الصفحة الرئيسية
n.png

حافظ أسد والممكن التاريخي

أُبيّ حسن
16/6/2006 القدس العربي

اعتاد المعارضون لنظام وسياسة الرئيس الراحل حافظ الأسد أن يسردوا ما حفل به تاريخ حكمه الطويل من استبداد ومفاسد، ولن يفوتهم التذكير بالطريقة التي تم بها القضاء علي الاخوان المسلمين والطليعة المقاتلة. علي الضفة الأخري لا يقصّر موالو النظام في الاطراء علي بانيه وكيل المديح له، لا بل أن بعضهم لا يجد حرجاً أن يلصق فيه من الصفات ما يرفعه الي مرتبة الاله. لعل كلا الرأيين يفتقدان الي الموضوعية. دون ريب أن للنظام المذكور من المفاسد ما تقشعر له الأبدان وتشيب لهوله الولدان. لكن من الاجحاف - من وجهة نظر معرفية ـ تحميل وزر هذه المفاسد للشخص أو للنظام، بكلمة أخري يمكننا أن نطرح هنا السؤال التالي: هل أتي الفساد والاستبداد اللذان وسما عهد حافظ الأسد من فراغ؟ طبعا الجواب لدي المعارضة جاهز، اذ علي الفور سيستشهدون بمرحلة الخمسينات 1954 ـ 1958، وربما سيستشهدون كذلك بمرحلة النضال الوطني ضد الانتداب الفرنسي، ليصلوا الي أن الماضي كان فردوساً مقارنة بالعبث البعثي.
مقاربة بسيطة بين مرحلة الأربعينات والخمسينات ومرحلة البعث في أطواره الثلاثة (1963و1966و1970) تجعلنا نجد أن الفساد كان متفشيا في كل مراحل الحكم في تاريخ سورية الحديث ومنذ العهد الفيصلي (نسبة الي الملك فيصل)، وان كان بنسب تزيد أو تنقص، وهذا ما يفرض علي المراقب النظر لظاهرة الفساد في سياقها التاريخي، لا بل حتي اذا ما نظرنا اليها من حيث سياقها التاريخي نجد أنها لا تختلف كثيرا عن أوجه الفساد الكائن حالياً، مثل ذلك قصة باخرة الأسلحة التي أوكلت الحكومة السورية أمر شرائها للضابط فؤاد مردم من ايطاليا وكيف سطت عليها اسرائيل في البحر، وكيفية طي ملف محاكمة فؤاد مردم عقب انقلاب حسني الزعيم مباشرة، وقد استقر الضابط مردم عقبها في لبنان حيث فتح شركة لتوزيع البترول (؟!)، وكذلك مسألة تعديل الدستور في عهد الرئيس الراحل شكري القوتلي، وقضية العميد انطون البستاني المسؤول في تموين الجيش، ونستطيع أن نذكر هنا كيفية ضم الأقضية السورية الأربعة الي لبنان الكبير، فعلي عهدة بعض من عاصروا ذلك الزمن أن الزعيم الوطني سعد الله الجابري قبض ثمنها من الزعيم الطرابلسي عبد الحميد كرامي، ونكتفي أخيراً بذكر البنك الذي أنشأه رئيس الحكومة الأسبق جميل مردم في سويسرا، من غير أن نغفل التنازلات التي قدّمها للفرنسيين ابان مفاوضات الاستقلال، لا بل ودوره في ضياع فلسطين الخ...لعل الفرق بين الفسادين أن الأول منهما لم يكن ممأسساً يطال البنية التحتية (ربما لأنها لم تكن متوفرة بالشكل الذي يسمح بالمأسسة نظراً لافتقار سورية لمؤسسات ومنشآت، وبالتالي ندرة الموظفين في ذياك الزمن) في حين تمت مأسسته في السنوات الثلاثين الأخيرة ليصبح الجميع مداناً وتحت الطلب (بلغة الطيب تيزيني)، ومن المحال فصل مأسسة الفساد هنا بمعزل عن النظر الي زاوية احتكار السلطة من قبل الشخص، ولهذا الجانب حديث آخر.
