الصفحة الرئيسية

سوريا والعراق: ما جمعه البعث تفرقه عصا الحجاج وشعرة معاوية

دمشق ـ أُبيّ حسن

غالباً ما يميل البعض لإجراء مقارنة بين ما آل إليه الوضع السوري الداخلي، بفعل سلسلة من السياسات الخارجية الخاطئة والداخلية الكارثية، وبين الوضع العراقي قبيل سقوط بغداد، ليصل ذلك البعض إلى نقاط تشابه كثيرة إلى درجة يخشى معها فعلاً أن تكون متشابهة كذلك في خواتمها.
إذا أخذنا هذه الهواجس وما يعتمل في طياتها من رؤى وأفكار ترقى إلى مخاوف حقيقية لها ما يبررها، معطوفاً عليها انطلاقنا من راهنية المشهد السياسي الكائن في سوريا، فإننا جميعاً نخشى من أن يكون ثمة مصير لسوريا على الطريقة العراقية بما فيه من حضور مكثف للأفغان العرب.
وفي حال سلمنا، وجل المعارضة السورية، من أن مصير النظام لا يعنينا، إنما ما يشغلنا هو مجتمعنا ومستقبل سوريا السوريين لا سوريا الطغمة الحاكمة، فإننا لن نستطيع الذهاب مع رؤى وتصورات البعض إلى آخر الشوط في ما يخصّ أوجه التشابه بين البلدين، ودافعنا إلى هذا جملة من المعطيات التاريخية والحقائق الواقعية الموضوعية تتجلى في نقاط عدة، أولها: بقدر ما كان أسلوب البعث القمعي عنصراً يوحد سياسة البلدين طوال فترة من الزمن العبثي، قدر ماكان التاريخ السياسي عاملاً مفرقاً بينهما، فثمة اختلاف شبه كامل في التاريخ الذي اتحد بالجغرافية المجتمعية عبر سيرورة من الزمن في كلي البلدين. فشتان مابين عصا الحجاج وسيفه وبين سياسة معاوية ومكره. ومهما حاولنا فلن نستطيع المقاربة بين "أرى رؤوساً قد أينعت وقد حان قطافها" وبين "لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، فإن تركوها شددتها، وإن شدوها تركتها"، هذا المعطى التاريخي إذا ما قاطعناه ونظرية كارل يونغ (اللاشعور الجمعي)، أي المخلفات النفسية لنمو الإنسان التطوري والمتراكمة عبر الأجيال، ستجعلنا نفترض آنئذ أن الشعب العراقي موسوم بالجموح نحو العنف، يقابله ميل الشعب السوري للين وجنوحه نحو الهدوء.
ولا مبالغة في القول أن ظاهرة الاحتفال بكربلاء، الحاضرة تاريخياً بقوة في العراق، بما يرافقها من عنف جسدي يمارسه الشخص على ذاته، يصب في صالح نظرية كارل يونغ سابقة الذكر وبالتالي في تأكيدنا على الفروق بين السوريين والعراقيين من جهة المعطى التاريخي سابق الذكر أيضاً. أقول هذا بمعزل عن الجانب الجهادي والمغزى الديني للظاهرة الكربلائية المقتصر حضورها في سوريا على منطقة السيدة زينب ذات الكثافة السكانية المحدودة.
ثانياً: هناك معطى واقعي عايشته سوريا (وما تزال)، ألا وهو أن الشعب السوري سنحت له الظروف (لأسباب عدة) في ممارسة الحوار السياسي والعمل في الشأن العام ـ وإن كان بنسب محدودة ـ منذ قرابة الست أو السبع سنوات، وربما منذ دخول الفضائيات إلى منازل الناس، وخاصة فضائية "الجزيرة" التي على شاشتها شاهد المواطن السوري كيفية تحطيم الأوثان البشرية "المقدسة" سلطوياً وبعثياً هذا من جهة. ومن جهة أخرى، نجد أن الانترنت يغزو سوريا (وإن كان ببطء) بما فيه من مواقع حافلة بالشأن السوري، ومايتيحه من منابر تفسح مكاناً للحوار بين وجهات النظر المتباينة، كما تخفف هذه المواقع بشكل أو بآخر من غلواء الاحتقانات المتراكمة بفعل استبداد الطغمة المالكة/ الحاكمة وطغيان أزلامها. هذه المعايشة من قبل السوريين لوسائل التكنولوجيا الحديثة التي أفرزتها ثورة المعلومات بكل مزاياها وإيجابياتها لم يعرفها الشعب العراقي مطلقاً قبيل سقوط بغداد. بهذا المعنى أن الشعب العراقي انتقل مباشرة من صقيع الاستبداد الصدامي بكل مافيه من خواء وانعدام للحوار بين أطياف المجتمع ومعرفة ماهية فكرة تقبل الآخر الشريك في الوطن إلى فراغ معنوي ونفسي ثان من غير المرور بأي تجربة حوارية افتراضية كتلك السورية التي روضت، وما تزال، الشعب السوري وإن كان في الحدود الدنيا.
