسلامية التي لم تحدث اصلا على لسان شيوخ دينها و مفكريها و مسؤوليها و سيقوم اعلامهم النفطي الضخم بجعل هذا الحديث قضية الساعة على مدار الايام المقبلة.

ال سعود لا يمكن ان يسمح لهم بمثل هكذا خطاب و هم مازالوا يروجون للوهابية لانها ستكون لا منطقية ، الا لو اظهروا للعالم انهم متجهون نحو تحول جديد، و مع هذا التحول سيكون الامر مقبول لمثل هكذا خطاب بعد ان اغرقت المنطقة بكل ما هو قبيح و بشع و الان تتبرا منه، و سيستجيب و يتفاعل النيوعلمانين و اللادينين و من غير المسلمين مع هذا الاعتذار و يدعمونه و سيجعلونها مادة متواصلة للحديث ، و لا يعرفون ان مثل هكذا اعتذار ليس عفوي او لاجل الله او من باب نظرة حداثية ، بل هو متعمد و مقصود من اجل اعادة التاريخ القديم للوعي و اثارة موضوع الهوية و جعله اساس شرعية قيام الدولة ، و لاجل منح الجماعات و الخطابات الانفصالية في المنطقة وثيقة شرعية تمنحها الحق الشرعي و التاريخي في فرض منطقهم و مشاريعهم الانفصالية.

بمثل هكذا اعتذار، فان السعودية مديرة مشروع اسرائيل تريد تاكيد و تعزيز و تاصيل و تثبيت الهويات و الانقسامات و الثارات التاريخية لدفع المجتمعات في المنطقة الى الفوضى . و بعد ان كانت الحركات الانفصالية لديها كراهية للسعودية فانها ستجد في مثل هكذا خطاب السعودية داعم لها و جميل و يماشي الحقيقة و الحداثة ، و لا يعرفون ان الصهيونية عبر ال سعود يحاولون اللعب بالفضاء الاسطوري لشعوب المنطقة من اجل انتاج استحقاق سياسية على الارض و انتاج صراع متضخم يستند على فضاء اسطوري كبير في عملية الاستحقاق .

المشروع الصهيوني عبر ال سعود يريد دعم و تعزيز موجة في المنطقة تحاول ان تحتكم على ذلك الخيال الاسطوري الغير حقيقي (اسطورة الفتوحات) من اجل ان تمنح نفسها احقيه سياسية تفرضها على الواقع ، تلك الموجة التي تقول ان المسلم في الشام ليس من الشام بل من الجزيرة ، و المسلم في العراق ايضا و في مصر ايضا و العربي دخيل في المغرب.

هل حدثت فتوحات اسلامية ؟

اطلاقا ....لم تحدث فتوحات اسلامية، هذا حديث يستند على فضاء اسطوري انتجته مجتمعات كا اجابات من داخل اساطيرها التاسيسية القديمة و بتسليم اسطورتها التاسيسية لعقيدتها الجديدة حتى تمنحها الشكل الجديد، تعظيم عقيدتها على حساب الواقع .

نعم لم تحدث فتوحات كما تقوله الرواية التاريخية الاسطورية التي يقراها المسلم، لاننا لم نقرا بعد تاريخنا الحقيقي ، فمازلنا داخل الفضاء الاسطوري عند قراءة التاريخ ، و هذه نقطة مهمة جدا يغفل عنها الكثير من الباحثين و القراء قد تكون مدخل مهم لشرح كثير من الاشياء و فك التباسات الاشياء عند البعض و الغير قادر على تفكيكها عند قراءة التاريخ.

الغرب يدرك تماما تاريخنا ، و يعرف اننا مازلنا نعيش التاريخ الاسطوري و ليس الحقيقي، و هو يعرف اماكن اختراقنا و اللعب بنا ، و لهذا فاننا لن نخرج من هذه الفوضى الفكرية و هذا الصراع التاريخي المرسوم في مخيلتنا الذي زرعه ال سعود مدراء المشروع الصهيوني ، الا بعد ان ننقل التاريخ من الفضاء الاسطوري الى الفضاء الواقعي، بإيقاف حركة التاريخ الموجودة في مخيلتنا من حركته الاسطورية و تحويلها الى حركه واقعية قابله للفهم .

لماذا الفتوحات الاسلامية اسطورة و ليست حقيقة؟

لو طالعت تاريخ كل شعوب العالم، فسوف ترى تاريخ مغلف بفضاء اسطوري يعطيها حالة من التضخم، و هذا ليس بالشيء الغلط او بالخطا الذي يجب ازالته، فالشعوب تحيا بالاساطير و هي المحرك الكبير لها، الاساطير هي الوقود المحركة للشعوب في مسيرتها التاريخية،لكن عندما يصبح ذلك الفضاء الاسطوري محل تلاعب،فيجب عندها اخراج التاريخ من الفضاء الاسطوري .