أما في ما يخصّ الصحافة والقضاء والانفتاح السياسي الذي كانت تشهده سورية في الخمسينات، حسب رأيي المتواضع، فلم يكن نتيجة حراك المجتمع، ولا حتي أحد افرازات عصر النهضة، قدر ما كان نتيجة الاحتكاك المباشر والاجباري (مع تأكيدي علي مفردة الاجباري) بالحداثة الغربية نتيجة وجود الانتداب الفرنسي في سورية، فعلي الرغم مما لذلك الانتداب من مفاسد وما ارتكبه من مجازر، غير انه من الظلم أن لا نقرّ بأنه هو من أدخل مفاهيم الدولة الحديثة لسورية، حتي أن المؤرخ السوري عبد الله حنا يقول: ان سورية لم تعرف الصحافة الحرة والقضاء النزيه والمستقل الا في ظل الانتداب الفرنسي ، ولو كان الأمر غير ذلك، لحق لنا أن نسأل ما الذي أعاق مجتمعاتنا عن الحداثة وقيمها الكونية الآن؟ هل هو حزب البعث و الحركة التصحيحية؟ أم التخلف الكائن في بنية المجتمع؟ يمكننا في هذا السياق أن نطرح سؤالاً من واقعنا، كي لا أتهم بالتحيّز، تري اذا أراد الرئيس بشار الأسد اليوم أو غداً أن يعدّل قانون الأحوال الشخصية بما يتناسب وروح العصر وبما يعطي المرأة بعضاً من حقوقها، من الذي سيمنعه ويقف ضده؟ هل حزب البعث وأجهزة الأمن وبعض المثقفين العلمانيين (من المعارضة والموالاة) أم المجتمع الذي يقوده رجال العمائم هم من سيقفون ضده؟ لا بل المرأة ذاتها ستقف ضده!
عندما أتحدث عن تخلف المجتمع لا أسعي لايجاد مبررات لواقع الحال السوري المزري، انما أحاول أن أحلل وأشخص واقعاً كان، وهو الذي أنتج ما لا نرغب به .. لا بأس هنا من سرد الحادثة التالية: احدي المدن السورية كانت أول من هللت ورحبت بقدوم الرئيس حافظ الأسد وتخليصه البلاد من طفولة التيار الشباطي، المدينة نفسها هي أول من سارت ضده كرئيس مطالبة بأن يكون رئيس الدولة مسلماً؟! كمتلق ماذا يسعني أن أقول ازاء هذه الظاهرة التي تشعرك أن في سورية مواطناً من الدرجة الأولي وآخر من الدرجة الثانية وربما اخر من الدرجة الثالثة؟ أيضاً جري شبيهها عندما نادي المراقب العام الأسبق للاخوان المسلمين مصطفي السباعي بأسلمة الدولة، فاعترض المسيحيون (والكثير من السنة) وقال فارس الخوري للصحف سنتذاك الدين لله والوطن للجميع .
ان ضغط السلطة الراهنة علي المجتمع واستلابها له، اضافة الي ضغوط الواقع وبقاء البعث السلطوي، هذا كله من شأنه أن يفرز رؤية شديدة السلبية ازاء النظام وبانيه، وهي رؤية ساعد النظام وحاشيته في تكوينها لدي المعارضة وغير المعارضة من أهل الانصاف.
لكن ثمة حقائق علينا أن نقرّ بها صاغرين، في مقدمة هذه الحقائق أن مجتمعنا متخلف (قبل أن يُصنع التخلف علي يد السلطة من أجل السلطة)، يضاف الي هذا التخلف تاريخ حافل من الاستبداد (في التاريخ الاسلامي 137 خليفة وأميرا قتلوا بعضهم بعضاً من أجل السلطة)، وهذا التخلف التاريخي الآن (كما كنا البارحة) نباهي ونفتخر به من حيث لا ندري ولا نحتسب، لا بل أصبح للتخلف والاستبداد ـ في بعض جوانبهما ـ صفة المقدس! ومن المؤكد أن أياً كان الحاكم لن يستطيع الانسلاخ عن الكثافة التاريخية لتاريخ أمته، والرئيس حافظ الأسد ليس استثناء في عدم الانسلاخ هذا. وبمعزل عن كونه بعثيا يريد احياء أمجاد الأمة وبعثها من رقادها، كذلك هو رئيس له كاريزما قيادية خاصة به، فليس من السهل علي أي قائد سياسي استطاع أن يستفيد، وبمنتهي الحرفية والدهاء، من التناقضات كتلك التي كانت كائنة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، والتناقضات بين السعودية وايران، والتناقضات العربية ـ العربية اضافة الي تناقضات الداخل السوري مسخراً اياها لصالح نظامه، أن ينصاع لأهواء مجتمع يعاني التخلف.
