عمال مصر.. عيدهم ما زال مؤجلاً!

الخلفية الاجتماعية لـ «ثورة 25 يناير» كانت أقوى من أن يتجاهلها أي مراقب، إذ تركت بصمتها واضحة على اهم شعاراتها «عيش، حرية، عدالة اجتماعية». ودور العمال في الثورة أظهرته بقوة الإضرابات العمالية الضحمة قبل الثورة وأثناءها، لا سيما حركة النقابات المستقلة التي تحدت دولة مبارك وقانون الطوارئ.
برغم ذلك، ظلّت مطالب العمال مؤجلة منذ اندلاع الثورة، وحتى الآن، برغم تبدل الأنظمة الحاكمة.عامل مصري يتظاهر
وبرغم استمرار الحركة العمالية في المطالبة بالأجور العادلة، وعلاقات العمل المستقرة، وشروط العمل اللائق وحرية التنظيم، الا ان الأولوية ظلت، منذ «ثورة 25 يناير» وحتى الآن، للاستحقاقات السياسية والاستقرار الأمني ومواجهة الأزمة الاقتصادية.
بذلك، استمر تأجيل النظر في مطالب العمال الى حين الانتهاء من كل القضايا التي لا تنتهي أصلاً، حتى أن الإضرابات العمالية التي كان لها الفضل الكبير في الضغط على نظام حسني مبارك ومنعه من السيطرة على حراك الشارع المصري في سنواته الأخيرة، أصبحت تسمى «احتجاجات فئوية» لتمييزها عن الحراك السياسي، واعتبارها حركة لا تهدف سوى الى تحقيق مطالب خاصة تعوق تحقيق الأهداف الكبرى.
عشية عيد العمال، لا تبدو أوضاع العمال في مصر مختلفة بأي درجة عن أوضاعهم قبل «ثورة 25 يناير».
تصحيح الأجور كان المطلب الأهم للحركة العمالية قبل الثورة، لكن الدولة المصرية ما زالت تتجاهل تشكيل «المجلس القومي للأجور» المنصوص عليه قانونا لوضع الحد الأدنى الذي طالب به العمال. اكتفت السلطات المصرية، تحت ضغط الحركة العمالية، بإصدار قرار لا يطبق إلى على العاملين في القطاع العام، برفع الحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه فقط، مسقطة من حساباتها موجات التضخم التي خفضت بشدة قيمة الأجر الحقيقي، ومتجاهلة كذلك العاملين الذين لا ينطبق عليهم القرار، وهم الغالبية، مع العلم بأن تطبيق القرار نفسه في شباط في العام 2015، جاء بطريقة مشوّهة ادى الى ردود أفعال غاضبة من قبل العمال، أطاحت حكومة حازم الببلاوي.
وعلى صعيد الاستقرار في العمل، لم تعدل الدولة التشريعات التي تتيح فصل العمال من قبل أصحاب الأعمال، بل على العكس حاولت تعديل قانون العاملين في القطاع العام، على نحو يخفض درجة الاستقرار في العمل، التي تمتع بها هذا القطاع لفترة طويلة، حتى أن رئيس الجمهورية نفسه قال في إحدى خطبه إن القطاعات الحكومية يعمل فيها سبعة ملايين، فيما هي ليست في حاجة سوى الى مليون منهم، وهو ما اعتبر إيذانا بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار للعاملين في القطاعات الحكومية.
أما العاملين في القطاع الخاص، فالقانون الذي ينظم عملهم ويعطي لأصحاب الأعمال الحق في فصلهم يجري حالياً تعديله، وقد أظهرت مسودات القانون الجديد أن النص الجديد يتوسع في منح الصلاحيات لأصحاب العمل على حساب العمال.
الحق في التنظيم العمالي، والذي طالب به العمال قبل الثورة، وانتزعوه بالفعل عبر الإضرابات، تحاول الحكومة محاصرته عبر اضطهاد وملاحقة قيادات النقابات المستقلة، ونزع أي شريعة عنها، وتقوية اتحاد العمال الرسمي الموالي لها، حتى أن وزير القوى العاملة في الحكومة الجديدة قد تم اختياره من رجال الاتحاد الرسمي للعمال في إشارة الى انحياز الدولة للتنظيم الرسمي على حساب النقابات المستقلة.
ما نجح العمال في انتزاعه عبر حركتهم قبل الثورة، يجري الاعتداء عليه بشكل منهجي.
النقابي رفعت عرفات، الرئيس السابق للنقابة المستقلة لعمال مترو الأنفاق، يقول في حديث الى «السفير» إن «أوضاع العمال تتراجع بالفعل، وحتى ما حققوه من مكاسب في العام (2011)، يتم التراجع عنه».
