الصفحة الرئيسية

أُبيّ حسن: عن الفوبيا التي لم تعد إسلاميّة فحسب


من النادر أن يمر شهر، من دون أن يأتينا خبر من هذه الدولة الأوروبية أو تلك، ينمّ فحواه عن عداء مبطن (أو سافر) للمسلمين ودينهم. وبعض تلك الأخبار تترجم بمظاهر يرقى بعضها إلى مصاف العنصرية الفاضحة، مثال ذلك مقتل السيدة المصرية مروى الشربيني العام الماضي في ألمانيا على يد متطرف ألماني، وقبلها بأعوام أزمة الرسوم المسيئة للرسول العربي، ولا نعتقد أن آخرها سيكون في منع بناء المآذن في سويسرا نزولاً عند الاستفتاء السويسري الشهير أواخر العام المنصرم.

قبالة تلك المظاهر الغربية التي دانها بعض الأوروبيين ورجال الدين المسيحيين على حد سواء، يمكننا أن نحصي مثيلها أو ما يفوقها من مظاهر تحدث في الديار العربية الإسلامية، والإسلامية غير العربية. وهي مظاهر من شأنها أن تكرّس نظرة متطرفي الغرب عن الإسلام والمسلمين، ناهيك عن دورها في الإساءة إلى الإسلام ومعتنقيه!

التطرف واحد، سواء أكان مصدره غربياً أم شرقياً، مسيحياً أم إسلامياً، ونتائجه واحدة في كارثيتها ولا إنسانيتها الرافضة للآخر المختلف، والمفترض أن يكون اختلافه عني (وعنا وعنكم) مصدر غنى، لا مصدر خلاف وتنابز مستمرين. لكن إذا ما دققنا في جانبي التطرف الغربي (المسيحي)، والشرقي (الإسلامي)، وبقليل من الحياد، سنلحظ أن التطرف لدى بعض مسيحيي الغرب لا يجد حاضنة شرعية/سياسية له في الكنيسة، إذ لم يسبق أن سمعنا برجل كهنوت مسيحي بارك أعمال المتطرفين الغربيين وممارساتهم العنصرية ضد المسلمين في الغرب (نستثني من ذلك محاضرة البابا بندكتوس السادس عشر في سبتمبر 2006، علماً أن حديثه عن الإسلام فيها كان عبارة عن وجهة نظر قابلة للنقاش، وليس دعوة علنية لنبذ المسلمين أو التحريض ضدهم بأي شكل من الأشكال).

والمتأمل في بعض ما يجري في أوروبا اليوم سيلحظ أن من يقوم بحملات التحريض شبه المستمرة ضد المسلمين هي الأحزاب اليمينية وليس الكنائس، مثال ما جرى في سويسرا إبان استفتاء منع المآذن الذي لقي استنكاراً من قبل رأس الكنيسة الكاثوليكية، وسواها من رموز دينية مسيحية غربية بالدرجة الأولى، وتحديداً سويسرية.


إذاً، لم تجد الممارسات العنصرية الغربية ضد المسلمين حاضنة من قبل رجال اللاهوت المسيحي الغربي قدر ما لقيت نبذاً واستنكاراً، على نقيض معظم المتطرفين المسلمين الذين يجدون في خطب ومواقف وآراء بعض قادة العالم الإسلامي ما يحضهم بشكل أو بآخر على مثل ذلك التطرف.

وكي لا يبدو قولنا هذا ضبابياً، لا بأس من التوضيح قليلاً لنوجز مرادنا بالقول: عندما لا يدين شيخ إسلامي, ذو وزن, علناً وبوضوح الجرائم التي يرتكبها أمثال أسامة بن لادن، ونضال مالك حسن، وأمثالهما، والاكتفاء بالالتفاف حول الموضوع من خلال تقديم أجوبة ضبابية عامة لا تغني ولا تسمن، فهذا يعني أنهم ضمنياً يشجعون هذا النوع من الإرهاب، بل وليس من الصعب عليهم تبريره شرعاً إذا ما دعت الحاجة، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، لنا أن نتصور كيف سيكون واقع الحال، مثلاً، إذا ما كان رئيس «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين»، ومثله كثيرون، يحذر المسلمين بعدم جواز تهنئة النصارى بأعيادهم! ومن المؤكد أنني لست وحدي من سمع، أو قرأ ما سبق أن خطب به أحد رجال الدين، مستهجناً في خطبة جمعة وجود الكنائس والصلبان في البلاد التي فيها مسلمون، وهذا الشيخ نفسه نال في خطبته تلك من مرجعية دينية إسلامية عراقية، واصفاً إياه بالزنديق والفاجر، متغافلاً عن مقولة الإسلام الشهيرة «أدب الدين قبل الدين».

المفارقة أن السلطات السياسية الرسمية في بغداد ممثلة في شخص رئيس وزرائها نوري المالكي أدانت بذاءات ذلك الشيخ، لكن المالكي لم يعنه ما ذكره ذلك الرجل عن مسيحيي العراق من إهانات ومذلات، وكأن مسيحيي العراق لم يحظوا بشرف الانتماء إلى بلاد الرافدين بعدُ، وهم بمنأى عن حق المواطنة!

الحديث عن مظاهر التطرف، والتطرف المضاد يطول، وليس الغرض من هذه العجالة إجراء إحصائية في هذا الصدد، أو إدانة جهة بغية تبرئة أخرى، إذ التطرف وما ينجم عنه من سلبيات مرفوض أياً كان مصدره. لكن ما يزيد مخاوفنا هو حالة الاستفحال في رفض قبول الآخر المختلف عنا جنساً وعرقاً وديناً، ولهذه الحالة أسبابها التاريخية والموضوعية والذاتية. غير أن من المؤكد أن الفوبيا لم تعد «ميزة» إسلاميّة.

هذا المقال يُنشر في "الرأي" بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية»

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4368182