nge.gif

    "أبو حالوب".. الثبات في المكان في زمن التحوّلات

    أُبيّ حسن- دمشق

    يعتقد من يراه للوهلة الأولى أنه يعيش خارج الزمان، إذ هو ثابت في مكانه! والزمن، زمنه، يشبه تقاسيم وجهه الذي خددته سلسلة أحلام بغداد المنكسرة.. وعندما تراه يمشي مسرعاً باتجاه هاتف المقهى، ليرد على مكالمة أتته فجأة، يمكنك أن تلاحظ انحناء خفيفاً في الظهر، يذكرك بانحناءة التاريخ في العراق الذي صبغ بأوجاعه وآلامه كيان وجغرافية "أبو حالوب" اللابد في مقهى "الروضة" في دمشق منذ أن هرب الأمل من مسقط رأسه "مدينة السلام".أبو حالوب
    لكثرة ما يتردد على المقهى، ولطول الوقت الذي يقضيه فيه، إذ هو (عنوانه الدائم)، أصبح مفردة من مفرداته الرئيسية، تماماً كـ"أبو علي" مستثمر المكان أو كـ"حَكَم" أقدم العاملين فيه. شهد التحولات التي رافقت المقهى، من غير أن يتحول، ابتداءً من عام 1979 عندما كان المكان يعرف الهدوء نوعاً ما، فقد كانت غالبية زائريه في ذلك الزمن، من السياح وعابري الطريق وقلة من المثقفين قبالة أكثرية من هواة لعب "التريكس" و"الدومينو".
    أبو حالوب أو "لبيد رشيد" اسمه الحقيقي الذي لا ينادى به مطلقاً، وربما قلّة هم الذين يعرفونه بهذا الاسم، حتى أولئك القادمون من العراق الملتفون حول طاولته قد لا يعرفون اسمه الحقيقي! إذ يكفي أن يسأل أحدهم في حال وصل المقهى عن "أبو حالوب"، حتى يفاجأ بأن أي شخص يعرفه. قد لا يكون لهذا الاسم أي ميزة سوى أنه هو اختاره لنفسه في بلد لم يؤمن بحق الاختيار وفي زمن سحقت فيه الحرية كقيمة وغاية. بالتأكيد ليس الاسم فصيحاً إنما أتى من اللهجة العامية العراقية، ومعناه حب البرد أو حب العزيز كما يسمونه في اللهجة الشامية الدارجة.
    لفتت شخصيته، وطريقة حياته، وكيفية إنفاقه للوقت انتباه الكثيرين، فكتب عنه أكثر من كاتب، منهم من تجنى عليه واتهمه بما ليس فيه، مثل التعامل مع المخابرات، وهذا القول المؤلم، بالنسبة له، عار عن الصحة.. إن "أبو حالوب" ببساطة شاهد حي على عبث البعثيين في "أرض السواد" في مرحلة من المراحل، وذاكرة حية تزداد اتقاداً وهي تستحضر طقوس الاستبداد في عراق البعث وعراق صدام.. ذاكرة تفيض لمريديها بما تختزنه عن إرهاب العبثيين، كان من ثمار ذلك العبث شر لا بد منه، ألا وهو أميركا رمز "الحرية"... رمز "الخلاص" من استبداد وظلم ذوي القربى، بغية الانعتاق من شرنقة التاريخ، لكن للولوج في دائرة اللاجدوى.
    يخيّل لمن يراه يجالس العراقيين القادمين من صقيع المنافي أو الذاهبين الى منافيهم أنه سفير غير مفوض لهمومهم ومعاناتهم، مع أنه ليس بالضرورة أن تكون ثمة معرفة مسبقة بينه وبين مجالسيه الوافدين حديثاً من البصرة وأم القصر والنجف والكوفة وبغداد وبابل وما تبقى من خارطة العراق الممزقة.. هو بالنسبة إليهم محطة لا بد منها.. محطة لكل قادم جديد أو هارب من حيث القتل والخطف والإرهاب الأميركي و.. الاستبداد (سابقاً ) و(.....) يبحثون معه حول طاولته (الثابتة) عن ذاكرتهم المنسية، وربما الذاكرة التي اغتصبتها الشعارات الخلبية و... طول الانتظار، فيغرفون منه أشواق من ترك لهم خبراً أو أثراً، وربما عنواناً يعيد إليهم الأمل بحلم بات صغيراً لكنه كبير، ألا وهو لملمة رائحة من تلقفتهم أيدي الجهات الستة من الأهل والأصدقاء.
