الصفحة الرئيسية

كتب الدكتور بهجت سليمان: الحرب السّوريّة تبحثّ عن (عوليس).. و لكنّ (هوميروس) لم يعد له وجود


إذ تستمرّ "الحرب" فإنّها دائماً هي في دخولٍ متوالٍ في وقائعَ، و في تمثيلٍ متنوعٍ لها، لم تكن، في الحالتين، في نصيب أو نصاب الغيب! أ بهجت سليمان في مكتبه
هكذا تدخلُ "الملحمة" السورية في مرحلة جديدة.

ففي الوقت الذي يبدأ فيه المشروع العالميّ - الإرهابيّ الذي يجري حقن عضلاته بالسياسة و المال و المؤامرات و الأفكار و الدراسات البحثيّة و الاستراتيجيّة العالميّة و عقاقيرالإنعاش، رحلةَ انهياره المحتّمة ؛ يدخل معه المخطّط الإقليميّ في غيبوبة و ضياعات و فقدانات للسّمت و مقاييس المسافات.

أخيراً يتشرّد "الإخوة الأعداء" و يتدافعون لِلَعق أقدام الوثن الأميركيّ..!؟ إنّ التاريخ يشهد أبداً على المآسي الطويلة الأجل في استحالتها إلى مهازل ساخرة.
لقد انتهى (عوليس) "المقدام" في حضن (بينيلوب) الزّوجة الوفيّة، عندما كان قدغلبه "الحنين" إلى عشيقته (كاليبسو) الحوريّة "العاهرة"!
هذا هو الدّرسُ النّقديّ المعاصر الأكثر ترجيحاً لتعليم (هوميروس) في "الأوديسّة"! إنّه غالباً ما تتشابه أو تتقاطع "الملاحم" في تاريخ الإنسانيّة، في الحقيقة أو في الأسطورة، سواءً بسواء. الأسطورة نفسها ليست سوى واقعٍ مفارق.

لا تشكّل التّحوّلات "الخليجيّة" الجدّيّة و العميقة، في الواقع، و لن تشكّل، ما يمكنه أن يكون تَحَوّلاً جذرياً كما يتصور البعض أو يعمل على تسويقه الإعلاميّ على الأقلّ.

هنالك في الواقع اصطفافات جديدة تتطلّبها المرحلة التالية من الحرب الإقليمية التي تجذّرت في سورية أولاً و أخيراً. لقد آن الأوان لكي تلفظ الحرب الجزء الآخر.. من أسرارها الإقليمية منها و العالميّة..!

ضاق الخناق على المشروع الإسلامويّ فكان عليه - موضوعيّاً- أن يتبدّى في "مظهريّة" جديدة هي في الواقع مجرّد قهريّاتٍ من "الظّاهريّات" التي كانت تحملها الحرب نفسها في طيّاتها و جوانبها غير المقترنة بالفهم و الاستيضاح السياسيّ المباشر، في الوقت الذي كانت فيه بادية للمعرفة في تأمّل "الحدث" التاريخيّ في آقاقه و أسراره المزعومة.
لا شيءَ في السياسة يكفل الأسرار لأن تبدو خفيّة تماماً، ناهيك عن أنه لا بدّ أن تتّخذ لها الأفعال، عاجلاً أم آجلاً، سلوك "الزّلل" الدّافعيّ الذي يتكفّل بالتالي بجميع الأعراض و الأغراض و الغايات لكي تعلن عن نفسها و طبيعتها جبراً في المنعطفات الخانقة.
إن الحرب الإقليمية - العالمية على سورية وصلت إلى ما يُسمّى في الأزمات السّلوكيّة (أو وضعيّات الأداء) إلى "عنق الزّجاجة":

1 - سقطت جميع الرّهانات المتشابهة لما أسموه "إسقاط النّظام" في سورية، ذلك أن "النّظام" كان فعلاً، دون أن يعنوا ذلك، قوّة هائلة في "التّنظيم" المؤسّسيّ في وجه ما اقترفوه من "فوضى خلاّقة" ألهبت المصائر الاجتماعية و التاريخيّة دون أن تنال من سطوة السياسة السورية و قوّتها و تماسكها كعناصر دولة حديثة، متعدّدة و متنوعة في أدائاتها المعاصرة.

