سوريا ولبنان: من يرفع الصخرة من نهر التاريخ؟

أُبي حسن- جريدة السفير 18 شباط 2005

لست ميالاً إلى مقولة <<شعب واحد في بلدين>> التي عادة ما يرددها البعض. عندما قرأت هذه العبارة للمرة الأولى في الأدبيات السياسية السورية للعقدين الرابع والخامس من القرن الماضي، كانت تبدو معقولة ومقبولة مقارنة بظرفها التاريخي، الذي كان مجبولاً بتقارب ثقافي بين البلدين المعنيين، وساهم في صياغة وجدان ووعي الناس في تلك الفترة؛ وقد لا نكون بحاجة الى التأكيد أن من أهم سمات ذلك التقارب هو الانفتاح، ابتداءً من انفتاح نوافذ العقل على ثقافة الغير مروراً بالانفتاح الاقتصادي والإعلامي والسياسي الداخلي والخارجي... إلخ.
وإذا كانت الهوية هي من سمات الشعب، فإن من شروطها التطور والتجدد (هذا إن كانت هوية حقيقية وحية)، فالهوية الحقيقية لا تؤمن بالثبات لأنه مغاير لشرع الطبيعة/التغيير. ومما لا شك فيه أن الهوية اللبنانية كانت (وما تزال) في تطور دائم، إذ كانت تتأثر بما يجري حولها من متغيرات، بما فيها الحرب الأهلية اللبنانية، التي أرخت بظلالها على الهوية الراهنة للبنان وعلى وعي اللبنانيين لها، ما ولّد لدى شعبه النزّاع إلى الحرية، استقلالية <<الأنا>> في النظر إلى الآخر. وتجدر الإشارة إلى أن النظام اللبناني رغم كينونته (وصيرورته) الطائفية وابتعاده عن الممارسة الديموقراطية، كان يعمل على تعزيز ذلك النزوع.
بكلمة أخرى ان الهوية في لبنان استمرت في المضي قدماً مع سيرورة التاريخ، وهي بهذا المعنى ابنة طبيعية له على نقيض الهوية في سوريا التي توقفت عن التطور والسير مع التاريخ، مع أول نظام بوليسي شمولي، وما نجم عنه من إقصاء للمجتمع بما فيه من طاقات وحراك، وهذا أعاق تطوير وتفعيل هذه الهوية، وطبعها بطابع سلبي، فترسخ في وعي وسلوك الكثير من السوريين عقلية <<الحاكم العرفي>>، إذ من النادر أن تجد مسؤولاً سورياً، مهما كانت صلاحياته محدودة، إلا وهو مصاب بلوثة <<الحاكم العرفي>>، لذلك انشطر المجتمع السوري إلى فئتين اثنتين هما الحاكم العرفي والرعايا الذين لا يجرؤون على المطالبة بحقوقهم، ولا يعرفون أن لهم حقوقاً! (اللهم إن جاز واعتبرنا المسيرات وبرقيات الشكر حقوقاً!). وقد كرّس إعلام السلطة السورية هذه الثقافة التي تجعل من الإصلاح أي إصلاح أمراً صعباً للغاية إن لم يكن مستحيلاً، وإن صدقت نوايا أصحابه.
بكلمة أخرى، تعاني الهوية السورية من فوات تاريخي مقارنة بالهوية اللبنانية! ويمكننا القول إن الهويتين تقفان الآن على طرفي نقيض، خصوصاً بعد أن أضاعت الهوية الشعبية والرسمية السورية أربعين عاماً، وهذا التناقض لا يكفي لردمه أو تجاوزه المشاركة في لغة الضاد أو أن يكون العدو مشتركاً كي تنصهر في بوتقة عداوته هوية البلدين وبالتالي الشعبين، فنحن، ببساطة، بتنا ننتمي في سوريا ولبنان إلى ثقافتين مختلفتين، شكّل إحداهما الاستمرارُ في الانفتاح والسير مع التاريخ، وكوّن الثانية الاعتزازُ بالانغلاق بذريعة الاستقرار!
هذا الاختلاف هو أحد الأسباب التي تقف (ووقفت) حائلاً دون الوصول إلى علاقات صحيحة بين السلطتين اللبنانية والسورية التي تنعكس بدورها على العلاقة بين الشعبين.
