الصفحة الرئيسية
n.png

ميخائيل عيد: معذرة على التقصير

أُبيّ حسن: "النور" العدد 229- 18 كانون الثاني أ ميخائيل عيد2006

ينتابيني, أحياناً الشعور بالذنب, وأحياناً أجد نفسي قليل الأصل, وأخشى ما أخشاه أن يكون من سماتي عدم الوفاء للأحبة.. هل يكفي هذا الاعتراف كي أبرر تقصيري تجاهك يا أبا عياد؟ كانت نيتي أن أكون من ضمن من رثاك, لكن (علّتي) أنّي لا أتقن (فن) الرثاء, فغيّرت رأيي و عزمت على أن أكتب عنك و عن بعض ما لمسته و عايشته من جمائل اتصفت بها, وربما تفردت, و عن بعض ما غرفته من نهر صفاء روحك التي تشبه ببياضها بياض شعرك الذي كان, و الذي فوجئنا ذات صباح بارد بغيابه و غياب روحك في آن, فمكثنا في أمكنتنا نمرن النفس على لوعة الفراق و الغياب.

مرة أخرى أقول لنفسي آن لي اكتب عمن عرفت فأحببت, فأتواطأ مع نفسي لأتلطى بذريعة انشغالي بالهم الوطني و الشبح الذي يطل برأسه على ماتبقى لنا من مساحة الوطن و مساحة الحلم متحيناً فرصة أخذنا إلى مجهول ما.

***

لا أدري متى و كيف تعرفت بالأديب الراحل ميخائيل عيد, كل ما أدريه أنّي أحببته مذ عرفته, و في كل مرة كنتُ ألتقيه, أحبه أكثر من المرة السابقة. كنتُ أرى فيه إنساناً ينطوي على أجمل ما في المسيحية (المحبة), وأنبل ما في الماركسية (العدالة الاجتماعية). و أوغل في معرفته عن قرب, فيزداد احترامي لشخصه و هو يحدثني عن أناس تفضلوا عليه في حياته قبالة صمته عن ذكر من تفضّل هو عليهم في حياته (وهم كثر على حد علمي). وأكثر من مرة ردد أمامي اسمين قدما له أفضالاً لا ينساها, هما الشاعر الراحل أحمد سليمان الأحمد و العماد مصطفى طلاس. فالأوّل كان له فضل أثناء شرائه للبيت الذي سكنه مع عائلته في مشروع دمر, من خلال حثّه على التسجيل في الجمعية السكنية للاتحاد, و الثاني ساعده في خدمة العلم التي أداها أوائل سبعينات القرن الماضي.

كان يُشعِر محدّثه بأن الناس قدموا له الكثير, في حين أنه هو ما زال مقصّراً بواجبه تجاه الآخرين الذين فُطرت نفسه على محبتهم.. لا يخامرني الشك في أنّ معدن التواضع الذي جبل عليه ميخائيل عيد هو الذي كان يدفعه لنكران محاسن صنعه وفضله على زيد أو عمرو من الناس قبالة ذكره لمحاسن الغير.

***

لا أدّعي اني قرأت كلّ ما خطّه قلم ميخائيل عيد من ترجمة وشعر و نقد, وإن كنت أزوره بين الحين و الآخر في زجلية (ورد و سنديان) التي لم أملّ من قراءتها بعد. و حقيقة لا أعرف السبب الذي لم يدفعني لقراءته كما يجب و كما يليق به.. أعلل, متواطئاً مع نفسي مرة أخرى, ربما السبب لأني عرفت الشاعر وأحاسيسه و وجيب نبض محبته عن قرب فاكتفيت.. نعم عرفته عن قرب غير أن هذا السبب غير كاف لتقصيري ذاك.

في إحدى محطّات رثائه تحدث الشاعر حسين حموي عن زيارة له إلى بلغاريا برفقة أبي عياد, و هناك طلب منه أبو عياد أن يرافقه في زيارة إلى قرية جبلية (لا أدري كم كيلو متراً تبعد عن صوفيا) حيث له فيها أصدقاء مذ كان طالباً في بلغاريا, وكان ذلك. و هناك في القرية فوجئ حسين حموي بالحفاوة التي استقبل بها أهالي القرية ميخائيل عيد.. كانوا يستقبلونه كابن لهم عاد إليهم بعد طول غياب.. و فعلاً من عرف ميخائيل عن قرب لن يستغرب أبداً تلك الحادثة التي تنطوي في دلالتها على الكثير مما انطوت عليه خميرة أبي عياد من نزوع إنساني.

رأيت ميخائيل عيد مرتين في حالة غضب, الأولى منها في مكتب الأديب عبد الكريم ناصيف في مبنى اتحاد الكتاب العرب, و قد كان منزعجاً من سرقة صغار الكتاب و الشعراء لأشعاره و ترجماته, والأنكى من ذلك أن بعضهم كان يلقيها في مهرجانات هو من المشاركين فيها! و قد شجعته في ذلك الحين على تفعيل الشكوى التي قدمها إلى الاتحاد الذي نام عليها, وإثارة الموضوع إعلامياً, لكنه على ما يبدو أثر الصمت.. و المرة الثانية في مبنى (النور) و قد كانت إحدى الكاتبات السوريّات(*) قد سرقت إحدى الروايات التي ترجمها ابنه عيّاد بانية عليها مسلسلاً درامياً. و طبعاً كالعادة لم يطالب ميخائيل بحقه أو جزء منه, ولم يتجه إلى القضاء لمقاصصة أحد, و أرجّح السبب أنّه لا يريد عداوات الناس أيّاً كان سببها.

منذ أن توفى الله ميخائيل عيد حتى لحظة كتابتي لهذه الكلمات لم أزر اتحاد الكتّاب إلا مرة واحدة فقط, وتحت ضغط الضرورة, و قد لا أكون مبالغاً إذ قلت: إنني أشعر بغرابة وجودي في مبنى افتقد دفء كلمة (خيي) التي كان ينادي بها ميخائيل ضيوفه وزائريه ليكسر الحاجز بينه و بين ضيفه أياً كان. و كي يعطي لتلك الكلمة أسمى أبعادها الإنسانية فعلاً لا قولاً فحسب, فقد كان يرفض أن يضع جرساً في مكتبه لمناداة المستخدم, قبالة إصراره على أن يخدم هو ضيفه بيديه الكريمتين كشتاءات المشتى التي حضن ترابها لطف ميخائيل و براءة الطفل فيه, فتراه مقدّماً لهذا الصديق الشاي, و القهوة لذاك.

***

اقترح الأستاذ عبد الكريم ونوس, في إحدى الحفلات التي أقيمت تكريماًً لأبي عياد إقامة نصب تذكاري له في بلدته مشتى الحلو, وقد كان لي شرف التوقيع على هذه اللفتة الكريمة التي لا أدري ماذا حلّ بها. و قد كان من ضمن الاقتراحات آنذاك, أنه في حال عدم استجابة بلدية مشتى الحلو لمبادرتنا بإقامة النصب, أن نشيده نحن أصدقاء ميخائيل و محبيه على نفقتنا الخاصة, تخليداً لذكرى شاعر أعطى الكثير و لم يأخذ سوى القليل في حياته و بعد مماته. ولعله من المناسب أن نبادر أيضاً للمطالبة بتسمية مدرسة أو شارع جميل من شوارع المشتى أو مدينة طرطوس باسم ميخائيل عيد.

(*) الكاتبة هي ريم حنا, وكان المسلسل من إخراج هيثم حقي

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

August 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
عدد الزيارات
3675754