2 - فشلت الكثير من المخطّطات، إن لم نقل جميعها حتّى الآن، التي كانت "تطمح" إلى أكثر من "الانتصار" الموهوم في حرب وسخة، جعلوا من التّافهين و النّكرات رأس حربة فيها من عداد "القاعدة" و "النصرة" و "داعش" و "الحرّ!!" و مَن لفّ في ذيولهم من "المعارضة السوريّة" الطّفوليّة المنحرفة.. في الوقت الذي كانت الحرب فيه حرباً عالميّة، بكلّ معايير "العالميّة" على سورية.

3 - تبدّى التاريخ في سورية في أجلى مظاهره الغائيّة على أنّه تاريخ الحقّ الأرضيّ و الإلهيّ في وقت واحد. لقد أفنى حقُّ الأرض و السّماء باطلَ العوالم المجهولة..!

4 - شكَّلَ صمودُ سورية الأسطوريّ البطل، صخرةً تحطّمت عليها الكتلة "الواحدة" من جميع عناصر و أدوات و دول و أمم العنف، فجعلتها تتفتّتُ إلى أشلاءٍ مشوّهة من المخلوقات و المظاهر السّياسيّة المشوّهة التي فقدت تعضّيها، الذي منحها إلى حين شراسةَ الأنياب و المخالب و الأظافر، التي تثلَّمَت و تهالكت فيما تتّجه إلى التّلف الأخير؛ فما كان منها إلّا أن تتحوّل إلى أعضاء قزميّة جديدة، مغيّرة في استعمالاتها المباشرة و باحثة لها عن وظائف جديدة، لعلّها تطيل من عمرها الافتراضيّ نحو مشاريع جديدة، تخلق فيها توازنات سياسيّة إقليميّة و عالميّة، في استنزافات مباشرة لها هي ثمن باهظ لإطالة وجودها.

تتضاهى اليوم بكل دعارة و عهر و وقاحات سياسيّة إقليميّة، خليجيّة و تركيّة و غير ذلك..و تتنافس على الحظوة الأميركيّة الإسرائيلية في تحدّ سافر لجميع التّاريخيّات الهزليّة للعروبة العاطفيّة و "التّصديقيّة" الدّينيّة الإسلاميّة و المقدّسات الجماهيريّة الخرقاء التي فوّضتها المجتمعات العربيّة (نعم المجتمعات!) إلى حُماةِ الحُرُمات و الأعراض القوميّة و الدّين الأهليّ، و التي ظهرت على أنّها أكذوبة لبِسَتْ ثيابَ المؤامرة المديدة و المزمنة، في الوقت التي لم يصدّق فيه عاقلٌ تولّي دول الخليج لأَمْرِ دين الإسلام، إلّا في نسخته "المعاصرة" الإخوانيّة - الوهابيّة و ما تفرّع عنها من شعبويّات و ثقافات قذرة عجيبةٍ و مشوّهةو حاقدة و خرقاء!

إنّنا نعاصر اليوم "تخلّقات" شيطانيّة خالصة لوظيفيّات ممسوخة جديدة تتسابق و تتنافس، لتخدم أميركا و "إسرائيل" من أصول خليجيّة سعوديّة و أماراتيّة و قطريّة.. و غيرها، تنضاف إلى وظيفيّات أخرى إقليميّة كالكيانات التّركيّة و الأردنّيّة و الفلسطينيّة الرسمية أيضا! هذا هو عصر إسرائيل "الذّهبيّ".. الذي يُقابله عصر "المقاومة" التاريخيّة المأهول بالسّادة والقادة.

و من "عنق الزّجاجة" هذا تتوالدُ السّياسات المتهالكة المفضوحة، المتوجّهة شطر انتحاراتها الأخيرة، فيما ترسمه زيفاً كما يُرسمُ لها عن بعد ممّا تُسمّيها "خلافاتٍ" بينما هي اختلافات و تناقضات و تسابقات على الدّور التاريخيّ الهزيل و الحقير، الذي تبنّته الدّول و الممالك و الإمارات الأعرابيّة الإسلامويّة، عَبْرَ تاريخها المُحدث الطارئ و المؤقّت، بفعل ديمومة جميع عوامل الحقيقة التاريخيّة، الذي يتجلّى نهائيّاً عصرُها اليومَ انطلاقاً من قلبِ سورية الأسد.