ثالثاً: المعادلة الطائفية والعرقية في سوريا تختلف عما هي عليه في العراق من حيث شماله الكردي ومثلثه السني وجنوبه الشيعي. ففي سوريا ولأسباب لها علاقة بوجود الجبهة العسكرية على مقربة من العاصمة السورية، ولأسباب سلطوية، وأخرى اقتصادية وسياسية، تم كسر المعادلة الطائفية التقليدية في العاصمة، ولئن كان لمثل ذلك الكسر من تبعات سلبية عديدة قد يكون في مقدمتها ترييف المدينة بكل ما لكلمة ترييف من معاني السلبية، إلا أن لها ثمرات ايجابية عدة خاصة على المدى البعيد. من ثمارها الملموسة اختلاط السني بالإسماعيلي والعلوي والدرزي، والكل بالمسيحي... ما يعني إزالة الحواجز النفسية/ التاريخية التي كانت تعيق مثل هذا التواصل بمثل هذا الحجم في عاصمة بات عدد سكانها يقترب من الخمسة ملايين.
حتى الشمال السوري بأكثريته السنية والعربية تتخلله الكثير من الجزر العرقية والدينية المغايرة، منها ماهو موغل في القدم (كالعرق الكردي) ومنها ماهو مُحدث بعد الوحدة السورية ـ المصرية وانقلاب 8 آذار 1963 (كتواجد ملحوظ للطائفتين العلوية والإسماعيلية وسواهما، ومنهم من استقر هناك في عهد الوحدة) بعيد صدور قانون الإصلاح الزراعي الذي لعب دوراً في إعادة التركيبة الديموغرافية في بعض مناطق الشمال السوري. وما يقال في الشمال السوري ينطبق في الكثير من جوانبه على الجبال الساحلية ذات الأغلبية العلوية، مع فارق بسيط ألا وهو عوضاً عن دخول عامل الإصلاح الزراعي ضمن هذه المعادلة، ظهر العامل الاقتصادي والسياحي (وهو عامل لا دخل للسلطة فيه) اللذين أتيا بالكثير من أهل الجزيرة السورية والمنطقتين الوسطى والشرقية إلى مدينة طرطوس وضواحيها. وفي اعتقادنا أن الآثار الإيجابية لمثل هذا التمازج السكاني في الساحل السوري لا تقل عن إيجابياته في الشمال السوري.
لن يفوتني أن أذكر في هذا المقام تدقيق بعض المسؤولين الأميركيين في مسألة التوزع الطائفي في سوريا، ذلك من خلال أسئلتهم المفصلة عن هذا الجانب لمفكر سوري سبق أن كان هناك منذ أشهر قليلة، ومحاولتهم مقاربتها مع التوزع ذاته في العراق الذي وجدوه مختلفاً إلى حد بعيد عما هي عليه حال التوزع في سوريا.
رابعاً: من المفترض أن التجربة المرة التي عاشتها سوريا في ثمانينات القرن الماضي، بالإضافة إلى تجارب الجزائر وأفغانستان في ما مضى وما يجري في العراق اليوم، أن تشكل بمجموعها عاصماً للسوريين من العودة إلى دائرة العنف والعنف المضاد في مرحلة ما بعد البعث.
ولئن كان المجتمع السوري طائفياً عبر تاريخه ـ حسب قناعتي ـ وقد زاد من هذه الطائفية ممارسات السلطة الاستفزازية في أكثر من منحى، إلا أنه ليس مجتمع متعصب طائفياً، وشتان ما بين الطائفية والتعصب الطائفي، وإن كنا نلمح بعض جزر التعصب المتناثرة هنا أو هناك من الجسد السوري، إلا أنها دون فاعلية أو تأثير يذكر.
في السياق ذاته نجد أن الخطاب الإسلامي السياسي السوري الذي تتزعمه حركة الأخوان المسلمين السوريين يبدي الكثير من الوطنية والمرونة والتسامي على الجراح، فضلاً عن استيعابه الكافي لما تعايشه سوريا من أزمات داخلية في مقدمتها تصدير السلطة، وبشكل شبه مستمر، لأزماتها إلى المجتمع السوري، وهي لعبة لم تعد تنطلي مفرداتها على أحد اللهم إلا على بعض "جهابذة" البعثيين.
في المنحى ذاته من المرجح أن يكون دور التيار الإسلامي السياسي السوري ايجابياً لجهة كبحه لأي ميول عنفية قد تظهر في بعض المناطق السورية بسبب من جراح الماضي وما خلفته السلطة من احتقانات وما سببته من آلام، وما أكثرها.