    على طاولة "أبو حالوب" يمكنك أن تشاهد الشاعر العراقي مظفر النواب يسأله عن عمرو أو زيد من العراقيين، والأمر نفسه مع المخرج المسرحي العراقي جواد الأسدي، وغيرهما من المثقفين العراقيين الذين تربطه بهم علاقات صداقة قوية وحميمة، تماماً كما فعل أحد الصحافيين، وأنا أجالسه بغية أخذ بعض المعلومات عنه لإعداد هذه المادة، إذ ترك عنده خبراً ما لـ"سيف الرحبي" رئيس تحرير مجلة "نزوى" العمانية. حينئذ سألته إن كانت تربطه بسيف علاقة ما، لأتمكن من استشفاف مدى انفتاحه وكذلك معارفه وعلاقاته، فاكتفى بابتسامة لا معنى لها.. كانت ابتسامته تشبه "جدوى" اللامعنى الذي يسير إليه عراق اليوم. أطوي السؤال لألحقه بآخر ألا وهو عن علاقته بدمشق التي أطراها كثيراً أثناء حديثنا. فهي من وجهة نظره مدينة تشبه بغداد، فضلاً عن أنها أليفة وحنونة تحب الغرباء وتأويهم، وإن كان يراها اليوم قد أمست مدينة حديدية ومتعبة من حيث ضجيجها وازدحامها.
    "أبو حالوب" ليس مولعاً بالحديث في السياسة، رغم أنه أتى دمشق، قادماً من موسكو بعد أن أنهى دراسته فيها، لأسباب سياسية. يتابع أخبار أرض السواد من نافذتين اثنتين: الأولى منهما هي من القادمين مباشرة من مكان الحدث (العراق)، والثانية من خلال جريدة "السفير" اللبنانية و"تشرين" السورية. هنا تعود به الذاكرة الى السنة الأولى من إقامته في عاصمة الأمويين حيث كان ثمن "السفير" 75 قرشاً سورياً أو يزيد قليلاً. فجأة يخطر ببالي أن أسأله عن أوضاعه المادية ومن أين يؤمن مصروفه الشهري وبضمنه إيجار المسكن وهو الذي لا عمل لديه، اللهم سوى الجلوس في مكانه! فيكتفي بالقول بأن الحالة مستورة وإن لم تكن ميسورة، ليعطف بأن الأصدقاء سواء أكانوا عراقيين أم سوريين كرماء معه، بعد لحظات يحدثني عن الأعمال والمهن التي زاولها أول مجيئه دمشق، فقد سبق له أن مارس مهنة الخياطة وغسيل الصحون في المطاعم، ومن ثم العمل في الفنادق الى أن عمل في اختصاصه "الطباعة" في دار الكرمل للنشر (سابقاً) لصاحبها محمد شريف الجيوسي 1984.
    لم يكن "أبو حالوب" من المعجبين بأي حكومة عراقية مرت على بغداد منذ عام 1975، وهو عام الرحيل الى موسكو بغية الاختصاص في فن الطباعة، مروراً بعام 2004 وهو العام الذي ترمدت فيه الذاكرة بسبب رؤيته إياد علاوي يصل الى السلطة في العراق، يبدو أنه يمقت علاوي كثيراً، عندما سألته عن السبب أفادني بأنه كان مسؤولاً عن سجن النساء في عراق الستينات إذ كان من الحرس القومي البعثي، وله تاريخ أسود ملطخ بالدماء. من ثمّ يستعيذ بالله عند ذكر اسم علاوي.
    لا يحلم "أبو حالوب" برؤية العراق أو العودة إليه مجدداً، على الأقل بوضعه القائم، ولا يتمنى رؤية بغداد بشكلها الحالي، يفضل أن تبقى صورتها مرتسمة في ذاكرته بالشكل الذي رآها فيه آخر مرة عام 1975، وفي أكثر الحالات تفاؤلاً يتمنى أن تبقى رؤية الزوراء حلماً لا يتحقق، لا لشيء، فقط كي يبقى لديه شيء يحلم به، ولو كان هذا الشيء الثبات في المكان في زمن التحولات.
    وجود "أبو حالوب" في دمشق يذكرني دائما أن لسوريا وجهين، سوريا الناس الطيبون والمفعمة قلوبهم بالحب والطيبة، وسوريا التي أرادوا لها أن تكون بما لا يليق بمكانتها وعراقتها وقطعاً بما لا يليق بشعبها الذي يحتضن بجناحي محبته عشرات الآلاف من أمثال "أبو حالوب"، ومئات الآلاف من الإخوة الفلسطينيين.

    المستقبل - الخميس 20 تشرين الأول 2005 - العدد 2075 - شباب - صفحة 9

    July 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    30 1 2 3 4 5 6
    7 8 9 10 11 12 13
    14 15 16 17 18 19 20
    21 22 23 24 25 26 27
    28 29 30 31 1 2 3

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    7166171

    Please publish modules in offcanvas position.