"سوق الحرامية".. لكي تبقى الطبقة الوسطى حيث كانت قبل انهيارها

دمشق ـ أُبيّ حسن

"هذه الغسالة ألمانية، وعليّ الطلاق تلاتة ربحي فيها لا يتجاوز المئة ليرة سورية (دولاران أميركيان)، افحصها على أقل من مهلك وفكر ثم أخبرني بالسعر الذي يناسبك". هكذا أطلق بائع الغسالات المستعملة عبارته لزبون كان يتفحص غسالة من مختلف جوانبها، ثم يطلب، بعد لحظات، من البائع إشغالها بغية التأكد من جاهزيتها، ويكون له ما يريد، من ثمَّ الاتكال على الله، إذ يدفع ثلاثة آلاف ليرة سورية حاملاً غسالته الألمانية وعلائم السرور بادية على محياه. ولدى تدخلي بعد أن اشترى الزبون ضالته، سألته لماذا اشتريت الغسالة من هنا؟ أجاب: "لأن سعرها في الوكالات يتراوح بين (15) ألف ليرة سورية و(25) ألف ليرة وهذا لا يتناسب مع دخلي، كما تراها غسالة "لقطة" فسعرها معقول ونظيفة ولاتنسى أنها ألمانية! عندما كنت أفحصها لم أجد فيها عيوباً"، وأضاف مبتهجاً: "على مايبدو أن أصحابها الأوائل لم يكونوا يستعملونها"، ومضى مبتعداً. على مقربة من قسم الغسالات ثمة جناح خاص للبرادات من مختلف الأنواع يتجمهر حولها طلاب جامعيون (ذكورا وإناثاً) وموظفون صغار، ينتمون إلى الطبقة الدنيا، والشاطر منهم من يستطيع مكاسرة البائع ولو بمئة ليرة سورية، فالمعروف أن السوق هنا يخضع للمساومة المجهدة، وبطبيعة الحال مهما ارتفع سعر البرّاد لن يزيد عن (3500) ل.س.
لم نستطع تحديد السنة التي رأى فيها "سوق الحرامية" النور للمرة الأولى في دمشق، غير أن معظم من سألناهم عن السوق من أبناء مدينة دمشق اتفقوا على أن عمره لا يتجاوز الثلاثين عاماً، وفي سنواته الأولى كان ينظر إليه الناس نظرة لا تخلو من التهكم.
من المؤكد أن نشأة السوق تزامنت مع انهيار الطبقة الوسطى في سوريا، وبدأت شعبية السوق وأهميته تزداد مع الاختفاء التدريجي لأبناء تلك الطبقة التي بدأت بالتلاشي منذ أواسط سبعينات القرن الماضي بفعل عوامل داخلية عديدة، وربما هي ذات الفترة التي شهدت ولادة "سوق التنابل" في المدينة ذاتها كمعبر عن حاجات الطبقة الفائضة عن حاجة المجتمع (سنقف عنده لاحقاً). حتى الباعة فيه لا أحد منهم يعرف من أول من بدأ العمل فيه، ولماذا اختير في هذه البقعة بالذات... هذه البقعة من الأرض التي سيجاورها المبنى الجديد لوزارة الداخلية، لعلها مفارقة طريفة، لكنها حقيقة، لكون وزارة الداخلية تجاور سوق الحرامية، وان كانت تلك المجاورة غير مقصودة إلا أنها تنطوي على دلالة عميقة، وستزداد المفارقة طرافة والدلالة عمقاً عندما نعلم أن كلاً من الوزارة والسوق يقعان في شارع يحمل اسم "الثورة"(؟!).
هو سوق بلا أبواب بلا حراس بلا محلات تجارية، بلا رقابة، أرصفة قديمة متقابلة تقع تحت بناء قديم في شارع الثورة (وسط العاصمة دمشق) وفي كراج لسيارات السرفيس القادمة من الريف (الغوطة الشرقية تحديداً). وإذا أردت التسوق أو الشراء منه فإنك حتماً محكوم لتقاليد الباعة فيه،فعلى تلك الأرصفة ترى باعة وجوههم صفر كحال الزمن في بلدهم مع فارق أن لهيب الشمس ترك بصمته على تلك الوجوه المتعبة التي تنعكس فيها فوضى المكان وبعثرة الأشياء، ناهيك عن رائحة الفقر التي تفوح من أنفاسهم اللاهثة خلف كفاف اليوم.
على تلك الأرصفة تجد كتبا و مجلات وأشرطة فيديو، تحفاً و نحاسيات، آلات تسجيل، ألبسة، أحذية، ساعات، أشياء تعرفها وأخرى لا تعرفها. وإذا ما انعطفت نحو اليمين سيواجهك جناح الموبيليا!
ببساطة، من خلال زيارة أي منا إلى هذا المكان سيدرك أن بمقدوره أن يطلق عليه سوق كل شيء شرط أن يكون مستعملاً، رغم ذلك ليس بالضرورة أن تكون تسمية السوق قد جاءت من وجود الحرامية فيه، علماً أن المواطن هشام سليمان أخبرنا بأنه سبق أن وجد أغراضاً مسروقة كانت تعود إليه: مسجلة سيارة وأشرطة كاسيت وجهاز الموبايل) في السوق ذاته وثاني يوم. قد تجد أحياناً بعض عناصر الشرطة يتجوّلون في المكان بحثاً عن غرض مسروق، أو شخصٍ مطلوبٍ الخ... وفي الحالات كلها هو سوق لا يقصده سوى الفقراء الذين لا يقدرون على الشراء من سوق آخر، كما أخبرنا "فهد" الذي كان يتجوّل في جناح الموبيليا باحثاً عن سرير يتسع لطفليه فيما الباعة يرغبونه كل على هواه و"الرزق على الله" كما يختمون عباراتهم الترغيبية.
