nge.gif

    ما وراء استقالة محمد جواد ظريف

    كتب: د. أسامة اسماعيل- تكساس- فينكسأ جواد ظريف

    في خطوة مفاجئة، تقدم وزير الخارجية محمد جواد ظريف باستقالته من منصبه، بالتزامن مع استقبال المرشد الأعلى للرئيس بشار الأسد، ولقاء روحاني ومسئولي الحرس الثوري به دون علم وزير الخارجية الإيراني، وخلال وقت قصير، تم رفض استقالته وعاد مرة أخرى إلى منصبه، غير أن تلك الساعات التي حدثت فيها الأزمة، قد حملت دلائل ومؤشرات لأزمة كبيرة أكثر مما تمثله ظاهرها، يمكن فهم ذلك في سياق إشارة بعض المحللين إلي أن وزير الخارجية "جواد ظريف" قدم استقالته منذ حوالى أسبوعين ولكن لم يقبلها الرئيس الإيرانى "حسن روحانى" والمرشد الأعلى "على خامنئي"، ومن هنا أراد ظريف وضع السلطات الإيرانية أمام الأمر الواقع من خلال إعلانه الاستقالة عبر  حسابه على موقع التواصل الاجتماعي" إنستجرام".

    في السياق ذاته، ساهمت عوامل عدة في تكثيف الضغوط على وزير الخارجية الإيراني، بل على الرئيس نفسه بتعمد عدم اشراكهم في لقاءات زيارة الرئيس السوري "بشار الأسد" لطهران، التي جمعت المرشد الإيراني "على خامنئي و رئيس الحرس الثوري "قاسم سليماني"، اضطراب العلاقة بين المحافظين و الإصلاحين، فضلاً عن احراج ظريف دولياً برفض مجمع تشخيص مصلحة النظام انضمام طهران لاتفاقية "فاتف". و على الرغم من تراجع ظريف عن الاستقالة، ولكن الحدث ذاته يؤكد وجود أزمة حقيقية داخل نظام الجمهورية الإسلامية.

    أولاً- لماذ انستجرام؟!

    أشار عدد من الباحثين إلي ان اعلان جواد ظريف استقالته عبر انستجرام جاء بهدف احراج "حسن روحانى" وفرض سياسة الأمر الواقع على حكومته. كما أرفق ظريف طلب الاستقالة بصورة لقاء بشار الأسد مع روحانى و قاسم سيلمانى في إشارة إلى سياسة التهميش المتعمد قبل النظام الإيراني.

    من ناحية أخرى، أشار بعض الباحثين إلي أن اختيار ظريف لموقع التواصل الاجتماعى "انستجرام" بالتحديد بدلاً من تويتر أو فيسبوك، لأنه يعد من أكثر مواقع التواصل الاجتماعى رواجاً داخل الجمهورية الإسلامية. كما عن أنه يعد من المنصات القليلة غير المحظورة في إيران، و يهدف من خلال ذلك إلي إيصال رسالة إلي الشارع الإيراني و ليس إلي الساسة بالدرجة الأولى، في الوقت الذي أشار فيه البعض الأخر إلي أن نشر الاستقالة عبر موقع انستجرام كانت خطوة مقصودة من قبل ظريف و ليست عشوائية، لأنه سياسي محنك يعي جيداً ما يفعله(1).

    ثانياً- دلالات القرار

    تمثلت العوامل التي فسرت إقدام ظريف على هذه الخطوة تمثلت في التهميش المتعمد له من قبل المرشد الأعلى "على خامنئي"، تراجع العوائد الاقتصادية للاتفاق النووي وفرض عقوبات، ممارسة ضغوط كثيرة عليه نتيجة دوره داخل خطة العمل المشتركة الشاملة، احراجه دولياً برفض الانضمام إلي اتفاقية العمل المالي لغسيل الأموال وتمويل الإرهاب "فاتف"، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:-  

    1-  جدوى البقاء داخل الاتفاق النووى

    يمكن القول ان الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى في 18 مايو 2018 بمثابة القشة التى قسمت ظهر البعير بالنسبة لحكومة روحانى داخلياً و خارجياً؛ حيث عولت الحكومة الإيرانية على المكاسب الاقتصادية للاتفاق النووى، لكن رجعت إيران بعد الخروج الأمريكى من الاتفاق النووى إلي المربع صفر، بل ومازال الخيار الأفضل بالنسبة لها هو الالتزام ببنوده، لاسيما تجاه الدول الأوروبية و المنظمات الدولية. كما عادت الولايات المتحدة لفرض العقوبات الاقتصادية من جديد.