لذلك من الوهم الاعتقاد أن العلاقة بين السلطتين ستتغير كثيراً بعد خروج القوات السورية من لبنان، اللهم إلا بمقدار ما تجنح الحلقة الأقوى إلى الاعتراف بهوية لبنانية لها خصوصيتها التي اكتسبتها في السنوات الخمسين أو الستين الماضية. وحتى لو حصل مثل ذلك الاعتراف عن قناعة تامة من قبل السلطة السورية الراهنة، فسيبقى لدى الشقيق الأكبر هاجس إزاء الانفتاح اللبناني بعيداً عن الوصاية السورية من أسبابه الموضوعية أن سوريا من أكثر الأقاليم الكبرى في المنطقة التي تعرضت لاقتطاع أجزاء منها، وما <<يشرعن>> هذا الهاجس أن السلام مع إسرائيل لم يتم بعد، يضاف إلى ذلك ما يجري في العراق وانعكاساته على الداخل السوري على أكثر من صعيد؛ فضلاً عن الهواجس التي تعود إلى طبيعة السلطة البعثية السورية، المهمومة ببقائها أكثر من أي شيء آخر.
وإذا كان للهوية الشعبية السورية عيوبها أو نواقصها، فكذلك لهوية النظام السوري عيوبها، لعل أبرزها أنه تكاد لا تكون له هوية محددة! فلا يعرف أحدنا (بالاستناد إلى حقائق الواقع لا إلى نصوص <<الدستور>>) إن كان النظام علمانياً أم إسلامياً، جمهورياً أو ملكياً، اشتراكياً أم رأسمالياً!؟ وهذا كله على نقيض النظام في لبنان الطائفي الهوية والمعروف بباعه الطويل في اقتصاد السوق. مما سبق، قد يكون من الصعب بناء علاقات سورية لبنانية مؤسساتية حقيقية سواء في الحاضر أو في المستقبل. ربما هذا ما يفسر لنا أن علاقة السلطتين أقرب ما تكون إلى علاقات أشخاص لديهم مصالح مشتركة، كان مفتاح أبجديتها في عنجر.
يضاف إلى ذلك أن ثمة الكثير من المسائل المعقدة التي تنعكس على العلاقات، واستعصت على الحل في الداخل السوري كقانون الطوارئ مثلاً . فالسلطة التي وضعته لم يعد من السهل عليها إلغاؤه! ليس لأنها لا تريد ذلك فقط، بل لأن جيلين من السوريين ولدا في كنفه! بمعنى أن ثقافة ما يقارب ثلاثة أجيال سورية هي من نتاج ثقافة قانون الطوارئ (والأحكام العرفية سابقاً) وهذا بحد ذاته كارثة ساهمت في ضرب اسفين بين المكونات الثقافية لكلا الشعبين!
من جهة أخرى، يلاحظ أن ثمة ثغرة واضحة في الجسد الثقافي السوري، وهي ثغرة بحجم جيل كامل، وربما أكثر. فالكثير من المثقفين السوريين الفاعلين والناشطين في الشأن العام أمضوا فترة شبابهم وردحاً من كهولتهم في السجون والمعتقلات (كانوا في معظمهم من المثقفين الذين وقفوا في وجه غول الطوارئ وثقافته)، وجلّ من لم يدخل السجن من المثقفين السوريين اتجه إلى التثقيف الرياضي وحل الكلمات المتقاطعة. وليس ذلك التوجه عن سوء نية أو قلّة معرفة من قبلهم، بل لأن هذا بعض ما كان مسموحاً به ويلقى التشجيع الحكومي! ربما اتضح الآن ما عنيته حول تناقض الهويتين السورية واللبنانية. وبافتراض أن الكثير من القضايا الداخلية السورية ستبقى بلا حل، على الأقل على المدى المنظور، فإن السلطة قد تضطر عندئذ إلى تصدير بعض أزمتها إلى خارج ما، وليس لأن ذلك خيارها بل لأنه الممكن الوحيد، وربما يكون هذا هو من أسباب تمديدها للرئيس اللبناني إميل لحود.
أما مستقبل سوريا فهو رهن بعودتها إلى التاريخ ولا تاريخ خارج الراهن وهي عودة تتطلب العمل على بث الحياة في المجتمع وإعادة الاعتبار إليه.
يقول ياروزلسكي، ديكتاتور بولندا سابقاً: <<كان ثمة نهر عظيم، نهر التاريخ، مياهه محتجزة وراء صخرة، أو بالأحرى وراء كتلة عظيمة من الأحجار. غورباتشوف هو الرجل الذي أزاح الصخرة وسمح للمياه بأن تتدفق بحرية>>. باختصار، المطلوب من السوريين أن يفتحوا الطريق واسعاً أمام التاريخ وأن يعودوا إليه وإلا فلن يكون من بديل لهذا الواقع إلا (باب سد الذرائع) قانون طوارئ إسلامي.

* وُضع النص قبل جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري

March 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
24 25 26 27 28 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5720555

Please publish modules in offcanvas position.