و لكنّ الأكثر إثارة و خطورة هو ما يُمكن - ربّما - أن يتّسع فيه "المشهدُ" إلى امتداداتٍ و تداعيات أخرى هي من قبيل "الضّرورات" السّياسيّة التي تدخل في منعرجات دبلوماسيات المصالح العمياء..
ينضمّ، بالطّبيعة، إلى "المشهد الخليجيّ" في إطار الحرب السورية، أطرافٌ أخرى هي جزء عضويّ في "الحدث" الشّاسع ذي الاستطالات الإقليميّة الإجباريّة، و أعني أطرافاً معنيّة أخرى قد تُمَثِّلُ سلباً أو إيجاباً، في تداعيات الأحداث.

تدخل تركيا في انكماش عسكريّ و سياسيّ، استراتيجيّ، يتصاعد إقليميّاً طرداً مع لعبة الغوايات و الإغواءات التي تمارسها الولايات المتّحدة مع "السّعوديّة" وباقي "الخليج".
الآن تنفضح جميع أصوات (ترامب) و لعبته القادرة التي استطاعت أن تعصرالسّعوديّة حتّى النّهاية. هذا سبق أميركيّ يتجاوز (إسرائيلَ) (و تركيا أيضاً)، في التّنافس الإسرائيليّ- الأميركيّ على ابتلاع السّعوديّة و قطر في آن معاً. إنّها أكبر "مأثرة" سياسية أميركيّة تاريخيّة منذ تأسيس أميركا و حتّى اليوم.

من يعلم ؟ إنّه لولا الإرادة الأميركيّة الاستخباراتيّة و "الرّئاسية" التي يُسهم فيها (ترامب) شخصيّاً، ربّما لم يكن للسّعوديّة و قطر مثل هذه المناسبة من "الخلاف" في هذه الّلحظة المفصليّة من تاريخ "الحرب".

و من جانب آخر - و لو أنّه خارج سياق حديثنا هنا - فإنّ (ترامب) يضحّي بأمريكا كلّها لصالح "قوى المال" الأميركيّة، و يُخضع المجتمع الأميركيّ إخضاعاً نهائيّاً لاحتكارات ذئاب "وول ستريت".. إنّه يُنجز، إنجازاً دقيقاً، تعليمات مصالح "الواحد بالمئة" من المجتمع الأميركيّ.
إنّه على عكس جميع المحلّلين و الباحثين، فإنّ (ترامب) يُنجز أوّلاً وعده الانتخابيّ لجهة احتقار الإسلام و اعتصار السّعوديّة و الخليج في أن معاً.
و هذا كلّه يقوم على تحييد تركيّا، إذاً، باطّراد ، بينما تتهالك (تركيّا) بحقدٍ صامتٍ و مبرّح.. على (ترامب) و على السّعوديّة، بالاصطفاف "الخائف" مع (قطر)، يتبعها في ذلك إخوتها في "الدّين" السّياسيّ فلسطينيّو (حماس).
و بالقريب من (حماس) يدخل "الدّين" الرّاديكاليّ السّياسيّ في تجربة صعبة و غير مسبوقة و على غير مثال!

تقتضي المصلحة السّياسيّة الإيرانيّة شيئاً من هذا و شيئاً من ذاك و شيئاً من هنا و شيئاً من هناك.. هذه هي "الأستذة" البراغماتيّة المعاصرة!
ليست (إيران) حزينة من هذا الزّواج الأميركيّ - السّعوديّ، لمعرفتها بِأنّ الزواج بينهما غير قابل للطّلاق، كما لم تكن في السّابق قد فوجئت من الخطوبة العلنيّة بين (السّعوديّة) و (إسرائيل).
إنّ (إيران) تُدركُ بحكم قانون " فرق الكمون " الفيزيائيّ أنّ أيّ إضعاف أو استثمارٍ أو استغلالٍ للسّعوديّة، سوف يظهر في الطّرف الآخر الذي تمثّله هي، "قوةً" لها، بفضل ما يمكن لنا أن ننحتَه من مصطلح ميكانيكيّ هو "التّفاضل التّكامليّ".
غير أنّ (إيران) - و بحكم الموضوعيّة الإقليميّة و السّياسيّة و الدّبلوماسيّة ـ ترى بِأنّها قادرة على أن تجرّ معها في الفائدة السّياسيّة نفسها، مجموعةً أخرى من "المستفيدين" على رأسهم (تركيا) و (قطر) و (حماس).