يضاف الي هذا وذلك أنه يقود مجتمعاً ـ كما أسلفنا ـ يشكو من عطالة تاريخية لا دخل له هو أو حزبه فيها. السؤال الآن ماذا ستكون النتيجة أو النتائج في حال اجتمعت العطالة التاريخية مع رئيس يجيد فن الممكن؟ ربما احدي هذه النتائج صدام النظام مع التيار الاسلامي، ولعله كان صراعاً ثقافياً أكثر من كونه صراعاً بين سلطة ومعارضة مسلحة (بمعزل عن النتائج الكارثية)، واذا ما توخينا الانصاف، من وجهة نظر البنية الثقافية للاخوان، نجد أن الصراع ونتائجه مردودة عليهم وعلي ثقافتهم، فالرسول الكريم هو القائل: اسمع وأطع للأمير ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك (يمكننا ايراد عشرات الأمثلة هنا من النص القرآني والسنة النبوية). هذا الحديث استشهد به د. محمد سعيد رمضان البوطي للتلفزيون السوري ابان الأحداث. والمفارقة المؤلمة أن الاخوان كانوا دائماً يصرون علي استلام وزارة التربية (أثناء المفاوضات معهم بعيد الأحداث).
وكان من ثمار ذلك الصراع (السلطة ـ الاخوان) أن غرقت سورية في دولة أمنية كان من الممكن أن يكون بديلها دولة فيها متسع وهامش ديمقراطي، وجاءت ثالثة الأثافي لتقضي علي آخر أمل في النهوض من الأمنية الي نصف أو ربع أو شبه ديمقراطية (ليسمها القارئ بما يشاء) بعد محاولة اغتيال الرئيس في أوائل ثمانينات القرن الماضي، من ثم صراعه مع أخيه د رفعت.
أيضاً مما ساهم في غرق سورية في الدولة الأمنية هو لفيف من معارضة الداخل التي رفعت شعارات من قبيل دحر الديكتاتورية وسواها، وعدد عناصر هذه المعارضة أو تلك لا يربو علي عدد سرية أمنية؟! والأنكي من ذلك أن معظم من قضوا سنوات طويلة في السجون نتيجة معاداتهم ومواقفهم العدائية للنظام لم يكونوا ديمقراطيين! (هل تتذكرون ما قاله الكاتب لؤي حسين في كتابه الفقد عن هذا الجانب؟). بمعني انهم كانوا ملكيين أكثر من الملك الذي يشكون منه ويقارعون نظامه بغية اسقاطه! ذلك كله، مجتمعاً (من غير أن ننسي ثقافتنا) أوصلنا الي هذا الراهن الذي ما زلنا نكابر ونحمّل النظام وحده مسؤوليته.
لا يخامرني الشك بأننا امة تفتقد لغتها الي المفاهيم، ولهذا لا نفرق بين الثورة والانقلاب (مثلاً)، وبذلك نتجاهل أن الثورة الوحيدة التي حصلت في التاريخ العربي الاسلامي هي الثورة التي قادها المسلمون ضد الخليفة عثمان بن عفان، بعد أن طلبوا منه الاستقالة، فأجابهم: ما كنت أخلع رداءً كسانياه الله ، ومن بعد هذه الثورة أخصيت المجتمعات العربية الاسلامية، وللفقيه دوره الرئيس في هذا الاخصاء، ولكن، ومهما يكن الأمر، فلقد دخل عثمان التاريخ كرجل عظيم وصحابي جليل، في حين دخل الثائرون التاريخ كملعونين.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

June 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
3193458