اعرف ان مثل هذا الحديث لم يقله احد من قبل ، لان هناك توجه يتعمد عدم طرحها، و هناك وعي عام يجد صعوبة في استيعاب ان الفتوحات اسطورة بسبب الصعوبة لدينا في التفريق بين الاسطورة و الحقيقة ، فلم نستوعب مفهوم الاسطورة و يغيب عننا مفهوم البنى الفوقية .

ماهي الاسطورة ؟

هناك من يعرف الاسطورة بانها حكاية مرتبطة بالالهات القديمة و يفرق بينها و بين الخرافة بان ان شخصيات الاسطورة كانت في الاساس الهات قديمة عبدها البشر و الاسطورة حكاية على لسان الالهات ، اما شتراوس فيقول ان الاسطورة تتكون من ثلاثة اشياء الهيكل و الرموز و المعنى .

المفكر لوكاتش قدم لنا مفهوم جديد و هو البنى الفوقية و الذي يقصد به : اشكال الوعي العليا المتمثلة ب (الدين و الاساطير و الفن )، و التي لا يمكن ازالتها من اي مجتمع اطلاقا، و هذه البنى الفوقية تمنح وجودها على الواقع مع كل تحول او تطور في البنى التحتية للمجتمع و تتخذ صور شتى و عديدة مع مرور الزمن.

و عليه فالاسطورة بنية فوقية، وعي علوي ، لا يمكن ازالتها من اي مجتمع، الاسطورة تستمر بتاثيرها على طول التاريخ ، لكن يمكن ان تتخذ الاسطورة شكل جديد لها غير الشكل الاول، مع احتفاظ الاسطورة ب بنيتها (الهيكل) الاساسية .

الاسطورة مثل اللغة ...كائن حي يتطور مع الزمن. فكما تتطور مفردات و تراكيب اللغة مع احتفاضها بالقاعدة ، فان الاسطورة تتطور فيها رمزيتها و و شخصياتها و سيناريوهات الحكاية مع احتفاظها بالبنية الاصلية.

هل يمكن التوضيح أكثر ؟

سغضرب مثالا حتى تتضح الصورة بشكل واضح ، و سيكون المثال عن اسطورة قديمة و سنشاهد كيف حدث لها تحولات على مر التاريخ مع بقاء بنيتها الاساسية .

الاسطورة هي اسطورة تاسيس مدينة قرطاج .

لكن قبلها احب ان انبه لنقطة مهمة جدا، بان هذه الاسطورة ليست الاسطورة الاصلية لانها نقلت من اليونان محرفة عن الاسطورة الاصل، فنحن نجهل الاسطورة الاصلية لانه لا يوجد اهتمام في تنقيب الاثار في تونس . بالرغم من ان شكل الاسطورة الاولية لن يكون من الصعب تخيلها لانها ستكون مشابهة لبقية اساطير و اديان المنطقة القديمة ، و سيكون الاقرب لها اسطورة ايزيس و اوزريس و حورس.

1- الاسطورة تتحدث عن ملكة اسمها عليسا ابنه ملك صور تخاصمت مع اخوها و الذي ايضا قتل زوجها ، فقررت ان تغادر موطنها مع كنوزها وبعد رحلة طويلة، أرست السفن على ساحل شمال أفريقيا في تونس الحالية. وقررت انشاء مدينة سمتها قرطاج أو "قَرْتْ حَدَشْتْ". و تقول الأسطورة الأولى التي كتبها مؤرخي اليونان أن عليسا فاوضت حاكم البلاد لمنحها أرضا تبني عليها مدينتها غير أن الملك أبى أن يمنحها أكثر من مساحة جلد ثور فقبلت عليسة ذلك أمام دهشة مرافقيها، إلا أن الأميرة كانت تضمر خطة ذكية ستمكنها من بلوغ مدينة قرطاج. فقامت عليسة بقص جلد الثور إلى أشرطة دقيقة طويلة أحاطت بمساحة الهضبة ، ثم طلب ملك البلاد الزواج من عليسا، ولما كانت الأميرة عازمة على البقاء وفية لذكرى زوجها وخوفا من أن يجلب رفضها دمارا للمدينة آثرت الانتحار محافظة بذلك في الوقت نفسه على عهدها لزوجها و على المدينة التي أسستها.