خامساً: لعب المثقف السوري عبر تاريخه الحديث، ومنذ القرن التاسع عشر، دوراً مشرفاً في درء الفتن التي تودي بالمجتمع إلى نتائج لا تحمد عقباها. فمثلاً كان لوجهاء دمشق ومثقفيها (ممثلين برجال الدين) وفي طليعتهم الأمير عبد القادر الجزائري الفضل الأول في إيقاف فتنة 1860 التي امتدت من بيروت إلى دمشق، تماماً كما كان لمثقفي القرن العشرين بشقيهم الديني (كالدكتور محمد سعيد رمضان البوطي وسواه)، والعلماني (برموزه الثقافية والفكرية والأدبية التي كانت متواجدة على الساحة) أدوار مشابهة إبان صراع السلطة مع الإخوان في ثمانينات القرن الماضي. ولعله من المفيد التذكير بالحراكين الأهلي والمدني اللذين عبرا عن نفسيهما أثناء صراع السلطة مع حركة الإخوان في بيان مثقفي حماه وليبرالييها (علماً أنهم دفعوا ثمن اعتراضهم للعنف والعنف المضاد)، وكذلك في العريضة التي رفعها بعض مثقفي العلويين على رأسهم الدكتور آصف شاهين الذي دفع كذلك ثمن اعتراضه واحتجاجه هو ومن معه.
من البديهي أن مثقفاً كهذا، له مصداقية في وجدان الشارع السوري، سيكمل دوره في خدمة مجتمعه إلى نهاية المطاف. ولن يفوتنا أن نذكّر هنا بالمحاولات المستميتة للسلطة في تشويه سمعة المثقف السوري الحر، وقد يكون أبرز هذه المحاولات اتهام عبد الحليم خدام (نائب الرئيس السوري السابق)، ومنذ قرابة الأربع سنوات، للمثقفين السوريين بالعمالة للسفارات من جهة، وبالعمل على جزأرة سوريا من جهة ثانية. لكن ولحسن الحظ ما ساعد في انطفاء مثل هذا الاتهام الباطل عوامل عدة قد يكون في مقدمتها أنه صادر عن شخص مثل عبد الحليم خدام بما يمثل من (...).
سادساً: للمعارضة السياسية السورية ـ وأعني المعارضة الناشطة في الداخل لا الخارج ـ حضورها في وجدان الشارع، ربما أكثر من المعارضة العراقية التي استقوت بالخارج على نظام صدام حسين. ومما يسجل للمعارضة السورية أنها أول معارضة عربية طالبت بالتغيير الديموقراطي، وأول معارضة ربطت السياسي بالثقافي، كما أنها كونت تجمعاً وطنيا ديموقراطياً، وفضّل معظم قادتها وعناصرها، على اختلاف انتماءاتهم السياسية، السجن على الهجرة إلى الخارج. ومن الطبيعي أن تقف معارضة كهذه، رغم ضعفها لأسباب موضوعية، في وجه أي مخطط من شأنه أن يفضي بسوريا نحو مصير مشابه للمصير العراقي.
انطلاقاً من كل ما سبق ذكره من المستبعد كلياً أن تكون سوريا كالعراق، فما جمعه عبث البعثيين في مقدرات البلدين، وما خلّفوه من تدمير في بنية المجتمعين ومقوماتهما الذاتية، تفرقه معطيات التاريخ وجلّ معطيات الواقع.
لكن ليس من المستبعد أن تلجأ السلطة في مرحلة الضعف التي تمر بها، والتي ستزداد ضعفاً في حال ثبوت تورطها رسمياً في عملية اغتيال الرئيس الحريري (وهذا ما لا نتمناه)، إلى الجنوح الكلي نحو تفتيت ما تبقى من حياة في المجتمع السوري بما فيه من قوى تمثلها أحزاب التجمع الوطني الديموقراطي المعارض وبعض معارضة الخارج وثلة من المثقفين الناشطين في الشأن العام وقادة الرأي. ومن الجدير التنويه أنه يجب أخذ الحذر من انتقام الضعيف، فنظراً لما ينطوي عليه من يأس قد يقدم على مغامرة/ مقامرة يكون ضحيتها المجتمع برمته، فضلاً عن أن وعود الضعيف دائماً كاذبة، هذا إن لم يقدم على فعل نقيضها. ولسنا بحاجة إلى تقديم أدلة على ضعف النظام السوري الذي لا يسرنا أن نراه في وضع لا يحسد عليه، لكن ما يواسينا ويخفف من عقدة الذنب لدينا هو أن النظام هو من اختار لنفسه هذه التباشير لخاتمة لن تكون سارة له بالتأكيد.

المستقبل - الاحد 23 تشرين الأول 2005 - العدد 2078 - نوافذ - صفحة 11

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4339645