ويوضح «الفصل الجماعي وإغلاق الشركات وتشريد العمال، واضطهاد النقابيين وتلفيق القضايا للنشطاء وملاحقتهم، كلها اصبحت ظواهر عامة».
ويتابع «كنت رئيسا للنقابة المستقلة لعمال المترو، وتقدمت بملفات فساد لوزير النقل، وهو دوري كنقابي، لكني فوجئت بقرار نقلي الى السكة الحديد»، مشيراً الى ان «ملاحقة الفساد والدفاع عن حقوق العمال أصبحت من بين الاسباب مباشرة للنقل والفصل والملاحقة».
ويضيف عرفات «التشريعات المتعلقة بعلاقات العمل التي يجري إعدادها الآن ستضيع حقوق العمال، والسلطة التنفيذية، وتركيبة البرلمان الحالي، كلاهما ضد العمال. كذلك فإنّ الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية الحالية تؤثر بالسلب على الحركة العمالية وتقلل من قدرتها على الضغط من أجل حقوق العمال، ومن أهم نتائجها ملاحقة القيادات العمالية والنقابية».
ربما تكون التشريعات العمالية التي يجري إعدادها الآن هي الأكثر تأثيرا في أوضاع عمال مصر، فقانون الوظيفة العامة الذي ينظم عمل سبعة ملايين موظف، والذي رفضه البرلمان، يجري تعديله، ولا توجد مؤشرات على تحسين نسخته النهائية. كذلك يجري إعداد قانون النقابات العمالية الذي سيقرر مصير الحق في التنظيم العمالي المستقل عن الدولة. وربما كان اختيار وزير القوى العاملة في الحكومة الجديدة من اتحاد العمال الرسمي مؤشرا على انحيازات الحكومة المصرية ضد النقابات المستقلة، في حين يجري اعداد قانون جديد للعاملين في القطاع الخاص، لا تبشر سياسات الدولة المنحازة للمستثمرين بأنه سيحمل خيراً، حيث ان المسودات التي ظهرت، تبين أنه أسوأ في ما يتعلق بحقوق العمال من القانون الحالي.
جمال عثمان، القيادي العمالي في «شركة طنطا للكتان»، يقول في حديث الى «السفير»: «من الواضح أن الوجوه تتغير والسياسات ثابتة. وبرغم تبدل وجوه السلطة على مدار السنوات الخمس الماضية ما زالت أوضاع العمال على حالها، إن لم تكن قد اصبحت اكثر سوءاً، فالمطالب المعلقة من قبل الثورة لم تتحقق، والحكومة لا تبدو معنية بمطالب العمال أو حقوقهم، ولا يختلف في هذا نظام عن آخر».
ويضيف عثمان «لا ينبغي التعويل على الحكومة أو البرلمان في ما يتعلق بحقوق العمال ومطالبهم، فالتجربة التي أكدتها السنوات العشر السابقة تؤكد أن الحركة العمالية والضغط الجماعي هما الطريق الوحيد لتحقيق مطالب العمال».
ويشير الى ان «العمال تمكنوا من تنظيم إضراباتهم في ظل قانون الطوارئ، واضطرت الدولة وقتئذ للإذعان والتفاوض معهم وتنفيذ مطالبهم. برغم ذلك. وقبل أن تسن السلطات تشريعاً عمالياً يتيح الحق في تأسيس نقابات مستقلة، أسس العمال نقاباتهم من رحم الإضرابات، بعدما تحولت لجان قيادة الإضرابات الى نقابات مستقلة اضطرت حكومات ما قبل الثورة للاعتراف بها والتفاوض معها».
ويشدد عثمان على أن «الحركة العمالية هي الطريق الوحيد لتحسين أوضاع العمال وظروفهم» وانه «لن يقوم بذلك أي أحد سوى العمال».
احتفلت الدولة المصرية يوم امس بعيد العمال، بكلمة القاها رئيس الجمهورية وسط لفيف من رجال الدولة وقيادات اتحاد العمال الرسمي. غابت عن الاحتفال الوجوه التي ظهرت في إضرابات العمال واعتصاماتهم، وعانت من التشريد والاضطهاد والسجن، بينما خلت مواقع العمل في مصر من الاحتفال بالأول من أيار، وظلت في انتظار وعد بتحقيق مطالب مرفوعة من سنوات، وهي مطالب ربما لن تجد سبيل الى تحقيقها لا في أروقة الحكومة ولا تحت قبة البرلمان.

مصطفى بسيوني
السفير
 

 

January 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 31 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
5137273

Please publish modules in offcanvas position.