هذه الاسطورة كما نقلها اليونان بشكل محرف عن الاصل، لكن لاحظ الى الاسطورة ملكة يقتل زوجها على يد اخوها كما في قصة الهات مصر تقريبا ، فتغادر الى مكان و تخط مدينة بجلد ثور، ثم تنتحر لانها رفضت الزواج من حاكم البلاد وفاء لزوجها .

الآن لننتقل لنفس الاسطورة لكن بثوب مختلف و تحكي عن تاسيس افريقيا( قرطاج ).

2- الاسطورة تحكي عن ملك حميري اسمه افريقيش اتجه الى إفريقية، فافتتحها وقتل ملكها، وأسكنها من قومه من البربر . و لذلك سميت تونس قرطاج ب افريقيا نسبه له .

الان لاحظ معي كيف اصبحت الاسطورة ، ففي هذه الاسطورة اصبحنا نتحدث عن ملك و ليس ملكة ، و هو من خط تونس افريقيا و نسبة له ، و هذه المرة لم يمت او ينتحر بل قتل حاكم البلاد .

لاحظ معي التطابق بين رمزية الاسطورة الاولى و الثانية ، فمازلنا ندور في نفس المكان و الجغرافيا قرطاج تونس ، و هناك ملكة في الاسطورة الاولى و هناك ملك في الاسطورة الثانية ، و هما من خطا قرطاج و تونس ، لكن الاختلاف بينهما ان في الاسطورة الاولى اسم المدينة لم يكن على اسم الملكة ، عكس الاسطورة الثانية ، و في الاسطورة الاولى تطلب الملكة من حاكم البلاد ارض ، فتنتزع ارض بحيلة ، و في الاسطورة الثانية ينتزع الارض بالقوة، في الاسطورة الاولى تنتحر الملكة و يبقى حاكم البلاد ، و في الاسطورة الثانية لا يموت الملك و يقتل حاكم البلاد اخر اختلاف هو الموطن الاصلي، فالموطن الاصلي للملكة في الاسطورة الاولى هو صور لبنان ، و الموطن الاصلي للملك في الاسطورة الثانية هو ارض حمير ، رغم اني متاكد ان الاسطورة الاولى تقصد صور اليمن .

و الان لننتقل لنفس الاسطورة لكن بثوب مختلف عن الاسطورتين السابقتين و تحكي عن تاسيس مدينة القيروان .

3- الاسطورة تحكي عن فتح الاسلامي لافريقيا و عن قصة القائد العسكري عقبة بن نافع الذي فتح افريقيا و غادرت الطيور و الحيوانات بعد ان دعى الله و خط مدينة القيروان .

ثم جاء ابن خلدون و اضاف للاسطورة قصه عقبة مع حاكم تلك المنطقة كسيلة عندما امره ان يذبح الكبش بنفسه، فيغضب كسيلة فتجري مراسلات مع الإفرنج ودلوه على الفرصة فجمع جيش و اتبعوا أثر عقبة وأصحابه، ثم تجري معركة بين الاثنين و يقتل عقبة بعد ان قاتله كسيلة في مبارزة فردية .
الان لاحظ اوجه التشابة بين هذه الاسطورة و الاسطورتين السابقتين .

مازلنا ندور حول جغرافيا تونس، و هذه المرة كيف تم تخطيط مدينة القيروان و في الاسطورة الثالثة تحول الى قائد عسكري له طبيعية مقدسة .

لكن مع اضافة بن خلدون اصبحت الاسطورة مختلفة ، ففي الاسطورة الاولى تطلب من حاكم البلاد ان يعطيها ارض ، و في الاسطورة الثالثة يامر حاكم البلاد ان يسلم ، في الاسطورة الاولى الاولى يتم تخطيط مدينة (قورطاج) و في الاسطورة الثالثة يتم خط مدينة (قيروان)، في الاسطورة الاولى يقدم لها جلد ثور، و في الاسطورة الثالثة يطلب من حاكم البلاد ان يذبح كبش و يمسح جلد الكبش وجهه ، في الاسطورة الاولى تموت الملكة بالانتحار ، و في الاسطورة الثالثة يقتل القائد على يد حاكم البلاد .
اما وجه التشابهة بين هذه الاسطورة و الاسطورة الثانية ، فهو الجغرافيا .

