عبلة الرويني عن أمل دنقل شاعر الريح والقلق

أُبيّ حسن- المستقبل - الاحد 27 أيار 2007 - العدد 2625 - نوافذ - صفحة 13

صدر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع كتاب "الجنوبي" للصحافية والناقدة المصرية عبلة الرويني صاحبة كتابي: "حكى الطائر سعد الله ونوس" و"الشعراء الخوارج". يذكرنا عنوان كتاب الرويني بعنوان آخر لقصيدة كتبها أمل دنقل داخل الغرفة رقم (8) في معهد السرطان حيث كان يعالج من داء عضال أودى بحياته، وهي كانت قصيدة "الجنوبي".
ترصد الرويني في كتابها سيرة حياة أمل دنقل وعلاقتها به التي اكتشفت مدى صعوبتها في البداية، إذ كانت تصطدم بعالم متناقض تماماً. فقد كان أمل ينطوي على الشيء ونقيضه في لحظة نفسية واحدة يصعب الإمساك بها والعثور عليه فيها. فهو فوضوي يحكمه المنطق، بسيط في تركيبية شديدة، صريح وخفي في آن، انفعالي متطرف بجرأة ووضوح، وكتوم لا تدرك ما بداخله أبداً.
إضافة إلى ما سبق هناك تاريخ معتقدات الشاعر الحافل بالعصيان، لكنه غير ملحد، صعيدي محافظ، عنيد لا يتزحزح عما في رأسه، وقضيته دائماً هي الحرية، عاشق للحياة، ووحده الشعر هو التماسك العقلي والنفسي القوي الذي حقق له إعادة خلق العالم المفروض حوله.
لم يكن يوجد لأمل دنقل عنوان محدد: "مقهى ريش"، "أتيلييه القاهرة"، "دار الأدباء"، تلك كانت صناديق بريده وأماكن العثور عليه. يقاسم أصدقاءه غرفهم وأسرتهم ورغيف خبزهم وكتبهم، ثم يمضي تاركاً ذكرياته وأوراقه وشعره وكتبه وملابسه، بعد أن حفر كل شيء في عقله بدقة متناهية وذاكرة حديدية.
يملأ الأماكن ضجيجاً وسخرية وضحكاً ومزاحاً. صامت إلى حد الشرود. يفكر مرتين وثلاثاً في ردود أفعاله وأفعال الآخرين. حزين حزناً لاينتهي. استعراضي يتيه بنفسه في كبرياء لافت للأنظار. بسيط بساطة طبيعية يخجل معها إذا أطريته وأطريت شعره، وربما يحتد على مديحك خوفاً من اكتشاف منطقة الخجل فيه. قلق لا يحمل يقيناً.
التقت عبلة بأمل في مقهى "ريش" في تشرين الأول/ أكتوبر 1975 في بداية عملها في جريدة الأخبار كي تعمل "خبطة" صحافية، لاسيما بعد أن حذرها احد المحررين السياسيين في الجريدة من أنها ستجد صعوبة في نشر اللقاء معه، كونه شاعراً يسارياً. لكن من الممكن أن يُسمح بنشره في طبعة أخبار اليوم العربية، إذ من الممكن تصدير أمل دنقل عربياً لكن من غير المسموح استهلاكه داخل مصر، كما قال المحرر لعبلة.
تذكر عبلة أن الحوار مع أمل نشر بتدخل من رشدي صالح، المشرف الأدبي في الأخبار، حيث قام بكتابة تقديم جاء فيه: "حتى لا يظن شاعر أن الملحق الأدبي يقف له بالمرصاد فإنه يقدم للنقاد والشعراء الآخرين أن يقفوا على نفس المنصة وان يقولوا آراءهم...".
***
من بعد أن توطدت عرى الصداقة بين الشاعر وعبلة يقول لها: "يجب أن تعلمي انك لن تكوني أكثر من صديقة"، تستطرد عبلة: إلا أن أمل ظل يبحث دائماً عن تأكيد لحبي له، دون أن يمنحني نفسه هذا التأكيد، كان شعوره الدائم بالوحدة وعدم الأمان يطالبني بالمزيد من المشاعر، وهو الواثق أن مشاعري ليست فقط أضعاف مشاعره، وإنما انتماء كامل له.
لم تكن تدرك عبلة أن ثمة فقراً يصل بشاعر إلى حد الاستدانة، أو أن هناك رجلاً لا يستطيع امتلاك ثمن كوب من الشاي أو فنجان من القهوة، فلقد كان العالم البرجوازي الذي قدمت منه يحكم عيونها! إذ كانت تنتمي إلى منزل هادئ، كما أن طفولتها أتت من أيدي الراهبات الفرنسيات. وبالرغم من ذلك كانت تملك قلباً مستعداً لان يبيع العالم كله من اجل هذا الشاعر الذي لا يملك سوى بنطال واحد أسود ممزق!.
شيئاً فشيئاً أقنعها أمل بالتخلي عن منطقها البرجوازي، إذ كان مقهى ريش هو مكان التقائهما الدائم، فضلاً عن كونه أجمل وأرق الأماكن الصالحة لالتقاء عاشقين. فقد كان ريش ضرورة لابد منها، حيث كان يؤجل أمل دفع الحساب لحين توفر النقود معه!