هنا بالضّبط تنبعُ المخاطرُ الاستراتيجيّة. إنّ (قطر) و (تركيا) و (حماس) هم أطرافٌ أصليّون في معادلة عداء "الإرهاب" ضدّ ما نسمّيه "محور المقاومة". و إذ نحن نعتقد بهذه التّسمية فعلاً، فإنّ أوّل ما يتنامى إلى "الّلغة" و الكلمات، جرّاء هذا "الاصطفاف" الموضوعيّ الذي تمثّله (إيران) في حسابات مصالحها السّياسيّة المستقلّة، إنّما هو "اصطلاح" جديد يتعلّق بقدرة إيران على جمع النّقيضَين: بين مصالح (إيران) السّياسيّة "المستقلّة"، و بين "مصالحها"- أيضاً- فيما تمثّله من جزء أساسيّ في "منظومة محور المقاومة"..!؟

هنا تطرأ الأسئلة التي ليس لها، الآن، في حديثنا جواب!

على كلّ حال لم يشهد العالم في تاريخ الحروب و السّلام ما هو أعقد ممّا أنتجته الحرب على سورية، في العلاقات المعقّدة في السّياسة و المصلحة و الأفكار و الأخلاق.
هذه تجربةعالميّة تجاوزت جميع أنماط تداخلات و تعقيدات الحربين العالميّتين المعروفتين، إضافةً إلى "حرب السّلام الباردة" التي استغرقت نصف القرن العشرين، الماضي، من الزّمان.

و انطلاقاً من هذه الاعتبارات، فإنّه ليس من السّهل، إذاً، التّقوّل أو التّوقّع حتّى على مستقبل "التّحالفات" العسكريّة و السّياسيّة في إطار الحرب المباشرة التي تُخاض في سورية و العراق و اليمن - حتّى! - و في الإقليم عامّة.
لقد دخلت الحرب السّوريّة بخاصّة، اليومَ، أعلى و أعقد و أوعر منعطفاتها، التي لم تعد تدخل في ممارسات هوايات التّحليل و التّأويل و التّفسير.. طبعاً، و لا كذلك في تَرَفِ الصّمت!

والأخطر... هو أن نقف يوماً على "موضوعيّات" إقليميّة و عالميّة، يمكن أن تتصاغرَ لها جميع "ذاتيّات" التّكوين البِنيويّ المباشر لجميع معطيات تطوّرات و نتائج الحرب المتوالية؛ لولا أنَّ "الخطورة" نفسها تتحوّل إلى واقع "عاديّ" و "معقولٍ" جدّاً عندما تدخل في عداد "لضّرورات" التاريخيّة، التي تُمسي حقيقة "صحيحة" وراءنا، في اللحظة التي يكون علينا أن ننظر إليها، في التفاتة إلى الخلف.

نحن لهذا علينا أن نقول: إنّ التاريخ شيءٌ صحيحٌ ، بدليل أنّه حصلَ و تمّ!

كان (عوليس) رجلاً- أسداً، مقاتلاً و عاشقاً و زوجاً، واقعيّاً و مفارقاً و أسطوريّاً، و منتصراً.. مَعَاً.

في الحرب و السّلام يحصلُ أن يتوزّع "البطلُ" بين شرفين: شرفُ الحربِ و شرفُ السّلام...!؟

 

** هوميروس: شاعرٌ ملحمي إغريقي أسطوري و مؤلف الملحمة الشعرية "الإلياذة" و "الأوديسة" في القرن الثامن قبل الميلاد.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

December 2017
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
2076267