هناك ملاحظة حول الاسطورة الثالثة :

كانت الاسطورة تسير بشكل هادىء و لا يثير الحنق و السخط فعقبة خلال التاريخ يبدو رجل بطابع اخلاقي ، حتى جاء ابن خلدون و قام بمنح الاسطورة شكل قبيح و مستفز بشكل متعمد تماما. فابن خلدون اراد تدمير اسطورة التاسيس و ربطها باوروبا في جوانب عديدة .. فهو يمنح روما جانب اخلاقي بمساعدة كسيلة الذي تعرض للاهانة و الانتقاص من بطل اسطورة التاسيس ، ثم يمنح كسيلة لقب الاوربي القريب نطقها من نطق الاوروبي، اما النقطة الثالثة و هي الاهم فهو يستعير من الياذة هوميروس اشياء عدة ، فهو يستعير منها المبارزة الثنائية بين هكتور و اكيلس، و يجعلها المبارزة الثنائية بين عقبة و كسيله، و لا يحتاج شخص الى ذكاء ليعرف ان كسيلة ماهو الا اكيلس و عقبة ماهو الا هكتور ، حتى في طريقة مسح جلد الكبش فهو يستعير من الياذة هوميروس طريقة مسح اكيلس وجهه بثوب صديقة الذي قتله هكتور ، اشارة على انه سينتقم من هكتور.
هل كان ابن خلدون يعتقد ان مدينة طوروادة هي نفسها مدينة قورطاجة حتى يستعير من الياذة هوميروس؟ ..حتى نطق المدينتين متشابه ايضا. خصوصا ان هيرودوتس يتحدث عن سكان تلك البلاد يتحدثون ان اصولهم من طوروادة .

الآن لنقوم بتشريح الاساطير الثلاث :

و فق تعريفنا السابق للاسطورة، سنجد ان الاساطير الثلاث من اصل اسطورة سابقة مرتبطة بالالهات القديمة و اما الشخصيات الموجودة في الاساطير الثلاث هي صور متعددة للالهات القديمة ، اما عند تشريح الاساطير سنجد انها تتكون من هيكل و رموز و معنى و رسالة الاسطورة ، فهيكل الاسطورة هو (العقيدة)، اما رموز الاسطورة فهي مكونة من ثلاث :

1- تاسيس المدينة

2- هجرة سكانية الى هناك

3 - اصل عقيدة المدينة الدائمة

الاسطورات الثلاث لم تتفق حول الاصل، دعونا نحاول اعادة قراءة الثلاث اساطير و نصححها ، فالاسطورة الاولى التي نقلها اليونان تتحدث عن اصل الملكة من صور لبنان ، ليس عندي النص الاصلي ، لكن بدون ادنى شك لدي ، انها ليست صور لبنان بل صور في اليمن ، و التي مازلت تحمل اسم كاهن صور المذكور في الاسطورة بشكل محرف بسيط .هنا نكون قد وصلنا الى تطابق في الاصل بين الاسطورة الاولى و الثانية ، حول اصل المؤسس، و حول الموطن الاول لسكان المدينة و هو اليمن ، و هناك ملاحظة عندما اقول اصل السكان ، فاني اقصد الجغرافيا الام التي ولدت فيها الالهة ، فالشعوب قديما كانت تنسب اصلها لموطن الالهة .

هذا يعني ان عقيدة سكان تلك المنطقة ستكون دائما بالتوازي مع اليمن، فمصدر العقيدة ياتي من اليمن ( الفاتيكان ).

الان لاحظ الاسطورة الثالثة كيف تربط بين مؤسس مدينة القيروان و بين العقيدة ، و كيف اصبح هذا الرجل يحضى بقدسية في شمال افريقيا، لاحظ كيف تسير اسطورة عقبة بشكل متوافق مع الاسطورة الاولى و الثانية و ليس انحراف، فمؤسس المدينة دائما مرتبط بالعقيدة الحقيقة و الجديدة، فكل من يبني و يخطط المدينة فهو يؤسس لعقيدة جديدة ، و العقيدة الجديدة لسكانها دائما تاتي من ارض الالهة التي قدموا منها قديما، فمثلا عندما تكون اليمن على ديانة اليهودية ستكون هذه المدينة بعقيدة اليهودية و عندما تكون اليمن مسيحية ستكون عقيدة المدينة مسيحية، و هكذا..الإيمان يمان.