تقول عبلة: كنت امتلك الكثير من الأشياء، والكثير من التدليل للابنة الوحيدة بالأسرة، وكان أمل ينتمي للريح والاضطراب. فرغم عزوة عائلته، وقوتها وثرائها، إلا انه كان دائماً لا ينتمي إلا لنفسه. كان والده عالماً من علماء الأزهر _وقد فقده أمل حين كان في العاشرة من عمره­ فصار بحق رجل البيت في هذه السن الصغيرة بعدما صار الأهل غرباء يسرقون الأرض أمام عينيه.. لقد كان أمل ينتمي إلى الشوارع والأزقة والطرقات، حتى انه ذكر يوماً أن تاريخ الأرصفة هو تاريخه الشخصي، وأنا منذ معرفتي بأمل سقط عندي كل الزيف البورجوازي، ولم اعد أرى سوى عالم واحد هو عالم أمل دنقل الذي خاصمني الكثير من الأصدقاء لعلاقتي به، بل حذّرني الكثيرون من أصدقائه وأصدقائي من الاستمرار في هذه العلاقة خوفاً على سمعتي من رجل لا سمعة له.
***
انه سبتمبر 1979، وبالتحديد بعد مضي تسعة اشهر على زواجنا، ورم صغير في جسد أمل يتزايد يوماً بعد يوم. قال الطبيب بعد ثلاثة أيام فقط من ظهور الورم: "إنه السرطان". ظللنا صامتين نخشى من ترديد اسم المرض، وانتابتني حالة من الرقة البالغة في التعامل مع أمل.. ربما هو الخوف. نهرني أمل عن تلك الرومانسية في التعامل مؤكداً أن أمامنا موقفاً صعباً، وراح يفكر في مواجهة الغد. حدد الطبيب موعداً لإجراء الجراحة، ولم نكن نملك مليماً واحداً و اجر الطبيب (ثلاثمائة جنيه) هذا إلى جانب أجرة حجز المشفى وثمن الدواء وأشياء أخرى... إنها المرة الأولى التي نعرف فيها حقيقة قسوة الفقر. تمت العملية لكن في مارس/ آذار 1980. وبعد خمسة اشهر من الجراحة الأولى ظهر ورم سرطاني آخر، وكان ذلك إيذاناً بالخطر، حتى جاء فبراير/ شباط 1982 ليقول الطبيب الجرّاح لأمل في حدة قاسية: "المرض منتشر في جسدك منذ أكثر من سنة وأنت لا تأتي لمتابعة الكشف، تذكر انك مريض بالسرطان وان الأمر أكثر خطورة من أن تتعامل معه بمنطق الشاعر. لقد تجاوز المرض الجراحة ولابد من ذهابك في الغد إلى معهد السرطان".
وانفجرتُ باكية بينما ظل أمل صامتاً يقتله الحزن الشديد حتى فاجأني بسؤال غير متوقع: لماذا لا يريدني الطبيب أن أتعامل مع السرطان كشاعر؟ كانت الغرفة رقم (8) في الدور السابع على موعد معنا، فقد صارت منذ اليوم سكننا الدائم، بل هي أول منزل حقيقي تمتد فيه إقامتنا لأكثر من سنة ونصف سنة.
"أكثر من ثلاثة اشهر ووزير ثقافة مصر لم يتذكر أن أمل مريض في معهد السرطان متناسياً إرسال باقة ورد أو زهرة وحيدة"، هكذا كشف يوسف إدريس بمقالته كيفية التعامل مع الشعراء في زمن النثر الرديء، فأرسل الوزير باقة ورد كبيرة وخطاباً مملوءاً بالود والدعوات بالشفاء لأمل، وامتلأت على الفور الغرفة بباقات الزهور التي كان يفوح من معظمها رائحة وأحاسيس السلطة!. كما كتب إدريس في وداعه: "لن أطلب منكم الوقوف حداداً، فنحن إذا وقفنا حداداً سيكون الحداد على عصر طويل قادم، حداد على العصر الذي سيمضي حين يشب فيه رجال لهم شيم الرجال الذين كان يراهم أمل دنقل...".
وتذكر المؤلفة كيف قرأ لها قصيدته "خطاب غير تاريخي على قبر صلاح الدين" فردت: لا أستطيع أن أعجب بقصيدة تدين عبد الناصر. فيجيبها: "إنني لا اكره عبد الناصر، ولكن في تقديري دائماً أن المناخ الذي يعتقل كاتباً أو مفكراً لا يصح أن انتمي إليه أو أدافع عنه، إن قضيتي ليست عبد الناصر حتى لو أحببته ولكن قضيتي دائماً هي الحرية".
ويسأل أمل عبلة: ما الذي تفعلينه بعد موتي؟ تجيبه: لا شيء، مثلما تفعله أنت بعد موتي. ويبدأ الدواء يفقد أمل أعصابه ويحوله إلى مريض مزعج، ولم يعد يقدر أن يتقلب من جنب إلى جنب، كانت يداه الممدودتان المرفوعتان تطلبان أن أحركه حين عجز عن الكلام، وكانت هذه هي أقصى درجات العذاب التي يمكن أن أراها.
يوم السبت 21 مايو/ أيار 1983 سألته: هل أنت حزين؟ فأشار وهو عاجز عن الكلام تماماً بأن: نعم. وفي الثالثة صباحاً حاول نزع حقنة الغلوكوز من يده، رفضت الممرضة وشقيقه نزعها، فنظر إليّ وكانت عيناه تطلبان مني الراحة، فنزعت الحقنة من يده. أغمض عينيه في هدوء ودخل في غيبوبة أخيرة، لقد كان وجهه هادئاً وهم يغلقون عينيه، وكان هدوئي مستحيلاً وأنا افتح عيني...

April 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
31 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 1 2 3 4

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5977097

Please publish modules in offcanvas position.