حاولنا سؤال أحد الباعة بعض الأسئلة المتعلقة بعمله في السوق. لم يجب، اكتفى بأن قال لنا: "الرجاء أن تتركونا في حالنا، نحن جماعة على باب الله". ولدى محاولتنا دفعه إلى الحديث من غير أن نشعره بأننا صحافيون قال: "أنتم الصحافيين تأتون متمسكنين إلى هنا وتحاولون التصوير والسؤال، وتقولون بأنكم معنا، لنفاجأ بعد فترة بأنكم حرضتم علينا شرطة المحافظة. فبالأمس كتب أحدهم بأن منظرنا غير لائق ومضر بالسياحة، لذلك أرجوكم غادروا، فنحن جماعة كما ذكرت لكم على باب الله" ثم أضاف مستنكراً: "لماذا لاتأتون إلا إلى هذا السوق؟ اذهبوا إلى السوق الآخر!"، (يقصد سوق الحرامية الثاني الموجود في منطقتي الكبّاس والدويلعة على أطراف العاصمة دمشق والذي يفتح أبوابه للزبائن يومي الاثنين والجمعة فقط، وما ينطبق على السوق المتواجد في شارع الثورة ينطبق عليه). رسا قرار فهد على شراء سرير خشبي (خشب زان) بمبلغ سبعمئة ليرة سورية. كان الفرح يشع من عينيه الصغيرتين، قال: "تصور لو أردت شراء السرير ذاته جديداً أو تفصيلاً عند نجار لكنت سأدفع له سبعة آلاف ليرة سورية، بلدنا بخير ياعمي شو بدنا". وسرعان ما وجد "سوزوكي" تشحن له السرير إلى "ببيلا" (بلدة في الغوطة الشرقية). من اللافت للانتباه أن كراجاً للسوزوكي يقع بجانب السوق خصيصاً لشحن الأغراض التي يشتريها الزبائن.
على أطراف السوق وبشكل عفوي دون أي تنظيم مسبق تجد بائع الشاي و الميلو، وتجد أيضاً بائعاً للسندويتش، وآخر للكعك، كما يوجد مقهى، لا يزوره على ما يظهر، سوى الباعة المتواجدين في المكان أو زبائن اعتادوا الحضور ليعيشوا متعة المساومة والفرجة المجانية، إضافة لأصحاب شاحنات السوزوكي وسيارات السرفيس. ولدى زيارتنا للمقهى الموجود وسط السوق نفر الجميع منا وحاولوا الابتعاد عنا. نحن بدورنا فضلنا الصمت ثم الانتقال إلى قسم جديد من المكان، لنكتشف أن السوق واكب التطورات التي طرأت على الاتصالات ففي سوقهم ترى مختلف أجهزة التكنولوجيا ابتداء من "أجهزة الخليوي" مروراً بالهوائيات ولوازم الدش من "سيفر" وغيره . ومن الصعب أن لايخطر ببال أحدنا وهو يتجول فيه "اقتصاد السوق الاجتماعي" الذي يعد السيد عبد الله الدردري نائب رئيس مجلس الوزراء السوري السوريين فيه، متسائلاً: ترى هل سيكون هذا الاقتصاد على غرار هذا السوق؟.
ربما لسوق "الحرامية" ولباعته "فلسفة" خاصة في العمل، تمليها عليهم الحاجة، فضلاً عن أنهم يبدون أحيانا مختلفين، فبعضهم يرتدي طقماً رسمياً، ومعظمهم يرتدي ثياباً رثة تشبه الألبسة التي يبيعونها.
على مقربة من بسطة مفروشة بأجهزة الموبايل، ثمة محل لتصليح الموبايلات مهمته لا تتعدى التأكد من صلاحية الموبايل المباع لقاء خمسين ليرة سورية يتقاضاها من المشتري.
لا شك بأن السوق يواكب التكنولوجيا بمختلف أنواعها، فثمة قسم خاص لبيع قطع الكمبيوتر. يفيدنا "رامي" بأنه اشترى لوحة مفاتيح لحاسوبه من هنا.
من المرجح أنه لا يمكن لأي كان أن يغير اسم السوق الذي صار من سمات دمشق البارزة في الثلاثين سنة الأخيرة،رغم عدم رضا الباعة فيه عن هذا الاسم (تماماً كما في سوق الحرامية الثاني). ومهما قيل فيه فإنه باق ليواكب كل التطورات لناحية طلب الناس، كأننا به اقتصاد لـ"السوق الاجتماعي". فقبل بيع أجهزة الموبايل، بيعت الصحون اللاقطة التي لاقت هوى لدى السوريين، وبعد ذلك كان تجار "الفديو سي دي"، وعندما يرخي الليل سدوله يبسّط فتيان على عتبات العشرين من العمر بأفلام تصلح لمراهقي آخر الليل الذين غالباً ما يتفاجأ بعضهم بأن الفيلم الذي اشتراه قد يكون معطوباً وقد يكون فارغاً؛ والآن الموبايل، والجميع ينتظر على أية زاوية يمكن أن تباع في الغد أشياء ما تزال طي النسيان أو مجهولة حتى الآن، لكن من المؤكد أنها ستكون مستعملة... وربما مسروقة والعلم عند الله.

المستقبل - الاحد 26 آذار 2006 - العدد 2220 - - صفحة 13
July 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
7166409

Please publish modules in offcanvas position.