هناك نقطة اخرى مهمة جدا في الثلاث الاساطير و هي رمزية حاكم البلاد قبل دخول الالهة ، فالكثير يقرا الاساطير بمنطق، و الاسطورة لا تقرا وفق المنطق، فكثيرا ما اقرا كتابات البعض حول اسطورة من عليسا الى الملك الحميري الى عقبة ، فالكثير يحولها الى مدخل اخر ، فالكثير يكتبون ان حاكم البلاد في اسطورة عليسا ملك بربري ، على اساس ان هناك سكان كانوا في تلك المنطقة و لديهم حاكم، بالرغم من ان الاسطورة لا تقولها ، لكن يدخلون هذا الشيء للاسطورة لايجاد تقسيم بين وافد و اصيل، و بالرغم من ان اسطورة الملك الحميري الذي قتل ملك افريقيا تتحدث انه اسكن البربر هناك .

فحاكم البلاد في اسطورة عليسا، هو رمزية لالهة مختلفة فقط، و مادام انها الهة مختلفة فالبعض سيعتقد لابد ان هناك شعب يعبدها ، و الامر ليس كذلك ، انما هي الهة افتراضية تدل على انتصار الالهة الحقيقية على الالهة الافتراضية .هذا الامر يشبه طقوس وضع القران في الاماكن المهجورة لطرد الجن التي يسكنها، و هذا الامر تتحدث عنه الاسطورة الثالثة حين دخل عقبة تونس نادى على الوحوش و الحيوانات باسم الله كي تغادر الارض .. و بالفعل فرت من تلك الارض. القدماء كانوا يفترضون ان الجبال و الوديان تحكمها الهات ، و اسطورة عليسا تتحدث عن هضبة كبيرة التي بني حولها قرطاج ..كانت الهضبة هي حاكم البلاد .

القدماء كان يرون بان الارض الجديدة فيها الهات تحكمها و الانتصار على تلك الالهات يتم بجعل تلك الارض بعقيدتهم الحقيقية، و لا بد من توزيع اجزاء من الالهة الحقيقية على كامل الارض ، ففي اسطورة اوزريس المصرية يتم توزيع اجزاء من جسدة على كامل تراب مصر بمعنى ان العقيدة ستكون واحدة في كافة تلك الارض و هي عقيدة اوزريس ، و نفس هذه الطريقة و القصة، وقعت في اسطورة عليسا عندما قامت بحيلة و قسمت جلد الثور اجزاء صغيرة و حازت على مساحة جغرافية كبيرة ، فالثور هو رمز الالهة الجديدة و هو رمز موجود في كل اديان المنطقة، و للتدليل على ان العقيدة الجديدة ستكون على كامل تلك المساحة الجغرافية الكبيرة .

ف الملكة عليسا = الملك الحميري = الفاتح عقبة .

و قرطاج = افريقيا = القيروان .

و لم يكن فاتحي شمال افريقيا في التاريخ الاسلامي الا الشعب الذي قدم مع الملك الحميري و هو نفسه الشعب الذي قدم مع الملكة عليسا .

هل كانت قورطاج التاريخية هي نفسها القيروان حاليا ، هل اخطا المؤرخون في اعتقادهم ان قرطاج في مكان اخر ، خصوصا و ان لدينا ادلة حول ان مدينة قورينا في ليبيا كانت تسمى قيروان ايضا ، و هذا يعني ان قيروان الحالية يمكن ان يطلق عليها قورينا، و قورينا في ليبيا تسمى حاليا شحات و يقال ان اصل قورطاج هو قرت حشت، فهل قورطاج هي قورينا و هي القيروان حاليا ؟

بدون ادنى شك لدي .....فأنا مؤمن ايمان مطلق بان قرطاج التاريخية هي مدينة القيروان الحالية ، و ما يطلق عليه قبر و مرقد عقبة بن نافع هو بالاساس مكان مقدس قديم لالهة قديمة، لبنية فوقية قديمة في تلك المنطقة...اقدم من 1500 سنة، لكن رواية التاريخ الجديدة حاولت تمنحه شكل جديد و صورة جديدة لقداسة قديمة جدا و هو ربط هذا الرجل الاسطوري ببناء هذه المدينة التاريخية، و هذه المدينة التي هي رمزية العقيدة في كل وقت لشمال افريقيا (الاسلام - المسيحية - اليهودية ..).

نحن امام ثلاثة اساطير، تملك نفس البنية و تحكي عن العقيدة ، لكنها تتخذ اشكال مختلفة ، و هناك من حاول التلاعب بالاسطورة التاسيسية و دائما لا ياتي اللعب الا من عنصر خارجي له اطماع سياسية (اثينا و روما)، كما يحاول الان المشروع الصهيوني بالتلاعب بالاسطورة و تحويل مسارها و دلالاتها الى دلالات مختلفة بما يخدم الغرب .

انتهى الجزء الاول

يتبع

من صفحة "خاطرة أبو المجد"

أضف تعليق


كود امني
تحديث

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2076565