    نتيجة لما سبق، فشلت حكومة روحانى في الوفاء بأكبر عهد قطعته على نفسها و هو رفع العقوبات الاقتصادية وإعادة الانفتاح على المجتمع الدولى على كافة الأصعدة، فضلاً عن تحسين الوضع المعيشي للمواطنين؛ حيث بات الوضع المعيشى الإيراني متردى بشكل كبير على المستوى الداخلي و أصبحت طهران في موقف ضعيف خارجياً(2).    

    2-  خلافات بين المعتدلين والمتشددين

    يتمثل الاتجاه المتشدد داخل إيران في مجموعة من المؤسسات منها؛ مجلس تشخيص مصلحة النظام، مجلس صيانة الدستور، الذين يدعو الكثير منهم  إلي الانسحاب من الاتفاق النووي، وعدم الالتزام ببنوده، لاسيما بعد الانسحاب الأمركي. كما اتهم المتشددين ظريف بالتساهل وتقديم تنازلات كبيرة أمام الأوروبيين و الأمريكيين في ظل إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما"(3).

    وتعرض ظريف لبعض الضغوط من قبل النواب داخل البرلمان الإيراني تمثلت في؛ استدعائه للاستجواب اكثر من مرة، فضلاً عن توجيه الأمر ذاته للرئيس "روحاني"، مما أدي لإقالة بعض الوزراء داخل حكومته مثل وزير التجارة و الصناعة "محمد شريعتمدارى(4)".

    3-  إحراج ظريف دولياً ورفض الانضمام إلى "فاتف"

    أدى رفض مجمع تشخيص مصلحة النظام الانضمام لمعاهدة "فاتف" المتعلقة بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب إلي احراج ظريف دولياً، رغم الفرص الكثيرة التي قدمتها الدول الأوروبية لطهران من خلال القناة المالية الأوروبية التي دشنتها أوروبا في مقابل انضمام إيران لهذه الاتفاقية و التي تمحورت حول تجاوز العقوبات الأمريكية(5).

                   ومن هنا، أقرت الباحثة الإيرانية "فرح الزمان شوقي" أن خبر استقالة ظريف أربك الأوروبيين كثيراً، و كانت من الممكن أن تؤدى الاستقالة الفعلية إلى احتمال إنهاء العمل بالاتفاق النووي؛ لأنه كان بمثابة مهندس للاتفاق النووي، فضلاً عن أن وجوده ضمن المعسكر المعتدل و انفتاحه الكبير على الخارج، دراسته في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، عمله بمنظمة الأمم المتحدة، اسهم كثيراً في تسهيل كثير من المهمات الأوروبية مع إيران(6).  

    ثالثاً- مستقبل حكومة "روحاني" في ظل الانقسامات الداخلية

    اعتذر ظريف للشعب الإيراني خلال تقديمه لمقترح الاستقالة التي تم التراجع عنها عن الوعود التى لم يستطع الوفاء بها نحو الشعب الإيرانى في ظل حكومة روحانى و لاسيما بعد الخروج الأمريكى من الاتفاق النووى، ورغبة الإدارة الأمريكية في تقليم اظافر النظام الإيرانى عبر الحد من نفوذه إقليميا، و هو ما لا يتفق مع وجهة نظر المتشددين داخل الجمهورية الإسلامية و أبرزها الحرس الثورى؛ حيث وصف ظريف الصراع بين الفصائل الإيرانية بالسم القاتل على السياسة الخارجية.

    ومن هنا، ستتأثر حكومة "روحاني" سلبا حتى بعد تراجع ظريف عن الاستقالة لان هذا الحدث من شأنه الكشف عن عمق الأزمة التي تتعرض لها الجمهورية الإسلامية، وفشل النظام الإيراني في احتواء الصراعات الموجودة داخل الساحة السياسية.

    ختاماً: ينبىء إعلان استقالة ظريف في هذا الوقت الحرج من تاريخ الجمهورية الإسلامية بمواجهة إيران لضغوط كثيرة في مختلف الملفات، واحتدام الصراعات بين الفصائل السياسية، في ظل فقدان الثقة المتبادلة بين الأوروبين و حكومة روحاني، سيما بعد رفض مجمع تشخيص مصلحة النظام لتوقيع اتفاقية "فاتف" في مقابل تفعيل الألية المالية التى دشنتها الدول الأوروبية لتجاوز العقوبات الأمريكية على طهران.

    May 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    28 29 30 1 2 3 4
    5 6 7 8 9 10 11
    12 13 14 15 16 17 18
    19 20 21 22 23 24 25
    26 27 28 29 30 31 1

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    6348536

    Please publish modules in offcanvas position.