الصفحة الرئيسية

أُبيّ حسن: الأوائل

نُشرت هذه المادة في زاوية "مواويل" بصحيفة "النور" العدد 330 تاريخ 20 شباط 2008, كما نُشرت في عدد من الصحف كـ("المستقبل" اللبنانية) والمجلات كـ"الشهر" السورية.

ما أن يغضب الله على أحدنا فيذهب في زيارة إلى صديق أو جار, ويرى مصادفة أحد أبناء صديقه أو جاره, فيسأل -تودداً أو تحبباً- عنه و عن دراسته, حتى يُصفع مباشرة بالجواب الحازم من الصديق المضيف, الذي سرعان ما يجيب ضيفه مشيداً بنباهة ولده  و عبقريته و تفرده -أو أولاده لا فرق- و تفوقه, مؤكداً بما لا يدع مجالاً للشك نبوغ الولد (حفظه الله), و أن ولده هو الأول في صفه, حتى ولو كان الأول من المؤخرة!أبي برمانا ت1 2009

قد تتكرر هذه الظاهرة خمس مرات في اليوم الواحد, في حال كان غضب الله شديداً على هذا الزائر أم ذاك, فغامر و أدّى خمساً مما يسمى واجبات اجتماعية!

كثيراً ما وقفتُ أمام هذه الظاهرة الاجتماعية بـ(امتياز), محاولاً تحليلها و الوقوف على أسبابها و مسبباتها, و سرّ احتفائنا و تشبثنا بـ(الأوّل) في كل شيء. غير أني كنت أصاب الخيبة! و برغم خيباتي المتتالية, تبيّن لي أن جذورها أعمق مما تصورت, وتشعباتها أكثر مما توهمت للمرة الأولى.

فعلى سبيل المثال لا الحصر, نجد أن هوسنا في أن نكون الأوائل (في كل شيء طبعاً), يكاد يشمل مختلف مجالات الحياة لدينا! و لا ينحصر ذلك (الهوس) في المجال الاجتماعي فحسب, فها هو ذا الإعلام العربي, الرسمي منه و الخاص وحتى الشعبي, لا يفتأ يردد معزوفة المروءة و النخوة و الشجاعة و الكرم و ماتبقى من صفات حميدة طالما اعتقدنا أنها حكر و وقف على العربي دون غيره من عباد الله! (من يدري, ربما تحقيقاً لقوله تعالى: "كنتم خير أمه أخرجت للناس"), هذا أثناء حديث ذلك الإعلام عن العادات و التقاليد العربية.

ولا شك أننا "لمسنا" تلك الصفات العربية "النبيلة" في طريقة تعاطي الشعب العربي مع أبناء جلدتهم في غزة, و المجازر المروعة التي يتعرضون لها على يد الاحتلال الإسرائيلي! يمكننا هنا أن نُذكّر بالمليون و نصف المليون شمعة التي أشعلها الدنماركيون تضامناً و تعاطفاً مع أبناء غزة, من خلال مسيرات جابوا فيها شوارع كوبنهاغن و سواها من مدن دنماركية, في الوقت الذي كان الشعب العربي يشاهدهم من منازله على شاشات التلفزة.

في السياق ذاته رأينا تلك "المزايا" و "الخصال" التي يدّعي العرب تفردهم فيها في مواقف ما يسمى بأنظمة عربية, إزاء ما جرى و يجري في فلسطين و العراق, و حتى حيال ما يجري في لبنان من فوضى (الفراغ) و تجاذبات سياسية تكاد تضعه هو الآخر مع أهليه في مهب الريح!

بقليل من التواضع, لا نغالي إذا قلنا إننا- نحن العرب- من الأوائل في الخضوع للإرادات الخارجية (الغربية طبعاً), و لافرق هنا بين (تقدمي) و (رجعي), الأمر الذي أدى تلقائياً أن نكون الأوائل كذلك في المظاهرات التي حطمنا رقماً قياسياً فيها, بحيث يؤهلنا بجدارة للدخول في مجموعة غينيس للأرقام القياسية.

ولا شك أننا الأوائل -الأولياء الأمر منا حصراً- في نهب قوت الشعوب و جمع الثروات, و كذلك القضايا المرتبطة آلياً بأمور كتلك, كي تكون عوامل مساعدة في النهب, كالقمع و الكبت, و ماتبقى من مسببات ينجم عنها أقل ما ينجم القهر و أمراض ليس دونها السكر و ارتفاع الضغط ناهيك بأمراض القلب. و على الرغم من هذا, فنحن الأوائل حقاً في كثرة الحديث و الثرثرة عن الحرية و العدالة الاجتماعية و المساواة و الديموقراطية و ماتبقى من قيم سامية نتبجح بوجودها لدينا (لفظياً طبعاً), إلى درجة المتاجرة بها.

وبما أن الحديث ما يزال عن الأوائل, يحضرني هنا الطلاب العرب الذين يدرسون في بلدان الخارج و جامعاته, سواء أكان أولئك الذين توفدهم حكوماتهم, أم من يذهب منهم على حساب والده الذي قد يكون منّ الله عليه بمنصب (يحلبه) في بلده... إذ أنك لن تسمع عن أولئك الطلاب إلا كل مايسرّ خاطرك و يجعلك تفتخر بأنك ولدت عربياً! فبالطبع, طلابنا هم الأوائل في مجال تخصصاتهم و دراساتهم, و تفوقهم طغى على الكل و بضمنهم أبناء البلد المضيف! 

حقيقة, الحديث عن ظاهرة ولعنا أن نكون الأوائل في كل شيء لا ينتهي, إذ يحتاج إلى أكثر من مقالة, وقد يحتاج في بعض جوانبه- على الأقل- إلى فلاسفة و علماء اجتماع, و ربما علماء نفس, بغية تحليل ثقافتنا التي تجعلنا شرهين بهذه (الأوائل). غير أن هذا لا يمنعنا من القول إن توهمنا أننا (الأوائل) في كل شيء أنسانا حقيقة نعيشها على مدار الساعة و منذ قرون, مفادها: إننا الأوائل حقاً, لكن في مؤخرة ركب الحضارة البشرية. ولا أخشى القول إننا بوصفنا عرباً قد نكون أول الأمم التي ستخرج من التاريخ, هذا اللهم إن كنّا قد دخلناه بعدُ!

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4368121