الصفحة الرئيسية
n.png

أُبيّ حسن: الخزينة و الألفيّة

نُشرت هذه المادة, في العدد 8 من جريدة "النور", بتاريخ 1 تموز 2001, في صفحة "شرفات للكلام", وهي أوّل مادة أنشرها في "النور".

***

يحكى, والله أعلم, أن قروياً بسيطاً من الجبال, نزل طرطوس, و في حوزته ألفيّة من العرق.

و الألفيةّ هي إناء زجاجي اسطواني الشكل, سعته خمس لترات- كان قد أنتجه بنفسه. و في أحد أسواق المدينة, وقف القروي عارضاً بضاعته, إلى أن جاءه طرطوسي و سأله:

-هل هذا العرق للبيع؟ و رشف رشفة من الألفيّة.

-نعم إنه للبيع.

-أليس مغشوشاً؟ و رشف رشفة أخرى.

-أنت تذوقته يا سيدي, ولابد أن تعرف إن كان مغشوشاً أم لا!

-هل وضعت عليه يانسون شامي أم حمصي؟ و جرع جرعة من الألفيّة.

-لا.. لا.. يا سيدي, إن يانسونه شامي المنشأ, ومن دارياً تحديداً.

-يظهر لي كذلك, من طعمه.. و جرع جرعة, و سأل:

- وهل العنب من ريف حمص؟ أم من سهول حوران؟ أم من مصياف؟ و عقب سؤاله برشفة لا بأس بها.

- لا من هنا ولا من هناك, إنه من عنب جبالنا يا أستاذ.

- إم! لم أكن أعلم أن عنبكم حلو المذاق إلى هذه الدرجة.. لكن لم تقل لي: هل سحبته على نار حطب هادئة؟ أم على الغاز المنزلي؟ و رشف رشفة أخرى.

على نار الحطب يا أفندي. و كانت ناره خفيفة, هادئة, كي لا يحترق العنب داخل القدر, كما تعلم؛ وكان العنب ينزل قطرة.. قطرة..

-إم!.. يبدو لي كذلك.. لكن لم تخبرني:

-هل جعلت العنب يختمر جيداً, في الأوعية المحكمة الإغلاق, قبل أن تحوّله إلى عرق؟ و رشف رشفة.

-طبعاً.. طبعاً يا بك.

-وعندما كان القدر على الحطب, هل كنت تغيّر ماء الوعاء العلوي للكلكة, كلما بلغت درجة حرارته الثلاثين؟ و جرع جرعة.

-كنت أُبدّل الماء قبل أن تصل درجة حرارته إلى الثلاثين يا آغا.. فاطمئن بضاعتي مكفولة من هذه الناحية.

-هل تعلم, أن عرقك لذيذ؟ و قد طاب لي! و رشف رشفة سابعة أو ثامنة, لم أعد أذكر.

-هذا لطف منك يا معالي الباشا.

-لا.. هذه حقيقة, وجرع جرعة لا بأس بها.

-إه.. شكراً لحضرتكم يا صاحب السمو..

-ولأنه لذيذ حقاً, فإني أرغب في شرائه, و جرع جرعة, لكنني حتى الآن لا أدري, هل تريد بيعه بزجاجته أم بدونها؟ و جرع جرعة.

-لن نختلف على هذه المسألة, حالما تنوي الشراء.

- و كم تريد ثمنه؟ و رشف رشفة.

- كذلك لن نختلف على ثمنه, حالما نعرف ما تبقى منه!

ما أريده من هذه الحكاية ما هو آت: يقال إنه عندنا مشاريع كثيرة قادمة, وما أكد على كثرة المشاريع ووفرتها -خصوصاً على الورق- هو الاستخدام المكثف لسين الاستقبال من الإعلام و المسؤولين على حد سواء. ما أتمناه أن لا يكون حال خزينتنا -خزينة الشعب- كحال ألفيّة العرق, لأننا نريد أن تصبح "السين" واقعاً.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

June 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
3193542